صديق حسن خان - التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 304, entry [341]2,502 chars
٣٤٠ - ابن الفارض: هو أبو حفص، عمرُ بن أبي الحسن عليِّ بنِ المرشد بنِ عليّ، الحمويُّ الأصل، المصريُّ المولدِ والدارِ والوفاة، المعروفُ بابن الفارض المنعوت بأشرف. ولد سنة ٥٦٠، وقيل غير ذلك. كان رجلاً صالحًا، كثيرَ الخير، على قدم التجرُّد، جاور [في] مكة المشرفة زمانًا، وكان حسنَ الصحبة، محمودَ العشرة، …
▸ expand full passage (2,502 chars)٣٤٠ - ابن الفارض: هو أبو حفص، عمرُ بن أبي الحسن عليِّ بنِ المرشد بنِ عليّ، الحمويُّ الأصل، المصريُّ المولدِ والدارِ والوفاة، المعروفُ بابن الفارض المنعوت بأشرف. ولد سنة ٥٦٠، وقيل غير ذلك. كان رجلاً صالحًا، كثيرَ الخير، على قدم التجرُّد، جاور [في] مكة المشرفة زمانًا، وكان حسنَ الصحبة، محمودَ العشرة، له ديوان شعر لطيف، وأسلوبه فيه رائق ظريف ينحو منحى طريقة الفقراء، له قصيدة - مقدار ست مئة بيت - على اصطلاحهم ومنهجهم في التصوف، وهي المعروفة بالتائية الكبرى، أو بنظم السلوك، أولها: سَقَتْني حُمَيَّا الحُبِّ راحةُ مقلتي ... وكأسي محيا مَنْ عنِ الحُسْن جلَّتِ فأَوْهَمت صَحبي أَنَّ شربَ شرابهم ... به سِرُّ سِرِّي في انتشاري بِنَظْرَةِ توفي بالقاهرة سنة ٦٤٢ هجرية، ورثاه بعضهم. وقال ولده: كان أبي معتدلَ القامة، وجههُ جميلٌ مشرَب بحمرة ظاهرة، وإذا استمع وتواجد، وغلب عليه الحال، يزداد وجهه جمالا ونورًا، وينحدر العرق من كل جسده حتى يسيل تحت قدميه على الأرض، ومن فهم معاني كلامه، دلته معرفته على مقامه، وكان إذا مشى في المدينة، تزدحم الناس، يلتمسون منه البركة والدعاء، ويقصدون تقبيل يده، فلا يمكَّن أحدًا من ذلك، بل يصافحه، وكان إذا حضر في مجلس، يظهر على ذلك المجلس سكونٌ وهيبة ووقار، وإذا خاطبوه، فكأنهم يخاطبون ملكًا عظيمًا، وكان ينفق على من يرد عليه نفقة متسعة، ويعطي من يده عطاء جزيلاً، ولم يكن يتسبب في تحصيل شيء من الدنيا، ولا يقبل من أحد شيئًا، وبعث إليه السلطان محمد الملك الكامل ألفَ دينار، فردها إليه. وله كرامات كثيرة، ودخل مكة المكرمة حاجًا، وأقام بها خمس عشرة سنة، وطاف أوديتها وجبالها، وكان يستأنس فيها بالوحوش ليلاً ونهارًا، وأشار إليه في قصيدته "التائية"، ثم عاد إلى القاهرة، وأقام بها إلى أن توفي.وكان في غالب أوقاته دهشًا، وبصره شاخصًا، لا يسمع مَنْ يكلمه ولا يراه، فتارة يكون واقفًا، وتارة يكون قاعدًا، وتارة يكون مضطجعًا على جنبه، وتارة يكون مستلقيًا على ظهره مغطًّى كالميت، ويمر عليه عشرة أيام متواصلة - وأقل من ذلك وأكثر - وهو على هذه الحالة، لا يأكل ولا يشرب، ولا يتكلم ولا يتحرك، ثم يستفيق وينبعث من هذه الغيبة، ويكون أول كلامه أنه يملي من القصيدة ما فتح الله عليه، فجاءت قصيدة غراء، وفريدة زهراء، لم ينسج على منوالها، ولا سمح خاطر بمثلها، وهي مذكورة في ديوانه، المسمى "بالبحر الفائض في ديوان ابن الفارض"، وهو الذي شخصت إليه الأعين، وانبهرت به الأفكار؛ لسمو معانيه، وحسن أسلوبه، وقال جماعة: إنه لم ينظمها على حد نظم الشعراء أشعارهم، بل كانت تحصل له جذبات يغيب فيها عن حواسه نحو الأسبوع والعشرة أيام، فإذا أفاق، أملى ما فتح الله عليه منها، ثم يدع حتى يعاود ذلك الحال. طبع ديوانه في بيروت، وفي الديار المصرية، وعليه شروحات كثيرة، وكَفَّرَ ابن الفارض برهانُ الدين إبراهيم بن عمر البقاعي، في كتاب سماه: "تدمير المعارض في تكفير ابن الفارض"، فرد عليه بعضهم مبرئًا ابن الفارض مما اتهم به.