page 140, entry [177]Open original source
أخلاقه ﷺ: سُئلتْ عائشة رضي الله تعالى عنها، عَنهُ، فقالتْ: كان خُلُقُه القرآن؛ يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها، إلا أن تُنهك حُرمات الله، فيغضب الله، وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد. وكان أشجع الناس، وأسخاهم، وأجودهم، ما سئل، فقال: لا، ولا يبت في بيته دينار ولا درهم، فإن فضل، ولم يجد من يأخذه، وفجأه الليل، لم يرجع إلى منزله حتى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت أهله عامًا فقط، من أيسر ما يجد من التمر والشعير، ثم يؤثر من قوت أهله، حتى ربما احتاج قبل انقضاء العام. وكان من أحلم الناس، وأشدّ حياء من العذراء في خدرها، خافض الطرف، نظرهُ الملاحظة.وكان أكثر الناس تواضعًا، يجيب من دعاه من غنى أو فقير، أو حر أو عبد. وكان أرحم الناس، يصغي الإناء للهرة، وما يرفعه حتى تَرْوَى، رحمة لها. وكان أعفّ الناس، وأشدّهم إكرامًا لأصحابه، لا يمدّ رجليه بينهم، ويوسع عليهم إذا ضاق المكان، ولم تكن ركبتاه تتقدم ركبة جليسه، له رفقاء يحفون به، وإن قال أنصتوا له، وإن أمر تبادروا لأمره، ويتحمل لأصحابه، ويتفقدهم، ويسأل عنهم، فمن مرض عاده، ومن غاب دعا له، ومن مات استرجع فيه، وأتبعه الدعاء له، ومن تخوّف أن يكون وجد في نفسه شيئًا، انطلق إليه حتى يأتيه في منزله، ويخرج إلى بساتين أصحابه، ويأكل ضيافتهم، ويتألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل، ولا يطوي بشره عن أحد، ولا يجفو عليه، ويقبل معذرة المعتذر إليه، والضعيف والقوي عنده في الحق سواء، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه، ويقول: "خلوا ظهري للملائكة". ولا يدع أحد يمشي معه وهو راكب، حتى يحمله، فإن أبى قال: تقدمني إلى المكان الفلاني. ويخدم من خدمه، وله عبيد وإماء، ولا يرتفع عنهم في مأكل ولا ملبس. قال أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه: خدمته نحوا من عشر سنين، فوالله ما صحبته في حضر ولا سفر لأخدمه إلا كانت خدمته لي أكثر من خدمتي له، وما قال لي: أفّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلتَ كذا، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلتَ كذا. وكان رسول الله ﷺ في سفرٍ، فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله، عليَّ ذبحها. وقال آخر: عليَّ سلخها. وقال آخر: عليَّ طبخها.فقال رسول الله ﷺ: "وعَلَيَّ جمع الحطبِ". فقالوا: يا رسول الله، نحن نكفيك. فقال: "قد علمت أنكم تكفونني، ولكن أكره أن أتميز عليكم؛ فإن الله يكره من عبده أن يراه مُتميزًا بين أصحابه، وقام، فجمع الحطب. وكان في سفر، فنزل إلى الصلاة، ثم كرَّ راجعًا. فقيل: يا رسول الله، أين تريد؟ فقال: "أعقل ناقتي". فقالوا: نحن نعقلها. قال: "لا يستعن أحدكم بالناس، ولو في قضمة من سواك". وكان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث انتهى به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطى كل أحد من جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم ﷺ حتى يقوم الذي جلس إليه، إلا أن يستعجله أمر، فيستأذنه، ولا يقابل أحدًا بما يكره، ولا يجزي السيئة بمثلها، بل يعفو، ويصفح. وكان يعود المرضى، ويحبّ المسكين، ويجالسُهم، ويشهدُ جنائزهم، ولا يحقرُ فقيرًا لفقره، ولا يهابُ ملكًا لملكه. يُعظم النعمة وإن قلت، ولا يذمّ منها شيئًا، ما عاب طعامًا قط؛ إن اشتهاه أكله، وإلا تركه. وكان يحفظ جارَه، ويكرم ضيفَه. وكان أكثر الناس تبسّمًا، وأحسنهم بشرًا، ولا يمضى له وقت في غير عمل لله، أو في ما لا بد منه، وما خيّر بين أمرين، إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون فيه قطيعة رحم، فيكون أبعد الناس منه. يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويركب الفرس والبغل والحمار، ويردف خلفه عبده، أو غيره، ويمسح وجه فرسه بطرف كمّه، أو بطرف ردائه.وكان يحبّ الفأل، ويكره الطيرة، وإذا جاءه ما يحبّ قال: "الحمد لله رب العالمين"، وإذا جاءه ما يكره، قال: "الحمد لله على كل حال". وإذا رفع الطعام من بين يديه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وأوانا، وجعلنا مُسلمين". وأكثر جلوسه مستقبل القبلة. ويكثر الذكر، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة. ويستغفر في المجلس الواحد مائة مرة. وكان يسمع لصدره وهو في الصلاة أزيز كأزيز المرجل من البكاء. وكان يقوم حتى ترم قدماه. وكان يصوم الاثنين، والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وعاشوراء. وقلما كان يفطر يوم الجمعة، وأكثر صيامه شعبان. وفي "الصحيحين"، من رواية أنس رضى الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم. وكان ﵊ تنام عيناه، ولا ينام قلبه، انتظارًا للوحي. وإذا نام نفخ، ولا يغط. وإذا رأى في منامه ما يكره قال: "هو الله لا شريك له". وإذا أخذ مضجعه قال: "ربِ قني عذابك يوم تبعث عبادك". وإذا استيقظَ قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور". وكان لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية، ويكافئ عليها، ولا يتأنق في مأكل، ويعصب على بطنه الحجر من الجوع، وأتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، فلم يقبلها، واختارَ الآخرة، وأكل الخبز بالخل، وقال: "نعم الإدام الخل"، وأكل لحم الدجاج، ولحم الحُبارى، وكان يأكل ما وجد، ولا يردّ ما حضر، ولا يتكلّف ما لم يحضر، ولا يتورّع عن مطعم حلال؛ إن وجد تمرًا دون خبز أكله، وإن وجد حُلوًا أو عسلًا أكله.وكأن أحبّ الشراب إليه الحلو البارد. وقال لأبي الهيثم بن التَّيْهان: "كأنك علمت حُبَّنا للَّحْم". وكان لا يأكل متكئًا، ولا على خوان، لم يشبع من خبز برُ ثلاثًا تباعًا، حتى لقى الله ﷿ إيثارًا على نفسه، لا فقرًا ولا بخلًا، ويجيب الوليمة، ويجيب دعوة العبد والحر، ويقبل الهدايا ولو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب، وكان يحبّ الدبَّاء، والذراع من الشا، وقال: "كلوا الزيت، وادهنوا به، فأنه من شجرة مباركة"، وكان يأكل بأصابعه الثلاث، ويلعقهن، منديله باطن قدميه، وأكل خبز الشعير بالتمر، والبطيخ بالرطب، والقثاء بالرطب، والتمر بالزبد، وكان يحبّ الحلواء والعسل. ويشرب قاعدًا، وربما شرب قائمًا، ويتنفَّس ثلاثًا مبينًا للإناء، ويبدأ بمَنْ عن يمينه إذا سقاه، وشرب لبنًا، وقال: "من أطعمه الله طعامًا، فليقل: اللهم بارك فيه، وأطعمنا خيرًا منه، ومن سقاه لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا وزدنا منه". وقال: "ليس شيء يُجزى مكان الطعام والشراب غير اللبن". قال ابن حزم: وشرب النبيذ الحلو. قال الصلاح الصفدي: تفسيره الماء الذي ينبذُ فيه التمرات اليسيرة ليحلو. وكان يلبس الصوف، وينتعل المخصوف، ولا يتأّنق في ملبس، وأحبّ اللباس إليه الحِبرة من "اليمن"، فيها حمرة وبياض، وأحبّ الثياب إليه القميص، ويقول إذا لبس ثوبًا استجده: "اللهم لك الحمد كما ألبستنيه، أسألك خيره، وخير ما صنع، وأعوذ بك من شرّه، وشرّ ما صُنع"، وتعجبه الثياب الخضر، وربما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره، ويعقد طرفه بين كتفيه. ويلبس يوم الجمعة برده الأحمر، ويعتم.ويلبس خاتمًا من فضة، نقشه "محمد رسول الله" في خنصره الأيمن، وربما جعله في الأيسر. ويحبّ الطيب، ويكره الرائحة الكريهة. ويقول: "إن الله جعل لذّتي في النساء والطيب، وجعل قرّة عيني في الصلاة". وكان يتطيّب بالغالية والمسك، أو المسك وحده، ويتبخّر بالعود والكافور، ويكتحل بالإثمد، وربما اكتحل وهو صائم، ويُكثر دهن رأسه ولحيته، ويدهن غبا، ويكتحل وترًا. ويحبّ التيمّن في ترجّله، وفي ظهوره، وفي شأنه كله. وينظر في المرآة، ولا تفارقه قارورة الدهن في سفره، والمكحلة، والمرآة، والمشط، والمقراض، والسواك، والإبرة، والخيط. ويستاك في الليلة ثلاثة مرات، وقبل النوم، وبعده، وعند القيام لِورده، وعند الخروج لصلاة الصبح، وكان يحتجم. وكان يمزح ولا يقول: إلا حقًا، وجاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، احملنى على جمل. فقال: "أحملك على ولد الناقة". قالت: لا يطيقني. فقال لها الناس: وهل الجمل إلا ولد الناقة! وجاءتْه امرأةٌ، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي مريض، وهو يدعوك. فقال: "لعل زوجك الذي في عينيه بياض". فرجعتْ، وفتحتْ عين زوجها، فقال: ما لك؟ قالت: أخبرني رسول الله ﷺ أن في عينيك بياضًا. فقال: وهل أحد إلا في عينيه بياض.وقالتْ أخرى: يا رسول الله، ادْع الله لي أن يُدخلني الجنة. فقال: "يا أمَّ فلان، إن الجنة لا يدخلها عجوز". فولت المرأة، وهي تبكي، فقال ﷺ: "أخبروها أنها لا تدخل الجنة وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا﴾. قد جمع الله له كمال الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وحسبك ما أثنى عليه في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وآتاه الله علم الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز، وهو أمّي، لا يكتب، ولا يقرأ، ولا معلم له من البشر، ونشأ في بلاد الجهل والصحارى، وآتاه ما لم يؤت أحدًا من العالمين، واختاره على الأولين والآخرين، ﷺ.