page 1581, entry [3814]Open original source
٣٥٨٨ - عُثْمانُ بن مَظْعُون (ب د ع) عُثْمان بن مَظْعون بن حَبِيب بن وَهْب بن حُذَافة بن جُمَح بن عمرو بن هُصَيص ابن كعب بنُ لُؤيّ بن غالب القرشي الجُمَحي. يكنى أبا السائب، أمه سخيلة بنت العنبس ابن أهبان بن حُذَافة بن جُمَح، وهي أم السائب وعبد اللَّه ابني مظعون (¬١). أسلم أول الإسلام، قال ابن إسحاق: أسلم عثمان بن مظعون بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب الهجرة الأولى مع جماعة من المسلمين، فبلغهم وهم بالحبشة أن قريشاً قد أسلمت فعادوا. أخبرنا أبو جعفر بن السمين بإسناده إلى يونس بن بكَير عن ابن إسحاق قال: فلما بلغ من بالحبشة سجُود أهل مكة مع رسول اللَّه ﷺ أقبلوا ومن شاء اللَّه منهم، وهم يرون أنهم قد تابعوا النبي ﷺ. فلما دنوا من مكة بلغهم الأمر فَثَقُل عليهم أن يرجعوا، وتخوفوا أن يدخلوا مكة بغير جوار، فمكثوا حتى دخل كل رجل منهم بجوار من بعض أهل مكة، وقدم عثمان ابن مظعون بجوار الوليد بن المغيرة (¬٢). قال ابن إسحاق: فحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عمن حدثه قال: لما رأى عثمان ما يلقى رسول اللَّه ﷺ وأصحابه من الأذى، وهو يغدو ويروح بأمان الوليد بن المغيرة، قال عثمان: واللَّه إن عدوّى وَرَواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل بيتي (¬٣) يلقون البلاء والأذى في اللَّه ما لا يصيبني - لنقص شديد في نفسي. فمضى إلى الوليد بن المغيرة فقال: يا أبا عبد شمس، وَفَت ذِمَّتك، قد كنت في جِوارك، وقد أحببت أن أخرج منه إلى رسول اللَّه ﷺ، فلي به وأصحابه أُسوةٌ، فقال الوليد: فلعلك - يا ابن أخي - أُوذيت أو انتهِكْتَ؟ قال: لا، ولكن أرضى بجوار اللَّه، ولا أُريد أن أستجير بغيره! قال: فانطلقْ إلى المسجد، فاردُدْ علي جواري علانيةً كما أجرتُك علانية! فقال: انطلق،فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان بن مظعون قد جاء ليرد عليّ جواري. فقال عثمان: صدق، وقد وجدته وفياً كريم الجِوَار، وقد أحببت أن لا أستجير بغير اللَّه ﷿، وقد رددت عليه جواره. ثم انصرف عثمان بن مظعون، ولبيدُ بن ربيعة بن جعفر بن كلاب القيمي في مجلس قريش، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد وهو ينشدهم: ألَا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلَا اللَّه باطِلُ (¬١) فقال عثمان: صدقت. قال لبيد: وكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحَالَةَ زائل فقال عثمان: كذبت، فالتفت القوم إليه فقالوا للبيد: أعِدْ علينا. فأعاد لبيد، وأعاد له عثمان بتكذيبه مرة وبتصديقه مرة، وإنما يعني عثمان إذا قال: «كذبت»، يعني نَعِيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: واللَّه - يا معشر قريش - ما كانت مجالسكم هكذا! فقام سفيه منهم إلى عثمان بن مظعون فلطم عينه، فاخْضَرَّت، فقال له من حوله: واللَّه يا عثمان لقد كنتَ في ذِمَّة منيعة وكانت عينك غنية عما لقيت! فقال عثمان: جوار اللَّه آمن وأعَزُّ وعيني الصحيحة فقيرة إلى ما لقيت أُختها ولي برسول اللَّه ﷺ وبمن آمن معه أُسوة. فقال الوليد: هل لك في جواري؟ فقال عثمان: لا أرَبَ لي في جوار أحد إلا في جوار اللَّه (¬٢). ثم هاجر عثمان إلى المدينة، وشهد بدراً. وكان من أشد الناس اجتهاداً في العبادة، يصوم النهار ويقوم الليل، ويجتنب الشهوات، ويعتزل النساء، واستأذن رسول اللَّه ﷺ في التبتل والاختصاءِ (¬٣)، فنهاه عن ذلك. وهو ممن حرم الخمر على نفسه، وقال: لا أشرب شراباً يُذْهِب عقلي، ويُضْحك بي من هو أدنى مني. وهو أول رجل مات بالمدينة من المهاجرين، مات سنة اثنتين من الهجرة، قيل: توفى بعد اثنتين وعشرين شهراً بعد شهوده بدراً، وهو أول من دفن بالبقيع أخبرنا إبراهيم بن محمد بن مهران وغيره قالوا بإسنادهم إلى محمد بن عيسى قال: حدثنا محمد بن بَشَّار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد اللَّه،عن القاسم بن محمد، عن عائشة: أن النبي ﷺ قَبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي، وعيناه تهراقان (¬١). ولما توفي إبراهيم بن رسول اللَّه ﷺ قال رسول اللَّه ﷺ: «الحق بالسلف الصالح عثمان ابن مظعون». وروى أن النبي ﷺ قال ذاك لابنته زينب ﵍. وأعلم النبي ﷺ على قبره بحجر، وكان يزوره. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ دخل على عثمان بن مظعون حين مات، فانكب عليه ورفع رأسه، ثم حنى الثانية، ثم حنى الثالثة، ثم رفع رأسه وله شهيق وقال: اذهب عنك أبا السائب. خرجتَ منها ولم تلبس منها بشيءٍ (¬٢) وروى يوسف بن مِهْران عن ابن عباس قال: لما مات عثمان بن مظعون قالت امرأته: هنيئاً لك الجنة! فنظر رسول اللَّه ﷺ نظر المُغْضَب، وقال: وما يدريك؟ فقالت: يا رسول اللَّه، فارسك وصاحبك! فقال رسول اللَّه ﷺ: إني رسول اللَّه، وما أدري ما يفعل بي! واختلف الناس في المرأة التي قال لها رسول اللَّه ﷺ هذا، فقيل: كانت أُم السائب زوجته. وقيل: أم العلاء الأنصارية، وكان نزل عليها. وقيل: كانت أُم خارجة بن (¬٣) زيد، وقالت امرأته ترثيه: يا عينُ جُودِي بدَمْعٍ غيرِ مَمْنُونِ … على رَزِيَّةِ عثمان بن مَظْعُونِ عَلَى امرئٍ باتَ في رِضْوانِ خَالِقِه … طُوبَى لَه مِنْ فقيدِ الشَّخْصِ مدفُونِ طاب البقيع له سُكْنَى وغَرْقَدُه … وأَشْرَقَتْ أرضُه من بعد تعيين (¬٤) وأوْرث القلبَ حُزْناً لا انقطاعَ له … حتى الممات، فما ترقى له شونىوقالت أُم العلاءِ: رأيت لعثمان بن مظعون عيناً تجري، فجئت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته، فقال: ذاك عمله. أخرجه الثلاثة.