page 3364, entry [1807]Open original source
علم الفقه وهو من أجل العلوم الإسلامية، فهو يعرِّف المسلم كيف يعبد ربه، بما افترضه عليه من صيام وصلاة وزكاة وحج، وينظم معاملات المسلمين ويقننها فى البيع والشراء والتجارة والزراعة وسائر شئون حياتهم. ويعد الفقهاء من أكثر علماء الإسلام أثرًا فى حياة المسلمين، لقوله ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه فى الدين». [مسند الإمام أحمد]. وكان النبى - صلى الله عليه وسلم - يعلم الصحابة ويفقههم فى أمور دينهم، ثم تولَّى بعده الصحابة تلك المهمة، وبخاصة بعد أن اتسعت الدولة الإسلامية فى عهد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية، ثم اتسع نطاق علم الفقه نتيجة لزيادة المشكلات والقضايا التى تحتاج إلى فتاوى وحلول، وأصبح له علماء متخصصون، لهم قدرة على استنباط الأحكام الفقهية من الكتاب والسنة، وعلى الاجتهاد لإيجاد أحكام للقضايا التى لم يرد لها نص فى كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ، لأن النصوص متناهية، فى حين أن المشكلات والقضايا غير متناهية ومتجددة، ولابد لها من حلول، فالشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، ومعنى الصلاحية أن يكون لها حل للمشكلات وإجابة عن كل الأسئلة، ومن ثم اجتهد الفقهاء فى هذا الميدان، واختلفت اجتهاداتهم طبقًا لفهمهم الكتاب والسنة؛ ونتيجة لذلك ظهرت المذاهب الفقهية المعروفة، وتراكم تراث فقهى هائل، أخذ يتزايد بمرور الزمان. وفى العصر الأموى ظهر إمامان جليلان من أئمة الفقه الكبار، هما «أبو حنيفة النعمان» و «مالك بن أنس». أمَّا أولهما فقد وُلد فى «الكوفة» سنة (٨٠هـ) فى خلافة «عبد الملك بن مروان»، وتوفى سنة (١٥٠هـ) فى خلافة «أبى جعفر المنصور العباسى»، أى أنه عاش أغلب حياته فى العصر الأموى. وهو من أصل فارسى، تلقى الفقه على كثير من كبار العلماء، منهم «أبو جعفر الصادق»، و «إبراهيم النخعى»، و «عامر بن شراحبيل الشعبى»، و «الأعمش»، و «قتادة»، وغيرهم، واشتهر باجتهاده، وقوة حجته، وحسن منطقه، ودقته فى استنباط الأحكام، وهو صاحب المذهب الحنفى المعروف، الذى ألَّف فيه ونشره بين الناس تلاميذه العظام، ومن أبرزهم «أبو يوسف» المتوفى سنة (١٨٢هـ) قاضى القضاة فى عهد الخليفة «هارون الرشيد»، و «محمد بن الحسن الشيبانى» المتوفى سنة (١٨٩هـ). و «زفر بن هذيل» المتوفى سنة (١٥٨هـ)، وقد انتشر المذهب الحنفى فى «مصر» و «العراق» وأواسط آسيا وغيرها. وأماَّ الآخر فقد وُلد فى «المدينة المنورة» سنة (٩٣هـ) فى عهد «الوليد بن عبدالملك»، وتوفى سنة (١٧٩هـ) فى عهد «هارون الرشيد»، أى أنه عاش نحو نصف عمره فى العصر الأموى، وأكثر من نصفه الآخر فى العصر العباسى. نشأ «مالك بن أنس» وتفقَّه وروى الحديث فى «المدينة» وترك كتابًا عظيمًا هو «الموطأ»، الذى يجمع بين الفقه والحديث، والإمام «مالك» صاحب المذهب المالكى المعروف الذى انتشر فى «مصر» و «المغرب العربى». وقد عاصر هذين الإمامين الجليلين عدد آخر لا يقل عنهما علمًا وفقهًا، مثل: «الأوزاعى» إمام أهل الشام المتوفى سنة (١٥٧هـ)، و «الليث بن سعد» إمام أهل «مصر»، المتوفى سنة (١٧٥هـ)، غير أن مذهب هذين الإمامين الجليلين اندثر بعدهما؛ لأنهما لم يجدا تلاميذ يواصلون نشر مذهبيهما. *