القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية
full-text— · 4 entries
- exact linked passagemedium confidencepage 1896, entry [1384]9,044 chars
ذكر آياته وإجاباته [¬٨] وفضائله وهيبته وتوكله [¬٩] قال: وكان العلماء بالقيروان وغيرها والفضلاء يقصدونه ويزورونه، ويتبركون برؤيته، ويسألونه الدعاء لهم؛ وكان أبو محمد بن أبي زيد يقول:قوى قلبى إذ بلغني أنه يدعو لي، وكان أبو الحسن القابسي وغيره يقصده. قال أبو الحسن: لما سافرت إليه أول سفرة وقربنا من جبن…
▸ expand full passage (9,044 chars)ذكر آياته وإجاباته [¬٨] وفضائله وهيبته وتوكله [¬٩] قال: وكان العلماء بالقيروان وغيرها والفضلاء يقصدونه ويزورونه، ويتبركون برؤيته، ويسألونه الدعاء لهم؛ وكان أبو محمد بن أبي زيد يقول:قوى قلبى إذ بلغني أنه يدعو لي، وكان أبو الحسن القابسي وغيره يقصده. قال أبو الحسن: لما سافرت إليه أول سفرة وقربنا من جبنيانة، دخل في قلبي منه رعبة [¬١] وهيبة عظيمة، وقلت لأصحابي: أخشى أن يجرى على لسان هذا الشيخ من أحوالنا شيء يظهره الله للناس، أو كلاما هذا معناه، فوجدناه غائبا ليصلى على جنازة، فلما جاء وقت الصلاة وأذن، ما ملكت نفسي عند سماع أذانه، حتى جلست إلى الأرض، وسمعت أذانا ما سمعت مثله، ثم دخلنا المسجد فلا أحد يتكلم إلا أن يسلم سلاما خفيفا، فلما صلى انصرف، فسلمنا عليه، فكان منه إقبال عظيم ودعاء [¬٢]، وكان قبل دخولنا جبنيانة تكلم معنا بعض أصحابنا - فقال: أنا رجل من العرب [¬٣]، وخطب إلي ابنتي رجلان صالحان من الموالي، فإن زوجتهما لم تطب نفسي، وإن رددتهما - خشيت أن لا أجد [¬٤] مثلهما، فكان أول شيء سمعنا من الشيخ أن [¬٥] قال: كان لسحنون بن سعيد صاحب من العرب [¬٦] خطب ابنته رجل من الموالي، فشاور سحنونا [¬٧] فقال له: زوج من له دين ومرؤة - ولو انفلقت عنه بعرة، ثم حول الجبنياني رأسه قبل صاحبنا، فقال: هكذا قال سحنون، فقلت له: قد أفتيت في مسألتك على لسان الجبنياني. وكان أبو إسحاق قد سأل الله أن يبين له أهل البدع والمحدثين في الدين، فكان ربما لقيه قوم فيسلم على بعضهم، ويتفرس في آخرين فراسة سوء، فيقف من [¬٨] السلام عليهم، فيكشف عنهم، فيوجدون على ضلالة؛ وله في هذا الباب أخبارمأثورة [¬١] كثيرة، ولقد أتاه حسين بن رشيق - وزير السلطان، وابن القديم، فلما قربا من مسكنه، قال أحدهما للآخر: أصابك مثل ما أصابني؟ قال له: وما هو؟ قال إن عنان فرسي سقط [¬٢] من يدى من الرهب [¬٣]، فقال له الآخر: أصابني أشد من ذلك، فانصرفا ولم يجسرا على لقائه. وكان رجل من أهل السنة بقريته [¬٤] مشارقة ومعتزلة، ليس فيهم سني غيره؛ وعلى قريتهم كتامى [¬٥] يقال له أبو دكرك من الفراعنة، فقال جيرانه لا بي دكرك: نكتب عليه محضرا أنه يسب السلطان، وتأخذ أنت ماله وتقتله، فإذا سألك السلطان عن قتله، أخرجت المحضر؛ فأمر باعتقال [¬٦] دار الرجل لينزل عليها بالليل، فتحيل حتى خرج من الدار ووصل إلى أبى إسحاق، وقد ذهل عقله، فسلم سلاما محتملا [¬٧]، فقال له: ما بالك؟ فقال: أبو دكرك [¬٨] جرى [¬٩] علي منه كذا وكذا، فقال أبو إسحاق: من أبو دكرك؟ دكرك الله به الأرض! ثمّ قال لمن حوله: إن صاحبكم مضطر، فاقصدوا فيه [¬١٠] باب الملك الجبار، وأقبل على الدعاء - ومن حضر يؤمن، ثم قال تكفي مؤنته - إن شاء الله تعالى، فكان في [¬١١] دعائه: اللهم دكرك الأرض بأبى دكرك، فلما كان الغد، أتانا السنى، فعرفنا [¬١٢] أن أبا دكرك قتله عبيدوالى البلد وأخفوه، فاجتهد [¬١] في طلب جسده، وبذل السلطان عليه مالا، فما وجد له أثر [¬٢]، دكرك الله به الأرض، وسلم السنى. قال التستري [¬٣]: ووصل إلينا حمى الترجمان، وطلب من أهل موضعنا خمرا، فقالوا له: ما بهذا البلد أحد يشربها، لانا [¬٤] بجوار هذا العابد - يعنون أبا إسحاق، فقال: من العابد؟ أنا أخرج قلبه على رمحي، ما يعرف هو غير مولاه - يعني السلطان، فمضى أهل القرية يبكون [¬٥] إلى أبي إسحاق فعرفوه، وقالوا [¬٦]: إنا خائفون على أنفسنا وحريمنا، وقد تركوا معه أحدهم يلاطفه، فوجدوا أبا إسحاق مستقبل [¬٧] القبلة، فدعا بدعاء عظيم، ثم قال: تكفوا [¬٨] مؤنته - إن شاء الله لا يدخل إليكم أبدا؛ قال أبو القاسم: فرجعوا ورجعت معهم، فوجدناه قد شد على خيله متوجها إلى الجبل، فسقط في [¬٩] جرف، وسقط عليه فرسه فمات. قال أبو إسحاق: ورأينا منه ما [¬١٠] يضيق بوسعه الكتاب. ومر به صاحب خبر السلطان وهو يؤذن، فقال له: يا منافق، كم تصد عن دعوة مولانا، فلما قضى الشيخ أذانه، قال: أذلك الله يا فاسق - على يد من أعززت [¬١١] به، فنقم عليه السلطان شيئا، وضربه [¬١٢] خمسمائة سوط وصلبه حيا، فكان يقول: دواء مجرب من أحب أن يضرب خمسمائة سوط ويصلب حيا، فليسب الجبنياني.قال أحد أولاده: خرجنا عند الغروب من سفاقس مع الشيخ، فأظلم علينا الليل فلقينا السلابة - وقد شهروا حديدهم، فلما قربوا من الشيخ، قال: لا إله إلا الله، ينبغى للخلق أن يستحيوا من الله، فهربت [¬١] السلابة، ثم تمادينا نمشي في الظلمة، وإذا [¬٢] بشعلة [¬٣] نار مرة [¬٤] عن يميننا، ومرة عن شمالنا، حتى حاذينا منزل مروان العابد، فقال الشيخ: أنا ارجع إلى معبد مروان، وتمادوا أنتم، ثم حول وجهه إلى الشعلة فقال: يا فاسق، يا لعين، قد عرفناك واتقيناك. اخسأ فعليك لعنة الله، فطفئت الشمعة. قال بعض أصحابه العباد: نبت لي [¬٥] نبت [¬٦] في أصل العجز [¬٧] لم [¬٨] أقدر أن أصلي معه قائما [¬٩] ولا جالسا إلا مضطجعا، فحملت حتى وصلت إليه وأخبرته [¬١٠]، وقلت: قيل لي: تكتوى [¬١١] بالنار فخفت من النار، فبكى، فقال: أي والله، ينبغي لك أن تخاف من النار، ثم قال لي: اجعل يدك على المكان، ففعلت، وجعل يدعو ثم قال لي: قم فقد شفاك الله، فوالله لقد ركبت الدابة فما مسكها أحد كأني ما مسني شيء قط! قال عمر بن مثنى: كل من أدركت بهذا الساحل من عالم أو عابد يستتر وينزوى بدينه خوفا من فتنة [¬١٢] بني عبيد إلا أبا إسحاق، فإنه وثق [¬١٣] بالله فلم يسلمه، ومسك الله به قلوب المؤمنين، وأعز به الدين، وهيبه في أعين المارقين. وحضر أبو إسحاق جنازة بنت أحد [¬١٤] أصحابه فصلى عليها، وانصرف كل منبالسوق [¬١] إلى الصلاة عليها خلفه، فرفع الأمر إلى سلطان الشيعة معد، وقيل له: انك تطاع [¬٢] فأمر بالبرد فخرجوا فيه، فسمع وزراؤه بذلك، فأتوه حفاة مشاة يقولون: إنا نخشى الهلاك، ما ظنك برجل مجاب الدعوة، منقطع عن الدنيا؛ فرد البرد، وأرسل شيخا من كتامة [¬٣] في زي ناسك ليختبر له أحواله، فاختفى الشيخ الكتامي [¬٤] خلف حصير في المسجد حتى جاء أبو إسحاق فأذن للمغرب، وأقام [¬٥] وصلى؛ فخرج الكتامي من وراء الحصير، فقال [¬٦] له: يا منافق على مولانا لا تؤذن حي على خير العمل، ولا تقرأ بسم الله الرحمان الرحيم، ولا تسلم على ناحيتين، ما لمولانا عدو مثلك؛ فدعا عليه فقال: اللهم اجعله آية للعالمين، فطارت عيناه جميعا، فأخرج من المسجد ينادي وهو يقول: الموت الموت مع هذا الشيخ لا تقربوه، وانصرف إلى معد، فارتاع وقال لوزرائه: كيف ترون لو بدرتنا فيه بادرة، وكان لما صلى على هذه الجنازة، وقف به [¬٧] رجل، فقال: يا أبا إسحاق، الوقت لا يحتمل، فقال له: انا لم نبلغ درجة الصديقين حتى نقتل على الحق، فقال له: يا أبا إسحاق، عندى دعاء الخليل حين ألقي في النار، ودعاء يونس حين التقمه الحوت، فقال له الشيخ: يا مسكين، إن كنت تدعو بدعاء الأنبياء، وتفعل فعل الفراعنة فمن تخادع؟ وصلى مرة على جنازة امرأة، فجيء بجنازة كتامي كبير - ومعه خلق منهم، فقالوا: الصلاة على هذا الشهيد، فلم يرد عليهم، فلما فرغ من دفن المرأة انصرف وتركهم وقوفا بتابوتهم، فافترق أصحابه ومن معه من حوله - خوفا أن يضعوا فيهم أيديهم، فلما ذهبوا بجنازتهم، أدركنا الشيخ، فقلنا له: الوقت كما علمت، وهؤلاءأصحاب السلطان، فأولى [¬١] بك أن لا تخرج إلى الصلاة على الجنائز، فلما أكثرنا عليه، قال: كأنكم خفتم علي منهم، قلنا [¬٢]: نعم، قال: اللهم إن كنت أخافهم دونك [¬٣]، فسلطهم علي، فأمنا حينئذ ومشينا معه. وجاء إليه مرة حسون [¬٤] صاحب الأسطول في عسكر عظيم وصقالبة، فلما سلم الشيخ من الصلاة، مضى إليه حسون ومن معه وعامل البلد [¬٥] ليسلموا عليه، فحول إليهم وجهه - وهو مغضب، وقال لهم: خير ما لكم عندي ما أعرف [¬٦] فلانا، ما في الدارين غير الله هو الضار النافع. وأتاه يوما حاكم سفاقس وكان تشرق وابن حجاج من أصاحب [¬٧] السلطان. فجلسا بين يديه إلى جانب مزبلة وجلس بينهما شيخ ضعيف العقل، فأقبل يثنى عليهما، فقال أبو إسحاق جاء في الحديث: احثوا التراب في وجوه المداحين. وجاء في الحديث: إذا مدح الفاسق، غضب الله ﷿، ولا سبيل إلى التخلف عما أمر به النبي ﷺ، فحثا بيديه في وجه الشيخ الضعيف العقل ثلاث حثيات، فامتلأت لحية الحاكم وصاحبه وانصرفا. وكان في أصحاب أبي إسحاق رجل مؤدب يزوره كل جمعة فسرقت دابته، فطلبها فلم يجدها، قال فأتيت أبا إسحاق وأنا أبكي فعرفته، فقال: يا ضعيفالقلب على دابة تبكي [¬١]؟ فقلت: والله ما بكيت إلا لوجهين: أحدهما انقطاعي عن زيارتك، إذ لا أقدر على المشي [¬٢]؛ والآخر عياذي [¬٣] بها على بنات [¬٤] لي، فدعا لي دعاء كثيرا - ونحن نؤمن على دعائه ونبكي - وذلك نصف النهار، فانصرفت، فلما كان بعد ذلك بليلتين أو ثلاث قرع علي الباب، وقيل لي: أخرج خذ دابتك، فخرجت فإذا بدابتي مع ثلاثة رجال، فسألوني أن أجعلهم في حل، وقالوا: إنا ما قصدنا دارك، ولكن غلطنا؛ فقلت لهم: لا بد أن تخبروني بقصتكم، فقالوا: ذهبنا بدابتك، فنحن في الشعراء نصف النهار، فإذا بصوت [¬٥] يقول إلي أين تذهبون يا فسقة بدابة الجبنياني، فنظرنا فلم نر شيئا، ثم مشينا، فسمعنا الصوت ثانية، فألقي في قلوبنا الرعب، فرجعنا حتى أتينا الليلة دار الجبنياني، فقرعنا عليه الباب فخرج [¬٦]، فقلنا له: خذ حمارتك واستغفر لنا، فقد فعلنا فيك مالا يحل، فقال: أنتم يا مساكين ابتليتم بهذه الدابة؟ قلنا نعم، وأخبرناه بخبرنا [¬٧]، فقال: أنتم على طهارة؟ قلنا: لا، فأخرج إلينا [¬٨] قلة وقدحا وحبلا، فاستقينا من بئر واغتسلنا، ثم أتينا فصلينا وراءه ركعتين، وسأل الله لنا في التوبة، ثم قال: وصلوا الدابة إلى صاحبها، فجئناك بها. وكان أبو إسحاق: قلما تغير على أحد فيفلح، قال لإنسان لاحه في شيء أنكره عليه، ما أرى هذه اللحية تفلح، فلم يلبث أن تشرق. وأنكر على آخر الجهر في صلاة نافلة النهار، وقال له: يا هذا، إن مالكا استحب فيها الأسرار، سيما في المسجد لما يخلط على الناس، فقال الرجل: قد جهر في مسجد رسول الله - صلىالله عليه وسلم - عمر بن عبد العزيز، فقال له أبو إسحاق: كان ذلك بالليل، وقد عاب عليه ذلك سعيد بن المسيب. فقال له الرجل: فقول سعيد حجة، فقال له الشيخ: يا متعوس [¬١]، إمام دار الهجرة وشيخ التابعين، تقول هذا فيه، ما أراك تفلح [¬٢]، لا والله ما أراك تموت على الإسلام، فمات [¬٣] معتزليا بعد ذلك. وقال له أبو سعيد [¬٤] بن أبي عباس: سألتك بالله يا أبا إسحاق، أجبني عما أسألك عنه، فقال: له: ما هذا يا أبا سعيد، إن سألتني عما أعلم أجبتك، فقال له: هل اجتمعت بالخضرام لا؟ فسكت مفكرا ثم رفع رأسه فقال: أعوذ بالله أن أدعي ما ليس لي بحق، يمر بي هاهنا أقوام فيسلمون [¬٥] علي بالليل، لا أدري أجن هم أم إنس؟ قال اللبيدي: أخبرت الشيخ أبا الحسن بهذه الحكاية، فقال: هذا جواب عالم لم ينكر ولا أقر، وهي [¬٦] جيدة. وقيل لزوجته: هل رأيت من أمره شيئا تخبرين به؟ فسكتت وأبت من القول فلما مات، سئلت فقالت: إني في ليلة ظلماء حتى رأيت نورا غشى الحجرة وموضع الشيخ واسمع الحديث، فرعبت، وأقام ذلك مدة، فأحس بي اني يقظانة، فقال لي: احذري أن تذكري ما رأيت ما دمت حيا.
- reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 1896, entry [1384]343 chars
قال أبو إسحاق جاء في الحديث: احثوا التراب في وجوه المداحين. وجاء في الحديث: إذا مدح الفاسق، غضب الله ﷿، ولا سبيل إلى التخلف عما أمر به النبي ﷺ، فحثا بيديه في وجه الشيخ الضعيف العقل ثلاث حثيات، فامتلأت لحية الحاكم وصاحبه وانصرفا. وكان في أصحاب أبي إسحاق رجل مؤدب يزوره كل جمعة فسرقت دابته، فطلبها فلم يجدها، قال فأتيت أبا إسحاق وأنا أبكي فعرفته
- reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 1896, entry [1384]343 chars
ث حثيات، فامتلأت لحية الحاكم وصاحبه وانصرفا. وكان في أصحاب أبي إسحاق رجل مؤدب يزوره كل جمعة فسرقت دابته، فطلبها فلم يجدها، قال فأتيت أبا إسحاق وأنا أبكي فعرفته، فقال: يا ضعيفالقلب على دابة تبكي [¬١]؟ فقلت: والله ما بكيت إلا لوجهين: أحدهما انقطاعي عن زيارتك، إذ لا أقدر على المشي [¬٢]؛ والآخر عياذي [¬٣] بها على بنات [¬٤] لي، فدعا لي دعاء كثيرا
- reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 1896, entry [1384]344 chars
ا أعرف [¬٦] فلانا، ما في الدارين غير الله هو الضار النافع. وأتاه يوما حاكم سفاقس وكان تشرق وابن حجاج من أصاحب [¬٧] السلطان. فجلسا بين يديه إلى جانب مزبلة وجلس بينهما شيخ ضعيف العقل، فأقبل يثنى عليهما، فقال أبو إسحاق جاء في الحديث: احثوا التراب في وجوه المداحين. وجاء في الحديث: إذا مدح الفاسق، غضب الله ﷿، ولا سبيل إلى التخلف عما أمر به النبي ﷺ