page 10495, entry [7038]Open original source
رجل من بني عذرة صنع عبد الملك بن مروان طعاماً فأكثر وأطاب، ودعا إليه الناس فأكلوا فقال بعضهم: ما أطيب هذا الطعام، ما رأى أحد أكثر منه ولا أطيب، فقال أعرابي من ناحية القوم: أما أكثر فلا، وأما أطيب فقد أكلت أطيب منه. فطفقوا يضحكون من قوله. فأشار إليه عبد الملك، فأدني منه فقال: ما أنت بمحق فيما تقول إلا أن تخبرني بما تبين به صدقك. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، بينا أنا بهجر في تراب أحمر في أقصى حجر إذ توفي أبي، وترك كلاً وعيالاً وكان له نخل، وكان فيه نخلة لم ينظر الناظرون إلى مثلها، كأن ثمرها أخفاف الرباع لم ير قط أغلظ لحاءً ولا أصغر نوى، ولا أحلى حلاوة منها، وكانت تطرقها أتان وحشية قد ألفتها، تأوي بالليل تحتها، فكانت تثبت رجليها في أصلها، وترفع يديها وتقطع بفيها، فلا تترك بها إلا النبذ والمتفرق، فعظمني ذلك ووقع مني كل موقع، فانطلقت بقوسي وأسهمي، وأنا أظن أني أرجع من ساعتي، فمكثت يوماً وليلةلا أراها، حتى إذا كان السحر أقبلت فتهيأت لها فرشقتها، فأصبتها وأجهزت عليها، ثم عمدت إلى سرتها فاحتززتها، ثم عمدت إلى حطب جزل فجمعته إلى رصف وعمدت إلى زندي فقدحت، وأضرمت النار في ذلك الحطب، وألقيت سرتها فيها، وأدركني النوم فلم يوقظني إلا حر الشمس في ظهري، فانطلقت إليها وكشفتها، وألقيت ما عليها من قذى ورماد، ثم قلبت مثل الملاءة البيضاء، فألقيت عليها من رطب تلك النخلة المجزعة والمنصفة فسمعت لها أطيطاً كتداعي عامر وغطفان. ثم أقبلت أتناول الشحمة واللحمة فأضعها بين التمرتين، وأهوي بها إلى فمي فبم أحلف أني ما أكلت طعاماً قط مثله؟ فقال له عبد الملك: لقد أكلت طيباً، فممن أنت؟ قال: أنا رجل جانبتني عنعنة تميم وكشكشة ربيعة، وحوشي أهل اليمن وإن كنت منهم. قال: فمن أيهم أنت؟ قال: من أخوالك من عذرة. قال: أولئك فصحاء الناس، فهل لك علم بالشعر؟ قال: سلني عما بدا لك. قال: أي بيت أمدح؟ قال: قول جرير: من الوافر ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح قال: وجرير في القوم. فرفع رأسه وتطاول لها. قال: فأي بيت أفخر؟ قال: قول جرير: من الوافر إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضاب فتحرك جرير. ثم قال: أي بيت أهجى؟ قال: قول جرير: من الوافرفغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا قال: فاستشرف لها جرير. قال: فأي بيت أغزل؟ قال: قول جرير: من البسيط إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا قال: فاهتز جرير وطرب. ثم قال: أي شيء قالته العرب أحسن تشبيهاً؟ قال: قول جرير: من الطويل سرى نحوهم ليل كأن نجومه ... قناديل فيهن الذبال المفتل فقال جرير: جائزتي يا أمير المؤمنين للعذري. فقال عبد الملك: وله مثلها من بيت المال، ولك جائزتك يا جرير لا ننقص منها شيئاً. وكانت جائزة جرير أربعة آلاف درهم وتوابعها من الجلان والكسوة. فخرج العذري بثمانية ألف درهم ورزمة ثياب.