page 7871, entry [7260]Open original source
كلمة في المخارج والتدابير الفقهية في التخليص من المآزق: ينسب إلى أبي يوسف كثير من الحيل في تخليص الناس من الحرج، وذكرت فيما علّقت على "زغل العلم" للذهبي أن التحيّل المفضي إلى إلغاء الحكم في تشريع الأحكام لا يصدر إلا ممن ضعف دينه ومرض يقينه، وأما تطلّب المخلص من المآزق من غير إبطال حقّ وإحقاق باطل بتدابير لطيفة لا تصطدم مع النصوص فمما ندب الله ورسوله إليه، وجرى سلف الأئمة وخلفهم عليه، وتبيين وجوه ذلك يدلّ على براعة وقوة ذكاء بشرط أن لا يؤدّي إلى ما أسلفناه. وأجرأ المتفقّهين على التوسّع في التحيّل أدومهم صلة بالقضاء، ومن وجوه التحيل الذميم الإفتاء بأقوال شاذّة لا تدعمها الحجج، وبروايات ضعيفة، لا تقوي إمام النقد مهما يهرجها المموه وزخرفها، ومن يقع منه هذا بقلة ورع فالله حسيبه، أما ما يعزى لأبي يوسف من أنه اتصل بالرشيد بحيل شرعية أجابه بها، فولاه القضاء، فكذب مختلق عليه، -كتخصيص مالك الرشيد برخص (في كتاب السر المعزوّ إليه) -، لأنه ولي القضاء في عهد (المهدي) والهادي، واستمرّ عليه في زمن الرشيد، كما ذكره السمعاني وغيره، ولم يكن من خلاله المحاباة، كما يظهر من مقدمة "كتاب الخراج" له، ومن سيرته المعروفة. وقد ألّف الذهبي في ترجمته جزءا خاصا، يثني فيه على علمه وزهده وورعه، ويطريه، مع أن الذهبي عرف بالاقتصاد في تراجم هؤلاء، (حتى ذكر تلميذه التاج السبكي في الطبقات الكبرى) (١ - ١٩٧) استطالته على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين، ويقول محمد بن الحسن في بيع العينة: هذا كأمثال الجبال عندي ذميم، وقد حملوا تجويز أبي يوسف هذا البيع على صورة عدم عود العين إلى صاحبه، فأصبحا على اتفاق في المسألة. ساق الخطيب بطريق المعافي النهرواني إفتاء أبي يوسف لأم جعفر كما تحب وتوارد هدايا منها وإباءه قسمتها بين الحضور، بسند فيه الحسين بن القاسم الكوكبي، وهو إخباري كثير الانفراد بالمناكير، يقول عنه ابن حَجَر في "اللسان": إخباري مشهور، رأيت في أخباره مناكير كثيرة بأسانيد جياد، ثم قال: منها ما ذكره المعافي عنه، وساق خبرا تالفا، وهذا ممن لم يعلم الخطيب من حاله إلا خيرا، فإنه يجد عنده ما يشاء، وساق المعافي أيضا بطريق محمد بن الحسن بن زياد النقّاش إباء أبي يوسف تقسيم هدية حضرت منها أيضا، والنقّاش كذّاب مشهور، وساق أيضا بطريق المعافي عن محمد بن أبي الأزهر إفتاء أبي يوسف في بيع نصف جارلة وهبة نصفها للرشيد تخليصا لصاحبها من الحنث في حلفه أنه لا يبيعها ولا يهبها مع حشد طرائف حول تلك الأحدوثة في صفحتين، مع أن ابن أبي الأزهر هذا يقول عنه الخطيب نفسه في (٣ - ٢٨٨): كان كذّابا قبيح الكذب ظاهره، وما ذكره العقيلي أنه كان يعطى أموال اليتامى مضاربة ليجعل الربح لنفسه، ففى سنده أحمد بن علي الأبار، وله تعصّب غريب ضدّ أصحابنا، كما يظهر من رواياته عند الخطيب، ورواية المتعصّب مردودة عندهم، على أن يد القاضي في أموال اليتامي يد أمانة، فلا تضمن عند هلاكها من غير تعدّ كذلك أموال اليتامى تأكلها الزكاة في مذهبه، فإذا ضارب بها تكون يده يد ضمان، فيكون ضامنا إذا هلكت، وتكون الزكاة عليه دون اليتيم، فإذا تفضل بالربح عليه يكون إحسانا على إحسان، كما هو عادته، على أن التصرّف في مال اليتيم، وأكله بالمعروف مدركهما مما هو مشروح في شروح البخاري أخذا من الكتاب والسنَّة، والخلاف في ذلك مشهور، فلا لوم على فرض ثبوب ذلك التصرف إلا عند من ضاق أفق اطلاعه بقصر باعه. وعند الموفّق أنه سئل عمَّن حلف ماله صدقة إن لم يفعل كذا، قال: يخرج ماله إلى من يثق به في فعل الشيء، فيردّه صاحبه عليه، فقال قائلا: لعنت اليهود، حرّمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها، فقال أبو يوسف: يا لكع! أين هذا من ذاك، إن اليهود أرادوا أن يحتالوا لما حرم الله عليهم، حتى يحلّوا لأنفسهم، وهذا ماله هو له حلال، يريد أن يحتال، حتى لا يحرم عليه. اهـ. ودفع الحرج على منازل، إنما يفقهها الفقهاء. وقد محَّض هذا البحث تمحيضا شاملا فضيلة الأستاذ المبدع النابغة السيّد محمد أبي زهرة (¬١) أستاذ الشريعة في كلية الحقوق بـ "القاهرة" في كتابه عن أبي حنيفة، كما هو شأنه فى بحوثه. ومما قلت في تعليقي على "زغل العلم": روى الذهبي في "جزئه" الذي ألّفه في ترجمة محمد بن الحسن بطريق الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران عن محمد بن سماعة أنه قال: سمعت محمد بن الحسن، يقول: هذا الكتاب ليس من كتبنا، وإنما ألقي فيها، يريد كتابا في الحيل كان يتداوله من قل ورعهم من الناس في ذلك العهد (¬١)، ولم يكن اسم المؤلّف مذكورا في الكتاب، فظنّوا أنه من كتب أصحاب أبي حنيفة، وليس كذلك. وقال شمس الأئمة السرخسي في "المبسوط" (٣٠ - ٢٠٩): كان أبو سليمان الجوزجاني ينكر ذلك، ويقول: من قال: إن محمد ﵀ صنّف كتابا سماه "الحيل"، فلا تصدقه، وما في أيدي الناس فإنما جمعه، وراقوا "بغداد"، وقال: إن الجهّال ينسبون علماءنا ﵏ إلى ذلك على سبيل التغيير، فكيف يظنّ بمحمد ﵀ أنه سمى شيئا من تصاينفه بهذا الاسم، ليكون ذلك عونا للجهّال على ما يتقوّلون. وأما أبو حفص ﵀، فكان يقول: هو من تصنيف محمد ﵀، وكان يروي ذلك عنه، وهو الأصحّ، وأطال السرخسي الكلام في التدليل على جواز التخليص من المآزق من الكتاب والسنَّة، -والحيلة ليست بمعنى المكر عندهم، بل بمعنى التدبير اللطيف المخلص من مصادمة النصّ والمخرج من الحرج-، فالجوزجاني، وأبو حفص الكبير البخاري ركنان عظيمان في رواية كتب محمد بن الحسن، والذي أرى أن نفي ذلك وإثبات هذا غير متواردين على كتاب واحد، فالمنفي هو كتاب مزور، فيه مسائل تنافي حكمة التشريع، فأصحابنا براء منه، والمثبت هو ما تلقّاه أبو حفص الكبير من محمد بن الحسن من مسائل في المخارج، تخلص من المآزق بدون إبطال حق ولا إحقاق باطل، ومن غير إخلال بحكمة التشريع، فالجوزجاني صادق في نفي نسبة الكتاب المزور إلى محمد، وأبو حفص صادق في إثبات المسائل الحكمية المخلصة من المآزق على الوجه المشروع، وأبو حفص الكبير أحمد بن حفص بن زبرقان العجلي البخاري من لدات الإمام الشافعي ﵁، رحل من "بخارى" إلى "العراق" قديما، فسمع من محمد ما لم يسمعه الجوزجاني، وسمع الجوزجاني من محمد ما لم يسمعه أبو حفص -مثل كتاب "السير الكبير"- لتقدّم عوده إلى "بخارى" على إخراج هذا الكتاب للناس، فيكون النفي والإثبات غير متواردين على كتاب واحد، ويظهر بن المسائل التي يرويها شمس الأئمة عن أبي حفص أنه ليس فيها ما يجافي الحكمة والسداد، وأبو حفص هذا إمام عظيم، رحل قديما إلى "العراق"، كما سَبَقَ، وحمل علما جما إلى "بخارى"، ونشر العلم بها، حتى أصبحت "بخارى" بيمن مسعاه قبة الإسلام في العلوم، حيث سمعوا منه "جامع الثوري" ومصنّفات ابن المبارك، ووكيع، وتفقّهوا عليه، حتى أصبحت كلّ قرية من قرى "بخارى" فيها جماعة من الفقهاء من أصحابة، وذكر السمعاني في باب الخيزاخزي أنها نسبة إلى "خيزاخز"-قرية بـ "بخاري"- فيها جماعة من الفقهاء من أصحاب أبي حفص الكبير، وهو من أوائل شيوخ البخاري صاحب "الصحيح" في مبدأ أمره قبل رحلاته، ففي "تاريخ الخطيب" في (٢ - ٧) أنه حفظ كتب ابن المبارك، وكتب وكيع، وعرف كلام هؤلاء -يعني فقه أهل الرأي-، وهو ابن ست عشرة سنة. وفيه أيضا (٢ - ١١) أنه سمع "جامع الثوري" من أبي حفص هذا، وذكر حكاية تشهد للبخاري بجودة الحفظ، وهو شاب، وابنه أبو عبد الله محمد المعروف بأبي حفص الصغير من الذين رافقهم البخاري في الطلب، وقد أثنى عليه الذهبي في "سير النبلاء"، وترجم له اللكنوي في "الفوائد البهية"، وهو صاحب القصّة في إخراج البخاري من "بخارى"، لا أبوه لتقدّم وفاته، وله مؤلّفات، منها: "كتاب الرد على أهل الأهواء" (¬١). قال أبو بكر محمد بن جعفر النرشخي في "تاريخ بخارى" الذي ألّفه سنة ٣٣٢ هـ لنوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني عند وصفه لموضع في "بخارى"، يقال له: (در حقره) بمعنى باب سبيل الحق: كان أبو حفص الكبير البخاري يسكن في هذا المحل، وكان رحل منه إلى "بغداد"، وعاد بعد أن تفقّه على محمد بن الحسن الشيباني، وكان جامعا بين العلم والزهد، ولم يكن له مثيل في تلك الديار، وكان من مفاخر "بخارى"، وبه انتشر العلم في "بخاري"، حتى أصبحت قبة الإسلام، وبه نال الأئمة وعلماء الأمة هناك غاية الاحترام، ثم ذكر كيف كان الأمراء يهابونه، وحكى ما جرى للأمير محمد بن طالوت من زيارته له ودخوله عليه بعد الاستئذان وخروجه، من غير أن يقدر أن يكلَّمه بكلمة أمامه من مهابته، وقوله: إني دخلت إلى الخليفة وغيره من العظماء، لكني لم أهب أحدا من الخلفاء هيبتي له، وذكر كثرة تلاوته للقرآن الكريم، حتى إنه لم تنقص تلاوته من نصف ختمة كلّ يوم إلى وفاته. ونقل عن محمد بن سلام البيكندي حافظ "بخارى" أنه رأى في المنام رسول الله ﷺ قادما إلى "بخارى" هو يركب جملا كما وصف في الخبر، وعلى رأسه قلنسوة بيضاء، والناس في غاية الفرح من مقدمه ﵇، فأنزلوه في دار أبي حفص، وأنه رأى أبا حفص قاعدا أمام رسول الله يقرأ عليه كتابا، والرسول ﷺ يستمع إليه، ويصدقه، ثم نصّ على أن أبا حفص توفي سنة ٢١٧ هـ، ودفن في تل، يقال له: "تل أبي حفص"، وأن هناك مساجد وصوامع يسكنها المجاورون، وأن الناس يتبرّكون بتلك البقعة، وأن علماء "العراق" كانوا يحيلون مشكلات المسائل عليه، وعلى أصحابه، وذكر مبلغ إقباله على العلم والتعليم والعبادة، وذكر أيضا مبلغ علوّ كعب ابنه أبي حفص الصغير في العلم، وقد ترجم أبو نصر أحمد بن محمد بن نصر القباوي هذا التاريخ إلى الفارسي سنة ٥٢٢ هـ، ولخّصه محمد بن زفر بن عمر سنة ٥٧٤ هـ، والترجمة الفارسية مطبوعة في باريز سنة ١٨٩٢ م، وقطعة من الأصل العربي مطبوعة هناك أيضا، ومن يجهل مبلغ جلالة هذا الإمام في العلم والورع يجب أن لا يجعل جهله معيارا لمعرفة منازل العلماء، فليراجع الأصل، والترجمة في ذلك (٥٤ - ٥٦) من شاء.