كمال الدين الأدفوي - البدر السافر عن أنس المسافر
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 1059, entry [570]4,770 chars
٥٤٠ - هارون بن عبد الله بن هارون الإشبيلي، الكاتب الأديب الشاعر (¬١). ذكره ابن سعيد، وقال: هو من كتاب إشبيلية الذي لم يجهل مكانُهم، ولا صَغُر في هذا الشأن شأنهم، واشتهر بالكتابة عن أبي عمران ابن أبي عبد الله بن يعقوب بن عبد المؤمن، والي بجاية، ثم لما أخذت منه عاد إلى بلده. وكنتُ أجالسه وأستفيد منه، …
▸ expand full passage (4,770 chars)٥٤٠ - هارون بن عبد الله بن هارون الإشبيلي، الكاتب الأديب الشاعر (¬١). ذكره ابن سعيد، وقال: هو من كتاب إشبيلية الذي لم يجهل مكانُهم، ولا صَغُر في هذا الشأن شأنهم، واشتهر بالكتابة عن أبي عمران ابن أبي عبد الله بن يعقوب بن عبد المؤمن، والي بجاية، ثم لما أخذت منه عاد إلى بلده. وكنتُ أجالسه وأستفيد منه، ونقلتُ من خطِّه قصيدةً رثى بها أبا القاسم ابن الرئيس أبي علي ابن خلاص، المستولي على سبتة، وكان ابنه المذكور قد غرق في الغراب الميمون، وكاد أن يخرج الحزن بوالده إلى حد الجنون، وذلك في سنة خمس وأربعين وست مئة، فرثاه هارون بهذه المرثية، وهي من غُرِّ المراثي التي ينبغي للأديب أن يكتبها إن لم يحفظها. وقد أثنى عليها ابن سعيد ثناء جزيلًا، وأتبعها بعد إيداعها في كتابه مدحًا جميلًا، وأولها قوله: شعر هو الرُّزءُ ما أبقى عزاءً ولا صبرا … رمينا من الأيام بالبطشة الكُبرى حقيقٌ علينا أن تسيل نفوسنا … دما في دُموع ساجلتْ مزنُها القطرا وإن تهب الدنيا نضارة عيشها … وإن كان عيشًا لا شهيًّا ولا نضرا وأن نهجر اللذات حتى كأنما … حيينا ولمَّا نعرف الوصل والهجرا أبا قاسم لَهفي عليك وإنني … لفقدك لا أنفكُّ ذا كبدٍ حرَّى (¬٢)ركبتَ سفينًا كان نعشًا فأسرعتْ … بك الرِّيح في الداما (¬١) توسعك القبْرا فما للرياح الهوج هاجت كأنها … لقبح الذي جاءته طالبةً وِتْرا ولو أنصف الموجُ الذي ماج لم تكن … لتركب في أثباجه مركبًا وعرا ولا اقتاده سمح المقادة لينًا … كأن قد حوى في الطيب أخلاقَك الغرا ولكنَّه لما امتطيت عبابه … مليا بكلِّ المجد ضاق به صدرا فأبدَى ارتجاجًا طال فيه جماحَه … وأبدل عرفًا من خلائقه نكرا تساجلتُما الأهوال ليلكما وقد … ملأَت بما تحويه أحشاءه وغرا تلاطمت الأمواج بينكما معًا … فأغرق بحر زاخرٌ منكما بحرا فأجلى سنا الإصباحِ عن مصرعيكما … ولم تحملا في الحرب بيضًا ولا سمرا فبحر النَّدى تبكي النوادب منكما … وما هي إلا تسعر الأنجم الزُّهرا أيا ليلةً بالنائبات تمخَّضت … وفي أفق الأزراء فجَّرت الفجرا ألا يا غرابًا كان زجرًا من اسمه … اغترابٌ ليوم الحشر لم تكذب الزَّجرا تسمَّيت بالميمون زورًا فليتنا … بلوناك حتى ننظم الخبر الخُبْرا وفي السَّفرة الأولى بلوك فاحمدوا … ولولاه ما كنا نقيم لك العذرا لعَمرك قد حملت مجدًا وسؤددًا … وبَأسًا وجودًا أثقل البطن والظَّهرا ولو أخطأ اليوم افْتَرشنا خدودنا … فسرتُ ولمَّا نعدم البرَّ والبراوكنا نقضِّي من حقوقك واجبًا … وكُنا لذا التشييع نقطعها عشرا ولم يك كالتوديع بالشاطئ الذي … به حيث وادعناكَ واعدتنا الحشرا وفاضتْ دموع غشَّت العين إن ترى … وتلمح من أشراع غُرَّتك البدرا وأعجلنا وشْك الرَّحيل وقد جرت … بك المنشآت وامتطَتْ ثُبُجًا خضرا فكانت ركابًا للمنايا تسابقتْ … وراحت عن الأولى تَخبُّ إلى الأخرى وما كان بين العصر والقسر مهلةٌ … كذا بنت عنه حين وادَعْتَنا عصرا فوا أسفًا إن صار غصنك ذاويًا … وقد كان فينانًا ومشتملا زهرا ووا أسفا إن صار بدرك آفلًا … وغطّ السِّرار البدر لم ينصف الشَّهْرا ووا أسفًا إن أقلعتك يد البلى … ولم تتملَّى من شبيبتك الغمرا رمتك المنايا عن قِسيّ صروفها … فسرعان ما أبقت على غرَّةٍ غِرَّا لتبك البواكي يوم فقدك جهدها … وترسل في ميدانها الشُّهب والشقرا لتبك العوالي والمذاكي وتغتدي … معطَّلة ما أن تباع ولا تشرى لتبك العفاة المرملون ومن نبا … به وطنٌ قد عالج البؤس والفقرا لتبك أُسارى لن تفادى فربما … فككت أسيرًا قد جبرتَ له كسرا عزاء أباه فاحتسبه فإنه … مضى فرطًا برّا وقدَّمته ذخرا رزيت عظيمًا مثل قدرك فاصطبر … فمثل الذي قدَّمت تلق به الأجرا ومثلك من أعطى التجارب حقَّها … وكشف عن مكنون غيب الدُّجى ستراومن خبر الأيام خُبركَ لم يُرَع … فلا حلوها استحلى ولا استقطع المرَّا مضى طاهر الأثواب عمَّا يشينُها … وقد ملأ الفتيان من دنسٍ أُزرا مضى واحدًا في الفضل لم يبق غايةً … من المجد والعليا إلا لها أجرى تولَّى حميد الفعل ما عاش قائمًا … على كل ما يرضاه خالقه برا هنيئًا له الفردوس ينعم كلَّما … شقينا بدارٍ قد أقمنا بها سفرا وما هذه الدُّنيا بدار إقامةٍ … فنكثرُ إعوالًا على أثر من مرا متاع غرورٍ لا يدوم نعيمها … وكلُّ امرئٍ منَّا بذاك قد اغترَّا هل العيش إلا نومةً في جهالةٍ … ويوقظنا موتٌ فنستعظم الأمرا أسيِّدُ سادات الزمان أيا أبا علي … خذ الأولى يد الفضل والأخرى (¬١) ومنك استفدنا الصبر في كل حادثٍ … فحقّ علينا أن نذكِّرك الصَّبرا ولو كان مما يستطاع دفاعه … لخضنا له الأهوال والمهْمَه القفرا ولكنَّه قد أعجز الخلقَ دفعه … فكلٌّ إلى أحكامه ذلَّ مضطرَّا على أننا نطوي الجوانح والحشا … على كمدٍ ثاوٍ تشبُّ بها جمرا ونستمطرُ الأجفان درَّ سحابها … صباحَ مساءَ فهي تمطره غزرا وحين تخطَّاك الردى ارتدَّ أنسنا … به ولزمنا الحمد لله والشُّكرا ومذ فُديَ الأصل الكريم بفرعه … فقد ساءَنا ريبُ الزمان وقد سرَّاأمولايَ إني شاكرٌ لك أنعمًا … تخوَّلنيها كل آونةٍ تترى يجلُّ عن الإحصاء أيسر بعضها … فقد فاقت الإحصاء والعدَّ والحصرا وأيسرها عندي افتكاكي من العِدَى … وكنتُ لها رقًّا فصيَّرني حرَّا وإني لمثنٍ بالذي أنت أهله … وأُهْدي إلى عليائك النظم والنثرا وإنا لنرجوا الله في ما أصابنا … ليجعل بعد العسر أَيَّامَنا يسرا بقيت ملقىً ما تشاء محسَّدا … موقّىً من المحذور لا ترهب الدَّهرا ونمَّ سلام بالرياض تنفَّست … وأهدت إلى دارين من طيّها نشرا قال ابن سعيد: هكذا يكون الكلام، وبمثله تُعزَّى أعلام الأنام، وهذه القصيدة في منزعها وحيدة فريدة، يجب على الأديب أن لا يهملها، ولا يخليها مجموعة ويعقلها، وما أدري هل قائلها بقى حيًا بين الورى، أو استردته التي منها خلق، فأودع بطن الثرى (¬١). عفا الله عنه، ورحمة الله عليه.