ابن رجب الحنبلي - ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1990, entry [518]5,024 chars
٤٧٩ - أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (¬١) بنِ عَبْدِ المُنْعِمِ بنِ نِعْمَةَ، المَقْدِسِيُّ،النَّابُلُسِيُّ، العَابِدُ، الفَقِيْهُ، المُحَدِّثُ، شِهَابُ الدِّيْنِ، أَبُو العَبَّاسِ بنِ الشَّيْخِ جَمَالِ الدِّيْنِ. وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَبِيْهِ (¬١). وُلِدَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثَ عَشَرَ شَعْ…
▸ expand full passage (5,024 chars)٤٧٩ - أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (¬١) بنِ عَبْدِ المُنْعِمِ بنِ نِعْمَةَ، المَقْدِسِيُّ،النَّابُلُسِيُّ، العَابِدُ، الفَقِيْهُ، المُحَدِّثُ، شِهَابُ الدِّيْنِ، أَبُو العَبَّاسِ بنِ الشَّيْخِ جَمَالِ الدِّيْنِ. وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَبِيْهِ (¬١). وُلِدَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثَ عَشَرَ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ بِـ "نَابُلُسَ". وَسَمِعَ بِهَا مِنْ عَمِّهِ تَقِيِّ الدِّيْنِ يُوْسُفَ، وَمِنَ الصَّاحِبِ مُحْيي الدِّيْنِ بنِ الجَوْزِيِّ، وَحَضَرَ فِي الرَّابِعَةِ عَلَى سُلَيْمَانِ الإسْعِرْدِيِّ، وَسَمِعَ مِنَ ابنِ الجُمَّيْزِيِّ (¬٢)، وَابْنِ رَوَاجٍ، وَالسَّاوِيِّ، وَسِبْطِ السِّلَفِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَرَحَلَ إِلَى "مِصْرَ" وَ"دِمَشْقَ" و"الإسْكَنْدَرِيَّةِ" وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ عَلَى القُوْصِيِّ، وَأَجَازَ لَهُ مَحْمُوْدُ بنُ مَنْدَه (¬٣)، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ المَدِيْنِيُّ، وَالسَّهْرَوَرْدِيُّ، وَابْنُ رُوْزَبَةَ. وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَبَرَعَ فِي مَعْرِفَةِ تَعْبِيْرِ الرُّؤْيَا، وَانْفَرَدَ بِذلِكَ بِحَيْثُ لَمْ يُشَارَكْ فِيْهِ، وَلَمْ يُدْرَكْ شَأوُهُ. وَكَانَ النَّاسُ يَتَحَيَّرُوْنَ مِنْهُ إِذَا عَبَّرَ الرُّؤْيَا، لِمَا يُخْبِرُ الرَّائي بِأُمُوْرٍ جَرَتْ لَهُ، وَرُبَّمَا أَخْبَرَهُ بِاسْمِهِ وَبَلَدِهِ وَمَنْزِلِهِ، وَيَكُوْنُ مِنْ بَلَدٍ نَاءٍ. وَلَهُ فِي ذلِكَ حِكَايَاتٌ كَثِيْرَةٌ غَرِيْبَةٌ مَشْهُوْرَةٌ، وَهِيَ مِنْ أَعْجَبِ العَجَبِ (¬٤).وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ يَقُوْلُوْنَ: إِنَّ لَهُ رِئِيًّا مِنَ الجِنِّ، وَكَانَ - مَعَ ذلِكَ - كَثيْرَ العِبَادَةِ وَالأوْرَادِ وَالصَّلَاةِ. لكِنْ يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَتَعَبَّدُ عَلَى وُجُوْهٍ غَيْرِ مَشْرُوْعَةٍ، كَالصَّلَاةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ. وَذَكَرَ عَنْهُ بَعْضُ أَقَارِبِهِ: أَنَّهُ رَأَى عِنْدَهُ شَيْئًا مِنْ آثَارِ الجِنِّ. وَقَدْ رَأَيْتُ لأبِي العَبَّاسِ القَرَافِيِّ المَالِكِيِّ (¬١) صَاحِبِ "القَوَاعِدِ" كَلَامًا حَسَنًا فِي التَّعْبِيْرِ، فَرَأَيْتِ أَنْ أَذْكُرَهُ هَهُنَا. قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ تَفْسِيْرَ المَنَامَاتِ قَدِ اتَّسَعَتْ تَقْيِيْدَاتُهُ، وَتَشَعَّبَتْ تَخْصِيْصاتُهُ، وَتَنَوَّعَتْ تَفْرِيْعَاتُهُ، بِحَيْثُ صَارَ لَا يَقْدِرُ الإنْسَانُ يَعْتَمِدُ عَلَى مُجَرَّدِ المَنْقُوْلَاتِ؛ لِكَثْرَةِ التَّخْصِيْصَاتِ بِأَحْوَالِ الرَّائِيْنَ، بِخِلَافِ تَفْسِيْرِ القُرْآنَ الكَرِيْمِ، وَالتَّحَدُّثِ فِي الفِقْهِ، وَالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنَ الحَصْرِ. وَعِلْمُ المَنَامَاتِ مُنْتَشِرٌ انْتِشَارًا شَدِيْدًا، لَا يَدْخُلُ تَحْتَ ضَبْطٍ. لَا جَرَمَ إِنِ احْتَاجَ النَّاظِر فِيْهِ - مَعَ ضَوَابِطِهِ وَقَوَانِيْنِهِ - إِلَى قُوَّةٍ مِنْ قُوَى النَّفْسِ المُعِيْنَةِ عَلَى الفِرَاسَةِ وَالاطِّلَاعِ عَلَى المُغَيَّبَاتِ، بِحَيْثُ إِذَا تَوَجَّهَ الحَزْرُ إِلَى شَيْءٍ لَا يَكَادُ يُخْطِئُ، بِسَبَبِ مَا يَخْلُقُهُ اللهُ تَعَالَى فِي تِلْكَ النَّفْسِ مِنَ القُوَّةِ المُعِيْنَةِ عَلَى تَقْرِيْبِ الغَيْبِ أَوْ تَحْقِيْقِهِ، فِمَنَ النَّاسِ مَنْ هُوَ كَذلِكَ، وَقَدْ يَكُوْنُ ذلِكَ عَامًّا فِي جَمِيْعِ الأَنْوَاعِ،وَقَدْ يَهَبُهُ اللهُ تَعَالَى ذلِكَ بِاعْتِبَارِ المَنَامَاتِ فَقَط، أَوْ بِحَسَبِ عِلْمِ الرَّمْلِ فَقَط، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ صِحَّةُ القَوْلِ وَالنُّطْقِ فِي غَيْرِهِ. وَمَنْ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ نَفْسٍ فِي هَذَا النَّوْعِ، صَالِحَةٌ فِي ذلِكَ لِعِلْمِ الرُّؤْيَا لَا يَكَادُ يُصِيْبُ إلَّا عَلَى النُّدُوْرِ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ التَّوَجُّهُ لِعِلْمِ التَّعْبِيْرِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ قُوَّةُ نَفْسٍ هُوَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِتَعْبِيْرِهِ. وَقَدْ رَأَيْتِ مَنْ لَهُ قُوَّةُ نَفْسٍ مَعَ القَوَاعِدِ، فَكَانَ يَتَحَدَّثُ بالعَجَائِبِ وَالغَرَائِبَ فِي المَنَامِ اللَّطِيْفِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ الأشْيَاءُ الكَثِيْرَةُ، وَالأَحْوَالُ المُتَبَايِنَةُ، وَيُخْبِرُ فِيْهِ عَنِ المَاضِيَاتِ، وَالحَاضِرَاتِ، وَالمُسْتَقْبَلَاتِ، وَيَنْتَهِي فِي المَنَامِ اليَسِيْرِ إِلَى نَحْوِ مَائَةٍ مَنَ الأَحْكَامِ بِالعَجَائِبِ وَالغَرَائِبِ، حَتَّى يَقُوْلَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَحْوَالَ قِوَى النُّفُوْسِ: إِنَّ هَذَا مِنَ الجَانِّ وَالمُكَاشَفَةِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ هُوَ قُوَّةُ نَفْسٍ، تَجِدُ بِسَبَبِهَا تِلْكَ الأحْوَالِ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ لِلْمَنَامِ. وَرَأَيْتَ أَنَا جَمَاعَةً مِنْ هَذَا النَّوع وَاخْتَبَرْتُهُمْ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَأَظُنُّهُ يُشِيْرُ إِلَى الشَّيْخِ شِهَابِ الدِّيْنِ المَذْكُوْرِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُعَاصِرَهُ. وَلَهُ مُصَنَّفٌ فِي هَذَا العِلْمِ، سَمَّاهُ "البَدْرَ المُنِيْرِ" (¬١). قَالَ الذَّهَبِيُّ؛ كَانَ إِمَامًا، فَاضِلًا. وَلَهُ مُصَنَّفٌ نَفِيْسٌ فِي "الأحْكَامِ". وَأَقَامَ مُدَّةً بِـ "القَاهِرَةِ"، وَمُدَّةً بِـ "دِمَشْقَ" وَبِهَا مَاتَ. وَوَلِيَ بِهَا مُدَّةَ شُهُوْرٍ مَشْيَخَةَ "دَارِ الحَدِيْثِ الأشْرَفِيَّةِ" بِـ "سَفْحِ قَاسِيُوْنَ"، وأَسْمَعَ بِهَا الحَدِيْثَ، ثُمَّ صُرِفَ عَنْهَا. وَذُكِرَ مُدَّةً لِقَضَاءِ الحَنَابِلَةِ. وَحَدَّثَ بِـ "دِمَشْقَ" وَ"مِصْرَ" وَغَيْرِهَا. وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْقٌ مِنَ الحُفَّاظِ وَغَيْرِهِمْ، كَالمِزِّيِّ، وَالبَرْزَالِيِّ، وَالذَّهَبِيِّ،وَشَيْخِنَا ابنِ القَيِّم. وَ (ثَنَا) عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَحَدِ تَاسِعَ وَعِشْرِيْنَ ذِيْ القَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ بِـ "دِمَشْقَ" وَدُفِنَ مِنْ يوْمِهِ بِمَقَابِرِ "بَابِ الصَّغِيْرِ" بِتُرْبَةِ ابنِ أَبِي الطَّيِّبِ. وَكَانَتْ جِنَازَتُهُ حَافِلَةً. وَخَرَجَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ للصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَالقُضَاةُ، وَالأكَابِرُ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.