page 7213, entry [11961]Open original source
سنة سبع عشرة وثلاثمائة قال ثابت بن سنان (¬١): في ثامن المحرم خرج مؤنس إلى باب الشماسية ومعه سائر الجيش، وركب نازوك الوالي في جيشه من داره، وخرج أبو الهيجاء بن حمدان أيضًا إلى مؤنس، فشحن المقتدر داره ومعه هارون بن غريب، وأحمد بن كيغلغ، والحاشية. فلما كان آخر النهار انفض أكثر من في دار الخلافة من الرجالة إلى مؤنس. وراسل مؤنس المقتدر بأن الجيش عاتب منكر لما يصرف من الذهب إلى الحرم والخدم، وأنهم يطلبون إخراج الحرم والخدم من دار الخلافة وإبعادهم. فكتب إليه رقعة بخطه: أمتعني الله بك، ولا أخلاني منك، ولا أراني فيك سوءًا. إني تأملت الحال فوجدت الأولياء الذين خرجوا لم يريدوا إلا صيانة نفسي وإعزاز أمري، فبارك الله عليهم. فأما أنت يا أبا الحسن المظفر، لا خلوت منك، فشيخي وكبيري. وذكر فصلًا طويلًا في الخضوع له، إلى أن قال: وقبل هذا وبعده فلي في أعناقكم بيعة مؤكدة، ومن بايعني فإنما بايع الله، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وعهد الله نكث. ولي عليكم نعم وصنائع، وآمل أن تعترفوا بها لا تكفروها. فلما وقفوا على الورقة عدلوا إلى مطالبته بإخراج هارون عن بغداد، فأجابهم إلى ذلك وقلده الثغور، وخرج من يومه. ودخل في عاشر محرم مؤنس والجيش، فأرجف بالمقتدر أراجيف شديدة. ثم اتفق مؤنس وأبو الهيجاء ونازوك على خلعه، فخرج مؤنس في ثاني عشر محرم إلى الشماسية في الأمراء والجنود. وفي رابع عشر جاؤوا إلى دار الخلافة، فهرب الحاجب مظفر، والوزير ابن مقلة، والحشم. ودخل مؤنس وأبو الهيجاء ونازوك، وحصل الجيش كله في دار الخليفة، وأخرج المقتدر بعد العشاء ووالدته وخالته (¬١) وحرمه إلى دار مؤنس. ودخل هارون من قطربل فاختفى ببغداد، فأحضروا محمد بن المعتضد من الحريم، وكان محبوسًا، فوصل في الثلث الأخير، وبايعه مؤنس والأمراء، ولقب بالقاهر بالله. وكان علي بن عيسى محبوسًا فأطلق إلى بيته، وقلدوا أبا علي بن مقلة وزارة القاهر بالله، وقلدوا نازوك الحجابة والشرطة، وقلدوا أبو الهيجاء إمرة الدينور، وهمذان، ونهاوند، مع ما بيده من الجزيرة والموصل. ووقع النهب في دار السلطان وبغداد، ونهب لأم المقتدر ستمائة ألف دينار، وأشهد المقتدر على نفسه بالخلع، وذلك يوم السبت. وجلس القاهر يوم الأحد، وكتب الوزير عنه إلى البلاد، وعمل الناس الموكب يوم الاثنين، فامتلأت دهاليز الدار بالعسكر، فطلبوا رزق البيعة ورزق سنة. ولم يأت مونس يومئذ إلى الدار، فارتفعت أصوات الرجالة، فخاف نازوك أن يتم قتال، فهجم الرجالة، فلم يكفهم أحد، فقتلوا نازوك وخادمه عجيبًا وصاحوا: المقتدر يا منصور. فتهارب من في الدار حتى الوزير والحجاب. وصاروا إلى دار مؤنس يطلبون المقتدر ليردوه إلى الخلافة، وأغلق بعضهم باب دار الخلافة؛ لأنهم كانوا كلهم خدم المقتدر، فأراد أبو الهيجاء الخروج، فتعلق به القاهر وقال: تسلمني وتخرج؟ فداخلته الحمية فقال: لا والله. ورجع معه فدخلا الفردوس، وخرجا إلى الرحبة التي يسلك منها إلى باب النوبي. ونزع أبو الهيجاء سواده وأخذ جبة صوف، وذهب على فرسه. فوقف القاهر مع خدم له، فعاد إليه أبو الهيجاء، فأخبره بقتل نازوك. وسدت المسالك على أبي الهيجاء والقاهر فرجعا إلى الدار يتسللون، وبقي من خدم المقتدر جماعة بالسيوف، فخافهم أبو الهيجاء، فثبتوا فرجع القهقرى ودخل بيتًا. فجاء خماجور، وشتم أبا الهيجاء الغلمان، فغضب وخرج كالجمل الهائج وصاح: يا لتغلب! أأقتل بين الحيطان؟ أين الكميت؟ أين الدهماء؟ فرماه خماجور بسهم في ثديه، ثم رماه آخر فأصاب ترقوته. وآخر في فخذه، فنزع عنه الأسهم، وقتل واحدًا منهم. وكان مع خماجور أسودان، فبادرا إلى أبي الهيجاء، فحز أحدهما رأسه. وأما أولئك فإنهم حملوا المقتدر على أعناقهم من دار مؤنس إلى قصر الخلافة، فقال: ما فعل أبو الهيجاء؟ فجاءوا برأسه إلى المقتدر، فقال: من قتله؟ قالوا: لا ندري. فاسترجع وتأسف عليه. ثم سمع ضجةً، وجاءه خادم يعدو فقال: هذا محمد القاهر قد أخذ. فجيء به فأجلس بين يديه، فاستدناه وقبل جبينه، وقال له يا أخي: أنت والله لا ذنب لك. هذا والقاهر يبكي ويقول: الله الله يا أمير المؤمنين في نفسي! فقال: والله لا جرى عليك مني سوء أبدًا، فطب نفسًا! وطيف برأس نازوك ورأس أبي الهيجاء ببغداد، ونودي: هذا جزاء من عصى مولاه وكفر نعمته. فسكن الناس. وعاد الوزير فكتب إلى الأقاليم بعود الخلافة إلى المقتدر. وقيل: إن الذي قتل نازوكًا سعيد ومظفر من شطار بغداد. ثم أتى مؤنس وبايع المقتدر هو والقواد والقضاة. وقيل: إن المقتدر لما أحيط به ورأى الغلبة نشر المصحف، وقال: أنا فاعل ما فعل عثمان ﵁، ولا أنزع قميصًا ألبسنيه الله! ولما رجع إليه ملكه بذل الأموال في الجند حتى أنفذ الخزائن، وباع ضياعًا وأمتعة وتمم عطاياهم. وبيعت ضياع بختيشوع بالثمن اليسير. قال ثابت بن سنان: كان قد وصل إلى الطبيب بختيشوع في مدة خدمته للرشيد ستة وخمسون ألف ألف درهم من الرشيد والبرامكة. وظهر هارون بن غريب ودخل على مؤنس وسلم عليه وقلد الجبل، فخرج إلى عمله. وقلد المقتدر إبراهيم ومحمد ابني رائق شرطة بغداد. وقلد مظفر بن ياقوت الحجابة. وفي رجب ماتت ثمل القهرمانة. وفيها سير المقتدر الركب مع منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي، فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلًا ذريعًا وفي فجاج مكة وفي داخل البيت، وقتل ابن محارب أمير مكة، وعرى البيت، وقلع بابه، واقتلع الحجر الأسود فأخذه. وطرح القتلى في بئر زمزم ورجع إلى بلاد هجر ومعه الحجر الأسود. وامتلأت فجاج مكة بالقتلى. وقال أبو بكر محمد بن علي بن القاسم الذهبي في تاريخه: إن أبا طاهر سليمان بن حسن القرمطي صاحب البحرين دخل مكة في سبعمائة رجل، فقتلوا في المسجد الحرام نحو ألف وسبعمائة من الرجال والنساء وهم يتعلقون بأستار الكعبة. وردم منهم بئر زمزم، وصعد على باب الكعبة، واستقبل الناس وهو يقول: أَنَا بالله وباللَّه أَنَا … يخلق الخلق وأفنيهم أَنَا وقتل في سكك مكة وشعابها زهاء ثلاثين ألفًا، وسبى من النساء والصبيان مثل ذلك. وأقام بمكة ستة أيام، وأوقع بهم في سابع ذي الحجة. ولم يقف أحد تلك السنة وقفةً، فرماه الله في جسده وطال عذابه حتى تقطعت أوصاله. قال محمود الأصبهاني: دخل رجل من القرامطة وهو سكران فصفر لفرسه، فبال عند البيت وقتل جماعة. ثم ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم قلعه. وأقام القرمطي بمكة أحد عشر يومًا، ثم رحلوا وبقي الحجر الأسود عندهم نحو عشرين سنة. وقيل: هلك تحته إلى هجر أربعون جملًا. فلما أعيد إلى مكة حمل على قعود هزيل فسمن. وكان بجكم التركي قد دفع فيه خمسين ألف دينار فلم يردوه، وقالوا: أخذناه بأمر، وما نرده إلا بأمر. وقيل: إن الذي اقتلعه صاح: يا حمير أنتم قلتم: ومن دخله كان آمنًا، فأين الأمن؟ قال رجل: فلويت رأس فرسه واستسلمت للقتل وقلت له: اسمع! إن الله أراد ومن دخله فآمنوه. فلوى رأس فرسه، وخرج ما كلمني. وقد غلط السمناني فقال في تاريخه: الذي قلع الحجر الأسود أبو سعيد الجنابي. وإنما هو ابنه. وكان ابن أبي الساج قبل ذلك بزمان قد نزل على أبي سعيد فأكرمه. فلما جاء لقتاله أرسل إليه يقول، أعني ابن أبي الساج: لك علي حق قديم، وأنت في قلة وأنا في كثرة، فانصرف راشدًا. وكان مع ابن أبي الساج ثلاثون ألفًا، ومع أبي سعيد خمسمائة فارس، وبينهما النهر. فقال أبو سعيد للرسول: كم مع صاحبكم؟ قال: ثلاثون ألفًا. قال: ما معه ولا ثلاثة. ثم دعا بعبد أسود، فقال له: خرق بطنك بهذه السكين. فأتلف نفسه. وقال لآخر: غرق نفسك في هذا النهر، ففعل. وقال لآخر: اصعد على هذا الحائط وألق نفسك على دماغك ففعل. ثم قال للرسول: إن كان معه من يفعل مثل هؤلاء وإلا فما معه أحد. ثم ذكر السمناني خرافات لا تصح. ونقل القليوبي وهو ضعيف أن القرمطي باع الحجر الأسود من المقتدر بثلاثين ألف دينار، ولم يصح هذا ولا وقع. قال: فقال للشهود: من أين تعلمون أنه الحجر؟ فقال عبد الله بن عليم المحدث: إنه يشوف على الماء ولا تسخنه النار. فأحضر الجنابي طستًا وملأه ماءً ووضع الحجر، فطفا على الماء. وأوقد عليه النار فلم يحم بها. فأخذه ابن عليم وقبله وقال: أشهد أنه الحجر الأسود. فتعجب الجنابي وقال: هذا دين مضبوط. ثم رد الحجر إلى مكة أيام المقتدر. كذا قال، وغلط. إنما رد إلى مكانه في خلافة المطيع لله. وقال محمد بن الربيع بن سليمان: كنت بمكة سنة القرمطي، فصعد رجل ليقلع الميزاب وأنا أراه، فعيل صبري وقلت: يا رب، ما أحلمك! وتزلزلت. قال: فسقط الرجل على دماغه، فمات. وفيها: خرج محمد بن طغج أمير الجوف سرًا من تكين أمير مصر، فلحق بالشام وولي دمشق. وبعث تكين خلفه فلم يلحق. وفيها: خلع المقتدر على أبي عمر محمد بن يوسف القاضي، وقلد قضاء القضاة. وهاجت ببغداد فتنة كبرى بسبب قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ، فقالت الحنابلة: معناه يقعده الله على عرشه كما فسره مجاهد. وقال غيرهم من العلماء: بل هي الشفاعة العظمى كما صح في الحديث. ودام الخصام والشتم واقتتلوا، حتى قتل جماعة كبيرة. نقله الملك المؤيد (¬١)، ﵀. وقال المراغي: حدثني أبو عبد الله بن محرم، وكان رسول المقتدر إلى القرمطي، قال: سألت القرمطي بعد مناظرات جرت بيني وبينه في استحلاله ما استحل من الدماء وعن الحجر الأسود. فأمر بإحضاره، فأحضر في سفط مبطن بديباج. فلما برز لي كبرت وقلت إيمانًا وتصديقًا: هذا هو الحجر بلا ريب. قال: ورأيتهم من تعظيمه وتنزيهه وتشريفه والتبريك به على حالة كبيرة. وفيها: خالف نصر بن أحمد بن إسماعيل أمير خراسان إخوته أبو إسحاق، وأبو زكريا، وأبو صالح، فأعمل الحيلة حتى عادوا إلى طاعته ووانسهم ثم سقى الأكبر سمًا في كوز فقاعٍ فمات، وحبس الآخرين فهرب أحدهما إلى الري واستأمن إلى مرداوين فأكرمه، وخنق نصر الآخر. وأما ما كان من خبر الحجاج فإنه قتل من قتل منهم بمكة، ولم يتم لهم حج. وتجمع من بقي وتوصلوا إلى مصر، ولم يفلح أبو طاهر القرمطي بعدها، وتقطع جسده بالجدري. ومن شعره: أغَرَّكُمُ مِنّي رُجُوعي إلى هَجَرْ … فعمّا قليلٍ سوف يأتيكُمُ الخَبرْ إذا طلعَ المِرّيخُ مِن أرض بابلٍ … وقارَنَه كَيْوانُ فالحَذَرَ الحذَرْ فَمَن مُبْلِغُ أهلَ العراقِ رِسالةً … بأنّي أَنَا المرهوبُ في البَدْو والحَضَرْ أَنَا صاحب الأنبار يوم ديارها … ويوم عقرقوفا فمن منكم حَضَرْ فواللَّه لولا التَّغْلِبيّ ورأيه … لَغَادَرَكم أمثالَ نخلٍ قد انعَقَرْ فذاك أبو الهيجاء أشجعُ من مشى … عَلَى الأرضِ أو لاثَ العمائمَ واعتجَرْ وأصبح هذا النّاس كالشّاء ما لَهُم … زَعيمٌ ولا فيهم لأَنفُسِهم نظَرْ فَيَا وَيْلَهم مِن وقعةٍ بعد وقعةٍ … يُسَاقون سَوْق الشّاءِ للذِّبْح والبقَرْ سَأَضْربُ خيلي نحو مصرَ وبرقةٍ … إلى قَيْروانِ التُّرْك والرُّومِ والخزَرْ أَكيلُهُمُ بالسّيف حتّى أُبِيدُهم … فلا أُبْقِ منهمْ نَسْل أُنْثَى ولا ذكَرْ أَنَا الدّاعي المهديّ لَا شكَّ غيرُه … أَنَا الضَّيْغَمُ الضِّرُغام والفارسُ الذَّكَرْ أُعَمَّرُ حتّى يأتي عيسى بْنُ مريمَ … فيحمَدُ آثاري وأرضى بما أمَرْ ولكنّه حَتْمٌ علينا مُقَدَّرٌ … فَنَفْنَى ويَبْقَى خالقُ الخلْق والبشَرْ وممن قتلته القرامطة: عبد الرحمن بن عبد الله بن الزبير، أبو بكر الرهاوي. روى عن أبيه، وغيره. وعنه أبو الحسين الرازي والد تمام، وغيره. وكان علي بن بابويه الصوفي يطوف بالبيت والسيوف تنوشه وهو ينشد: ترى المحبّين صَرْعَى في ديارهم … كَفِتْية الكهْفِ لَا يدرون كم لَبِثُوا ذكر نازوك: كان شجاعًا فاتكًا، غلب على الأمر وتصرف في الدولة. وعلم مؤنس الخادم أنه متى وافقه على خلع المقتدر زاد تحكمه، فأجابه ظاهرًا، وواطأ فيما قيل البرددارية على قتله. وكان له أكثر من ثلاثمائة مملوك. وأما نواحي مملكة الروم فكان بها الخوف والوجل ما لا مزيد عليه، وجنح أهل الثغور إلى ملاطفة النصارى وبذل الإتاوة لهم، وركنوا إلى تسليم بلد سميساط وغيرها. فلله الأمر.