القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 703, entry [240]8,664 chars
ذكر فضله وعبادته وزهده وورعه وكراماته وشي من خبره قال ابنه موسى: قال لنا أبى -وأمرنا بالصلاة والخير-: كنت وأنا ابن ثمان عشرة سنة، أختم فى كل يوم -أحسبه قال وليلة- القرآن. قال الحارث بن مسكين: سمعت ابن القاسم يقول: اللهم امنع الدنيا منى وامنعني منها، بما منعت به صالحى عبادك، فكان في الورع والزهد شئًا…
▸ expand full passage (8,664 chars)ذكر فضله وعبادته وزهده وورعه وكراماته وشي من خبره قال ابنه موسى: قال لنا أبى -وأمرنا بالصلاة والخير-: كنت وأنا ابن ثمان عشرة سنة، أختم فى كل يوم -أحسبه قال وليلة- القرآن. قال الحارث بن مسكين: سمعت ابن القاسم يقول: اللهم امنع الدنيا منى وامنعني منها، بما منعت به صالحى عبادك، فكان في الورع والزهد شئًا عجيًا. *** قال غيره: ذكر أنه شهد عند بعض قضاة مصر، فلم يعرفه، فطلب من يعد له لخموله وانقباضه، فخرج وهو يقول: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ حتى عرف به، فلما عرف به حكم بشهادته ويمين الطالب، وكان عراقيًا لا يرى ذلك، ولكنه فعل لفضل ابن القاسم. ***وقيل بل شهد عند أحد القضاة فقال القاضي: الاسم عدل، ولا أعرف العين، فجئنى بمن يعينها، اذ كان لا يداخل القضاة. قال: وانما كان مشتغلا بالعبادة والعفاف. *** قال سحنون: كان مالك معلم ابن القاسم في العلم، وكان معلمه في العبادة سليمان بن القاسم. وقال ابن القاسم فيهما: رجلان أقتدى بهما في ديني، سليمان في الورع، ومالك في العلم. *** وذكر أن بعض مياسير مصر، أراد أن يزوجه ابنته وينقد عنه، ويتكلف كل مؤونته، فقال: حتى أشاور؛ فشاور عمه سليمان بن القاسم، فقال له: تحب أن يخدمك الخصيان، وتلبس الخز، وتركب الخيل، ويراح عليك غدوة وعشية بالجفان؟ قال: لا. فقال: فلم تشغل نفسك بمال فلان؟ فترك ذلك. *** قال أسد: كان ابن القاسم يختم فى كل يوم وليلة ختمتين، فنزل لى حين جئته عن ختمة رغبة في احياء العلم. *** قال يحيى بن يحيى -وقيل له: بلغنا أن ابن القاسم كان لا يأكل من حنطة مصر. فقال: كذبوا ما كان * يأكل هو ومالك الا منها، ولقد لقيتابن القاسم مقبلا من سوق مصر ومعه حمال بطعام، فسألته، فقال: طعام اشتريته،، فأدخلت يدى فيه لأبصره، فاذا هو كثير الغلث، فقلت له: فهلا كان أطيب من هذا؟ فقال لى: يا أبا محمد، محمد، اني رضيت باليسير، ما يكفيني من الدنيا لنفسي، فاستجزيت به. قال يحيى: ولو أراد ابن القاسم أن يحمله له كبراء أهل مصر على ظهورهم لفعلت، ولكنه كان لا يفعل ذلك ولا يشتهيه من أحد. *** قال: وسمعت ابن القاسم يقول: ما كذبت مذ شددت على مئزرى، يعنى الحلم، قال يحيى: وما كان أخلقه بذلك. *** قال يحيى: سمع رجلان من أهل الأندلس، عن ابن القاسم، وكتبا عنه، فلما أفتاهما قالا له: تشهد لنا رجالا من أهل بلدنا بما سمعنا منك، فأنكر ذلك، وقال: لا خير فى قوم لا يصدقهم أهل بلدهم فيما ينقلون اليهم الا بالبيئة. *** قال يحيى: ولما قرأ أسد على ابن القاسم الأسدية، وضع أشهب يده في مثلها، فخالفه فى جلها -قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رضى الله تعالى عنه: وهى المعروفة بمدونة أشهب، وبكتاب أشهب- فقلت لابن القاسم: يا يا أبا عبد الله، لو أعدت نظرك في هذه الكتب، فان صاحبك قد خالفك، فما لا يمك عليه أقررته، وما خالفك فيه أعدت النظر فيه.فقال: أفعل ان شاء الله تعالى. فلما تقاضيته بعد أيام في ذلك، قال لى: يا أبا محمد نظرت في مقالتك، فوجدت اجابتي يوم أحبت الله وحده، فرجوت أن أوفق، واجابتى الآن انما تكون نقضًا على صاحبي، وأخاف أن لا أوفق في الآخرة فتركته. *** قال يحيى: وكان طول ما يقرأ عليه رافعًا أصبعه، مبتهلا الى الله تعالى في التوفيق والسلامة. قال: وتذاكرنا يومًا مع ابن القاسم هذا الأمر، فكلنا قال: الورع أشد ما في هذا الدين. فقال ابن القاسم هو عندى كذا. فقلت له: يا أبا عبد الله وكيف ذلك؟ فقال: انا أمرنا ونهينا، فمن فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه فذلك أورع الناس؛ فقيل له: يا أبا عبد الله، لقد خف عليك ما ثقل على غيرك، فأي شيء وجدت من هذا الأمر أثقل؟ فقال: ما وجدت شيئا أثقل على من مكابدة أجزاء الليل. *** وحكى يحيى بن عمر عن بعضهم قال: شهدت العيد مع عبد الرحمان بن القاسم، فلما انصرفنا دخل ابن القاسم المسجد فصلى، ثم سجد فطول، حتى خفت أن يفوتنى الغداء مع أهلى، فدنوت منه فسمعته يقول: الاهى، انقلب عبيدك الى ما أعدوه لهذا اليوم، وانقلب عبد الرحمان اليك، يرجومغفرتك في هذا اليوم العظيم، فان كنت فعلت فبخ بخ، وان كنت لم تفعل فاويلي و يا حسرتي؛ قال: فجعلت على ثوبه علامة، ثم سرت الى أهلى، فتغذيت معهم، ووطئت، ونمت، ثم جئت الى المسجد، فوجدته على هيئته، كما تركته. *** قال يحيى، وخرج ابن القاسم للحج، فلما كان بالأبواء اذ أنته جارية كأحسن الجواري، فناولها شيئا فقالت له: ما أريد هذا، انما أريد منك ما يكون من الرجل الى المرأة، فأدخل رأسه بين ركبتيه وجعل يبكي، وأتاه أصحابه وهو كذلك، فسألوه فأخبرهم فجعلوا يبكون، فقال لهم: لم تبكون؟ قالوا: لأنا لو ابتلينا بما ابتليت به لم نأمن الفتنة؛ فرأى ابن القاسم في منامه يوسف ﵇، فقال له: لقد كان في شأنك مع امرأة العزيز عجب؛ فقال له يوسف: شأنك مع * صاحبة الأبواء أعجب، اني هممت وأنت لم تهم!. ومن كتاب الفقيه أبى مروان بن مالك القرطبي، قال ابن القاسم: خرجت الى الاسكندرية ومعى وديعة، فأرسينا في موضع مخوف، فأثرت السمر لحفظ الوديعة، فاذا في نصف الليل برجل أبيض على برذون أشهب، فشق البحر الى حتى وقف على السفينة، فقال لى: نم يا ابن القاسم، فنحن نحرسك. قال ابن القاسم للحارث: لا تخبر به أحدًا فى حياتى.وفى رواية أخرى أن الوديعة كانت عشرة آلاف، وان الفارس قال له: ان ربي أرسلنى اليك أحرس لك هذه الأمانة، فنم أمنا، فكنت اذا استيقظت نظرت اليه يجول حوالينا، كان دأبه ذلك ثلاث ليال، حتى مضى الى أسكندرية. *** وقال يحيى بن يحيى: خرج ابن القاسم الى بعض صحارى مصر، فعطش، وقد كان بعض ملوكها خرج متنزها، فبينما هو يسير اذ وقفت داوبه فلم تنطلق، فضربت فلم تنهض، فقال لمن معه: ما هذا الأمر؟ فانظروا؛ فنظروا فقالوا: هذا شخص. فقال: سلوه؛ فسألوه، قال: عطشت؛ فسقوه. فانطلقت الدواب. *** قال عيسى بن دينار: كنت بالاسكندرية مع ابن القاسم في الرباط، ومعه رجل كان يألفه، فبينا نحن في السفينة ليلة وعشرين من رمضان، سبع اذ قال رجل من أهل السفينة: أخبرك بشيء عظيم رأيته في نومي ساعتي هذه، فأخبره، فقال لصاحبه: ان كان ما قال حقا، فهى ليلة القدر، وذكر أن علامة ذلك عذوب ماء البحر، ومالا الى صدر السفينة، فرأيتهما يشربان، ثم استقبلا القبلة، فقمت فأتيت الموضع الذي أتياه، فشربت فوجدته عذبا. *** قال الحارث: كان ابن القاسم لا يقبل جوائز السلطان، وكان عليه دين، الا أنه كان له من العروض ما يفى به.قال: وكان يقول: ليس فى قرب الولاة ولا في الدنو منهم خير. وكان أولا يأتيهم، ثم ترك ذلك. *** قال ابن وضاح: كان ابن القاسم لا يجالسه الا واحد أو اثنان، ولم يكن فيه منفعة للناس، ولا لأبويه، ولا ابنه، ولا نفسه، في شيء من أمور الدنيا الا بالعلم. وكان أشهب وابن وهب يقعدان في جماعة، وتقضى عندهما الحوائج وينفعان الناس. *** قال سحنون: كثيرًا ما كنت أسمعه يقول: اياك ورق الأحرار، فيسأل فيقول: كثرة الاخوان. ولم يكن يشهد جنازة لأحد، ولا يخرج من المسجد؛ وذكر حديث سليمان ابن القاسم: لا تحمل لغيرك على نفسك، ما لا تحمله لنفسك على نفسك. *** قال: وكان سبب موت ابن القاسم أنه اغتسل بماء بارد بمدين، لم يرد أن يسخن له منها، لأنها كانت غصبا لبعض بني أمية. *** قال سحنون: قمت يوما في المسجد الحرام، أشرب ماء، فقال ابن القاسم: من أين تشرب؟ قلت: أليس لي في الفيء قدر شربة ماء؟ قال: وأى في بمكة؟ انما هي صدقات؛ *** قال سحنون: اشترى عبد الصمد الأطرابلسى لابن القاسم جارية، ثم أخرى، لم يتخذ غيرهما حتى مات، ولما ماتت الأولى أرسل اليه يشترىله جارية صقلبية كما تنزل، فاشتراها له وبعثها اليه وهى أم ابنيه، وسيأتى ذكرهما بعد هذا، و وكان عبد الصمد هذا من العباد، لزم المحرس باطرابلس. قال ابن وضاح: وانما قصد للصقالبة لأنهم لا عهد لهم. *** قال: وحكى أبو محمد بن أبي زيد أن ابن القاسم كان يتصدق بنصف قوته، يعمله كعكا صغيراً، فاذا وقف به السائل أعطاه كعكة صغيرة كما عملت، وأنه باع نصف قوته سنة، فاشتري به تمرا *، يعطى السائل تمرة تمرة؛ قال أبو محمد: كأنه رأى أن هذا أقل للتكلف، وأزكى في القدر، لا شفاقه من رد السائل بغير شيء، وهذا بقدر النية. *** وقال ابن وهب حين مات ابن القاسم: كان أخي وصاحبي في هذا المسجد منذ أربعين سنة، مارحت رواحا ولا غدوت غدوا قط الى هذا المسجد الا وجدته سبقنى اليه؛ *** وحكى عن ابن القاسم أنه كان يقرأ عليه الموطأ، اذ قام قياما طويلا، ثم جلس، فقيل له فى ذلك، فقال: نزلت أمى تسأل حاجة، فقامت وقمت لقيامها، فلما صعدت جلست. *** قال فرات: قال سحنون: لما حججت كنت أزامل عبد الله بن وهب، وكان معنا أشهب وابن القاسم، فكنت اذا نزلت ذهبت الى عبد الرحمان أسائله الى وقت الرحيل، فقال لى ابن وهب وأشهب: لو كلمت صاحبك ليلة واحدة ينطر عندنا، فكلمته، فقال. ان ذلك يثقل على؛فقلت له: فيم يعلم القوم مكاني بك؟ فأجابني، فانتهيت إليهم، فأعلمتهم، فلما كان وقت التعريس، قام، وقمت معه إلى القوم، فوجدت أشهب قد مد أنطاعه وأتى من الأطعمة بأمر عظيم، وصنع ابن وهب دون ذلك، فسلم ابن القاسم وقعد، ثم أدار عينيه فإذا بسكرجة فيها دقة، فأخذها بيده، فحرك الابزار إلى ناحية. ولعق من الملح ثلاث لعقات، وهو يعلم أن أصل ملح مصر طيب، ثم قام وقال: بارك الله لكم؛ قال سحنون فاستحييت أن أقوم، فتكلم أشهب وعظم الأمر، فقال ابن وهب: دعه، دعه؛ *** قال أبو الفضل مولى نجم: كان ابن القاسم يأكل في الشهر عشرين مدًا من دقيق، بعد النبي ﷺ، وكان فقيهًا عابدًا. قال غيره: لأنه كان رد قوته إلى ثلث مد شعير في اليوم. *** وذكر أن رجلا من أهل العلم والخير قدم من العراق، وأراد الاجتماع به، فأتاه رجل في ذلك، فوعده وقتًا لذلك، فلما استنجزه قال له ابن القاسم: إني نظرت في ذلك فرأيت أنه يدخله المباهاة، فيتزين لي وأتزين له، دعنى من ذلك. *** وكان المصريون يقولون للكوفيين: اذكروا أخلاق سفيان، ونذكر أخلاق ابن القاسم، فيسكتون. *** قال ابن وضاح: كان أهل الأندلس قد مشوا بين ابن القاسم وأشهب حتى أفسدوا ما بينهما، وحلف أشهب بالمشى إلى مكة ألا يكلم ابنالقاسم، فندم وأراد أن يمشى، فلما سمع بذلك ابن القاسم قال: هو يحنث نفسه ويمشي وأمشى معه، فمشيا جميعا وحجا، وعيسى بن دينار معهما. *** قال يحيى: سمعت ابن القاسم يدعو على رجلين من أهل الأندلس دخلا بينه وبين أشهب، فسمعته يقول: اللهم عنهما بسعيهما ولا تنفعهما يحملهما. فما ماتا حتى عرف ذلك فيهما. *** وقيل بل كان ابن القاسم وأشهب اختلفا في قول مالك في مسألة، وحلف كل واحد على نفى قول الآخر، فسألا ابن وهب، فأخبرهما أن مالكا قال القولين جميعا، فحجا قضاء لليمين التي حنثا فيها.