ابن رجب الحنبلي - ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 241, entry [64]40,836 chars
٢٧ - عَبْدُ اللهِ بن مُحَمَّدِ (¬٤) بنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ جَعْفَرِ بنِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .مَنْصُوْرِ بنِ مَتَّ الأنْصَارِيُّ، الهَرَوِيُّ، الفَقِيْهُ، المُفَسِّرُ، الحَافِظُ، الصُّوْفِيُّ، الوَاعِظُ، شَيْخُ الإِسْلَامِ، …
▸ expand full passage (40,836 chars)٢٧ - عَبْدُ اللهِ بن مُحَمَّدِ (¬٤) بنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ جَعْفَرِ بنِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .مَنْصُوْرِ بنِ مَتَّ الأنْصَارِيُّ، الهَرَوِيُّ، الفَقِيْهُ، المُفَسِّرُ، الحَافِظُ، الصُّوْفِيُّ، الوَاعِظُ، شَيْخُ الإِسْلَامِ، أَبُو إِسْمَاعِيْلَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ أَبِي أَيُّوبَ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الأَنْصَارِيُّ (¬١)، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ. وُلِدَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ. ذَكَرَهُ عَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ فِي كِتَابِ "المَادِحِ وَالمَمْدُوْحِ" وَهُوَ مُجَلَّدٌ ضَخْمٌ يَتَضَمَّنُ (¬٢) مَنَاقِبَ شَيْخِ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيِّ وَمَا يَتَعَلَّقَ بِهَا، قَالَ: رَأَيْتُهُ فِي "تَارِيْخِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنِ بنِ مُحَمَّدٍ الهَرَوِيِّ الكُتْبِيِّ" الَّذِي ذَيَّلَ بِهِ عَلَى تَارَيْخِ أَبِي (¬٣) إِسْحَقَ القَرَّابِالحَافِظِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا إِسْمَاعِيْلَ عَنْ سِنِّهِ؟ فَأَخْبَرَهُ بِذلِكَ، وَكَذَا ذَكَرَ ابنُ نُقْطَةَ، وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا ذَكَرَهُ ابنِ الجَوْزِيِّ أَنَّهُ وُلِدَ فِي ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ. وَذَكَرَ عَبْدُ الغَافِرِ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الفَارِسِيُّ (¬١) فِي "ذَيْلِ تَارِيْخِ نَيْسَابُوْر" أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ بِـ "هَرَاةَ" مِنْ يَحْيَى بنِ عَمَّارٍ السِّجْزِيِّ (¬٢)، وَأَخَذَ مِنْهُ عِلْمَ التَّفْسِيْرِ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ الأَزْدِيِّ، وَأَبِيالفَضْلِ الجَارُوْدِيِّ الحَافِظِ، وَأَخَذَ مِنْهُ عِلْمَ الحَدِيْثِ، وَشُعَيْبٍ البُوْشَنْجِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَبِـ "نَيْسَابُوْرَ" مِنْ أَبِي سَعِيْدٍ الصَّيْرَفِيِّ، وَأَبِي نَصْرٍ المُفَسِّرِ المُقْرِئِ، وَأَبِي الحَسَنِ الطَّرَازِيِّ (¬١)، وَجَماعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الأَصَمِّ. وَرَأَى القَاضِي أَبَا بَكْرٍ الحِيْرِيَّ (¬٢)، وَحَضَرَ مَجْلِسَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَكَانَ يَقُوْلُ: تَرَكْتُهُ للهِ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ فِي مَجْلِسِهِ مَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ، ذَكَرَهُ الرُّهَاوِيُّ، عَنْ السِّلَفِيِّ، عَنِ المُؤْتَمِنَ السَّاجِيِّ، عَنْهُ. وَسَمِعَ بـ "طُوْسَ" (¬٣) وَ"بِسْطَامَ" (¬٤) مِنْ خَلْقٍ يَطُوْلُ ذِكْرُهُمْ (¬٥)، وَصَحِبَ الشُّيُوْخَ، وَتَأَدَّبَ بِهِمْ،وَخَرَّجَ الأمَالِيَ وَالفَوَائِدَ الكَثِيْرَةَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ شُيُوْخِ الرُّوَاةِ، وَأَمْلَى الحَدِيْثَ سِنِيْنَ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيْفَ الكَثِيْرَةَ، مِنْهَا: كِتَابُ "ذَمِّ الكَلَامِ" (¬١) وَكِتَابُ "الفَارُوْقِ" وَكِتَابُ "مَنَاقِبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ" وَكِتَابُ "مَنَازِلِ السَّائِرِيْنَ" وَكِتَابُ "عِلَلِ المَقَامَاتِ" وَلَهُ كِتَابٌ فِي "تَفْسِيْرِ القُرْآنِ" بِالفَارِسِيَّةِ جَامِعٌ، وَ"مَجَالِسُ التَّذْكِيْرِ" بِالفَارِسِيَّةِ حَسَنَةٌ، وَغَيْرُ ذلِكَ. وَكَانَ سَيِّدًا عَظِيْمًا، وَإِمَامًا، عَالِمًا، عَارِفًا، وَعَابِدًا، زَاهِدًا، ذَا أَحْوَالٍ، وَمَقَامَاتٍ، وَكَرَامَاتٍ، وَمُجَاهَدَاتٍ، كَثِيْرَ السَّهَرِ باللَّيْلِ، شَدِيْدَ القِيَامِ فِي نَصْرِ السُّنَّةِ وَالذَّبِّ عَنْهَا، وَالقَمْعِ لِمَنْ خَالَفَهَا، وَجَرَى لَهُ بِسَبَبِ ذلِكَ مَحَنٌ عَظِيْمَةٌ، وَكَانَ شَدِيْدَ الانْتِصَارِ وَالتَّعْظِيْمِ لِمَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ. قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا طَاهِرٍ أَحْمَدَ بنَ أَبِي غَانِمٍ الثَّقَفِيَّ، سَمِعْتُ صَاعِدَ بنَ سَيَّارٍ الحَافِظَ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْمَاعِيْلَ عَبْدَ اللهِ بنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ الإِمَامَ يَقُوْلُ: مَذْهَبُ أَحْمَدَ أَحْمَدُ مَذْهَبٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ طَاهِرٍ الحَافِظُ (¬٢) فِي كِتَابِهِ "المَنْثُوْرِ مِنَ الحَكَايَاتِ وَالسُّؤَالَاتِ": سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ يَقُوْلُ: لَمَّا قَصَدْتُ الشَّيْخَ أَبَا الحَسَنِالجَرْكَانِيَّ (¬١) الصُّوْفِيُّ وَعَزَمْتُ عَلَى الرُّجُوْعِ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنْ أَقْصِدَ أَبَا حَاتِمِ بنِ خَامُوْشٍ (¬٢) الحَافِظَ بِـ "الرَّيِّ"، وَأَلْتَقِيَ بِهِ، وَكَانَ مُقَدَّمَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِـ "الرَّيِّ".وَذلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مَحْمُوْدَ بنَ سَبَكْتَكِيْن (¬١) لَمَّا دَخَلَ "الرِّيَّ" قَتَلَ بِهَا البَاطِنِيَّةَ، وَمَنَعَ سَائِرَ الفِرَقِ الكَلَامَ عَلَى المَنَابِرِ غَيْرَ أَبِي حَاتِمٍ، وَكَانَ مَنْ دَخَلَ "الرَّيَّ" مِنْ سَائِرِ الفِرَقِ يَعْرِضُ اعْتِقَادِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَضيَهُ أَذِنَ لَهُ فِي الكَلَامِ عَلَى النَّاسِ، وَإِلَّا مَنَعَهُ، فَلَمَّا قَرُبْتُ مِنَ "الرَّيِّ" كَانَ مَعِيَ فِي الطَّرِيْقِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا فَسَأَلَنِي عَنْ مَذْهَبِي؟ فَقُلْتُ: أَنَا حَنْبَلِيٌّ، فَقَالَ: مَذْهَبٌ مَا سَمِعْتُ بِهِ، وَهَذِه بِدْعَةٌ، وَأَخَذَ بِثَوْبِي، وَقَالَ: لَا أَفُارِقُكَ حَتَّى أَذْهَبُ بِكَ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي حَاتِمٍ، فَقُلْتُ: خَيْرَةٌ - فَإِنِّي كُنْتُ أَتْعَبُ إِلَى أَنْ أَلْتَقِيَ بِهِ - فَذَهَبَ بِي إِلَى دَارِهِ - وَكَانَ ذلِكَ اليَوْمِ مَجْلِسٌ عَظِيْمٌ - فَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، هَذَا الرَّجلُ الغَرِيْبُ سَأَلْتُهُ عَنْ مَذْهَبِهِ، فَذكَرَ مَذْهَبًا لَمْ أَسْمَعْ بِهِ قَطُّ، قَالَ: مَا قَالَ؟ قَالَ: أَنَا حَنْبَلِيٌّ، فَقَالَ: دَعْهُ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكْنُ حَنْبَلِيًّا فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ، فَقُلْتُ: الرَّجُلُ كَمَا وُصِفَ لِي، وَلَزِمْتُهُ أَيَّامًا وَانْصَرَفْتُ، وَإِنَّمَا عَنَى أَبُو حَاتِمٍ فِي الأُصُوْلِ. وَذَكَرَ عَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الصَّايغُ (¬٢)، سَمِعْتُ عَبْدَ الجَبَّارِ بنَ أَبِي الفَضْلِ الصَّيْرَفِيَّ، سَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ شَيْخِ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيِّيَقُوْلُوْنَ: شَيْخُ الإِسْلَامِ (¬١) أَبَا إِسْمَاعِيْلَ يَقُوْلُ: فَذَكَرَ أَبْيَاتًا بالفَارِسِيَّةِ تَفْسِيْرُهَا بالعَرَبِيَّةِ: إِلَهَنَا مَرْئِيٌّ عَلَى العَرْشِ مُسْتَوٍ كَلَامُهُ أَزَلِيٌّ رَسُوْلُهُ عَرَبِيٌّ كُلُّ مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا أَشْعَرِيٌّ مَذْهبُنَا مَذْهَبٌ حَنْبَلِيٌّ قَالَ عَبْدُ القَادِرِ: سَمِعْتُ أَبَا عَرُوْبَةَ عَبْدَ الهَادِي بنَ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدَ (¬٢) بِـ "سِجِسْتَانَ" يَقُوْلُ: سَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلَامِ أَبَا نَصْرٍ هِبَةَ اللهِ بنَ عَبْدِ الجَبَّارِ بنِ فَاخِرٍ يَقُوْلُ: قَالَ لِي شَيْخُ الإِسْلَامِ - يَعْنِي الأَنْصَارِيَّ - كَيْفَ تَفْعَلُوْنَ فِي القُنُوْتِ؟ قُلْتُ: أَوْصَانِي أَبِي أَنْ أَقْنِتُ فِي الوِتْرِ، قَالَ: وَمَا قَالَ لَكَ: لَا تَقْنِتُ فِي الصُّبْحِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا أَنْصَفَكَ. وَذَكَرَ ابنُ طَاهِرٍ الحَافِظُ فِي كِتَابِهِ المَذْكُوْرِ قَالَ: سَمِعْتُ الإِمَامَ عَبْدَ اللهِ بنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ يُنْشِدُ عَلَى المِنْبَرِ فِي يَوْمِ مَجْلِسِهِ بـ "هَرَاةَ": أَنَا حَنْبَلِيٌّ مَا حَيِيْتُ وَإِنْ أَمُتْ … فَوَصِيَّتِي لِلنَّاسِ أَنْ يَتَحَنْبَلُوا وَلِشَيْخِ الإِسْلَامِ قَصِيْدَةٌ نُوْنِيَّةٌ طَوِيْلَةٌ مَشْهُوْرَةٌ ذَكَرَ فِيْهَا أُصُوْلَ السُّنَّةِ، وَمَدَحَأَحْمَدَ وَأَصْحَابَهُ. وَقَدْ أَنْبَأَتْنِي بِهَا زَيْنَبُ بِنْتُ أَحْمَدَ (¬١)، عَنْ عَجِيْبَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ (¬٢)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ بنِ الحَسَنِ الصَّيْدَلَانِيِّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا شَيْخُ الإِسْلَامِ فَذَكَرَ القَصِيْدَةَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِمَامِيَ القَوَّامُ للهِ الَّذِي … دَفَنُوا حَمِيْدَ الشَّأْنِ فِي بَغْدَادِ جَمَعَ التُّقَى وَالزُّهْدَ فِي دُنْيَاهُمُ … وَالعِلْمَ بَعْدَ طَهَارَةِ الأَرْدَانِ خَطْمُ (¬٣) النَّبِي وَصَيْرَفِيُّ حَدِيْثِهِ … وَمُفَلِّقٌ أَعْرَافَهَا بِمَعَانٍ حَبْرُ العِرَاقِ وَمِحْنَةٌ لِذَوِي الهَوَى … يَدْرِي بِبُغْضَتِهِ ذَوُو الأَضْغَانِ عَرَفَ الهُدَى فَاخْتَارَ ثَوْبَيْ نُصْرَةٍ … وَشَجَى بِمُهْجَتِهِ عُرَى عِرْفَانِ عُرِضَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَأَعْرَضَ سَالِمًا … عَنْهَا كَفِعْلِ الرَّاهِبِ الخَمْصَانِ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي دِيْنِهِ … فَفِدَى الإِمَامُ الدِّيْنَ بِالجُثْمَانِ للهِ مَا لَقِيَ ابنُ حَنْبَلٍ صَابِرًا … عَزْمًا وَيَنْصُرُهُ بِلَا أَعْوَانِ أَنَا حَنْبَلِيٌّ مَا حَيِيْتُ وَإِنْ أَمُتْ … فَوَصِيَّتِي ذَاكُمْ إِلَى إِخْوَانِي إِذْ دِيْنُهُ دِيْنِي وَدِيْنِي دِيْنُهُ … مَا كُنْتُ إِمَّعَةً لَهُ دِيْنَانِ وَقَالَ ابنُ طَاهِرٍ: سَمِعْتُ الإِمَامَ أَبَا إِسْمَاعِيْلَ الأنْصَارِيَّ بِـ "هَرَاةَ" يَقُوْلُ:عُرِضْتُ عَلَى السَّيْفِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، لَا يُقَالُ لِي: اِرْجِعْ عَنْ مَذْهَبِكَ، لَكِنْ يُقَالُ لِي: اسْكُتْ عَمَّنْ خَالَفَكَ، فَأَقُوْلُ: لَا أَسْكُتُ. قَالَ: وَحَكَى لَنَا أَصحَابُنَا أَنَّ السُّلْطَانَ أَلْبَ أَرْسَلَان (¬١) حَضَرَ "هَرَاةَ" وَحَضَرَ مَعَهُ وَزِيْرُهُ أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ إِسْحَق (¬٢)، فَاجْتَمَعَ أَئِمَّةُ الفَرِيْقَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ أَبي حَنِيْفَةَ، بِالشِّكَايَةِ (¬٣) مِنَ الأَنْصَارِيِّ، وَمُطَالَبَتِهِ بِالمُنَاظَرَةِ، فَاسْتَدْعَاهُ الوَزِيْرُ، فَلَمَّا حَضرَ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ القَوْمِ اجْتَمَعُوا لِمُنَاظَرَتِكَ، فَإِنْ يَكُنِ الحَقُّ مَعَكَ رَجَعُوا إِلَى مَذْهَبِكَ، وَإِنْ يَكُنِ الحَقُّ مَعَهُمْ إِمَّا أَنْ تَرْجِعَ، وَإِمَّا أَنْ تَسْكُتَ عَنْهُمْ، فَقَامَ الأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: أَنَا أُنَاظِرُ عَلَى مَا فِي كُمَّيَّ، فَقَالَ لَهُ: وَمَا فِي كُمَّيْكَ (¬٤)؟ فَقَالَ: كِتَابُ اللهِ، وَأَشَارَ إِلَى كُمِّهِ اليَمِيْنِ، وَسُنَّةُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ، وَأَشَارَ إِلَى كُمِّهِ اليَسَارِ، وَكَانَ فِيْهِ الصَّحِيْحَانِ، فَنَظَرَ إِلَى القَوْمِ كَالمُسْتَفْهِمِ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ فِيْهِمْ مَنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُنَاظِرَهُ مِنْ هَذِهِالطَّرِيْقِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ أَمِيْرجَه (¬١) القَلَانِسِيَّ خَادِمَ الأنْصَارِيِّ يَقُوْلُ: حَضَرْتُ مَعَ الشَّيْخِ لِلسَّلَامِ (¬٢) عَلَى الوَزِيْرِ أَبِي عَلِيٍّ الطُّوْسِيِّ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ كَلَّفُوْهُ بِالخُرُوْجِ إِلَيْهِ، وَذلِكَ بَعْدَ المِحْنَةِ، وَرُجُوْعِهِ مِنْ "بَلْخَ" (¬٣) فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَبَجَّلَهُ، وَكَانَ فِي العَسْكَرِ أَئِمَّةٌ مِنَ الفَرِيْقَيْنِ فِي ذلِكَ اليَوْمِ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ يَحْضُرُ، فَاتَّفَقُوا جَمِيْعًا عَلَى أَنْ يَسْأَلُوْه عَنْ مَسْأَلَةٍ بَيْنَ يدَي الوَزِيْرِ، فَإِنْ أَجَابَ بِمَا يُجِيْبُ بِهِ بِـ "هَرَاةَ" سَقَطَ مِنْ عَيْنِ الوَزِيْرِ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ سَقَطَ مِنْ عُيُوْنِ أَصْحَابِهِ وَأَهْلِ مَذْهَبِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ وَاسْتَقَرَّ بِه المَجْلِسُ انْتَدَبَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، يُعْرَفُ بِالعَلَوِيِّ الدَّبُوْسِيِّ (¬٤)،فَقَالَ: يَأْذَنُ الشَّيْخُ الإِمَامُ فِي أَنْ أَسأَلَ مَسْأَلَةً؟ فَقَالَ: سَلْ، فَقَالَ: لِمَ تَلْعَنُ أَبَا الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ (¬١)؟ فَسَكَتَ، وَأَطْرَقَ الوَزِيْرُ لِمَا عَلِمَ مِنْ جَوَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَاعَةٍ قَالَ لَهُ الوَزِيْرُ: أَجِبْهُ، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ الأَشْعَرِيَّ، وَإِنَّمَا أَلْعَنُ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّ اللهَ ﷿ فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّ القُرْآنَ فِي المُصْحَفِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ اليَوْمَ نَبِيٌّ، ثُمَّ قَامَ وَانْصرَفَ، فَلَمْ يُمْكِنْ أَحَدٌ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمةٍ مِنْ هَيْبَتِهِ وَصَلَابَتِهِ وَصَوْلَتِهِ، فَقَالَ الوَزِيْرُ لِلسَّائِلِ وَمَنْ مَعَهُ: هَذَا أَرَدْتُمْ؟ كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّهُ يَذْكُرُ هَذَا بِـ "هَرَاةَ" فَاجْتَهَدْتُمْ حَتَّى سَمِعْنَاهُ بِآذَانِنَا، وَمَا عَسَى أَنْ أَفْعَلَ بِهِ؟ ثُمَّ بَعَثَ خَلْفَهُ خِلْعًا وَصِلَةً فَلَمْ يَقْبَلْهَا، وَخَرَجَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى "هَرَاةَ" وَلَمْ يَلْبَثْ. قَالَ ابنُ طَاهِرٍ: وَسَمِعْتُ أَصْحَابَنَا بـ "هَرَاةَ" يَقُوْلُوْنَ: لَمَّا قَدِمَ السُّلْطَانُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ "هَرَاةَ" فِي بَعْضِ قَدْمَاتِهِ اجْتَمَعَ مَشَايِخُ البَلَدِ وَرُؤَسَاؤُهُ وَدَخَلُوا عَلَى الشَّيْخِ أَبِي إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيِّ، وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: قَدْ وَرَدَ السُّلْطَانُ،وَنَحْنُ عَلَى عَزْمٍ أَنْ نَخْرُجَ وَنُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نَبْدَأَ بِالسَّلَامِ عَلَى الشَّيْخِ الإِمَامِ، ثُمَّ نَخْرُجَ إِلَى هُنَاكَ، وَكَانُوا قَدْ تَوَاطَأُوا عَلَى أَنْ حَمَلُوا مَعَهُمْ صَنَمًا مِنَ الصُّفْرِ صَغِيْرًا، وَجَعَلُوْهُ فِي المِحْرَابِ تَحْتَ سَجَّادَةِ الشَّيْخِ، وَخَرَجُوا وَخَرَجَ الشَّيْخُ مِنْ ذلِكَ المَوْضِعِ إِلَى خَلْوَتِهِ. وَدَخَلُوا عَلَى السُّلْطَانِ وَاسْتَغَاثُوا مِنَ الأنْصَارِيِّ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ مُجَسِّمٌ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُ فِي مِحْرَابِهِ صَنَمًا، وَيَقُوْلُ: إِنَّ اللهَ ﷿ عَلَى صُوْرَتِهِ، وَإِنْ يَبْعَثِ السُّلْطَانُ الآنَ يَجِدِ الصَّنَمَ فِي قِبْلَةِ مَسْجِدِهِ، فَعَظُمَ ذلِكَ عَلَى السُّلْطَانِ، وَبَعَثَ غُلَامًا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَدَخَلُوا الدَّارَ، وَقَصَدُوا المِحْرَابَ، وَأَخَذُوا الصَّنَمَ مِنْ تَحْتِ السَّجَّادَةِ، وَرَجَعَ الغُلَامُ بِالصَّنَمِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطَانِ، فَبَعَثَ السُّلْطَانُ بِغِلْمَانٍ وَأَحْضَرُوا (¬١) الأَنْصَارِيُّ، فَلَمَّا دَخَلَ رَأَى مَشَايِخَ البَلَدِ جُلُوْسًا، وَرَأَى ذلِكَ الصَّنَمَ بَيْنَ يَدَي السُّلْطَانِ مَطْرُوْحًا، وَالسُّلْطَانُ قَدْ اشْتَدَّ غَضَبُهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا صَنَمٌ يُعْمَلُ مِنَ الصُّفْرِ شِبْهُ اللُّعْبَةِ، فَقَالَ: لَسْتُ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، فَقَالَ: فَعَنْ مَاذَا يَسْأَلُ السُّلْطَانُ؟ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُوْنَ أَنَّكَ تَعْبُدُ هَذَا الصَّنَمَ، وَأَنَّكَ تَقُوْلُ: إِنَّ اللهَ ﷿ عَلَى صُوْرَتِهِ، فَقَالَ الأَنْصَارِىُّ: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (¬٢) بِصَوْتٍ جَهْوَرِيِّ وَصَوْلَةٌ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِ السُّلْطَانِ أَنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى دَارِهِ مُكْرَمًا، وَقَالَ لَهُمْ: اصْدُقُوْني القِصَّةَ، أَوْ أَفْعَلُ بِكُمْ وَأَفْعَلُ، وَذَكَرَتَهْدِيْدًا عَظِيْمًا، فَقَالُوا: نَحْنُ فِي يَدِ هَذَا الرَّجُلِ فِي بَلِيَّةٍ مِنِ اسْتِيْلَائِهِ عَلَيْنَا بِالعَامَّةِ، وَأَرَدْنَا أَنْ نَقْطَعَ شَرَّهُ عَنَّا، فَأَمَرَ بِهِمْ، وَوَكَّلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى كَتَبَ خَطَّهُ بِمَبْلَغٍ عَظِيْمٍ مِنَ المَالِ يُؤَدِّيْهِ إِلَى خِزَانَةِ السُّلْطَانِ جِنَايَةً، وَسَلِمُوا بِأَرْوَاحِهِمْ بَعْدَ الهَوَانِ العَظِيْمِ. وَقَدْ جَرَى لِشَيْخِ الإسْلَامِ مِحَنٌ فِي عُمُرِهِ، وَشُرِّدَ عَنْ وَطَنِهِ مُدَّةً. فَمِنْ ذلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ المُتَصَوِّفَةِ بِـ "هَرَاةَ" عَاثُوا وَأَفْسَدُوا بِأَيْدِيْهِمْ عَلَى وَجْهِ الإِنْكَارِ، فَنَسَبَ ذلِكَ إِلَى الشَّيْخِ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ وَلَا رِضَاهُ، فَاتَّفَقَ أَكَابِرَ أَهْلِ البَلَدِ عَلَى إِخْرَاجِ الشَّيْخِ وَأَوْلَادِهِ وَخَدَمِهِ، فَأَخْرَجُوْهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ عِشْرِيْنَ رَمَضَان سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَة قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُمْهَلْ لِلصَّلَاةِ، فَأَقَامَ بِقُرْبِ البَلَدِ، فَلَمْ يَرْضَوا مِنْهُ بذلِكَ فَخَرَجَ إِلَى "بُوْشَنَجَ" وَكَتَبَ أَهْلُ "هَرَاةَ" مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، وَأَرْسَلُوْهُ إِلَى السُّلْطَانِ، فَجَاءَ جَوَابُ السُّلْطَانِ وَوَزِيْرِهِ نِظَامِ المُلْكِ بِإِبْعَادِ الشَّيْخِ وَأَهْلِهِ وَخَدَمِهِ إِلَى مَا وَرَاءِ النَّهْرِ، وَقُرِئُ الكِتَابُ الوَارِدُ بِذلِكَ فِي الجَامِعِ عَلَى مَنْبَرِ يَحْيَى بنِ عَمَّارٍ، وَفِيْهِ حَطٌّ عَلَى الشَّيْخِ، فَأُخْرِجَ الشَّيْخُ وَمَنْ كَانَ يَعْقِدُ المَجْلِسَ مِنْ أَقَارِبِهِ خَاصةً إِلَى "مَرْوَ"، ثُمَّ وَرَدَ الأَمْرُ بِرَدِّهِ إِلَى "بَلْخَ" ثُمَّ إِلَى "مَرْوَ الرُّوْذِ" (¬١) ثُمَّأُذِنَ لَهُ فِي الرُّجُوْعِ إِلَى "هَرَاةَ" فَدَخَلَهَا يَوْمَ الأَرْبِعَاءَ رَابِعَ عَشَرَ المُحَرَّمَ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا. قَالَ الرُّهَاوِيُّ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا طَاهِرٍ السِّلَفِيَّ بِـ "الإِسْكَنْدَرِيَّةِ" يَقُوْلُ: لَمَّا خَرَجَ شَيْخُ الإِسْلَامِ قَالَ أَصْحَابُهُ وَأَهْلُ البَلَدِ: لَا يُحْمَلُ عَلَى الدَّوَابِّ إلَّا عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، فَجُعِلَ فِي مَحَفَّةٍ، وَكَانَ يَتَنَاوَبُ حَمْلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، حَتَّى وَصَلَ "بَلْخَ" فَخَرَجَ أَهْلُهَا وَهَمُّوا بِرَجْمِهِ، فَرَدَّهُمْ ابنُ نِظَامِ المُلْكِ، وَقَالَ: تُرِيْدُوْنَ أَنْ تَكُوْنُوا مَسَبَّةَ الدَّهْرِ؛ تَرْجُمُوْنَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ؟! ثُمَّ سَألُوْهُ أَنْ يَعِظَ، فَقَرأَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآيةَ (¬١)، ثُمَّ قَالَ:كُلُّ المُسْلِمِيْنَ يَقُوْلُوْنَ هَذَا، إلَّا أَهْلَ "غُورجَه" (¬١) وَ"غُرجِسْتَانَ" (¬٢) وَ"فُلَانَةَ" (¬٣) وَ"طَالَقَانَ" (¬٤) لَعَنَهُمُ اللهُ لَعْنَةَ عَادٍ وَثَمُوْدَ، وَالنَّصارَى وَاليَهُوْدِ [فَكُوْلُوا: آمِيْنَ، أَيْ:] (¬٥) قُوْلُوا: آمِيْنَ، فَقَالُوا: آمِيْنَ. قَالَ الرُّهَاوِيُّ: وَإِنَّمَا هَمَّ أَهْلُ "بَلْخَ" بِمَا هَمُّوا بِهِ؛ لأنَّهُمْ مُعْتَزِلَةٌ شَدِيْدَةُ الاعْتِزَالِ، وَكَانَ شَيْخُ الإِسْلَامِ مَشْهُوْرًا فِي الآفَاقِ بِالحَنْبَلِيَّةِ وَالشِّدَّةِ فِي السُّنَّةِ. قَالَ (¬٦): وَسَمِعْتُ السِّلَفِيَّ يَقُوْلُ: لَمَّا أَمَرَ نِظَامُ المُلْكِ بِإِخْرَاجِ الشَّيْخِ مِنْ "هَرَاةَ" سَمِعَ بِذلِكَ الشَّيْخُ مَعْمَرُ اللُّنْبَانِيُّ (¬٧)، فَمَضَى إِلَى نِظَامِالمُلْكِ فِي أَمْرِهِ، فَقَالَ لَهُ نِظَامُ المُلْكِ: قَدْ صَارَ لِذلِكَ الشَّيْخُ عَلَيَّ مِنَّةٌ عَظِيْمَةٌ؛ حَيْثُ بِسَبَبِهِ دَخَلْتَ عَلَيَّ، ثُمَّ كَتَبَ فِي الحَالِ بِرَدِّهِ إِلَى بَلَدِهِ. وَذَكَرَ الرُّهَاوِيُّ: أَنَّ الحُسَيْنَ بنَ مُحَمَّدٍ الكُتْبِيَّ ذَكَرَ فِي "تَارِيْخِهِ": أَنَّ مَسْعُوْدَ (¬١) بنَ مَحْمُوْدِ بنِ سُبُكْتَكِيْنَ قَدِمَ "هَرَاةَ" سَنَةَ ثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، فَاسْتَحْضَرَ شَيْخَ الإسْلَامِ، وَقَالَ لَهُ: أَتَقُوْلُ: إِنَّ اللهَ ﷿ يَضَعُ قَدَمَهُ فِي النَّارِ؟ فَقَالَ: - أَطَالَ اللهُ بَقَاءَ السُّلْطَانِ المُعَظَّمِ - إِنَّ اللهَ ﷿ لَا يَتَضَرَّرُ بِالنَّارِ، وَالنَّارُ لا تَضُرُّهُ، وَالرُّسُوْلُ لَا يَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَعُلَمَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَا يَتَزَيَّدُوْنَ فِيْمَا يَرْوُوْنَ عَنْهُ، وَيُسْنِدُوْنَ إِلَيْهِ. فَاسْتَحْسَنَ جَوَابَهُ، وَرَدَّهُ مُكَرَّمًا. قَالَ: وَعَقَدَ أَهْلُ "هَرَاةَ" للشَّيْخِ مَجْلِسًا آخَرَ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَعَمِلُوا فِيْهِ مَحْضَرًا، وَأَخْرَجُوْهُ مِنَ البَلَدِ إِلَى بَعْضِ نَوَاحِي "بُوْشَنْجَ" فَحُبِسَ بِهَا وَقُيِّدَ، ثُمَّ أُعِيْدَ إِلَى "هَرَاةَ" سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ، وَجَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ للتَّذْكِيْرِ، ثُمَّ سَعَوا فِي مَنْعِهِ مِنْ مَجْلِسِ التَّذْكِيْرِ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ سَنَةَ خَمْسِيْنَ. قَالَ: وَفِي شُهُوْرِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّيْنَ، خُلِعَ عَلَى الشَّيْخِ مِنْ جِهَةِ الإِمَامِ القَائِمِ بِأَمْرِ اللهِ خُلْعَةً شَرِيْفَةً. وَفِي شُهُوْرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ خُلْعَةً أُخْرَى فَاخِرَةًمِنْ جِهَةِ الإِمَامِ المُقْتَدِي مَعَ الخِطَابِ وَاللَّقَبِ بشَيْخِ الإِسْلَامِ، شَيْخِ الشُّيُوْخِ، زَيْنِ العُلَمَاءِ أَبِي إِسْمَاعِيْلَ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيِّ، وَخُلْعَةً أُخْرَى لابْنِهِ عَبْدِ الهَادِي. قَالَ: وَكَانَ السَّبَبَ فِي هَذِهِ الخِلَعِ الوَزِيْرُ نِظَامُ المُلْكِ شفَقَةً مِنْهُ عَلَى أَصْحَابِ الحَدِيْثِ، وَصِيَانَةً عَنْ لُحُوْقِ شَيْنٍ (¬١) بِهِمْ. وَكَانَ الشَّيْخُ ﵀ آيَةً في التَّفْسِيْرِ، وَحِفْظِ الحَدِيْثِ، وَمَعْرِفَتِهِ، وَمَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وَالأَدَبِ، وَكَانَ يُفَسِّرُ القُرْآنَ فِي مَجْلِسِ التَّذْكِيْرِ، فَذَكَرَ الكُتْبِيُّ فِي "تَارِيْخِهِ" أَنَّ الشَّيْخَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ مِحْنَتِهِ الأُوْلَى ابْتَدَأَ فِي تَفْسِيْرِ القُرْآنِ، فَفَسَّرَهُ فِي مَجَالِسِ التَّذْكِيْرِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِيْنَ، وَفِي سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِيْنَ افْتَتَحَ القُرْآن يُفَسِّرُهُ ثَانِيًا فِي مَجَالِسِ التَّذْكِيْرِ، قَالَ: وَكَانَ الغَالِبُ عَلَى مَجْلِسِهِ القَوْلَ فِي الشَّرْعِ، إِلَى أَنْ بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ ﷿ (¬٢): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فَافْتَتَحَ تَجْرِيْدَ المَجَالِسِ فِي الحَقِيْقَةِ، وَأَنْفَقَ عَلَى هَذِهِ الآيَةِ مِنْ عُمُرِهِ مُدَّةً مَدِيْدَةً، وَبَنَى عَلَيْهَا مَجَالِسَ كَثِيْرَةً، وَكَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (¬٣): ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ بَنَى عَلَيْهَا ثَلَاثَمَائَةَ وَسِتِّيْنَ مَجْلِسًا، فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَهُ تَعَالَى (¬٤): ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ كُفَّ بَصَرُهُسَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ، وَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلهِ ﷿ (¬١): ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قَالَ: فِي كُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى سِرٌّ خَفِيٌّ. وَأَخَذَ يُفَسِّرُ خَفَايَا الأَسْمَاءِ حَتَّى بَلَغَ المُمِيْتُ، فَأُخْرِجَ مِنَ البَلَدِ فِي الفِتْنَةِ الأَخِيْرَةِ، فَلَمَّا عَادَ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ، عَقَدَ المَجْلِسَ عَلَى أَمْرٍ جَدِيْدٍ، وَلَمْ يَكْمُلِ الكَلَامَ عَلَى الأَسْمَاءِ الحُسْنَى، وَأَخَذَ يَسْتَعْجِلُ فِي التَّفْسِيْرِ، وَيُفَسِّرُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِقْدَارَ عَشْرِ آيَاتٍ أَوْ نَحْوِهَا، يُرِيْدُ أَنْ يَخْتِمَ فِي حَيَاتِه، فَلَمْ يَقْدِرْ لَهُ عَلَى ذلِكَ، وَتُوُفِّيَ وَقَدْ انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ ﷿ (¬٢): ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾. وَقَالَ ابنُ طَاهِرٍ الحَافِظُ: سَمِعْتُ (¬٣) الأَنْصَارِيَّ يَقُوْلُ: إِذَا ذَكَرْتُ التَفْسِيْرَ فَإِنَّمَا أَذْكُرُهُ مِنْ مَائَةٍ وَسَبْعَةِ تَفَاسِيْرَ. قَالَ: وَجَرَى يَوْمًا - وَأَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ - كَلَامٌ، فَقَالَ: أَنَا أَحْفَظُ اثْنَى عَشَرَ أَلْفَ حَدِيْثٍ أَسْرُدُهَا سَرْدًا، قَالَ: وَقَطُّ مَا ذَكَرَ فِي مَجْلِسِهِ حَدِيْثًا إلَّا بِإِسْنَادِهِ. وَكَانَ يُشِيْرُ إِلَى صِحَّتِهِ وَسَقَمِهِ. وَقَالَ الرُّهَاوِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا بِشْرٍ مُحَمَّدَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ هِبَةِ اللهِ الهَمَذَانِيُّ (¬٤) بِـ "هَمَذَانَ" يَقُوْلُ: سَمِعْتُ بَعْضَ الأُدَبَاءِ يَقُوْلُ: سُئِلَ شَيْخُ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيُّ عَنْ تَفْسِيْرِ آيَةٍ؟ فَأَنْشَدَ أَرْبَعِمَائَةَ بَيْتٍ مِنْ شِعْرِ الجاهِلِيَّةِ، فِي كُلِّ بَيْتٍ مِنْهَالُغَةُ تِلْكَ الآيَةِ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَخْبَرَنَا ابنُ نَاصِرٍ، عَنِ المُؤْتَمِنِ بنِ أَحْمَدَ الحَافِظِ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ الأَنْصَارِيُّ لَا يَشُدُّ عَلَى الذَّهَبِ (¬١) شَيْئًا، وَيَتْرُكُهُ كَمَا يَكُوْنُ، وَيَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ: "لَا تُوْكِ فَيُوْكَأ عَلَيْكَ" وَكَانَ لَا يَصُوْمُ شَهْرَ رَجَبٍ، وَيَنْهَى عَنْ ذلِكَ، وَيَقُوْلُ: مَا صَحَّ فِي فَضْلِ رَجَبٍ وَفِي صِيَامِهِ شَيْءٌ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ يُمْلِي فِي شَعْبَانَ وَفِي رَمَضَانَ، وَلَا يُمْلِي فِي رَجَبٍ. وَقَالَ ابنُ طَاهِرٍ الحَافِظُ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيُّ يَقُوْلُ: كِتَابُ أَبِي عِيْسَى التِّرْمِذِيُّ عِنْدِي أَفْيَدُ مِنْ كِتَابِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، قُلْتُ (¬٢): لِمَ؟ قَالَ: لأَنَّ كِتَابَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ لَا يَصِلُ إِلَى الفَائِدَةِ مِنْهُمَا إلَّا مَنْ يَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ المَعْرِفَةِ التَّامَّةِ، وَهَذَا كِتَابٌ قَدْ شَرَحَ أَحَادِيْثَهُ وَبَيَّنَهَا، فَيَصِلُ إِلَى فَائِدَتِهِ كُلُّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِيْنَ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: المُحَدِّثُ يُحِبُّ أَنْ يَكُوْنَ سَرِيْعَ المَشْيِ، سَرِيْعَ الكِتَابَةِ، سَرِيْعَ القِرَاءَةِ. قَالَ الرُّهَاوِيُّ: سَمِعْتُ السِّلَفِيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا الخَيْرِ عَبْدِ اللهِ بنَ مَرْزُوْقٍ الهَرَوِيَّ (¬٣) يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيَّ الحَافِظَ بِـ "هَرَاةَ"يَقُوْلُ: يَنْبَغِي لِمَنْ يَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ الفِقْهِ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ أبَدًا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءٍ جَدِيْدَةٍ: سَرَاوِيْلُهُ، وَمَدَاسُهُ، وَخِرْقَةٌ يُصَلِّي عَلَيْهَا. قَالَ الرُّهَاوِيُّ: وَسَمِعْتُ بَعْضَ النَّاسِ بِـ "هَرَاةَ" يَحْكِي: أَنَّ شَيْخَ الإِسْلَامِ دَخَلَ يَوْمًا عَلَى القَاضِي أَبي العَلَاءِ صَاعِدِ بنِ سَيَّارٍ (¬١)، وَعَلَى يَمِيْنِهِ رَجُلٌ مِنَ البُوْسَعْدِيَّةِ، فَجَلَسَ شَيْخُ الإِسْلَامِ عَلَى يَسَارِ القَاضِي، فَغَضِبَ البُوْسَعْدِيُّ، وَقَالَ: أَجْلِسُ عَنْ يَمِيْنِكَ وَيَجْلِسُ عَنْ يَسَارِكَ؟ فَوَثَبَ شَيْخُ الإِسْلَامِ، وَجَلَسَ ناحِيَةً، وَقَالَ: الحِدَّةُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُوْنَ فِي أَكْلِ البَصَلِ، وَالشِّدَّةُ فِي تَشْقِيْقِ الحَطَبِ، وَأَمَّا الجُلُوْسِ فِي المَجَالِسِ فَإِنَّمَا يَكُوْنُ بِالعِلْمِ، وَغَضِبَ القَاضِي مِنْ كَلَامِ الرَّجُلِ، وَقَالَ: أَيْشٍ تُنْكِرُ مِنْ حَالِهِ؟ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرْكُوْبٌ وَلَا ثِيَابٌ، وَأَمَرَ لَهُ بِثيَابٍ وَمَرْكُوْبٍ، وَجَعَلَ لَهُ فِي الجَامِعِ مَوْضِعًا يَعِظُ فِيْهِ. قَالَ الرُّهَاوِيُّ: وَقَدْ رَأَيْتُ كُرْسِيَّ شَيْخِ الإِسْلَامِ قَلِيْلَ المَرَاقِي فِي زَاوِيَةٍ مِنْ جَامِعِ "هَرَاةَ" وَالنَّاسُ يَتَبَرَّكُوْنَ بِهِ. وَقَالَ ابنُ طَاهِرٍ: سَأَلْتُ الأَنْصَارِيَّ عَنِ الحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللهِ (¬٢)؟ فَقَالَ:ثِقَةٌ فِي الحَدِيْثِ، رَافِضِيٍّ خَبِيْثٌ. وَذَكَرَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ، عَنْ يَحْيَى ابنِ مَنْدَه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَطَاءٍ الإبْرَاهِيْمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخَ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا يَعْقُوْبَ (¬١) الحَافِظَ عَنْ قَوْلِ البُخَارِيِّ فِي "الصَّحِيْحِ": قَالَ لِيْ فُلَانٌ؟ قَالَ: هُوَ رِوَايَةٌ بِالإجَازَةِ، ثُمَّ قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ: عِنْدِي أَنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ ذَاكَرَ البُخَارِيَّ فِي المُذَاكَرَةِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ فُلَانٍ حَدِيْثَ كَذَا، وَكِتَابَ كَذَا، أَوْ مُسْنَدَ كَذَا، أَوْ حَدِيْثَ فُلَانٍ، فَيَرْوِيْهِ بَيْنَ المَسْمُوْعَاتِ وَهُوَ طَرِيْقٌ حَسَنٌ، طَرِيْقٌ مَلِيْحٌ، وَلَا أَحَدَ أَفْضَلُ مِنَ البُخَارِيِّ. وَقَالَ المُؤْتَمِنُ السَّاجِيُّ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الجَبَابِرَةُ وَالأُمَرَاءُ، فَمَا كَانَ يُبَالِي بِهِمْ، وَيَرَى بَعْضُ أَصحَابِ الحَدِيْثِ مِنَ الغُرَبَاءِ فَيُكْرِمُهُ إِكْرَامًا يَعْجَبُ مِنْهُ الخَاصُّ وَالعَامُّ ﵀. قَالَ صَاعِدُ بنُ سَيَّارٍ الهَرَوِيُّ فِي بَعْضِ (¬٢) "أَمَالِيْهِ": سَمِعْتُ شَيْخَ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيَّ يَقُوْلُ: إِلَهِي عِصْمَةً أَوْ مَغْفِرَةً، فَقَدْ ضَاقَتْ بِنَا طَرِيْقُ المَعْذِرَةِ. وَقَدْ أَثْنَى عَلَى الشَّيْخِ الإِمَامِ أَبِي إِسْمَاعِيْلَ شُيُوْخُهُ وَأَقْرَانُهُ، وَمَنْ دُوْنَهُ مِنَالفُقَهَاءِ، وَالمُحَدِّثِيْنَ، وَالصُّوْفِيَّةِ، وَالأُدَبَاءِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ سَبَقَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَنْدَه قَوْلُ سَعْدٍ الزِّنْجَانِيِّ فِيْهِ (¬١): إِنَّ اللهَ حَفِظَ بِهِ الإِسْلَامَ، وَبِـ "ابْنِ مَنْدَه". وَقَالَ الرُّهَاوِيُّ: سَمِعْتُ بِـ "هَرَاةَ": أَنَّ شَيْخَ الإِسْلَامِ لَمَّا أُخْرِجَ مِنْ "هَرَاةَ" وَوَصَلَ إِلَى "مَرْوَ" وَأُذِنَ لَهُ فِي الرُّجُوْعِ إِلَى "هَرَاةَ" رَجَعَ وَوَصَلَ إِلَى "مَرْوَ الرُّوْذِ" قَصَدَهُ الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الحُسَيْنُ بنُ مَسْعُوْدٍ البَغَوِيُّ (¬٢) صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ قَالَ لِشَيْخِ الإِسْلَامِ: إِنَّ اللهَ قَدْ جَمَعَ لَكَ الفَضَائِلَ، وَكَانَتْ قَدْ بَقِيَتْ فَضِيْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَرَادَ أَنْ يُكْمِلَهَا لَكَ، وَهِيَ الإِخْرَاجُ مِنَ الوَطَنِ، أُسْوَةً بِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ. قَالَ الرُّهَاوِيُّ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ سُفْيَانَ (¬٣) بنَ أَبِي الفَضْلِ الخِرَقِيَّالسُّفْيَانِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الحَدِيْثِ وَالفَضْلِ وَالدِّيْنِ، وَكَانَ سُفْيَانِيَّ المَذْهَبِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ الحَافِظَ أَبَا مَسْعُوْدٍ كُوْتَاه (¬١) يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا الوَقْتِ عَبْدَ الأوَّلِ بنَ عِيْسَى يَقُوْلُ: دَخَلْتُ عَلَى الجُوَيْنِيِّ - يَعْنِي أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله بنَ يُوْسُفَ الفَقِيْهِ (¬٢) - فَسَأَلَنِي عَنْ شَيْخِ الإِسْلَامِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا خَادِمُهُ، فَقَالَ: ﵁. قَالَ الرُّهَاوِيُّ: وَذَكَرَ الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدٍ الكُتْبِيُّ الهَرَوِىُّ فِي "تَارِيْخِهِ": أَنَّ شَيْخَ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيَّ سَافَرَ إِلَى "نَيْسَابُوْرَ" سَنةَ سَبْعَ عَشَرَ وَأَرْبَعِمَائَةَ طَالِبًا للحَدِيْثِ وَالفِقْهِ، وَرُؤْيَةِ المَشَايخِ، وَالاسْتِفَادَةِ مِنْهُمْ، وَالتَبَرُّكِ بِصُحْبَتِهِمْ، وَرَجَعَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، ثُمَّ سَافَرَ ثَانِيًا لِلْحَجِّ مَعَ الفَقِيْهِ الإِمَامِ أَبِي الفَضْلِ بنِأَبِي سَعْدٍ الزَّاهِدُ الوَاعِظُ (¬١)، وَمَعَهُمَا خَلْقٌ كَثِيْرٌ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِيْنَ، فَلَمَّا وَرَدُوا "نَيْسَابُوْرَ" أَخْرَجَ الإمَامُ أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُوْنِيُّ (¬٢) لِخَالِهِ الإِمَامِ أَبِي الفَضْلِ بنِ أَبِي سَعْدٍ الزَّاهِدِ مَجْلِسًا فِي الحَدِيْثِ لِيُمْلِيْهِ بِـ "نَيْسَابُوْرَ"، فَنَظَر فِيْهِ الأَنْصَارِيُّ وَنَبَّهَ عَلَى خَلَلٍ فِي رِجَالِ الحَدِيْثِ وَقَعَ فِيْهِ، فَقَبِلَ الصَّابُوْنِيُّ قَوْلَهُ، وَعَادَ إِلَى مَا قَالَ، وَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَ السُّرُوْرَ بهِ، وَهَنَأ أَهْلَالعَصْرِ بِمَكَانِهِ، وَقَالَ: لَنَا جَمَالٌ، وَلأَهْلِ السُّنَّةِ مَكَانَةٌ، وَانْتِفَاعُ المُسْلِمِيْنَ بِعِلْمِهِ وَوَعْظِهِ، وَكَانَ ذلِكَ بِمَشْهَدٍ مِنْ مَشَايخَ فِيْهِمْ كَثْرَةٌ وَشُهْرَةٌ وَبَصِيْرَةٌ. قَالَ صَاحِبُ "التَّارِيْخِ": وَكُنْتُ حَاضِرًا يَوْمَئِذٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ الإِمَامَ عَبْدَ اللهِ الأَنْصَارِيَّ بِـ "نَيْسَابُوْرَ" يَقُوْلُ: دَخَلْتُ عَلَى الإِمَامِ نَاصِرٍ المَرْوَزِيِّ (¬١) بِـ "نَيْسَابُوْرَ" وَكَانَ مَجْلِسُهُ غَاصًّا بِتَلَامِذَتِهِ، وَاحْتَفَّ بِهِ الفُقَهَاءُ، وَكَانَ يُدَرِّسُ وَيَقُوْلُ: رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصّدِّيْقِ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأَ في الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ صَلَاةِ المَغْرِبِ (¬٢): ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ فَقُلْتُ: - أَيَّدَ اللهُ الشَّيْخَ الإِمَامَ - أَحَدِيْثُ عَهْدٍ أَنْتَ بِهَذَا الحَدِيْثِ وَهُوَ عَلَى ذِكْرِكَ؟ فَقَالَ: لا، فَقُلْتُ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ صَلَاةِ المَغْرِب: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (¬٣) فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَرَجَعَ إِلَى قَوْلِي، وَحَثَّ القَوْمَ عَلَى إِثْبَاتِهِ وَتَعْلِيْقِهِ، ثُمَّ بَكَّرْتُ إِلَيْهِ مِنْ غَدِ هَذَا اليَوْمِ فَرَحَّبَ بِي، وَأَعْلَى مَحَلِّي، وَأَجْلَسَنِي فَوْقَ جَمَاعَةٍ زُهَاءَ سَبْعِيْنَ، كُنْتُ بِالأَمْسِ جالِسًا دُوْنَهُمْ، وَمَدَحْتُهُ بِقَصِيْدَةٍ، وَوَاظَبْتُ عَلَى الاخْتِلَافِ إِلَيْهِ، وَأَخَذَ الفِقْهِ عَنْهُ مُدَّةً.قَالَ صَاحِبُ "التَّارِيْخِ": وَرَجَعَ الشَّيْخُ مِنْ "حُرْقَانَ" (¬١) وَ"الرَّيَّ" (¬٢) عَنْ زِيَارَةِ الشَّيْخِ أَبِي الحَسَنِ الحُرْقَانِيِّ، وَكَانَ الحُرْقَانِيُّ أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَلَاطَفَهُ فِي المُخَاطَبَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ، قَالَ: وَلَقِيَ الشَّيْخُ بِـ "نَيْسَابُوْرَ" الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ اللهِ بنَ بَاكَوَيْهِ الشَّيْرَازِيَّ (¬٣)، وَتَكَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَرَضِيَ ابنُ بَاكَوَيْهِ قَوْلَهُ، وَاسْتَحْسَنَ فِي الحَقِيْقَةِ كَلَامَهُ، وَبَشَرَ بِأَيَّامِهِ، فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الخُرُوْجِ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: نَوَيْتُ سَفَرًا، قَالَ: لَسْتُ مِنْ بَابَةِ السَّفَرِ، بَلْ بَابَتُكَ أَنْ تَعْقِدَ حَلْقَةً تُكَلِّمُهُمْ عَلَى الحَقِّ. قَالَ صَاحِبُ "التَّارِيْخِ": وَكَانَ إِسْحَقُ القَرَّابُ (¬٤) الحَافِظُ يتأَمَّلُ مَا كَانَ يُخْرِجُهُ الأَنْصَارِيُّ، وَكَذلِكَ إِسْمَاعِيْلُ الصَّابُوْنِيُّ (¬٥)، قَالَ: وَكُلُّهُمْ تَعَجَّبُوا مِنْ تَخْرِيْجِهِ، وَأُعْجِبُوا بِهِ، وَأَثْنَوا عَلَى الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ، وَاغْتَبَطُوابِمَكَانِهِ، وَدَعَوا لَهُ بالخَيْرِ. وَكَانَ مِنْ عَادَةِ إِسْحَقَ القَرَّابِ الحَافِظِ الحَثُّ عَلَى الاخْتِلَافِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، وَالبَعْثُ عَلَى القِرَاءَةِ عَلَيْهِ، وَاسْتِمَاعِ الأحَادِيْثَ بِقِرَاءَتِهِ، وَالاسْتِفَادَةِ مِنْهُ، وَالمُوَاظَبَةِ عَلَى مَجْلِسِهِ، وَالاخْتِيَارِ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَكَانَ يَقُوْلُ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَاذِبٌ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا الرَّجُلُ فِي الأحْيَاءِ. قَالَ: وَكُلُّ مَنْ لَقِيْتُ مِنْ أَهْلِ "هَرَاةَ" وَفِي سَائِرِ البُلْدَانِ، حِيْنَ خَرَجْتُ مُسَافِرًا، وَمَن سَمِعْتُ بِخَبَرٍ مِنْهُم فِي الآفَاقِ مِنَ القُضَاةِ وَالأئمَّةِ وَالأفَاضِلِ، وَالمَذْكُوْرِيْنَ، كَانُوا يُحْسِنُوْنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا يُنْكِرُوْنَ فَضْلَهُ. وَقَالَ الرُّهَاوِيُّ: "سَمِعْتُ أَبَا بِشْرٍ الهَمَذَانِيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ شَيْخِي عَبْدَ الهَادِي الَّذِي أَخَذْتُ عَنْهُ العِلْمَ يَقُوْلُ: عَبْدُ اللهِ الأَنْصارِيُّ يُعَدُّ فِي العَبَادِلَةِ. قَالَ الرُّهَاوِيُّ: عَبْدُ الهَادِي هَذَا مِنْ أَئِمَّةِ "هَمَذَانَ". وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو النَّصْرِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ الفَامِيُّ فِي "تَارِيْخِ هَرَاةَ" شيْخَ الإسْلَامِ الأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ: كَانَ بِكْرَ الزَّمَانِ، وَزِنَادَ الفَلَكِ، وَوَاسِطَةَ عِقْدِ المَعَانِي وَالمَعَالِي، وَصُوْرَةَ الإقْبَالِ فِي فُنُوْنِ الفَضَائِلِ، وَأَنْوَاعِ المَحَاسِن. وَمِنْهَا: نُصْرَةُ الدِّيْنِ وَالسُّنَّةِ، وَالصَّلَابَةِ فِي قَهْرِ أَعْدَاءِ المِلَّةِ، وَالمُتَحَلِّيْنَ بِالبِدْعَةِ، حَيِيَ عَلَى ذلِكَ عُمُرَهُ، مِنْ غَيْرِ مُدَاهَنَةٍ وَمُرَاقَبَةٍ (¬١) لِسُلْطَانٍ وَلَا وَزِيْرٍ، وَلَا مُلَايَنَةٍ مَعَ كَبِيْرٍ وَلَا صَغِيْرٍ، وَقَدْ قَاسَى بِذلِكَ السَّبَبِ قَصْدَ الحُسَّادِ فِي كلِّ وَقْتٍ وَزَمَانٍ، وَمُنِيَ بِكَيْدِ الأَعْدَاءِ فِي كُلِّ حِيْنٍ وَأَوَانٍ، وَسَعَوا فِي رُوْحِهِ مِرَارًا، وَعَمَدُوا إِلَى هَلَاكِهِ أَطْوَارًا، مُقَدِّرِيْنَ بِذلِكَ الخَلَاصَ مِنْ يَدِهِوَلِسَانِهِ، وَإِظْهَارِ مَا أَضْمَرُوا فِي زَمَانِهِ، فَوَقَاهُ اللهُ شَرَّهُمْ، وَأَحَاطَ بِهِمْ مَكْرَهُمْ، وَجَعَلَ قَصْدَهُمْ لاِرْتِفَاعِ أَمْرِهِ وَعُلُوِّ شَأْنِهِ أَقْوَى سَبَبٍ، وَلَيْسَ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى بِبِدْعٍ وَلَا عَجَبٍ: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (¬١). وَأَمَّا قَبُوْلُهُ عِنْدَ الخَاصِّ وَالعَامِّ، وَاسْتِحْسَانِ كَلَامِهِ وَانْتِشَارِهِ فِي جَمِيْعِ بِلَادِ الإسْلَامِ، فَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ أَوْ بُرْهَانٌ (¬٢)، أَوْ يَخْتَلِفُ فِي سَبْقِهِ وَتَقَدُّمِهِ فِيْهَا مِنَ الأَئِمَّةِ اثْنَانِ، وَلَقَدْ هَذَّبَ أَحْوَالَ هَذِهِ النَّاحِيَةِ عَنِ البِدَعِ بِأَسْرِهَا، وَنَقَّحَ أُمُوْرَهُمْ عَمَّا اعْتَادُوْهُ مِنْهَا فِي أَمْرِهَا، وَحَمَلَهُمْ عَلَى الاعْتِقَادِ الَّذِي لَا مَطْعَنَ لِمُسْلِمٍ بِشَيْءٍ عَلَيْهِ، وَلَا سَبِيْلَ لِمُبْتَدِعٍ إِلَى القَدْحِ إِلَيْهِ. وَمِنْهَا: تَصَانِيْفُهُ الَّتِي حَازَ فِيْهَا قَصَبَ السَّبْقِ بَيْنَ الأَضْرَابِ، وَذَكَرَهَا فِي بَابِ المُصَنِّفِيْنَ مِنَ الكُتَّابِ. وَذَكَرَهُ أَيْضًا الإمَامُ أَبُو الحُسَيْنِ عَبْدُ الغَافِرِ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الفَارِسِيُّ (¬٣)، خَطِيْبُ "نَيْسَابُوْرَ" فِي "تَارِيْخِ نَيْسَابُوْر"، فَذَكَرَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، وَقَالَ: أَبُو إِسْمَاعِيْلَ،الإمَامُ، شَيْخُ الإسْلَامِ بِـ "هَرَاةَ"، صَاحِبُ القَبُوْلِ فِي عَصْرِهِ، وَالمَشْهُوْرُ بِالفَضْلِ وَحُسْنِ الوَعْظِ وَالتَّذْكِيْرِ فِي دَهْرِهِ، لَمْ يَرَ أَحَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ فِي فَنِّهِ حُلْمًا مَا رَآهُ عَيَانًا، مِنَ الحِشْمَةِ الوَافِرَةِ القَاهِرَةِ، وَالرَّوْنَقِ الدَّائِمِ، وَالاسْتِيْلَاءِ عَلَى الخَاصِّ وَالعَامِّ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَاتَسَاقِ أُمُوْرِ المُرِيْدِيْنَ وَالأَتْبَاعِ، وَالغَالِيْنَ فِي حَقِّهِ، وَالتِئَامِ المَدَارِسِ، وَالأَصْحَابِ، وَالخَانِقَاهُ، وَنُوَّابِ المَجَالِسِ، إِلَى غَيْرِ ذلِكَ مِمَّا هُوَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الشَّرْحِ. وَكَانَ عَلَى حَظٍّ تَامٍّ مِنَ العَرَبِيَّةِ، وَمَعْرِفَةِ الأَحَادِيْثِ، وَالأَنْسَابِ، وَالتَّوَارِيْخِ، إِمَامًا كَامِلًا فِي التَّفْسِيْرِ وَالتَّذْكِيْرِ، حَسَنَ السِّيْرَةِ وَالطَّرِيْقَةِ فِي التَّصَوُّفِ وَمُبَاشَرَةِ التَّصَوُّفِ، وَمُعَاشَرَةِ الأَصْحَابِ الصُّوْفِيَّةِ، مُظْهِرَ السُّنَّةِ، دَاعِيًا إِلَيْهَا، مُحَرِّضًا عَلَيْهَا، غَيْرَ مُشْتَغِلٍ بِكَسْبِ الأَسْبَابِ وَالضِّيَاعِ وَالعَقَارِ، وَالتَّوَغُّلِ فِي الدُّنْيَا، مُكْتَفِيًا بِمَا يُبَاسِطُ بِهِ المُرِيْدِيْنَ وَالأَتْبَاعَ مِن أَهْلِ مَجْلِسِهِ فِي السَّنَةِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، حَاكِمًا عَلَيْهَا حُكْمًا نَافِذًا بِمَا كَانَ يَحْتاجُ إِلَيْهِ هُوَ وَأَصحَابُهُ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ عَلَى رَأْسِ المَلإِ، فَيَحْصُلُ عَلَى أُلُوْفٍ مِنَ الدَّنَانِيْرِ بِهَا، وَأَعْدَادٍ جَمَّةٍ مِنَ الثِّيَابِ وَالحُلِيِّ، وَغَيْرِ ذلِكَ، فَيَجْمَعُهَا وَيُفَرِّقُهَا عَلَى الخَبَّازِ، وَالبَقَّالِ، وَالقَصَّابِ، وَيُنْفِقُ مِنْهَا، مُوَسِّعًا فِيْهَا مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنَ السَّلَاطِيْنِ وَالظَّلَمَةِ وَالأَعْوَانِ وَأَركَانِ الدَّوْلَةِ شَيْئًا، وَقَلَّمَا يُرَاعِيْهِمْ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُبَالِي بِهِمْ، فَبَقِيَ عَزِيْزًا مَقْبُولًا، قَبُوْلًا أَتَمَّ مِنَ المَلِكِ عَلَى الحَقِيْقَةِ، مُطَاعَ الأَمْرِ قَرِيْبًا مِنْ سِتِّيْنَ سَنَةً، مِنْ غَيْرِ مُزَاحَمَةٍ، وَلَا فُتُوْرٍ فِي الحَالِ. وَمِنْ خَصَائِصِهِ: أَنَّهُ كَانَ حَضرَ المَجْلِسَ لَبِسَ الثِّيَابَ الفَاخِرَةَ، وَرَكِبَالدَّوَّابَّ الثَّمِيْنَةَ، وَالمَرَاكِبَ المَعْرُوْفَةَ، وَتَكَلَّفَ غَايَةَ التَّكَلُّفِ، وَيَقُوْلُ: إِنَّمَا أَفْعَلُ هَذا إِعْزَازًا لِلدِّيْنِ، وَرَغْمًا لِأَعْدَائِهِ، حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَى عِزِّيْ وَتَجَمُّلِي، فَيَرْغَبُوا فِي الإِسْلَامِ إِذَا رَأَوا عِزَّهُ، ثُمَّ إِذَا انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِهِ عَادَ إِلَى المُرَقَّعَةِ وَالقُعُوْدِ مَعَ الصُّوْفيَّةِ فِي الخَانِقَاهُ، يَأْكُلُ مَعَهُمْ مَا يَأْكُلُوْنَ، وَيَلْبَسُ مَا يَلْبَسُوْنَ، وَلَا يَتَمَيَّزُ فِي المَطْعُوْمِ وَالمَلْبُوْسِ عَنْ آحَادِهِم، عَلَى هَذَا كَانَ يُزْجِي أَيَّامَهُ، وَكُلُّ مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ سِيْرَتِهِ مَحْمُوْدٌ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَخَذَهُ أهْلُ "هَرَاةَ" عَنْهُ مِنْ مَحَاسِنِ سِيْرَتِهِ: التَّبْكِيْرُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَأَدَاءُ الفَرَائِضِ فِي أَوَائِلَ أَوْقَاتِهَا، وَاسْتِعْمَالُ السُّنَنِ وَالآدَابِ فِيْهَا. وَمِنْ ذلِكَ: تَسْمِيَةُ الأَوْلَادِ فِي الأَغْلَبِ بِالعَبْدِ المُضَافِ إِلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى: كَعَبْدِ الخَالِقِ، وَعَبْدِ الخَلَّاقِ، وَعَبْدِ الهَادِي، وَعَبْدِ الرَّشِيْدِ، وَعَبْدِ المَجِيْدِ، وَعَبْدِ المُعِزِّ، وَعَبْدِ السَّلَامِ، وَإِلَى غَيْرِ ذلِكَ مِمَّا كَانَ يَحُثُّهُمْ وَيَدْعُوْهُمْ إِلَى ذلِكَ، فَتَعَوَّدُوا الجَرْيَ عَلَى تِلْكَ السُّنَّةِ (¬١) وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ آثَارِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ شُيُوْخِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو القَاسِمِ أَسْعَدُ بنُ عَلِيٍّ البَارِعُ الزَّوْزَنِيُّ (¬٢) لِنَفْسِهِ فِي الإمَامِ، وَقَدْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ: وَقَالُوا رَأَيْتَ كَعَبْدِ الـ … ـــإلَهِ إِمَامًا إِذَا عُقِدَ المَجْلِسَافَقُلْتُ أَمَا إِنَّنِي مَا رَأَيْـ … ــــتُ وَلَمْ يَلْقَ قَبْلِيَ مِمَّن عَسَى فَقَالُوا يَجِيْءُ نَظِيْرٌ لَهُ … فَقُلْتُ كَمُسْتَقْبَلٍ مِنْ عَسَى قَالَ عَبْدُ الغَافِرِ: وَقَرَأْتُ فِي "دُمْيَةِ القَصْرِ" لأَبِي الحَسَنِ البَاخَرْزِيِّ (¬١) فَصْلًا فِي الإمَامِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصارِيِّ، وَذلِكَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ فِي التَّذْكِيْرِ فِي الدَّرَجَةِ العُلْيَا، وَفِي عِلْمِ التَّفْسِيْرِ أَوْحَدُ الدُّنْيَا، يَعِظُ فَيَصْطَادُ القُلُوْبَ بِحُسْنِ لَفْظِهِ، وَيُمَحِّصُ الذُّنُوْبَ بِيُمْنِ وَعْظِهِ، وَلَوْ سَمِعَ قِسُّ بنُ سَاعِدَةَ (¬٢) تِلْكَ الأَلْفَاظَ، لَمَا خَطَبَ بِسُوْقِ "عُكَاظَ"، ثُمَّ ذَكَرَ بَيْتَيْنِ لِلإِمَامِ عَبْدِ اللهِ فِي نِظَامِ المُلْكِ وَهُمَا: بِجَاهِكَ أَدْرَكَ المَظْلُوْمُ ثَارَهُ … وَمَنِّكَ شَادَ بَانِي العَدْلِ دَارَهْ وَقَبْلَكَ هُنِّئَ الوُزَرَاءُ حَتَّى … نَهَضْتَ بِهَا فَهُنِّئْتِ الوِزَارَهْ ثُمَّ قَالَ: وَحَضَرْتُ يَوْمًا مَجْلِسَهُ بِـ "هَرَاةَ" مَعَ أَبِي عَاصِمٍ الحُسَيْنِ بنِ مُحَمَّدٍابنِ الفُضَيْلِيِّ الهَرَوِيِّ (¬١) شَيْخِ الأَفَاضِلِ بـ "هَرَاةَ"، فَلَمَّا طَابَ فُؤَادُهُ، وَعَرَقَ جَوَادُهُ، وَطَنَّتْ نَقَرَاتُ العَازِفِيْنَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَدَنَتِ المَلَائِكَةُ فَتَدَلَّتْ لِلإصْغَاءِ، قَالَ أَبُو العَاصِمِ: (¬٢) عُيُوْنُ النَّاسِ لَمْ تَلْـ … ــــقَ وَلَا تَلْقَى كَعَبْدِ اللهْ وَلَا يُنْكِرُ هَذَا غَيْـ … ـــــرَ مَنْ مَالَ عَنِ المِلَّهْ قَالَ البَاخَرْزِىُّ: فَقُلْتُ أَنَا (¬٣): مَجْلِسُ الأُسْتَاذِ عَبْدِ اللّـ … ــــهِ رَوْضُ العَارِفِيْنَا أَلْحَقَ الفَخْرَ بِنَا … بَعْدَ حُكْمِ العَارِ فِيْنَا قَالَ عَبْدُ الغَافِرِ: وَفِي المَنْقُوْلَاتِ مِنْ أَخْبَارِهِ وَآثَارِهِ، وَمَا قِيْلَ فِيْهِ مِنَ الأَشْعَارِ، وَمَا نُقِلَ عَنْهُ مِنَ العِبَارَاتِ كَثِيْرٌ، وَفِي هَذَا القَدْرِ دَلِيْلٌ عَلَى أَمْثَالِهَا. وَقَالَ شَيْخِ الإسْلَامِ أَبُو العَبَّاسِ بنُ تَيْمِيَّةِ فِي كِتَابِ "الأَجْوِبَةِ المِصْرِيَّةِ" (¬٤) شَيْخُ الإسْلَامِ، مَشْهُوْرٌ، مُعَظَّمٌ عِنْدَ النَّاسِ، هُوَ إِمَامٌ فِي الحَدِيْثِ، وَالتَّصَوُّفِ،وَالتَّفْسِيْرِ، وَهُوَ فِي الفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الحَدِيْثِ، يُعَظِّمُ الشَّافِعِيَّ، وَأَحْمَدَ، وَيُقَرِّبُ (¬١) بَيْنَهُمَا فِي أَجْوِبَتِهِ فِي الفِقْهِ مَا يُوَافِقُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ تَارَةً وَقَوْلَ أَحْمَد أُخْرَى، وَالغَالِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الحَدِيْثِ عَلَى طَرِيْقَة ابنُ المُبَارِك (¬٢) وَنَحْوِهِ. قَالَ: وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ الكَرَجِيُّ (¬٣)، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ فِي بِلَادِهِ،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .فِي كِتَابِهِ "الفُصُوْلِ فِي الأُصُوْلِ": أَنْشَدَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الفُضَلَاءِ لِلإِمَامِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ أَنْشَدَ فِي مَعْرَضِ النَّصِيْحَةِ لأهْلِ السُّنَّةِ: كُنْ إِذَا مَا حَادَ عَنْ حَدِّ الهُدَى … أَشْعَرِيُّ الرَّأْي شَيْطَانُ البَشَرْ شَافِعِيُّ الشَّرْعِ سِنِّيُّ الحُلَى … حَنْبَلِيُّ العِقْدِ صُوْفِيَّ السِّيَرْ وَمِنْ شِعْرِ شَيْخِ الإسْلَامِ مِمَّا أَنْشَدَهُ الرُّهَاوِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ: سُبْحَانَ مَنْ أَجْمَلَ الحُسْنَى لِطَالِبَهَا … حَتَّى إِذَا ظَهَرَتْ فِي عَبْدِهِ مُدِحَا لَيْسَ الكَرِيْمُ الَّذِي يُعْطِي لِتَمْدَحَه … إِنَّ الكَرِيْمَ الَّذِي يُثْنِي بِمَا مَنَحَا وَأَنْشَدَ لَهُ: نَهْوَاكَ نَحْنُ وَنَحْنُ مِنْكَ نَهَابُ … أَهَوًى وَخَوْفًا إِنَّ ذَاكَ عُجَابُ شَخَصَ العُقُوْلُ إِلَيْكَ ثُمَّ اسْتَحْسَرَتْ … وَتَحَيَّرَتْ فِي كُنْهِكَ الأَلْبَابُ قُلْتُ: وَلِشَيْخِ الإسْلَامِ شِعْرٌ كَثيْرٌ حَسَنٌ جِدًّا؛ وَلأَجْلِ هَذَا ذَكَرَهُ البَاخَرْزِيُّ الأَدِيْبُ فِي كِتَابِهِ "دُمْيَةِ القَصْرِ فِي شُعَرَاءِ العَصْرِ" وَلَهُ كَلَامٌ فِي التَّصَوُّفِ وَالسُّلُوْكِدَقِيْقٌ. وَقَدِ اعْتَنَى بِشَرْحِ كِتَابِهِ "مَنَازِلِ السَّائِرِيْنَ" جَمَاعَةٌ (¬١)، وَهُوَ كَثِيْرُ الإشَارَةِ إِلَى مَقَامِ الفَنَاءِ فِي تَوْحِيْدِ الرُّبُوْبِيَّةِ، وَاضْمِحْلَالِ مَا سِوَى اللهِ (¬٢) فِي الشُّهُوْدِ لَا فِي الوُجُوْدِ، فَيَتَوَهَّمُ فِيْهِ أَنَّهُ يُشِيْرُ إِلَى الاتِّحَادِ حَتَّى انْتَحَلَهُ قَوْمٌ مِنَ الاتِّحَادِيَّةِ، وَعَظَّمُوْهُ لِذلِكَ، وَذَمَّهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدَحُوا فِيْهِ بِذلِكَ، وَقَدْ بَرَّأَهُ اللهُ مِنْ الاتِّحَادِ، وَقَدِ انْتَصَرَ لَهُ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ القَيِّمِ فِي كِتَابِه الَّذِي شَرَحَ فِيْهِ "المَنَازِلَ" (¬٣) وَبَيَّنَ أَنَّ حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى قَوَاعِدِ الاتِّحَادِ زُوْرٌ وَبَاطِلٌ. تُوفِّيَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ العَصْرِ ثَانِي عِشْرِيْنَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ يَوْمَ السَّبْتِ بِـ "كَازِيَارِكَاه" (¬٤) مَقْبَرَةٍ بِقُرْبِ "هَرَاةَ"، وَكَانَ يَوْمًا كَثِيْرَ المَطَرِ، شَدِيْدَ الوَحْلِ، وَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ يَقُوْلُ فِي حَيَاتِهِ: إِنِ اسْتَأْثَرَ اللهُ بِي فِي الصَّيْفِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَطْعٍ مَخَافَةَ المَطَرِ،فَصَدَّقَ اللهُ ظَنَّهُ فِي ذلِكَ. حَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الحُفَّاظِ وَغيْرِهِمْ كَالمُؤْتَمَنِ السَّاجِيِّ، وَمُحَمَّدِ بنِ طَاهِرٍ، وَأَبِي نَصْرٍ الغَازِيِّ، وَأَبِي الوَقْتِ السِّجْزِيِّ، وَأَبِي الفَتْحِ الكَرُّوْخِيِّ. قَرَأْتُ عَلَى أَبي حَفْصٍ عُمَرَ بنِ عَلِيٍّ القَزْوِيْنِيِّ (¬١) بِـ "بَغْدَادَ": أَخْبَرَكُمْ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي القَاسِمِ المُقْرِئُ (ح) وأَخْبَرَنَا الرَّبِيْع (¬٢) عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بنِ أَحْمَدَ البَغْدَادِيُّ بِهَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ - وَأَنَا فِي الخَامِسَةِ - (أنَا) وَالِدِي أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَا: (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَبِي بَكْرٍ بنِرُوْزَبَةَ (أَنَا) أَبُو الوَقْتِ عَبْدُ الأَوَّلِ بنُ عِيْسَى السِّجْزِيُّ (أَنَا) شَيْخُ الإِسْلَامِ أَبُو إِسْمَاعِيْلَ الهَرَوِيُّ (أَنَا) أَبُو الحُسَيْنِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ العَالِي البُوْشَنْجِيُّ (أَنَا) أَبُو أَحْمَدَ الغِطْرِيْفِيُّ، وَمَنْصُوْرُ بنُ العَبَّاسِ الفَقِيْهُ، قَالَا: (أَثَنَا) الحَسَنُ بنُ سُفْيَانَ، (ثَنَا) أَبُو صَالِحٍ الحَكَمُ بنُ مُوْسَى، (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبي عُثْمَانَ - وَلَيْسَ بِالنَّهْدِيِّ - عَنْ مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (¬١) "اقْرَأُوْهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ" يَعْنِي: (يس). وَبِالإِسْنَادِ الأَوَّلِ إِلَى شَيْخِ الإسْلَامِ، أَنْشَدَنَا يَحْيَى بنُ عَمَّارٍ، أَنْشَدَنِي أَبُو المُنْذِرِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ جَعْفَرٍ الأَدِيْبِ، أَنْشَدَنِي الصُّوْلِيُّ لأبِي العَبَّاسِ ثَعْلَبٍ (¬٢):رُبَّ رِيْحٍ لأُنَاسٍ عَصَفَتْ … ثُمَّ مَا إِنْ لَبِثَتْ أَنْ رَكَدَتْ وَكَذَاكَ الدَّهْرُ فِي أَفْعَالِهِ … قَدَمٌ زَلَّتْ وَأُخْرَى ثَبَتَتْ بَالِغٌ مَا كَانَ يَرْجُو دُوْنَهُ … وَيَدٌ عَمَّا اسْتَقَلَّتْ قَصُرَتْ وَكَذَا الأَيَّامُ مِنْ عَادَاتِهَا … أَنَّهَا مُفْسِدَةٌ مَا أَصْلَحَتْ ثُمَّ تَأْتِيْكَ مَقَادِيْرُ لَهَا … فَتَرَى مُصْلِحَةً مَا أَفْسَدَتْ