كمال الدين الأدفوي - البدر السافر عن أنس المسافر
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 514, entry [278]6,957 chars
٢٥٥ - عبد المؤمن بن المُدَلَّل البغدادي المراكشي الأصل، ينعت بالصفي، الأديب الكاتب الملحن (¬٢).ذكره ابن سعيد، وقال: كان أبوه المدلل من ولد شخص مراكشي، ومات المراكشي ببغداد، وترك ابنه صغيرًا، فضُمَّ إلى قصر الخلافة، فرُبّي مدللًا، وكان من أحسن الناس صورة، فمشى عليه المدلل، حتى جُهل اسمه، وتزوج من دار…
▸ expand full passage (6,957 chars)٢٥٥ - عبد المؤمن بن المُدَلَّل البغدادي المراكشي الأصل، ينعت بالصفي، الأديب الكاتب الملحن (¬٢).ذكره ابن سعيد، وقال: كان أبوه المدلل من ولد شخص مراكشي، ومات المراكشي ببغداد، وترك ابنه صغيرًا، فضُمَّ إلى قصر الخلافة، فرُبّي مدللًا، وكان من أحسن الناس صورة، فمشى عليه المدلل، حتى جُهل اسمه، وتزوج من دار الخليفة، فوُلد له هذا الابن، فقام في خاطره أن يسميه عبد المؤمن على اسم سلطان المغرب. قال ابن سعيد: ولم ألقَ ولا سمعتُ أن أحدًا منهم تَسَمَّى به، إعظامًا لأول أئمتهم، ولشيءٍ أُلقي في الخواطر. قال: ونشأ عبد المؤمن في نعيم مُتَّصل، واغتناء غير منفصل، وكان أبوه المدلل كاتبًا بارعًا، ينقل من خط ابن البواب، إمامًا في التلحين، قد أخذه عن إسفندار البلخي، فتعلم عبد المؤمن من أبيه الفضلين، حتى صار المشار إليه في زمانه، وصار يُعرف تارة بالكاتب، وتارة بالملحِّن، بحسب الأماكن، واشتمل عليه الخليفة المستعصم لميله إلى الصِّناعتين، فوفره على الغناء. قال: وكنت أسمع به، ودخلت الموصل، فاجتمعت بإمامها في التلحين ابن الدهان، ومن بها من أئمة هذا الشأن، وأنا مع ذلك متشوق إلى الاجتماع بعبد المؤمن، إلى أن دخلت بغداد، فكان أول اجتماعي به في خزانة المستنصرية، فرأيت شخصًا كأنه خُلق من كل شيء تستحسنه العيون والأسماع والنفوس، فأخذت معه في باب لطيف من إيراد المرقَّصات والمطربات، فكان مما هزه طربًا وجعل يستعيده مني، هذه الأبيات التي أولها قوله: شعر قد كنت يا قلب قد عزمت … على السلوِّ عن الحبيب لتطاول الأيام في … ذاك الجفاء وذا النحيب ولجهد ما تلقاه في … الساعات من حذر الرقيبوأراك تعزم ثم ترجع … نادمًا كالمستريب كذبتك نفسك ليس ذلك … باليسير ولا القريب فألح أن يعرف قائلها، فقلت: هي لي، فقال: إن كانت لك فشفِّعها بما يعضدها، ويقرب الشهادة لك بها، قال فأنشدته قولي: قلت للمحبوب كم صلف … قال كم حب وكم شغف أنا لا ألوي على كلف … فاسترح من هذه الكُلف كل ذي قلب غدا كلفًا … فيه حتى البدر في كلف ما انثنى عن لحظ مقلته … ناظر إلا أخو دنف لا تلمه إن رمى كبدي … فغدت منه على تلف مقلتي خديه قد جَرَحت … أتراه غير منتصف فارتاح، وقال: زدني زادك الله خيرًا، فهذا الذي يميل إليه سمعي، وعلى مثله يقبل طبعي، فأنشدته قولي: طال الوقوف برسم الدار يا حادي … فهل عسى خبرٌ من جانب الوادي عرِّج بمنعرج الوادي لعلَّ به … منهم شفاءً لقلبي الهائم الصادي فإن بدت لك أعلام لكاظمةٍ … فناد هل عودة في ذلك النادي يا من يحدثني عن من أهيم به … كرر حديثك لي ما بين حُسَّادي لي بالهوى نشوةٌ لا يستقل بها … ساقي المدام ولم ينهض بها الشادي لله أيامنا في أنسهم سلفت … كأنما خلقت أيام أعيادفقال: يا أخَيّ، هذا النمط الذي طال عهدي به وما مطلوبي غيره، فزدني منه، واحتمل تثقيلي عليك، قال: فأنشدته: شعر يكفيك منِّي دمع بالحمى وكفى … ووقفة فيه أنستْ كلَّ من وقفا وحاجة في ضميري لا أبوح بها … إليك ولو أفنيتني أسفا يا مسعدي حين لا خلٌّ يساعدني … وناشرًا لي من آي الهوى صحفا وذاكرًا ليَ من أيام كاظمةٍ … مغنىً به مال غصن البان وانعطفا هذي معاهد من قد كنت أألفه … نقف بها نذكر العهد الذي سلفا واشفِ اللواحظَ من أفق عهدت به … بدرًا تولى وخلَّى عندي الكلفا فقال: ما يقع الإمتاع ببعضنا في هذا المكان، فإذا كان مثل اليوم وجدت سبيلا والموعد طلوع الشمس، قال: فاجتمعنا في ذلك المكان، وسرت معه إلى منظرة على نهر الصَّراة، زخرفت بأنواع الرياحين والأزهار، ولم يقدم شيئًا على أن أخذ القانون وغنَّى بهذه الأبيات، وهي قوله: شعر خليليّ ما أحلى صبوحي بدجْلة … وأطيب منه في الصَّراة غبوقي شربت على الماءين من ماء كرمة … فكانا كدرٍّ ذائب وعقيق على قمري أفق وأرض تقابلا … فمن شائق حلو الهوى ومشوق فما زلت أسقيه وأشرب ريقه … وما زال يسقيني ويشرب ريقي وقلت لبدر التمِّ تعرف ذا الفتى … فقال نعم هذا أخي وشقيقي فطرق أذني من حُسن الصوت والصّنعة ما لم أملك معه إظهار ما في الخاطر، قال:فقلت: لمن الشعر، ولمن التلحين، وفي أي هنك (¬١) هو؟ فقال: الشعر لابن نحرير البغدادي (¬٢)، والتلحين لإمام هذه الصنعة أبي عمرو إسفندار البصري الدار البلخي النجار، والهنك الرُّصافي، ويعرف بأصبهان المئة، وهو من المدرجات المربعات ومن الأطواق، فقلت: أيدك الله، هذه فوائد ما طرقت سمعي قطّ، فلك الفضل في أن تُوَصِّل هذه المعارف إليّ، فأنشد، وقال: شعر إن كنت ذا همة وجد … تنل من العلم كل قصد وإن ترم نيل كل قصد … بغير جد فثق بردي فقلت: سترى مني الجدّ والاجتهاد ممن ينقل عنك وعن إمامك في أقطار البلاد، وكان قد احتفل بمكان آخر من غير أن يعرِّفَني به، فانتقلنا إليه، وتناول العود وغنّى بقوله: شعر لبس الشتاء من الجلود جلودًا … فالبس فقد برد الزمان برودا وإذا رميت بسؤر كأسك في الهوى … عادت عليك من العقيق عقودا وانظر طيور الماء في أرجائها … تختار حرَّ النار والسَّفودا يا صاحب العودين لا تُهملهما … حرِّق لنا عودًا وحركْ عودا قال: فأوجب اجتماع السرور من كل جانب أن قبَّلت يده، وساق قصة طويلة، ذكر فيها أن يعلمه، فقال: أنا أحبُّ الناس في شخص يتعلم مني، ولك الفضل إن فعلت،وذكر منها أن عبد المؤمن التفت إلى جماعة هناك عليهم زيٌّ عراقي، وقال: إيه، قال: فزمزموا مجتمعين بهذا الشعر: ألا إن لي قلبًا متى ذكر الحمى … يميل به داعي الهوى كل ميله دعوني إذا هب النسيم من الحمى … أمرِّغ خدي في مساحب ذيله وإني لأرجو أن يعود وصاله … وأخشى فوات العمر من قبل نيله قال: ثم التفت إلى جماعة أخرى عليهم زيٌّ عراقي، وقال: إيه يا بطائحية، فزمزموا، ثم التفت إلى جماعة أخرى، فزمزموا، ثم صاح: يا ناجية، فغنت جارية من خلف سِتَارة بهذا الشعر: يا من لعبت به الشمول … ما ألطف هذه الشمائل نشوان يهزه دلال … كالغصن مع النسيم مائل ها عبدك واقف ذليل … بالباب يمد كف سائل لا يمكنه الكلام لكن … قد حمل طرفه الرسائل ما أطيب وقتنا وأهنا … والعاذل غائب وغافل عشقٌ ومسرةٌ وخمرٌ … والعقل ببعض ذاك زائل والورد على الخدود غضٌّ … والنرجس في الجفون ذابل ثم قال: العادة يا كمالية، فغنت أخرى بالجَنَك العجمي، وقلّبت الدار بعلو صوتها، وجلبت أوتار المضراب الكبير وهي تغني بهذا الشعر، وتقول: غصن يلوح علي تثني قده … من نور أهل البيت طالع سعدهفكأن يوسف بالجمال أقامه … لينوب عنه خليفةً من بعده لما نظرت إليه قال جماله … بالله صَلِّ على أبيه وجده فطَرِبَ عبد المؤمن، وغنى بهذا الشعر، فقال: ألا لله أيام تقضت … لنا بين الرصافة والحريم وثوب الدجلة الفضي أمسى … تقبل هدبه أيدي النسيم وذكر قصة طويلة. قال: ومما أنشدني عبد المؤمن من غرامياته، قوله: أبكي لفقدك أم لفقد فؤادي … أفردتني وعكست فيك مرادي لا بل بكائي للجميع فإنني … مع ما ذكرت عدمت طيب رقادي وجعلت أرتقب الخيال فلم يَزُر … أيزور مسلوب الكرى ببعاد ما أنت يا قلبي الذي عاهدتني … مني وقد ذعر المطيَّ الحادي شق القلوب بشدوه والقلب قد … خلاه مني هائمًا في الوادي لو كان يعقل صار تلو فؤاده … أو كان يصبر فرَّ منه وسادي الذنب لي يا سعد كان الرأي في … أن لا أفارق راحلًا بفؤادي قال: وأنشدني لنفسه من قصيدة مدح بها المستعصم، قوله: لله صدرٌ للإمام فإنما … أقطار طاعته به قطمير تتزاحم الأضداد فيه فتنثني … عنه وليس لوقعها تأثير وحكى الحاج أحمد الخروف، قال: تعلمت شيئًا من الموسيقى ولحنت، واشتهرتلي تصانيف، ثم اجتمعت بعبد المؤمن، وغنَّيت له من تصانيفي، وسألته أن أتعلم منه، فقال: إن أردت ذلك فانْسَ جميع ما عندك، فإنه بغير أصل، ففعلت، واستفدت منه. وكان قد صنّف آلة سماها "النزهة"، فحكى لي قاضي القضاة جلال الدين محمد القزويني، قال: حكى لي فقير أني سمعت بها، فسافرت إليه قلت: جئت قاصدًا لسماعها، فرتَّب لي درهمين كل يوم مدة مقامي، وأسمعني الآلة، وجعل مماليك له صورًا جميلة بشعور محلولة، يرقصون معي وهو يغني بها. ولما ورد هلاوون (¬١) البلاد، أحضره فعمل بين يديه شيئًا أذهله، فقال: تمنَّ علي، فقال: تمنيت أن ترفع السيف عن بغداد، فأمر برفعه. وله مؤلف في الموسيقى، نافع، وحرّر منها أشياء واخترع، وانتهى إليه هذا الفن في زمنه علمًا وعملًا. قال: وأخبر عنه بعض من اجتمع به بمكارم كثيرة، وصدقات غزيرة، وكتب بخطه ختمة شريفة، وجلّدها بنفسه، فأخبرني قاضي القضاة جلال الدين أنها قُوّمت بثلاثة آلاف درهم لحسن الخط، وجودة التجليد والضبط. وتوفي بعد السبعين وست مئة ظنًا (¬٢)، ﵁، والحمد لله وحده.