ابن رجب الحنبلي - ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 376, entry [90]6,971 chars
٥٢ - المُعَمَّرُ بْن علِيٍّ (¬٢) بنِ المُعَمَّرِ بْنِ أَبِي عِمَامَةَ البَقَّالُ البَغْدَادِيُّ، أَبُو سَعْدٍ،الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، رَيْحَانَةُ البَغْدَادِيِّيْنَ، وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعَمِائَةَ، وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ غَيْلَانِ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الخَلَّالِ، وَالجَوْهَرِيِّ، وَأَ…
▸ expand full passage (6,971 chars)٥٢ - المُعَمَّرُ بْن علِيٍّ (¬٢) بنِ المُعَمَّرِ بْنِ أَبِي عِمَامَةَ البَقَّالُ البَغْدَادِيُّ، أَبُو سَعْدٍ،الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، رَيْحَانَةُ البَغْدَادِيِّيْنَ، وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعَمِائَةَ، وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ غَيْلَانِ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الخَلَّالِ، وَالجَوْهَرِيِّ، وَأَبِي القَاسِمِ الأَزَجِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ فَقِيْهًا مُفْتِيًا، وَوَاعِظًا بَلِيْغًا فَصِيْحًا، لَهُ قَبُوْلٌ تَامٌّ، وَجَوَابٌ سَرِيْعٌ، وَخَاطِرٌ حَادٌّ، وَذِهْنٌ بَغْدَادِيٌّ، وَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي حِدَّةِ الخَاطِرِ، وَسُرْعَةِ الجَوَابِ بِالمُجُونِ، وَطِيْبِ الخُلُقِ، وَلَهُ كَلِمَاتٌ فِي الوَعْظِ حَسَنَةٌ، وَرَسَائِلُ مُسْتَحْسَنَةٌ، وَجُمْهُوْرَ وَعْظِهِ حِكَايَاتُ السَّلَفِ، وَكَانَ يَحْصُلُ بِوَعْظِهِ نَفْعٌ كَثيرٌ، وَكَانَ فِي زَمَنِ أَبِي عَلِيِّ عَبْدُ اللهِ بنِ (¬١) الوَلِيدِ، شَيْخِ المُعْتَزِلَةِ، يَجْلِسُ فِي مَجْلِسِهِ، وَيَلْعَنُ المُعْتَزِلَةَ. وَخَرَجَ مَرَّةً فَلَقِيَ مُغَنِيَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِ تُرْكِيٍّ، فَقَبَضَ عَلَى عُوْدِهَا وَقَطَّعَ أَوْتَارَهَا، فَعَادَتْ إلَى التُّرْكِيِّ فَأَخْبَرَتْهُ، فَبَعَثَ مَنْ كَبَسَ دَارَ أَبِي سَعْدٍ، وَأُفْلِتَ، وَاجْتَمَعَ (¬٢) بِسَبَبِ ذَلِكَ الحَنَابِلَةُ، وَطَلَبُوا مِنَ الخَلِيْفَةِ إزَالَةَ المُنْكَرَاتِ كُلِّهَا، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُ ذْلِكَ فِي تَرْجَمَةِ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ (¬٣)، وَكَانَ أَبُو سَعْدٍ يَعِظُ بِحَضْرَةِ الخَلِيْفَةِ المُسْتَظْهِرِ وَالمُلُوْكِ، وَقَالَ يَوْمًا لِلْمُسْتَظْهِرِ فِي وَعْظِهِ: أَهْوَنُ مَا عِنْدَهُ أَنْ يَجْعَلَ لَكَ أَبْوَابَ العِرْضِيِّ (¬٤) تَوَابِيْتَ وَوَعَظَ نِظَامَ المُلْكِ الوَزِيْرَ مَرَّةً بِجَامِعِ المَهْدِيِّ، فقَالَ: الحَمْدُ للهِ وَلِيِّ الإِنْعَامْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَىمَنْ هُوَ لِلأَنْبِيَاءِ خِتَامْ، وَعَلَى آلِهِ سُرُجِ الظَّلَامْ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ (¬١) الغُرِّ الكِرَامْ، وَالسَّلَامُ عَلَى صَدْرِ الإسْلَامْ، وَرَضِيَّ الإمَامْ، زَيَّنَهُ اللهُ بِالتَّقْوَى، وَخَتَمَ عَمَلَهُ (¬٢) بِالحُسْنَى، وَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ خَيْرِ الآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، مَعْلُوْمٌ يَا صَدْرَ الإسْلَامِ، أَنَّ آحَادَ الرَّعِيَّةِ مِنَ الأَعْيَانِ مُخَيَّرُوْنَ فِي القَاصِدِ وَالوَافِدِ، إِنْ شَاءُوا وَصَلُوا وَإِنْ شَاءُوا فَصَلُوا، وَأَمَّا مَنْ تَوَشَّحَ بِوِلَايَةٍ فَلَيْسَ مُخَيَّرًا فِي القَاصِدِ وَالوَافِدِ؛ لِأَنَّ مَنْ هُوَ عَلَى الخَلِيْفَةِ أَمِيْرٌ، فَهُوَ فِي الحَقِيْقَةِ أَجِيْرٌ، قَدْ بَاعَ زَمَنَهُ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ نَهَارِهْ مَا يَتَصَرَّفُ فِيْهِ عَلَى اخْتِيَارِهْ، وَلَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ نَفْلًا، وَلَا يَدْخُلَ مُعْتَكَفًا، دُوْنَ الصَّدَدِ لِتَدْبِيْرِهِمْ، وَالنَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ؛ لِأَنَّ ذلِكَ فَضْلٌ، وَهَذَا فَرْضٌ لَازِمٌ. وَأَنْتَ يَا صَدْرَ الإسْلَامِ وَإِنْ كُنْتَ وَزِيرَ الدَّوْلَةِ، فَأَنْتَ أَجِيْرُ الأُمَّةِ، اسْتَأْجَرَكَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ بِالأُجْرَةِ الوَافِرَهْ؛ لِتَنُوْبَ عَنْهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَهْ (¬٣) فَلْتُجِيْبَ عَنْهُ رَبَّ العَالَمِيْنَ؛ فَإِنَّهُ سَيَقِفُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ لَهُ: مَلَّكْتُكَ البِلادْ، وَقَلَّدْتُكَ أَزِمَّةَ العِبَادْ، فَمَا صَنَعْتَ فِي إفَاضَةِ البَذْلِ، وَإِقَامَةِ العَدْلِ؟ فَلَعَلَّهُ يَقُوْلُ: يَا رَبِّ اخْتَرْتُ مِنْ دَوْلَتِيشُجَاعًا عَاقِلًا، حَازِمًا، فَاضِلًا، وَسَمَّيْتُهُ قَوَامَ الدِّيْنِ، نِظَامَ (¬١) المُلْكِ، وَهَا هُوَ قَائِمٌ فِي جُمْلَةِ الوُلَاةِ، وَبَسَطْتُ بِيَدِهِ فِي الشُّرَطِ وَالسَّيْفِ وَالقَلَمِ، وَمَكَّنْتُهُ فِي الدِّيْنَارِ وَالدِّرْهَمِ، فَاسْأَلْهُ يَا رَبِّ: مَاذَا صَنَعَ فِي عِبَادِكَ وَبِلَادِكَ؟ أَفَتُحْسِنُ أَنْ تَقُولَ فِي الجَوَابِ نَعَمْ، تَقَلَّدْتُ أُمُوْرَ البِلَادِ، وَمَلَكْتُ أَزِمَّةَ العِبَادِ، وَبَثَثْتُ النَّوَالَ، وَأَعْطَيْتُ الإِفْضَالَ، حَتَّى إِذَا قَرُبْتُ مِنْ لِقَائِكَ، وَدَنَوْتُ مِنْ تِلْقَائِكَ، اتَّخَذْتُ الأَبْوَابَ وَالبَوَّابَ، وَالحِجَابَ وَالحُجَّابَ؛ لِيَصُدُّوا عَنِّيَ القَاصِدَ، وَيَرُدُّوا عَنِّي الوَافِدَ! فَاعْمُرْ قَبْرِكَ كَمَا عَمَرْتَ قَصْرَكَ، وَانْتَهِزِ الفُرْصَةَ مَا دَامَ الدَّهْرُ يَقْبَلُ أَمْرَكَ، فَلَا تَعْتَذِرْ، فَمَا ثَمَّ مَنْ يَقْبَلُ عُذْرَكَ. وَهَذَا مَلِكُ الهِنْدِ - وَهُوَ عَابِدُ صَنَمٍ - ذَهَبَ سَمْعُهُ (¬٢)، فَقَالَ: مَا حَسْرَتِي لِذَهَابِ الجَارِحَةِ مِنْ بَدَنِي، وَلكِنْ تَأَسُّفِي لِصَوْتِ المَظْلُومِ لا أَسْمَعَهُ فَأُغِيْثَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ سَمْعِي فَمَا ذَهَبَ بَصَرِي فَلْيُؤْمَرْ كُلُّ ذِيْ ظَلَامَةٍ أَنْ يَلْبَسَ الأَحْمَرَ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُ عَرَفْتُهُ فَأَنْصَفْتُهُ. وَهَذَا أَنُوشِرْوَانَ قَالَ لَهُ رَسُوْلُ مَلِكِ الرُّوْمِ: لَقَدْ أَقْدَرْتَ عَدُوَّكَ عَلَيْكَ بِتَسْهِيْلِ الوُصُوْلِ إِلَيْكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَجْلِسُ هَذَا المَجْلِسَ لأَكْشِفَ ظُلَامَةً وَأَقْضِيَحَاجَةً. وَأَنْتَ يَا صَدْرَ الإِسْلَامِ، أَحَقُّ بِهَذِهِ المَأْثَرَةِ، وَأَوْلَى بِهَذِهِ وَأَحْرَى مَنْ أَعَدَّ جَوَابًا لِتِلْكَ المَسْأَلَةِ، فَإِنَّهُ اللهُ الَّذِي ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ (¬١) فِي مَوْقِفٍ مَا فِيْهِ إِلَّا خَاشِعٌ، أَوْ خَاضِعٌ، أَوْ مُقْنِعٌ، فَيَنْخَلِعَ فِيْهِ القَلْبُ، وَيَحْكُمَ فِيْهِ الرَّبُّ، وَيَعْظُمَ فِيْه الكَرْبُ، وَيَشِيْبَ فِيْهِ الصَّغِيْرُ، وَيُعْزَلَ فِيهِ المَلِكُ وَالوَزِيْرُ: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾ (¬٢) ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (¬٣)، وقَدِ اسْتَجْلَبْتُ لَكَ الدُّعَاءَ، وَخَلَّدْتُ لَكَ الثَّنَاءَ، مَعَ بَرَاءَتِي مِنَ التُّهَمَةِ، فَلَيْسَ لِي - بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى -[فِي أَرْضِ اللهِ ضَيْعَةٌ ولَا قَرْيَةٌ، وَلَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ خُصُوْمَةٌ، وَلَا بِي - بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى -] (¬٤) فَقْرٌ وَلَا فَاقَةٌ. فَلَمَّا سَمِعَ نِظَامُ المُلْكِ هَذِهِ المَوْعِظَةَ بَكَى بُكَاءً شَدِيْدًا، وَأَمَرَ لَهُ بِمَائَةِ دِيْنَارٍ، فَأَبَى أَنْ يَأخُذَهَا، وَقَالَ: أَنَا فِي ضِيَافَةِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، وَمَنْ يَكُنْ فِي ضِيَافَةِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ يَقْبُحُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ عَطَاءَ غَيْرِهِ، فَقَالَ لَهُ: فُضَّهَا (¬٥) عَلَى الفُقَرَاءِ، فَقَالَ: الفُقَرَاءُ عَلَى بَابِكِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ عَلَى بَابِي، وَلَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا. تُوُفِّيَ أَبُو سَعْدٍ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ثَامِنَ عِشْرِينَ رَبِيْعَ الأَوَّلَ، سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسَمَائَةَ،وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ"، - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - (٢). قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: حَكَى أَبُو المَكَارِمِ بْنُ رُمَيْضَاءَ السَّقْلَاطُوْنِيُّ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعْدٍ بنَ أَبِي عِمَامَةَ فِي المَنَامِ، حِينَ اخْتَصَمَ المُسْتَرْشِدُ وَالسُّلْطَانِ مَحْمُوْدٌ، وَعَلَيْهِ ثِيَابُ بَيَاضٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ، وَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ عِنْدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَهَا هُوَ وَرَائِي، فَالْتَفَتُّ فَرَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ تَقْصِدُوْنَ؟ قَالَ: إِلَى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ المُسْتَرْشِدِ بِاللهِ لِنَدْعُوَ لَهُ، فَصَحِبْتُهُمْ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى "الحَرْبِيَّةِ" إِلَى "مَسْجِدِ ابْنِ القَزْوِيْنِيِّ" فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: نَدْخُلُ، فَأَخَذَ الشَّيْخُ مَعَنَا، فَدَخَلَ بَابَ المَسْجِدِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ (¬١)، فَإِذَا الصَّوْتُ مِنْ صَدْرِ المَسْجِدِ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، الإِمَامُ قَدْ نُصِرَ، قَالَ: فَانْتَبَهْتُ مَرْعُوْبًا، وَكَانَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ.