Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

صفاته

محمد حفظ الرحمن الكملائي - البدور المضية في تراجم الحنفية · page 6145, entry [5485]

البدور المضية في تراجم الحنفية — محمد حفظ الرحمن الكملائي

page 6145, entry [5485]Open original source
صفاته: لازم الشيخ ﵀ الاشتغال بعلوم المعقول والمنقول، حتى فاق في زمن يسير، وأشير إليه بالفضل التام والفطرة المستقيمة، بحيث قال البرهان الأبناسي أحد رفقائه -حين رام بعضهم المشي في الاستيحاش بينهما-: لو طلبت حجج الدين ما كان في بلدنا من يقوم بها غيره، وقال عنه كذلك: شيخنا البساطي وإن كان أعلم، فالكمال أحفظ منه، وأطلق لسانًا؛ هذا مع وجود الأكابر إذ ذاك، بل أعلى من هذا أن البساطي -وهو شيخه- لما رام المناظرة مع العلاء البخاري بسبب ابن الفارض ونحوه، قيل له: من يحكم بينكما إذا تناظرتما؟! فقال: ابن الهمام؛ لأنه يصلح أن يكون حكم العلماء، بل حضر إليه البساطي بنسخة من تائية ابن الفارض ذات هوامش عريضة، وتباعد بين سطورها، والتمس منه الكتابة عليها بما يعنُّ له من غير نظر في كلام أحد، وسئل البساطي مرة عن من قرأ عليه فعد القاياتي والونائي ومن شاء الله من جماعته، ثم قال: وابن الهمام وهو يصلح أن يكون شيخًا لهؤلاء. ولم يزل الشيخ يضرب به المثل في الجمال المفرد مع الصيانة، وفي حسن النغمة مع الديانة، وفي الفصاحة، واستقامة البحث مع الأدب، وفي الرياضة والكرم، واستمرّ يترقى في درج الكمال، حتى صار عالمًا متفننًا علامةً متقنًا، درَّس، وأفتى، وأفاد، وعكف الناس عليه، واشتهر أمره وعظم ذكره. وأول ما ولي من الوظائف الكبار تدريس الفقه بقبة المنصورية، وعمل حينئذٍ إجلاسًا بحضور شيوخه، ومنهم: ابن حجر العسقلاني، والبساطي، والبدر الأقصرائي وغيرهم، وامتنع الشيخ من الجلوس صدر المجلس أدبًا بعد إلحاح الحاضرين عليه في ذلك، بل جلس مكان القارئ، وتكلم في ذلك المجلس على قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾، وقال: الكلام على هذه الآية كما يجيء لا كما يجب، وقد أبان فيه عن يد طولى وتمكن زائد في العلوم، بحيث أقرَّ الناس بسعة علمه، وأذعنوا له، ثم تكلم الإمام ابن حجر، فوصف علم الشيخ ابن الهمام وتفنّنه. وقال البساطي: دعوه يتكلم، ويُتلذذ بمقاله، فإنه يقول ما لا نظير له. وقرره الأشرف برسباي شيخًا في المدرسة الأشرفية بعد صرف العلاء علي بن موسى الرومى عنها، واستدعاه بها في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة (٨٢٩ هـ)، فألبسه الخلعة، ورجع، وقد تزايدت بذلك رفعته، فباشرها بشهامة وصرامة إلى أن كان الثالث والعشرين من شعبان سنة (٨٣٣ هـ) حيث شغر مكان التصوّف فيها، فعين الشيخ تلميذه الشمس الأمشاطى لهذا الدرس، وعارضه جوهر الخازندار وعين غيره، فغضب الشيخ لذلك، فلما حضر التصوف وقت العصر على العادة خلع الشيخ طيلسانه ورمى به، وقال: اشهدوا عَليّ أنني عزلت نفسي من هذه المشيخة، وخلعتها كما خلعت طيلساني هذا، وتحول في الحال لبيت في باب القرافة، وبلغ ذلك السلطان فشقّ عليه، وراسله يستعطف خاطره مع أمير آخور جقمق، الذي صار سلطانًا وغيره من الأعيان فلم يجب، وانتقل لطرا فسكنها، وانجمع عن الناس، وخشى جوهر غضب السلطان عليه بسببه، فبادر للاجتماع به لتلافي الأمر، فما أمكنه، فجلس بزاوية هناك كانت عادة الشيخ الصلاة فيها، حتى جاء، فقام إليه حاسر الرأس ذليلا، فقبّل قدمه مصرحًا بالاعتذار والاستغفار، فأجابه بأنني لم أتركها بسببك، بل لله تعالى، وحينئذٍ عين الأمين الأقصرائي فيها بعد تصميمه على عدم القبول، ثم لم يلبث أن أعرض عن تدريس المنصورية أيضًا لتلميذه السيفي، واستمرّ تارة في طرا وتارة في مصر إيثارًا للعزلة وحبًّا للانفراد مع المداومة على الأمر بالمعروف وإغاثة الملهوفين والإغلاظ على الملوك فمن دونهم. ثم تولى مشيخة الخانقاه الشيخونية بعد موت باكير في جمادى الأولى سنة (٨٤٧ هـ)، فباشرها بحرمة وافرة، وعَمّر أوقافها، وزار معالمها، ولم يحاب أحدًا، ولو عظُم. ثم تركها أيضًا، وسافر إلى "مكة"، وقد قصد المقام بها إلى أن يموت. فلمّا حصل له ضعف في بدنه عاد إلى "مصر". وكان إمامًا، علامة، عارفًا بأصول الديانات، والتفسير والفقه وأصوله والفرائض والحساب والتصوف والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق والجدل والأدب والموسيقى وجل علم النقل والعقل، عالم أهل الأرض، ومحقق أولي العصر، حجة، أعجوبة، ذا حجج باهرة واختيارات كثيرة وترجيحات قوية، بل كان يصرح بأنه لولا العوارض البدنية من طول الضعف والأسقام وتراكمهما في طول المدد لبلغ رتبة الاجتهاد، فكم استخرج من مجمع البحرين دررًا! وكم ضم إليها مما استخرجه من الكنز شذرة إلى أخرى! وكم وصل طالبًا للهداية بإيضاحها وتبيينها! وكم أنار لمنغمر في ظلمات الجهل بمنار الأصول وبراهينها! فلا تدرك دقة ونظره، ومن كلماته: إذا صدقت المحبة ارتفعت شروط التكليف. هذا مع شدة تواضعه مع الفقراء حتى إنه جاء مرة لمجلس العلاء البخاري وهو غاص بهم، فجلس في جانب الحلقة، فقام إليه العلاء، وقال له: تعال إلى جانبي، فليس هذا بتواضع، فإنك تعلم أن كلا منهم يعتقد تقدمك وإجلالك. وقال المقريزي في "عقوده": إنه أنظر من رأيناه من أهل الفنون ومن أجمعهم للعلوم، وأحسنهم كلامًا في الأشياء الدقيقة، وأجلدهم على ذلك، مع الغاية في الإتقان والرجوع إلى الحق في المباحث، ولو على لسان آحاد الطلبة؛ كل ذلك مع ملاحة الترسل وحسن اللقاء والسمت والبشر وحسن الهيئة ونور الشيبة وكثرة الفكاهة والتودد والإنضاف وتعظيم العلماء، وعدم الخوض فيما يخالف ذلك، وعلو الهمة وطيب الحديث ورقة الصوت وطراوة النغمة جدًّا بحيث يطرب إذا أنشد أو قرأ، وله في ذلك أعمال، وإجادته للتكلم بالفارسى والتركي إلا أنه بأولهما أمهر، وسلامة الصدر والمحبة في الصالحين وكثرة الاعتقاد فيهم والتعهد لهم. وكان للشيخ نصيب وافر مما لأرباب الأحوال من الكشف والكرامات، وكان تجرد أولا بالكلية، فقال له أهل الطريق: ارجع، فإن للناس حاجة بعلمك، وكان يأتيه الوارد كما يأتي الصوفية، لكنه يقلع عنه بسرعة لأجل مخالطته بالناس، أخبر عنه الإمام السخاوي أن بعض الصوفية من أصحابه كان عنده في بيته الذي بـ "مصر"، فأتاه الوارد، فقام مسرعًا، قال الحاكي: وأخذ بيدي يجرني وهو يعدو في مشيه، وأنا أجري معه إلى أن وقف علي المراكب، فقال: ما لكم واقفين ههنا؟! فقالوا: أوقفنا الريح وما هو باختيارنا، فقال: هو الذي يسيركم وهو الذي يوقفكم، قالوا: نعم، قال الحاكي: وأقلع عنه الوارد، فقال لعلي: شققت عليك، قال فقلت: أي والله وانقطع قلبي من الجري، فقال: لا تأخذ عَليَّ، فإني لم أشعر بشيء مما فعلته. ومما يحكى من ذلك أنه لما دخل "مكة" سأل العارف عبد الكريم الحضرمي أن يريه القطب، فوعده لوقت معين، ثم دخل معه فيه إلى المطاف، وقال له: ارفع رأسك، فرفع نوجد شيخًا على كرسي بين السماء والأرض، فتأمله، فإذا هو الشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد الغني السرسي الحنفي، العارف بالله تعالى، فدهش، وصار يقول من دهشته بأعلى صوته: هذا صاحبنا! ولم نعرف مقامه، فاختفى عنه، ولما رجع الكمال إلى "مصر" بادر للسلام عليه، وقبَّل قدميه، فقال له: اكتم ما رأيته، وكان كثير الانجماع عن التردّد لبني الدنيا، حتى الظاهر جقمق مع مزيد اختصاصه به، ولكنه كان يراسله هو ومن دونه، فيما يسأل فيه بل طلع إليه بعد إحسانه إليه عند توجّهه للحج، فوادعه؛ ومحاسنه كثيرة، وقد حج غير مرة، وجاور بالحرمين مدة، وشرب ماء زمزم -كما قاله في شرحه للهداية- للاستقامة والوفاة على حقيقة الإسلام معها. ونشر في مدة مجاورته علمًا جمّا ﵀ ورضي عنه-.
Parsing and provenance details
Local passage ID
1095630
Book record
shamela-819
Source record
1110669
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain