page 7995, entry [7343]Open original source
الهند وعلم الحديث: وقبل أن نشير إلى مؤلّفات الشيخ رحمه الله تعالى يجدر بنا أن نلقى نظرة عابرة على نشأة علم الحديث في الديار الهندية ومكانته بين العلوم الدينية، من المعلوم أن علم الحديث علم شريف، حيث إنه يبحث عن أقوال النبي ﷺ وأفعاله وأحواله، وعليه مدار الفوز بسعادة الدارين، وله رتبة ثانية بعد كتاب الله تعالى، وهو ثاني أدلة الأحكام، وقد وضع العلماء لهذا العلم أصولا وأحكاما، وقواعد وشروطا، وصنفوا في ذلك أسفارا وكتبا، ولا بدَّ لطالب علم الحديث أن يعرف علم أسماء الرجال وأنسابهم ووفياتهم وصفات الرواة ومن يقبل روايته، ومن لا يقبل، والعلم بكيفية أخذهم الحديث، والعلم بلفظ الرواية، وإيرادهم ما سمعوه، وأن الحديث مروي بلفظه أو بمعناه، وما حكم الرواية بالمعنى، والعلم بالمسند، والمرسل والمنقطع، والموقوف والمعضل، وغير ذلك من أقسام الرواية، ومعرفة الجرح والتعديل، وطبقات المجروحين، والحديث الصحيح، والموضوع، والضعيف والغريب، والحسن، والمتواتر، والآحاد، والناسخ، والمنسوخ، وغير ذلك من الأبحاث الحديثية. ونظرا إلى أهمية الأحاديث، وحضّ النبي ﷺ على جمعها، وحفظها أفنى الصحابة والتابعون أعمارَهم في ذلك، كيف لا، وهي أقوال نبيهم وحبيبهم، ﷺ، الذي كانوا يفدون عليه مهجهم وآباءهم وأمهاتهم، وهى وسيلة لفلاحهم وفوزهم، يقول: ﷺ "نضَّر الله امرءا سمع منا شيئا، فبلغه كما سمعه، فربّ مبلغ أوعي من سامع" (¬١). وذكر أبو القاسم بن منده في "تذكرته" أنه روى هذا الحديث عن المصطفى، ﷺ أربعة وعشرون صحابيا، تم سرد أسماءهم (¬٢)، فوعى الصحابة رضى الله عنهم جميع ما سمعوا عن النبي، ﷺ، وبلغوه إلى من بعدهم، ورواه كابر عن كابر، وماجد عن ماجد، وتوفرت الرغبات فيه، وكانوا يسافرون شرقا وغربا لطلب حديث واحد، وكان معظم الصحابة يعتمدون في حفظ الأحاديث على ذاكرتهم القوية، كما أن البعض منهم كان يكتب في عهد النبي، ﷺ أيضا. ولكن لما تفرقت الصحابة في البسيطة، واستشهد كثير منهم في الغزوات، وارتحلت جماعة منهم إلى الدار الآخرة، واحتاج الناس إلى تدوينها أمر عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم عامل "المدينة" بكتابتها، وأمره أن ينظر ماكان من حديث رسول الله، ﷺ وسنته عند أحد، فليجمعه، فلبى العلماء على هذه الدعاء. وأما أول من صنف فقيل: ابن جُريج، وقيل: مالك، وقيل: أول من صنّف وبوَّب الربيع بن صبيح بـ"البصرة"، وقيل: صنف مالك "الموطأ" بـ"المدينة"، وعبد الملك بن جريج بـ "مكة"، وعبد الرحمن الأوزاعي بـ"الشام"، وسفيان الثوري بـ"الكوفة"، وحماد بن سلمة بن دينار بـ"البصرة" (¬١)، ثم كثرت المؤلَّفات، وسلك كل مسلكه في الجمع والترتيب، وصنّف الطيالسى سليمان بن داود المتوفى ٢٠٤ هـ مسندا، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى ٢١١ هـ مضنفا، والحميدي عبد الله ابن الزبير المتوفى ٢١٩ هـ مسندا، وأبو بكر بن أبي شيبة المتوفى ٢٣٥ هـ مصنفا، والإمام أحمد بن حنبل المتوفى ٢٤١ هـ مسندا، والدارمي عبد الله بن عبد الرحمن مسندا، حتى جاء عصر أرباب الصحاح الستة، وجمع الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى ٢٥٦ هـ "الجامع الصحيح" له، ودوَّن "مسلم بن الحجّاج" القشيري المتوفى ٢٦١ هـ "صحيحه"، وأثبتا فيهما الأحاديث الصحيحة المقطوعة، ثم تلاهم كل من الأئمة ابن ماجه محمد بن يزيد المتوفى ٢٧٣ هـ، وسليمان بن الأشعث أبو داود السجزي المتوفى ٢٧٥ هـ، والترمذي محمد بن عيسى بن سورة المتوفى ٢٧٩ هـ، والنسائى أحمد بن شعيب المتوفى ٣٠٣ هـ، فكان ذلك العصر خلاصة العصور، كان عصرا ذهبيا بالنسبة لجمع الحديث وتدوينه، وهؤلاء "الأئمة صنّفوا كتبهم حسب وجهة نظرهم، فمنهم من دوَّن كتابه حسب الأبواب الفقهية، يبوّب بابا، ويذكر فيه الأحاديث المتعلقة به، ومنهم من جمع حسب أسماء الراوي حديث كل صحابي على حدة، ومنهم من جمع الحديث، ودوَّنه مطلقا، ثم تعددت طرق التصنيف والتأليف، والجمع، كما تشهد عليه الكتب المؤلفة في هذا العلم الشريف. هذا، وقد سلك المتأخرون طريقا، يناسبهم من ترتيبب وتهذيب واختصار وإيجاز، أو شرح غريب حسب المنهج المفيد لبيئتهم وشعبهم في زمنهم، وقد ظهر بذلك كتب حديثية متنوعة مختلفة. وأما نصيب "الهند" و"باكستان" من ذلك، فنجمله فيما يأتي: