القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1120, entry [902]4,604 chars
ذكر ورعه وخوفه وعبادته واستقصاره بنفسه ذكر أنه أول أمره استأجر نفسه عنده رجل، بجهة سوسة، يرعى له بقرة. فأتاه يومًا بفأس فقال: اقطع خشبة من هذه الشجرة. فقال له أبو إسحاق: ليست لك، إنما هي لأخيك. فقال له: صرت لي ضدًا؟ إنما عليك أن تسمع ما آمرك به، فتعمله. فقال له: بلى، على أن أتقي الله. فانصرف عنه، فل…
▸ expand full passage (4,604 chars)ذكر ورعه وخوفه وعبادته واستقصاره بنفسه ذكر أنه أول أمره استأجر نفسه عنده رجل، بجهة سوسة، يرعى له بقرة. فأتاه يومًا بفأس فقال: اقطع خشبة من هذه الشجرة. فقال له أبو إسحاق: ليست لك، إنما هي لأخيك. فقال له: صرت لي ضدًا؟ إنما عليك أن تسمع ما آمرك به، فتعمله. فقال له: بلى، على أن أتقي الله. فانصرف عنه، فلحقه بأجرته. فقال له: من أين تدفعها لي أنت؟ لم تزع عن قطع شجرة أخيك في غيبته، فمن أين تدفع لي؟ فذهب ولم يأخذ منه شيئًا. وقال أبو بكر السيوطي: صحبته قديمًا فكنا ربما استأجرنا أنفسنا في جمع الزيتون، فإذا دفعت إلينا أجرتنا يحط منها، ويقول: نخشى أنا لم نوفِ، فكيف نستوفي؟ وحضر طعام رجل من أصحابه، فلم يأكل منه، فعتب فيه. فقال: رأيته ترك حلاله، وأكل ذلك أوجب عندي التنزه عن طعامه. ولما رحل الى القيروان، ليسمع من أبي بكر ابن اللباد، جاء بجراديق من شعير، فكان يفطر كل ليلة على واحدة. ويشرب من بئر بروطة. فلما فرغ جرادقه، انصرف، ولم يشتر بها شيئًا يأكل، ولما جاءت فتنة أبي يزيد، واختلطت أملاك الناس في الغنم، ترك شراءَ الرّق، فلم يكتب فيه. قال بعض أصحابه: سرت معه يومًا، وأنا أسوقدابة. فأخذت عودًا من الطريق أضربها به. فقال لي، أهو لك؟ قلت: لا. قال: القه. قلت: إنه عود ملقى. فقال: كان أصحابنا يزعون عن أخذ الحجر من أرضهم، قلت له: إن مالكًا سئل عن الحبل والعصا؟ وما لا بال له؟ فقال: صدقت ولم يقل مالك: أخذه خير من تركه. وأقل ما يُتّقى من ذلك، أنها تصير عادة، هو أكثر من ذلك. وقال بعض أصحابه: رأيت في المنام رجلًا مشهورًا بالفسوق، يرجم بحجارة من السماء. فذكرت ذلك لأبي إسحاق. فأقبل عليّ، وهو مذعور. فقال: سألتك بالله أنا هو؟ يكررها عليّ، حتى حلفت له بالله، أنه إنما هو إلا فلان. فقال: والله ما أعلم أحدًا أحقّ بذلك مني. قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق ظاهر الحزن، كثير الدمعة، يسرد الصيام. قال ابنه أبو الطاهر: إنه ما رآه مفطرًا قطّ. قال، وقال لي أبي: إن إنسانًا أقام في آية سنة، لم يتجاوزها، وهي قوله تعالى: وقفوهُم إنهم مسؤولون. فقلت له: أنت هو؟ فسكت. فعلمت أنه هو. وكان إذا دخل في الصلاة، لو سقط البيت الذي هو فيه، ما التفت. إقبالًا على صلاته. واشتغالًا بمناجاة ربه. ولقد جمع أولاده يومًا، لزيارة أمهم، وجاءوا بلحم، فطبخته لهم في ركن البيت، وتعشّوا، والشيخ في الركن الآخر يصلي، فبعد مدة قال لأمهم: ما لكم لم تعملوا عشاءً - لشدة إقباله على صلاته. وحكى بعضهم: إنه جاء يومًا فسلم عليه، وقبّل في عنقه. قال: فردّ يده، وصفع نفسه. فبكيت بكاء عظيمًا. فقال لي: ما يبكيك؟ قلت لأن هذا كان بسببي. فقال: عنقي بالصفع أولى منه بالقبلة. وقيل له: لمَ اخترت جبنيانة على غيرها؟ قال: أردت أن يجعل الله ذكري فيها. لأني رأيتها من أقل القرى ذكرًا. قال أبو القاسم: ولقد رأيته يومًا وعظ، فبكى وأبكى، حتى اتصل البكاء بخارج الدار. فصارت كأنها مناحة. فلما رأىذلك، خاف الفتنة على نفسه، فنظر الى نعمل ملقاة، بحذائه، فقال لمن حوله: سألتك بالله خذوا هذا النعل، واصفعوا بها هذا الشيخ السوء، الذي يأمركم بالمعروف، وينهاكم عن المنكر، ولا ينتهي عنه. ونبت في ساقه نبت. فقيل له: دواؤه فخذ البقر، سخنًا مع الزيت، حتى يطيب. فسأل عن بقرة أصيلة. فقيل له عند علي بن عيشون، فقال: إنه قد مات، وترك ورثة فيهم أطفال. وسمع رحمة الله عليه كلبًا ينبح، فقال لأصحابه: هذا الكلب والله أنصح لأهله مني. لأنه يحرس لأهله ويمنع عنهم، وهم يجيعونه ويضربونه. فأنا قد منّ الله علي بالإسلام، وحضني على ما فيه نجاتي، فققصرت ولم أنصح نفسي. قال أبو عبد الله محمد بن مالك الطوسي: انتسخت من أبي إسحاق كتابًا فيه رقائق، وحكايات، فقلت لولده عبد الرحمن: عسى تلطف به حتى نسمعه منه، فجئناه فقلنا: أصلحك الله نحب أن تقابل هذا الكتاب بين يديك. فقال: افعلا. فلما أخذنا لنقابل، قلنا أصلحك الله تعالى، على من قرأته، أو عن من رويته؟ فأخذ الكتاب من يدي، وقال: انصرف. فقلت له: لو ترك العلماء الرواية لذهب العلم وانقطع الأثر، وأنت تعلم ما جاء فيمن كتم علمًا. فقال لي وهو يبكي: أليس في الحديث يجهل هذا العلم من كل خلق عدوله، ينفون عنه تحريف القائلين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؟ فقلت: نعم. فقال: شيخ جبنيانة ليس بعدل، حتى تقبل شهادته على النبي ﷺ. فانصرفت عنه. ولما ورد أبو حامد الخراساني إفريقية. وصل الى الجبنيانة، فسلّم عليه. وقال له: جئتك من خراسان زائرًا. فقال له الشيخ: إن صدقت فأنت أحمق، وإن قبلت أنا هذا منك، فأنا أحمق منك، كيف تترك العراق ومن بها من العلماء. ثم حرم الله، وحرم رسوله ﷺ والشام، ومصر، وتأتي الى المغرب، الىشيخ بجبنيانة تقول هذا؟ فبكى أبو حامد، وقال له: لو تكن هكذا لم آتك. وكان أبو حامد هذا يقول: رأيت بالمغرب أربعة ما رأيت مثلهم، علي بن محمد بن مسرور الدبّاغ. فلم أرَ أكثر حياء منه. وأبا إسحاق السبائي، فلم أرَ أعقل منه، وأبا الحسن الكانشي، فلم أرَ أظهر حزنًا منه. وأبا إسحاق الجبنياني، فلم أرَ أزهد منه. وكان إذا رأى اجتماع الناس يقول: كانت أمي رحمها الله، خادمًا وثمنها كذا وكذا، ويذكر ثمنها نزرًا. وكانت صلاته ﵀ صلاة العلماء، تامة موجزة. وكان مع سعة علمه، يأخذ بالجد والاجتهاد، وما يخرجه من الخلاف، ونسي يومًا الإقامة من بعض الصلوات. فلما سلم، قال لمن خلفه: إني نسيت الإقامة، ولا يلزمكم عندي إعادة. وأنا أعيد صلاتي. لأخرج من اختلاف العلماء. فاحتاط لنفسه ﵁. لأن عطاء ابن أبي رباح، والأوزاعي وغيرهما، يريان الإعادة، على من نسيها. ﵃ أجمعين، وغفر لهم وبالله التوفيق.