page 147, entry [90]Open original source
الفصل الثالث في بيان حال الصحابة من العدالة اتفق أهل السنّة على أنّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة. وقد ذكر الخطيب في «الكفاية» فصلا نفيسا في ذلك، فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللَّه لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] . وقوله: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة: ١٤٣] . وقوله: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: ١٨] . وقوله: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة: ١٠٠] . وقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤] . وقوله: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ... إلى قوله: إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ٨: ١٠]- في آيات كثيرة يطول ذكرها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل اللَّه له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من اللَّه ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد، ونصرة الإسلام. وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأبناء [ (١) ] ، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين- القطع على تعديلهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم. هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتمد قوله. ثم روى بسنده إلى أبي زرعة الرّازيّ، قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حقّ، والقرآن حق، وما جاء به حق،وإنما أدى إلينا ذلك كلّه الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا] [ (١) ] ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة. انتهى. والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة، من أدلها على المقصود ما رواه الترمذي وابن حبان في «صحيحه» ، من حديث عبد اللَّه بن مغفّل، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «اللَّه اللَّه في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا، فمن أحبّهم فبحبي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه» [ (٢) ] . وقال أبو محمّد بن حزم: الصحابة كلّهم من أهل الجنة قطعا، قال اللَّه تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [الحديد: ١٠] . وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] . فثبت أن الجميع من أهل الجنة، وأنه لا يدخل أحد منهم النار، لأنهم المخاطبون بالآية السابقة. فإن قيل: التقييد بالإنفاق والقتال يخرج من لم يتصف بذلك، وكذلك التقييد بالإحسان في الآية السابقة، وهي [ (٣) ] قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ [التوبة: ١٠٠] الآية- يخرج من لم يتصف بذلك، وهي من أصرح ما ورد في المقصود، ولهذا قال المازري في «شرح البرهان» : لسنا نعني بقولنا: الصحابة عدول- كلّ من رآه صلّى اللَّه تعالى عليه وعلى آله وسلم يوما ما، أو زاره لماما [ (٤) ] ، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب، وإنما نعني به الذين لازموه وعزّروه ونصروه، واتبعوا النور الّذي أنزل معه أولئك هم المفلحون. انتهى. والجواب عن ذلك أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، وإلا فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو القوّة. وأما كلام المازري فلم يوافق عليه، بل اعترضهجماعة من الفضلاء. وقال الشيخ صلاح الدين العلائي: هو قول غريب يخرج كثيرا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة، كوائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص، وغيرهم، ممن وفد عليه ﷺ ولم يقم عنده إلا قليلا وانصرف، وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد، ولم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل. والقول بالتعميم هو الّذي صرح به الجمهور، وهو المعتبر. واللَّه ﷾ أعلم. وقد كان تعظيم الصحابة- ولو كان اجتماعهم به ﷺ قليلا- مقررا عند الخلفاء الراشدين وغيرهم، فمن ذلك ما قرأت في كتاب «أخبار الخوارج» تأليف محمد بن قدامة المروزي بخط بعض من سمعه منه [ (١) ] في سنة سبع وأربعين ومائتين، قال: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا زهير- هو الجعفي- عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي، قال: كنت عند أبي سعيد الخدريّ، وقرأت على أبي الحسن علي بن أحمد المرادي بدمشق [ (٢) ] ، عن زينب بنت الكمال سماعا، عن يحيى بن القميرة، إجازة، عن شهدة الكاتبة سماعا. قالت: أخبرنا الحسين بن أحمد بن طلحة، أخبرنا أبو عمر بن مهدي، حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب، حدثنا جدي يعقوب بن شيبة. حدثنا محمد بن سعيد القزويني أبو سعيد، حدثنا أبو خيثمة زهير بن معاوية الجعفي، عن الأسود- يعني ابن قيس- عن نبيح- يعني العنزي- عن أبي سعيد الخدريّ، قال: كنا عنده وهو متّكئ، فذكرنا عليا ومعاوية، فتناول رجل معاوية، فاستوى أبو سعيد الخدريّ جالسا، ثم قال: كنا ننزل رفاقا مع رسول اللَّه ﷺ، فكنّا في رفقة فيها أبو بكر، فنزلنا على أهل أبيات، وفيهم امرأة حبلى، ومعنا رجل من أهل البادية، فقال للمرأة الحامل: أيسرّك أن تلدي غلاما؟ قالت: نعم. قال: إن أعطيتني شاة ولدت غلاما. فأعطته. فسجع لها أسجاعا، ثم عمد إلى الشاة فذبحها وطبخها، وجلسنا نأكل منها، ومعنا أبو بكر، فلما علم بالقصة قام فتقيّأ كل شيء أكل. قال: ثم رأيت ذلك البدويّ أتي به عمر بن الخطاب وقد هجا الأنصار، فقال لهم عمر: لولا أن له صحبة من رسول اللَّه ﷺ ما أدري ما نال فيها [لكفيتكموه] [ (٣) ] ولكن له صحبة من رسول اللَّه ﷺ.لفظ عليّ بن الجعد: ورجال هذا الحديث ثقات، وقد توقف عمر ﵁ عن معاتبته فضلا عن معاقبته. لكونه علم أنه لقي النبي ﷺ. وفي ذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أنّ شأن الصحبة لا يعدله شيء. كما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدريّ من قوله ﷺ: «والّذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه [ (١) ] » . وتواتر عنه ﷺ قوله: «خير النّاس قرني ثمّ الّذين يلونهم» [ (٢) ] . قال بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ: «أنتم توفون سبعين أمّة أنتم خيرها وأكرمها على اللَّه ﷿» [ (٣) ] . وروى البزّار في مسندة بسند رجاله موثقون من حديث سعيد بن المسيب. عن جابر [ (٤) ] ، قال رسول اللَّه ﷺ: «إنّ اللَّه اختار أصحابي على الثّقلين [ (٥) ] سوى النّبيّين والمرسلين» [ (٦) ] . وقال عبد اللَّه بن هاشم الطّوسيّ: حدثنا وكيع، قال: سمعت سفيان يقول في قوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [النمل: ٥٩]- قال: هم أصحابمحمد ﷺ. والأخبار في هذا كثيرة جدا فلنقتصر [ (١) ] على هذا القدر ففيه مقنع.