page 2726, entry [6201]Open original source
٥٨٦٢ - أَبو ذَرَ الغِفَارِيّ (ب) أَبو ذَرَ الغِفَارِيّ. اختلف في اسمه اختلافاً كثيراً، فقيل: جُندَب بن جُنَادة، وهو أكثر وأصح ما قيل فيه. وقيل: برير بن عبد اللَّه، وبُرَير بن جنادة، وبريرة بن عِشْرِقة، وقيل: جُنْدَب بن عبد اللَّه، وقيل: جندب بن سَكن. والمشهور جُندَب بن جنادة بن قيس ابن عمرو بنُ مُليل بن صُعَير بن حَرَامِ بن غفار. وقيل: جُنْدَبُ بنُ جُنَادَةَ بن سفيان (¬٣) ابن عُبَيد بن حَرَامِ بن غِفار بن مُلَيل بن ضمْرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة ابن مُدرِكَةَ الغفاري. وأُمّه رَمْلة (¬٤) بنت الوقيعة، من بنى غفار أيضا.وكان أبو ذر من كبار الصحابة وفضلائهم، قديم الإسلام. يقال: أسلم بعد أربعة وكان خامساً، ثم انصرف إلى بلاد قومه وأقام بها، حتى قدم على رسول اللَّه ﷺ المدينة. أخبرنا غير واحد بإِسنادهم إِلى محمد بن إِسماعيل: حدثنا عَمْرو بن عباس، أنبأنا عبد الرحمن بن مَهْدِيّ، حدثنا المثنى، عن أبي جَمْرَة (¬١)، عن ابن عباس قال: لما بَلَغَ أبَا ذر مبعثُ النبي ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي عِلْمَ هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني. فانطلق الأخ حتى قدم وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاماً ما هو بالشعرْ. فقال: ما شَفَيتني مما أردت. فتزوّد وحمل شَنَّةً (¬٢) له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي ﷺ وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل، اضطجع (¬٣) فرآه عليّ، فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبَه عن شيءٍ حتى أصبح، ثم احتمل قِرْبَتَه وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمر به عَلِيّ فقال: ما آن (¬٤) للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه (¬٥) فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيءٍ، حتى [إذا] (¬٦) كان اليوم الثالث فعلَ مثلَ ذلك فأقامه [عليٌّ معه (¬٧)] ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لَتُرشِدَنِّي فعلت. ففعل، فأخبره قال: إنه حق، وإنه رسول اللَّه ﷺ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي. ففعل، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه. فقال له النبي ﷺ: ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري. قال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته.: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً عبده ورسوله. فقام القوم إليه فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكبّ عليهوقال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه طريق تجاركم إلى الشام؟ فأنقذه منهم ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه (¬١). وروينا في إسلامه الحديث الطويل المشهور، وتركناه خوف التطويل. وتوفى أبو ذر بالرَّبَذة سنة إحدى وثلاثين، أو اثنتين وثلاثين. وصلى عليه عبد اللَّه ابن مسعود، ثم مات بعده في ذلك العام. وقال النبي ﷺ: «أبو ذر في أمتي على زهد عيسى ابن مريم». وقال علي: وعى أبو ذر علماً عجز الناس عنه، ثم أوكيْ (¬٢) عليه فلم يُخرِج منه شيئاً. أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس، عن ابن إسحاق قال: حدثني بُرَيدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن مسعود قال: لما سار رسول اللَّه ﷺ إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل، فيقولون: يا رسول اللَّه، تخلف فلان. فيقول: دعوه، إن يكن فيه خير فسيلحقه اللَّه بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم اللَّه منه. حتى قيل: يا رسول اللَّه، تخلف أبو ذر. فقال رسول اللَّه ﷺ ما كان يقوله، فتلوَّم (¬٣) أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخَذَ متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يَتْبَع رسول اللَّه ﷺ ماشياً، ونظر ناظر من المسلمين فقال: إن هذا الرجل يمشي على الطريق، فقال رسول اللَّه ﷺ: كن أبا ذر. فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول اللَّه، هو واللَّه أبو ذر. فقال رسول اللَّه ﷺ: «يرحم اللَّه أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويحشر وحده» (¬٤). فضرب الدهر من ضربه. وسير أبو ذر إلى الرَّبَذَة. وفي ذكر موته، وصلاة عبد اللَّه بن مسعود عليه، ومن كان معه في موته، ومقامه بالرَّبذة، أحاديث لا نطول بذكرها. وكان أبو ذر طويلاً عظيماً. أخرجه أبو عمر.