كمال الدين الأدفوي - البدر السافر عن أنس المسافر
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1084, entry [584]8,456 chars
٥٥٢ - يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد الأنصاري المصري، المكنى بأبي الحسين الشهير بالجزار (¬٢).كان أديب مصر في وقته، وشاعرها المشهور. وكان هو والورَّاق في وقتهما يشبّهان بجرير والفرزدق، والجزَّار أجزل شعرًا من الورّاق. وله حكايات وطرف، وله "ديوان" شعر (¬١) في ثلاث مجلدات، وحدث بشيء منه. روى عنه من…
▸ expand full passage (8,456 chars)٥٥٢ - يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد الأنصاري المصري، المكنى بأبي الحسين الشهير بالجزار (¬٢).كان أديب مصر في وقته، وشاعرها المشهور. وكان هو والورَّاق في وقتهما يشبّهان بجرير والفرزدق، والجزَّار أجزل شعرًا من الورّاق. وله حكايات وطرف، وله "ديوان" شعر (¬١) في ثلاث مجلدات، وحدث بشيء منه. روى عنه من شعره العلماء والأدباء، منهم الشيخ الإمام قاضي القضاة أبو الفتح محمد بن علي القشيري، وأشياخنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الشهير بابن القماح، وأبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي، وروى عنه الأديب الفاضل المؤرخ أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد الأندلسي، وخلائق. وتأدَّب على الزكي ابن أبي الإصبع. ومدح الملوك، والوزراء، والقضاة، ومشايخ التصوف، وغيرهم. قال لي شيخنا أثير الدين: لما قدمتُ ديار مصر في سنة تسع وسبعين وست مئة، قال لي الشيخ الرضي الشاطبي: اكتُبْ عن الجزَّار؛ فإنه أديب مصر. فأنشدني لنفسه قوله: شعر من مُنصفي من مَعشرٍ … كثروا عليَّ وكثَّروا صادقتهم وأرى الخروج من الصَّدَاقة يعسرُ كالخَطّ يثبت في الطُّروس ومحوه متعذِّروإذا أردت كشطته … لكنَّ ذاك يؤثّر ومدح الملك العادل أبا بكر ابن الملك الكامل محمد بقصيدة أولها قوله: شعر/ إذا لم تُقِم عذري ولم تكُ مُسْعدي … فكن في الهوى العُذْري غير مفنِّد ويكفيك مني أنني بت ذا جوىً … يُذيبُ الحشا شوقًا وطرْف مسهَّدي دَع اللَّوم أو لُمني فلست بسامعٍ … لقد ضلَّ من أمسى بنُصحك يهتدي فما الحبُّ إلا أن أموت صبابةً … بليلَى ولم أمدد إلى غيرها يدي تعودتُ ذُلِّي في هواها لعلَّه … عزيزٌ على الإنسان ما لم يعوَّد منها: فَقُل للذي قد شكَّ في الحقِّ إنَّنا … أطعْنا أبا بكرٍ بأمر محمَّد وله: سرى في دُجىً من شعره فحكى البدْرا … وأبدى لنا من ثغره الأنجُم الزُّهرا وحيَّا بكأسٍ فعلها مثل جفنه … غلطتُ ومن للخمر أن تُشْبِه السِّحرا بعيشِك عطل هذه الرَّاح واسقنا … بعينيكَ ما يغتالُ ألبابنا سُكْرا أدِرْ خمرةَ الألحاظِ فينا لأنَّها … بتأثيرها في العقل من أختها أدرى قصيدة طويلة. وله من قصيدة مطولة أيضًا، أولها قوله: شعر أقبلَ مثل البدر في تمامه … تحفُّه الهالة من لثامه ومزَّقتْ أنواره ثوبَ الدُّجى … مذ أطلعَ الأنجمَ بابتسامهِأصمى قُلوب العاشقينَ طرفه … ظلمًا بما فوَّق من سهامه يا جفنه رفقًا بصبٍّ مدنفٍ … سقمكَ أضحى الأصل في سقامه وأنتِ يا أعطافه هل عطفةٌ … على مشُوق القلب مستهامه من لي بمن في خدِّه ماء الحيا … فوق لهيبٍ دام في اضطرامه كم ليلةٍ أسكرني بريقه … أغنت بكأس الثغر عن مدامه وبتُّ لا أفرقُ من حرَّاسه … إذ فرقُهُ أبدى دُجى ظلامِه وبيننا طيبُ عناقٍ طالما … ألزمني شَوقيَ بالتزامهِ هذا هو العيش الذي وددتُ … إن ساعَدني الدَّهر على دوامه تلك ليالٍ بل لآلٍ أشرقت … جيدُ زمانٍ كنَّ في نظامه وله: لا تسألنْ في الحبِّ عن أشجانهِ … فشأنه مخبِّرٌ عن شانِه وإن يكن ما فاهَ بالشكوى فقد … أغنى لسان الدمع عن لسانه يا عاذِل المشتاق في أمر الهوى … دعه فليس الصَّبرُ في إمكانه فارقَ من يوم الفراق قلبهُ … فليتَ لو عاد إلى أوطانه أطنبَ لما أن رأى رسمًا عفا … أنكر ما قد كان من عرفانهِ صبٌّ بغزلانِ النَّقا وكلُّ من … حلَّ النَّقا يصبو إلى غزلانه ما أنْ لهُ من مشبهٍ في حسنه … ولا لصدرِ الدِّين في إحسانه وخرج إلى المدح. وقال يمدح الأمير سيف الدين قليج قصيدة، أولها قوله: شعرقضى حبُّهُ أن لا تطاع عواذلهُ .... وهل يرْعَوي للعذل والحبُّ شاغله محبٌّ يحل الوجد عقدُ اصطباره … إذ البين شُدَّت للفراق رواحله أأحبابنا إن ألَّف الدَّهر شملنا … تحلَّى بلقياكم من العيش عاطله نأيتُم فلولا ما تقربه المنى … لقلبي عليكم ما استقرَّت بلابله وأهيفُ يحكي الغُصْنَ لين قوامه … وتفعل أفعالُ الشَّمول شمائله يلينُ إلى أن يجرح الوهم جسمه … وتعرقُ في ماءِ النَّعيم غلائله إذا ما بَدَا من شعره في ذوائبٍ … رأيتُ غزالًا لم ترعْهُ حبائله رَنا فانثَنى من لحظ عينيه صارمٌ … عذاراه عند النَّاظرين حمائله رماني فأصْمَى نبلُ عينيه مُقْتلي … فرقُّوا لصبٍّ قد أصيبَت مقاتله وقدم إلى قنا من مدن قوص، ومدح بها الشيخ العارف أبا يحيى ابن شافع، بقصيدة مطولة، وهي هذه، أولها قوله: شعر دَعْنِي فما نُصحك لي بنافعي … أمرتَ بالسّلوان غير طائع خلِّ ملامي في الهوى فإنَّني … لستُ لما تقولُه بسامع أستودعُ الله الذي أودعتهُ … قلبي وإن فرَّط في الودائع أودعني يوم الفراق لوعةً … تضرمُ نار الوجد في أضالعِي تُرى متى يرجع لي عيش مضى … هيهات ماعيش مضى براجع يا زمني بالخيف لم يُبق المنى … بعدكَ للنَّفس سوى المطامع ما زار طَرْفي طيْفَ جيران الحمى … وهل يزورُ الطَّيف غيرَ هَاجِع مالي وللأيام ما رُمتُ بها … قَصْدي إلا عرَّضت بمانعكأنَّها ما علمت بأنَّني … أرجو الغنى بهمَّة ابن شافع وكان الشَّافع له الفاضل الرئيس ضياء الدين أبو العباس أحمد ابن القرطبي، فقال منها: يا مالكي أنتَ أماني في الورى … وليس يخفى عنكَ قدر الشافعي وقدم مدينة قوص، وكان الشيخ تقي الدين القشيري خطيبًا بها، فسمع خطبته، فمدحه بأبيات هي قوله: شعر يا سيِّد العلماء والأدباء … والخطباء والحفَّاظِ شنَّفْتَ أسماع الأنام بخطبةٍ .... كَسَت المعاني رونقَ الألفاظ أبكتْ عيون السَّامعين فصولها … فزكَت على الخطباء والوعَّاظ وعجبتُ منها كيف حازتْ رقّة … مع أنها في غاية الإغلاظِ ستقولُ مصر إذا رأتك لغيرها … ما الدَّهرُ إلا قسمة أو خاطي ويقولُ قومٌ إذ رأوك خطيبهم … أنسيتنا قُسًّا بسوق عكاظ وكتب إلى الصاحب بهاء الدين، وكان قد غضِب عليه، ورسم بقطع راتبه: شعر لا تقطعنَّ عادة برٍّ ولا … تجعل عقاب المرء في رزقه واحْرص على العفْوِ فإن الذي … نرْجُوه عفوَ الله عن خلقه وإن بدت من صاحبٍ زلَّة … فاستره بالإبقاء واستبْقِه فإنَّ أثم الإفك من مِسْطَحٍ … يحطُّ قدر النَّجم من أفقه وقد جرى منه الذي قد جرى … وعُوتِب الصدِّيق في حقِّه وأنشدني عنه أقضى القضاة شمس الدين محمد بن القماح قوله: شعرعندي همومٌ لستُ أشرحها … علمًا بأن الشَّرح لم يُفِد وتعودُ عاشوراءُ تذكِّرني … رزءَ الحسين فليت لم تعُد يوم سَبيلي حين أذكره … أن لا يدورُ الصَّبْرُ في خلدي يا ليت عينًا فيه قد كحلتْ … بمسرَّةٍ لم تخلُ من رمد ويدًا عليه شماتة خُضبت … مقطوعة من زنْدِها بيدي لم لا وقد قُتِل الحسين به … فأبو الحسين أحقُّ بالكمد وقوله: حُسْنُ التأنِّي مما يعينُ على الرزقِ والعقولُ تختلفُ والعبدُ مُذْ كان في جزارته … يعرفُ من أين تؤكلُ الكتفُ وله لغز في الخُشْكنَانك، قوله: شعر أتعرفُ لي حبلى إذا ما تنفَّست … سرى لأنوفِ القوم من طَيِّها نشرُ ويرضعُ منها الثدي ساعة حملها … أبوها فتغدو وهي من وقتها بكر تريك جنينًا وهي من غير جنسها … فوجدانه حلوٌ وفقدانه مرُّ عليه بها سترٌ دقيقٌ وإنما … تجلُّ إذا ما دقَّ من فوقها السّتر إذا كُسرت في القوم يجبر كسرها … فيحسنُ بعد الكسرِ من قلبها الجبرُ تروق عيون الناظرين جلالةً … إذا جلستْ يومًا وموضعها الصَّدرُ ووقع بينه وبين شعراء عصره، فنظم ذاك الشاعر (¬١) في الجزّار قوله:أبا الحسين تأدَّب … ما الفخر بالشعر فخرُ وما ترشَّحْتَ منه … بقطرةٍ وهو بحرُ وما أتيتَ ببيتٍ … وما لِبَيْتك قدر لم تأتِ بالبيتِ إلّا … عليه للنَّاس حِكْرُ قال: وكان قد صار يمشي بالليل وأمامه فانوس، فقال فيه أحمد بن كلفة البليق التي أوله قوله: هذي الريَّاسة لك من أين يا أبَا الحسين طفَّيت رئاسة وامتليت مشيت بمنوَّر ما استحيت عليك ظلام ولو مشيت بالنَّيرين منها: رُبيت صغيرْ في المجزرا وفي الكبر جئت مَصْخرا فما تقول لي أنك خرا في الحالتين وكان يصحب قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن خلف، فظفر له شخصٌ منالمصريين بورقة بخطّه، يدعو فيها شخصًا إلى مجلسِ أنسٍ، ووصف المجلس، قال: فأخبرني قاضي قوص يونس بن عبد المجيد الأرمنتي أن ذلك الشخص أخذ تلك الورقة، ووضعها في القائمة الأولى من صحاح الجوهري من نسخةٍ كانت عنده في ثماني مجلدات، وأعطى الكتاب للدلَّال، وقال: اعرضه على قاضي القضاة، فأحضره الدلَّال لقاضي القضاة، فأخذ المجلَّد الأول، فوجد الورقة، فعرف خطَّ الجزار، فقرأ الورقة، فأخذها، وقال للدلال: رُدَّ الكتاب لصاحبه هو ما يبيعه، فلما حضر الجزار ناوله الورقة، ففهم، فقال: لا إله إلا الله، هذا خطّي من ثلاثين سنة من أيَّام الصبا، ثم اشتهى الجزَّار أن يعرف ما عند القاضي، وهل تأثَّر بالورقة، فأغفله أيامًا، ثم قال له في أثناء حكايةٍ أنَّ شخصًا كان يصحب قاضي القضاة عماد الدين ابن السُّكَّري، فوقعت له شهادة على شخصٍ، فسابقه ذلك الشخص، وادَّعى عليه أنه استأجره من مدة كذا وكذا، وذكر مدةً بعيدة، ليغنِّيَ له في عرسه بكذا، وقبضَ الأجرة ولم يغنِّ، فأنكروا فانفصلت الخصومة، ثم وقعت الدعوى على المدَّعى المذكور، وشهد ذلك الشاهد، فقال قاضي القضاة تاج الدين: ما صنع ابن السكري؟ فقال له: ما قبلَ شهادته، فقال: ما أنصف صاحبه، فعرف أنه لم يتأثَّر بالورقة. واتّفق أنه سافر الجزار إلى البلاد، فأكرمه القضاة لأدبه، وصحبته لقاضي القضاة، فكتب إلى قاضي القضاة بعض الأدباء أبياتًا، منها: قوله: أرسلتَ للنَّاسِ جزَّارًا يذبِّحُهم … وقد غدوا منهُ في حَزّ الحلاقيمِ فاكفُفْ أديبكَ عنهم إنَّهُم هلكوا … واستحيهم ألفُ تصقيعٍ وتقويمِ وله نوادر؛ منها: أنه كان عند قاضي القضاة وزوجة الورَّاق قد أحضرته، وادَّعت عليه بنحاسٍ، وكلَّموها في حقه، فقالت: ما أخرج إلا بنُحَيِّسِي، فأخذ الجزار بيده، وقال: خذيه واخْرُجي، فتبسم القاضي.ومنها أنه قام الجزَّار مرَّةً يقصد بيت الخلاء، فناوله السَّرَّاجُ شمعة، فقال الجزار: ما عادتي أقضي الشُّغل إلا على السراج. وتوجه مرَّةً إلى ابن يغمور بالمحلة، وأقام عنده مُدَّة، ثم أعطاه وزوَّده، وجاء ليُودِّعه، وإذا بوكيل ابن يغمور وقد حضر من أقطاع الأمير، فقال له: ما أحضرت؟ فقال: كذا كذا درهم، فقال: أعطها للجزار، قال: وكذا كذا غلّة، فقال احملها للشونة، فقال: وكذا كذا خروف، فقال: أعطها للجزَّار، فقام الجزَّار وقبَّل الأرض، وقال: يا مولانا، كم إحسان وكم تفضُّل، فتبسَّم ابن يغمور، وقال: خذها. وحكاياته ونوادره كثيرة. توفي في سنة تسع وسبعين وست مئة بمصر، في يوم الثلاثاء ثاني عشر شوال. ومولده بها في صفر، سنة إحدى وست مئة، عفا الله عنه.