page 14389, entry [29243]Open original source
قُطز بن عبد الله، السّلطان الشّهيد الملك المظفّر، سيف الدّين المُعزّيّ. كان أكبر مماليك الملك المُعزّ أيْبك التّركمانيّ. وكان بطلاً شجاعاً، مِقْداماً، حازماً، حسن التّدبير، يرجع إلى دينٍ وإسلام وخير. وله اليد البيضاء في جهاد التّتار، فعوّض الله شبابه بالجنّة ورضي عنه. حكى شمس الدّين ابن الجزّريّ في تاريخه (¬٣)، عن أبيه قال: كان قُطُز في رقّ ابن الزّعيم بدمشق في القصّاعين، فضربه أستاذُه فبكى، ولم يأكل شيئاً يومه. ثم ركب أستاذُه للخدمة، وأمر الفرّاش أن يترضّاه ويُطْعمه. قال: فحدّثني الحاجّ عليّ الفرّاش قال: جئتُه فقلت: ما هذا البكاء من لطْشة؟ فقال: إنّما بُكائي من لعنته أبي وجدّي، وهم خيرٌ منه. فقلت: من أبوك واحد كافر. فقال: والله ما أنا إلاّ مسلم ابن مسلم، أنا محمود بن ممدود ابن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك. فسكتّ وترضّيته. وتنقّلت به الأحوال إلى أن تملّك. ولمّا تملّك الشّام أحسن إلى الحاجّ علي الفرّاش، وأعطاه خمسمائة دينار، وعمل له راتباً. قلت: وكان مدبّر دولة ابن أستاذه الملك المنصور عليّ ابن المُعزّ، فلمّا دهم العدوّ الشّام رأى أنّ الوقت يحتاج إلى سلطان مهيب كامل الرُّجُوليّة، فعزل الصّبيّ من المُلك وتسلطن، وتمّ له ذلك في أواخر سنة سبْعٍ وخمسين. ثمّ لم يبلعْ ريقه، ولا تهنّى بالسّلطنة حتّى امتلأت الشّامات المباركة بالتّتار، فتجهّز للجهاد، وشرع في أُهْبة الغزو، والتفّ إليه عسكر الشّام وبايعوه، فسار بالجيوش في أوائل رمضان لقصد الشّام، ونصر الإسلام، فعمل المصافّ مع التّتار، وعليهم كتْبُغا على عين جالوت، فنصره الله، وقتل مقدَّم التّتار. قال الشّيخ قُطْب الدّين (¬١): حكي عنه أنّه قُتل جوادُه يومئذ، ولم يصادف أحداً من الوشاقيّة، فبقي راجلاً، فرآه بعض الأمراء الشُّجعان، فترجّل وقدّم له حصانه، فامتنع وقال: ما كنت لأمنع المسلمين الانتفاع بك في هذا الوقت. ثمّ تلاحقت الوشاقية إليه. وحدّثني أبي أحمد أنّ الملك قُطُزْ لمّا رأى انكشافاً في ميْسرته رمى الخوْذة عن رأسه وحمل وقال: وَادِين محمد. فكان النّصر. قال: وكان شابّاً أشقر، كبير اللّحية. قلت: ثمّ جهّز الأمير رُكن الدّين بيْبرس، أعني الملك الظّاهر، في أقْفاء التّتار، ووعده بنيابة حلب، فساق وراءهم إلى أن طردهم عن الشّام. ثمّ إنّه انثنى عزْمُهُ على إعطائه حلب، وولاّها لعلاء الدّين ابن صاحب الموصل، فتأثّر رُكن الدّين من ذلك. ودخل الملك المظفّر دمشق، فأحسن إلى الرّعيّة، وأحبّوه حبّاً زائداً، ثمّ استناب على البلد علم الدّين سنْجر الحلبيّ، ورجع بعد شهر إلى الديار المصرية، فقُتل بين الغرابيّ والصّالحيّة في آخر الرّمل، ودُفن بالقُصيْر. وقال ابن الجزْريّ في تاريخه (¬٢): حدّثني أبي قال: حدّثني أبو بكر ابن الدُّريْهم الإسْعرديّ والزّكيّ إبراهيم الجبيلي أستاذ الفارس أقطايا، قالا: كنّا عند سيف الدّين قُطُزْ لمّا تسلطن استاذُه المُعزّ، وقد حضر عنده منجّمٌ مغربيّ، فصرف أكثر غلمانه، فأردنا القيام، فأمرنا بالقُعود، ثمّ أمر المنجّم فضرب الرّمل. ثمّ قال: اضرب لمن يملك بعد أستاذي، ومن يكسر التّتار. فضرب، وبقي زماناً يحسب وقال: ياخونْد يطلع معي خمسُ حروف بلا نُقط ابن خمس حروف بلا نقط. فقال: لمَ لا تقول محمود بن ممدود. فقال: يا خَونْد لا يقع غير هذا الاسم. فقال: أنا هو، وأنا أكسرهم وأخذ بثأر خالي خُوارزم شاه. فتعجّبنا من كلامه وقلنا: إن شاء الله يكون هذا يا خونْد. فقال: اكتُمُوا هذا. وأعطى المنجّم ثلاث مائة درهم. قلت: تولّى قتْله رُكن الدّين البُنْدقداريّ المذكور الّذي قتل الملك المعظّم بالمنصورة، وأعانه جماعة أمراء. وبقي مُلْقى، فدفنه بعض غلمانه، وصار قبره يُقصد بالزّيارة، ويُترحّم عليه، ويُسبّ من قتله، فلمّا كثُر ذلك بعث السّلطان من نبشه، ونقله إلى مكان لا يُعرف، وعفَّى أثره. قُتل في سادس عشر ذي القعدة. ٤٥٧ -