page 5774, entry [5166]Open original source
٤٣٤٧ - الشيخ الفاضل محمد بن تاج الدين بن أحمد المحاسني ، الدمشقى، الخطيب بجامع "دمشق" * * ذكره المحبي الحنفي في كتابه القيّم "خلاصة الأثر"، وقال: تقدّم أبوه وأخوه عبد الرحيم، وهذا أشهر آل بيته وأفضلهم، وكان فاضلًا كاملًا، أديبًا لبيبًا، لطيف الشكل، وجيها ساكنا، جامعا لمحاسن الأخلاق، حسن الصوت. نشأ في نعمة وافرة، وكان أبوه ذا ثروة عظيمة، فكان يصله بكل ما يحتاج إليه من مال ومتاع، وقرأ على علماء عصره، منهم: الشرف الدمشقي، والشيخ عبد اللطيف الجالقى، والعمادي المفتي، والجمال الفتحي، إمام السلطان. وأخذ عن الشيخ عمر القاري، والنجم الغزي، وأبي العباس المقري. وسافر إلى "الروم" صحبة والده، وأخذ عن علمائها، منهم: الشمس محمد المحبي، ثم رجع، وأعطى بقعة تدريس بالجامع الأموي عن شيخه الشرف لما مات، ولازم من المولى محمد بن أبي السعود، وولي خطابة جامع السلطان سليم بصالحية "دمشق"، واشتهر بحسن الخطابة، ثم صار إمامًا بجامع بني أمية، ولما توجّه شيخه الفتحي إلى "الروم"، وكان عين لإمامة السلطان مراد، فوّض إليه أمر حصته في الحطابة بجامع "دمشق"، ودرس بالمدرسة الجوهرية، وكان يدرس في الجامع في غالب الأيام والليالي، سيّما في الأشهر الثلاثة: رجب، وشعبان، ورمضان. وأقرأ "صحيح مسلم"، كتب عليه بعض تعاليق، وسكن أولا في دار جده لأمه الحسن البوريني، ثم وقف عليه رجل يعرف بالصنجقدار بيتا قبالة المدرسة العادلية الكبرى، فسكن فيه، وسافر إلى "الروم" في سنة خمسين، وأخذ تولية الجامع الأموي، وولي قسمة العسكر مرتين، ثم بعد وفاة والده سكن بداره قرب باب الفراديس، وفرغ له الشهاب أحمد البهنسي عن نصف الخطابة بالجامع الأموي، ثم لما مات شيخه الفتحي استقلّ بجميع الخطابة أصالة، وبقى إلى أن ولي على القصير دفترية "الشام"، فادعى أن الخطابة، التي للفتحي كانت في السابق نظارة للسلطان، وأحسن بها إليه السلطان عثمان، وجعلها خطابة مكان النظارة، وأظهر صورة التوجيه، فرفع يده عنها، وبقيت في يده الخطابة الأصلية، التي فرغ له عنها البهنسي. ولما توفي الشيخ سعودى الغزي وجه إليه درس الحديث تحت قبة النسر من جامع "دمشق" كما أسلفته في ترجمة محمد بن أحمد الإسطواني قريبًا، وهذا الدرس وظيفة حادثة بعد الخمسين وألف، رتبها بهرام آغاكتخدا والدة السلطان إبراهيم، وبني السوق الجديد والخان قرب باب الجابية لأجلها، وعين للمدرس ستين قرشًا، وللمعيد ثلاثين، ولقارئ العشر عشرة قروش، ودرس المحاسني، وكان فصيح العبارة، وانتفع به خلق من علماء "دمشق"، منهم: شيخنا العلا محمد بن علي الحصكفي مفتي "الشام"، وشيخنا المحقق إبراهيم بن منصور الفتال وغيرهما، وله تحريرات تدلّ على علمه، وله شعر حسن مطبوع، فمنه قوله من قصيدة: يا سقاها مرابعا للتلاقي … كل سار من الحيا غيداق حيث تبدو بقامة تخجل الغصن … ووجه يزيد في الإشراق ورعى الله عهدنا بالمصلى … حيث ذات اللمى على الميثاق حيث أشكو لها الغرام ووجدا … قد أسال الدموع من آماقي يا حداة المطي رفقا بقلبي … إن طعم الفراق مر المذاق جبلت طينتي على محنة الحب … فحسبي من الهوى ما ألاقي كل يوم قطيعة وبعاد … واكتئاب وفيض دمع مآقي شاب فودي يتلو مشيب فؤادي … فأمانا من هول يوم الفراق ليت شعري متى تعيد الليالي … ما أتاحت من صفو عيش التلاقي ما أظن الأيام تحكم إلا … بامتناع الإرفاق للإرفاق ومن جيد شعره قوله: وتنفسي الصعداء ليس شكاية … مما قضته سوابق الأقدار لكن بقلبي جملة تفصيلها … صعب لدى العقلاء والأحرار فجعلت موضع كل ذلك أنة … ضمنت مرادي من عطاء الباري وكتب إلى بعض أصحابه بـ"دمشق"، وهو بـ"مصر": لوكنت بمرأى من خليط نزحا … ما كان دخيل الوجد مني وضحا لكن بعدوا فصار سرى علنا … من بعدهم وصار كأسي قدحا ومن ملحه هذا الموشح نظمه على أسلوب موشح لبنت العرندس الشيعي، ومطلع موشحه: أهواه مهفهفا من الولدان … ساجي الحدق قد فر من الجنات من رضوان … تحت الغسق من ريقته سكرت لا من راحي … كم جدد لي رحيقها أفراحي كم أسكرني بخمرها يا صاح … كم أرقني بطرفه الوسنان حتى الفلق لو عامله بعدله ذا الجاني … أطفأ حرقي من باهر حسنه يغار القمر … في روض جماله يحار النظر قد عز لدى أن بدا المصطبر … ما اهتز يميل ميلة الأغصان للمعتنق إلا وأتاح للمحب العاني … كل القلق يا ويح محبه إذا ما خطرا … كالبدر يلوح في الدياجي قمرا إن أقض ولم يقض لقلبى وطرا … فالويل إذا المغرم ولهان في الحب شقي قد حمل في العشق من الهجران … ما لم يطق القدر شيق مثل خوط البان … واللحظ كيف الهند في الأجفان والخال شقيق المسك في الألوان … والخد مورد أسيل قاني شبه الشفق والعارض قد سلسل كالريحان … للورد يقي يا عاذل لو أبصرت من أهواه … ناديت تبارك الذي سواه قد أحسن خلقه وقد نماه … إذ كمله وخص بالنقصان بدر الأفق قد أفرغه في قالب الإحسان … زاكي الخلق الصبر على هواه مثل الصبر … والقلب غدا من هجره في جمر ما ألطفه في وصله والهجر … لم ألق له في وصله من ثاني حلو الملق ما واصل بعد بعده أجفاني … غير الأرق ومطلع موشح بنت العرندس هو هذا: ما رنحت الصبا غصون البان … بين الورق إلا وشجي الهوى لقلبى العاني … نار الحرق ما رنحت الصبا غصون البان … بين الورق إلا وشجي الهوى لقلبي العاني … نار الحرق ما هب صبا لنحوك القلب صبا لاقى وصبا … يا بدر سما سما على بدر سما للناس صبا صلني فعسى تنال مني ذهبا عقل ذهبا والقلب مني مواقد النيران نامي القلق … والناظر قد أسال من أجفاني ماء الغدق ومن شعر المحاسني قوله: أودعكم وأودعكم جناني … وأنثر أدمعي مثل الجمان ولو نعطي الخيار لما افترقنا … ولكن لا خيار مع الزمان وله غير ذلك، وكانت ولادته في سنة اثنتي عشرة وألف، وتوفي عشية الأربعاء غرة شعبان سنة اثنتين وسبعين وألف، ودفن بمقبرة الفراديس بالقرب من جدّه لأمّه الحسن البوريني، ورثاه شيخنا عبد الغنى بن إسماعيل النابلسي بقصيدة، مطلعها: لتهن رعاع الناس وليفرح الجهل … فبعدك لا يرجو البقا من له عقل أيا جنة قرت عيون أولى النهى … بها زمنا حتى تداركها المحل وهي قصيدة جيّدة غاية، ولولا طولها لذكرتها برمّتها. * * *