page 2814, entry [2368]Open original source
وصفه وصفًا دقيقًا: كان ﵀ طويل القامة، ضخم الهامة، ممتلئ الجسم في غير بدانة، خفيف العارضين، قصير اللحية، أشيب الشعر، جميل الصورة، حديد السمع والبصر، بديع الذاكرة، جميل الخطّ، فقد كان خطّه يُقرأ بسهوله لضبط قواعده، وحرصه على مواضع النقط من الحروف، فكأن دقته في تحقيقاته وعلمه، كانت تنعكس على الأوراق، حين يرسم عليها حروفا ظاهرة جليّة، وكان يجيد اللغات العربية والتركية والفارسية والجركسية، وكان إذا تكلّم بالعربية تبدو عليه مسحة طفيفة من اللكنة الأعجمية، ولكن كلامه كان واضحًا في عامية العربية وفصيحها، وإذا تكلّم بالفصحى أقام الإعراب، وفي بعض الأحيان كنت آخذًا عليه تعبيرًا أو جملة، فيقول: (أعجمي يا شيخ سيبك من نقده)، حتى إذا ظننت أني ظفرتُ به أتى بشاهد عربي يؤيّد وجهة نظره، ومن ثم أصبحت أنا وكثير من تلامذته لا نعارضه في تعبير لثقتنا بأنه مستند فيه إلى شاهد لغوي متين. وبالجملة، فقد كان عالي الأسلوب، دقيق العبارة، متين التركيب، يختار من الألفاظ ما يحسن به أداء المعني، كما أنه كان يقول الشعر، ولكنه لم يكن مبرزًا فيه تبريزه في النثر، وذلك لأنه لم يشغل نفسه به، ولعلّه على حنفيته اقتدى في هذا المقام بالإمام الشافعي (¬١) رضى الله عنه في قوله: ولولا الشعر بالعلماء يزري … لكنت اليوم أشعر من لبيد (¬٢) وكان ذا ذاكرة فذّة، ولا سيما في حفظ الأسماء، فكان إذا سمع شيئًا أو رأى أحدًا مرّة واحدة ذكره، ولو بعد سنوات، وهيّأ له ذلك مع كثرة اطّلاعه على المخطوطات النادرة في "الآستانة"، و "مصر"، و "الشام" أن يصبح حجّة لا يبارى في علم الرجال، وجمع إلى براعته في الحديث، ورجاله مهارة فائقة في علم الكلام، وتنزيه الله سبحانه وتعالي، كما كان أستاذ العصر في علمَي الأصول والفقه، وكان على عبقريته المدهشة يسرّه أن يتعقّبه العلماء -والمراد بالعلماء المدلول الصحيح لهذه الكلمة- وقد ظلّ يذكر السيّد أحمد رافع الطهطاوي المتوفّى سنة ١٣٥٥ هـ بخير دائمًا، مع أنه تعقّب بعض تعاليقه في "ذيول تذكرة الحفاظ" بمؤلفه "التنبيه والإيقاظ" (¬٣)، ولم يغضبه أبدًا تأليف السيد أحمد، لأن شيخنا كان يقصد من تعليقه النفع والإفادة، وتعقّب السيد أحمد كان كذلك. وكان يردّ على مهاجميه ردًّا يتفاوت بين جملة في ثنايا كتاب وبين مؤلّف خاص، فقد اكتفى في الردّ على مؤلّف "تنبيه الباحث السري" (¬٤) بقوله في ص ٤٨ من "حسن التقاضي" (يأتي في فصل ذكر مؤلفاته): (فمن يشتبه في شئ مما سطرناه … إلى قوله: ويرثى لمن يطلق لسانه بكلّ عدوان في أقدس مكان غير متصوّن مما يوجب تضاعف السيئات، والله ولي الهداية) اهـ. يشير بذلك إلى أن مؤلف "تنبيه الباحث السري" من سكّان البلد الحرام، والواقع أن مؤلفه أراد أن يعاتب شيخنا على تعصّبه للأحناف، فتعصّب في تنبيهه للمالكية، تعصّبًا شديدًا ظاهرًا في مؤلّفه. كما أنه لما أراد أن يردّ على "طليعة التنكيل" (¬١) ردّ بمؤلفه "الترحيب بنقد التأنيب"، فلما ردّ معلّق "الطليعة" على المترجم بكتابه "حول ترحيب الكوثري بنقد تأنيبه" (¬٢)، وحَشَا كتابه سبًّا وشتمًا ترفع المؤلّف عن الردّ عليه تنزّهًا عن مجاراة المهاترة والسباب. ويلاحظ أن المؤلف لم يكتف بسبّ شيخنا فحسب، ولكنه سبّ المصريين عمومًا الذين يزورون مقام الإمام الحسين ﵇ بـ "مصر"، والسباب ليس من شأن العلماء، والسفه أولى بالجهلاء، وقد مضى الكوثري، وسيمضي شاتموه، بل سنمضى جميعًا، ويبقى علم الكوثري، وشبّ شانئيه لتقارن الأجيال القادمة بينهما، وحينئذ يتبيّن الغثّ من السمين، ويتّضح التافه من الثمين، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. وقد عاش المترجم طول حياته خصمًا لابن تيمية (¬٣)، ومذهبه سرد آراء الأستاذ يخرج بالترجمة عن القصد، وهي مبسوطة في كثير من تآليفه وتعاليقه، وعلى الرغم من أن لابن تيمية بعض المشايعين الآن بـ "مصر"، فإنه سيتبين إن عاجلًا وإن آجلًا، ولو يوم تعرض خفايا الصدور، أن ابن تيمية كان من اللاعبين بدين الله، وأنه في جلّ فتاواه كان يتّبع هواه، وحسبك فساد رأيه في اعتبار السفر لزيارة النبي ﷺ سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة (¬١). وقد كان المترجم في كل ناحية تعرض لها بتأليف أو تعليق يفيد وبجيد، وقد يكون هذا ميسورًا لغيره إذا راجع وبحث، ولكن عبقرية المترجم كانت في سرعة ردّه وحضور ذهنه في كل ما يوجّه إليه من أسئلة أثناء المحاورات العلمية المختلفة، فكان دائمًا إما يقطع بالجواب الشافي، أو يحيل إلى المرجع الوافي، وكان إذا تكلّم في موضوع علمي تدفق كالنيل في فيضانه، وحينئذ لست ترى المتكلّم عالما واحدًا بل ولا جماعة من العلماء، وإنما هو دار كتب قيّمة تعرض على روّادها نفائسها في دقّة وترتيب وإبداع وأمانة.