كمال الدين الأدفوي - البدر السافر عن أنس المسافر
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 878, entry [483]4,688 chars
٤٥٥ - محمد بن عمر بن الحسين بن علي البكري الرازي، ينعت بالفخر، ويعرف بابن الخطيب، أبو عبد الله (¬١). الإمام في المعقولات، وغيرهما من المنقولات. تفقه على مذهب الشافعي بأبيه، وابن السمناني، والمجد الحنبلي، وغيرهم. وذكره ابن الربيب وقال: كان أوحد زمانه، قطعت إليه المراحل، وصنف ما يزيد على مائتي تصنيف، …
▸ expand full passage (4,688 chars)٤٥٥ - محمد بن عمر بن الحسين بن علي البكري الرازي، ينعت بالفخر، ويعرف بابن الخطيب، أبو عبد الله (¬١). الإمام في المعقولات، وغيرهما من المنقولات. تفقه على مذهب الشافعي بأبيه، وابن السمناني، والمجد الحنبلي، وغيرهم. وذكره ابن الربيب وقال: كان أوحد زمانه، قطعت إليه المراحل، وصنف ما يزيد على مائتي تصنيف، وسارت تصانيفه في الآفاق، وانتشر ذكره بمصر والشام والعراق، وبُنِيت له عدة مدارس، ونفق عند السلاطين، وكان زيادة على خمسين مملوكًا، يقفون على رأسه بمناطق الذهب والفضة، وعليهم ثياب الموشى. واختصَّ بعلاء الدين خوارزم شاه محمد، صاحب خوارزم وخراسان، وكان يُجلسه إلى جانبه، وقال يومًا للسلطان: نحن في ظل سيفك، فقال له السلطان: نحن في شمس علمك، واستحسن ذلك من السلطان.ثم انفصل عنه، واجتمع بشهاب الدين سام صاحب غزنة، وما انضاف إليها من بلاد الهند والسند، وأقام عنده، وجرت عليه محنة عندما هجمت الحشيشية على السلطان، فخلصه الله تعالى. فانصرف إلى مدينة هراة، من أمهات مدن خراسان، وهي مشهورة بالعلماء والزهاد، فلزم بها التدريس والعبادة، وكانت له أوراد وصلاة وصيام، لا يخل بها إلى أن مات. قال: ومع تبحره في العلوم الحديثة والقديمة، فكان يقول: من التزم مذهب العجائز فهو الفائز. وهو قولٌ قد تقدَّمه إمام الحرمين إليه ونبَّه عليه، حيث قال: قلبت في علم الكلام اثنتي عشرة ألف ورقة، وإن لم يلطف الله بابن الجويني فيموت على دين العجائز، فواخيبته. قال ابن الربيب: ومن مشهور شعره في آخر عمره قوله: شعر إليك إله الخلق وجَّهت وجهي … وأنت الذي أدعوه في السر والجهر وأنت غياثي عند كل ملمَّة … وأنت أنيسي حين أُفْرد في القبر وأنشد له ابن خلكان (¬١)، وغيره، قوله أيضًا: شعر، ﵁ نهايةُ إقدام العقول عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وكم قد رأينا من رجالٍ ودولةٍ … فبادوا جميعا مسرعين وزالواوكم من رجالٍ قد علت شرفاتها … رجال فزالوا والجبال جبال قال ابن الربيب: ويُحكى عنه أنه لما احتضر قال: يا ليتني لم أخلق، وليتني إذ خُلقت لم أنطق، وليتني إذ نطقتُ لم أنطق بما لا أدري، هل هو لي أو عليَّ. وله وصيةٌ حسنةٌ عند وفاته، شاهدة له بالخير. قال: ولما نُفي الشرف ابن عُنَين من دمشق، انتهى به التغرب إلى صدر الشرف، فحضر مجلس الإمام وهو يعظ على المنبر، فجاءت يمامة أمام جارح، فدخلت في كم الإمام، فتعجب الناس لذلك، فارتجل ابن عُنَين قوله: شعر جاءت سليمان الزَّمان يمامةٌ … والموت يلمع من جناحي خاطف من أعلم الورقاء أن جنابكم … حرمٌ وأنك ملجأٌ للخائف قال: وكان قد سبق له الكلام مع الإمام، وهربه من بلده وتغرُّبه، وما جرى له مع الملك المعظم صاحب دمشق، ومع أرباب دولته، فلما أنشد ابن عنين البيتين استحسن الإمام مقصده، وفهم ما أدمجه في شعره، وقال له: إن شعرك ليتعلق بالعنان، فقال: سما بأن ذُكر فيه فخر الزمان، ثم إن ابن عنين اجتمع به بعد ذلك، فقال له الإمام: أيها المحسن ما يغنيك؟ فقال: الرجوع إلى وطني، وهو في هذا الوقت غير ممكن، لأن المالكين له لا يشتهون رجوعي ولا يختارون قربي، وقد قلت في ذلك: شعر ونعم صدقْتَ دمشق جنة … هذه الدنيا ولكن الجحيم في ذلي (¬١) لا الرافضي (¬٢) الحلبي ينفذ حكمه … فيها عليَّ ولا العواني الموصليفقال له الإمام: أنت الآن تشهد لهم عليك، فقال: يا مولاي، مالي حيلة وفي الكتاب العزيز ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (¬١)، وفي السنة: "كلٌّ ميسر لما خلق له" (¬٢)، فقال له الإمام: وكما أن ذلك في الكتاب والسنة، ففي الكتاب العزيز أيضًا: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ (¬٣)، وفي السنة: "مداراة الناس صدقة" (¬٤)، وقوله ﵇: "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك غضبه" (¬٥)، وطأطأ رأسه، وخرج من عنده، فسأله بعض من يأنس به: ما استفدت من الإمام؟ فقال: كثَّر الله خيره، رددناه سليمان فردَّنا فرعون، فنُقل للإمام فضحك، وقال: لو سلم أحدٌ من ابن عنين لكنت منهم، وما أردت إلا خيرًا، وأبى تأويله إلا شرًّا، ثم أرسل إليه ما قطع به لسانه. وكان الإمام كثير التصنيف سريع التأليف، صنّف عدة مصنفات في الفقه والأصول والكلام والفلسفة، وغير ذلك، ومن تصانيفه: "المحصول في الأصول" (¬٦)،و"المعالمين" (¬١)، و"نهاية العقول" (¬٢)، وشَرَح "الإشارات" (¬٣)، وشَرَح "المفصل" (¬٤) في النحو، وله التفسير المسمى بـ "مفاتح الغيوب" (¬٥)، وله "المطالب العالية" (¬٦)، و"الملخص"، و"المحصل" (¬٧). وكان كثير إثارة الشُّبَه، ويقصِّر في الأجوبة. وشرح "الوجيز" في الفقه، في ست عشرة مجلَّدة، قال العلامة أبو عمرو ابن الصلاح: ليس فيه كثير أمر. وله في النحو تصنيفٌ ليس بطائل. وذكره الحافظ ابن دحية، وأثنى عليه وذمَّه. ومما ذمَّه بعض الأندلسيين به: كونه يثير الشُّبه ويقصر في الأجوبة، فقال على لسان الإمام قوله: شعر قلت لها قول ذي عتابٍ … إليك يا نفسي المسيئة تورد عقد الشكوك نقدًا … وتدَّعي حلها نسيئةوذكره أبو شامة، وذكر عنه كلامًا رديئًا (¬١). لكن الأعمال بخواتيمها، والمشتغلون بالمعقول لا بد لهم من الخطأ والزلل في القول والعمل، وأن يحصل لهم سوء اعتقاد، ويكثر عليهم الطعن والانتقاد، لا من سبقت له العناية الربانية، فتُميزهم عن من سواهم، وقليل ما هم. ومولده بالريّ، في سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة. وقيل: سنة أربع، قال الحافظ المنذري: وهو الأشبه (¬٢). وتوفي بهراة، في آخر شهر رمضان. وقال المنذري: يوم عيد الفطر، سنة ست وست مئة (¬٣). ووالده من تلامذة أبي القاسم ابن ناصر الأنصاري، أحد تلامذة إمام الحرمين، ومن تلامذة البغوي أيضًا، رحمة الله عليه.