ابن عبد الملك المراكشي - الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 2295, entry [4052]41,017 chars
١١٥ - محمدُ بن عبد الرّحمن اللَّمَطيُّ، ابنُ تازليت. رَوى عن شُرَيْح.١١٦ - محمدُ (١) بن أبي زَيْدٍ عبد الرّحيم (٢) بن محمد بن أبي العَيْش الأنصاريُّ الخَزْرَجيُّ؛ تلمسينيٌّ أندَلُسيُّ الأصل، أبو العَيْش. رَوى ببلدِه عن أبي بكرٍ محمد بن يوسُف بن مُفرِّج بن سَعادةَ، وأبوَيْ عبد الله: ابن عبد الرّحمن ا…
▸ expand full passage (41,017 chars)١١٥ - محمدُ بن عبد الرّحمن اللَّمَطيُّ، ابنُ تازليت. رَوى عن شُرَيْح.١١٦ - محمدُ (١) بن أبي زَيْدٍ عبد الرّحيم (٢) بن محمد بن أبي العَيْش الأنصاريُّ الخَزْرَجيُّ؛ تلمسينيٌّ أندَلُسيُّ الأصل، أبو العَيْش. رَوى ببلدِه عن أبي بكرٍ محمد بن يوسُف بن مُفرِّج بن سَعادةَ، وأبوَيْ عبد الله: ابن عبد الرّحمن التُّجِيبيِّ وابن عبد الحقِّ، ورَوى أَيضًا عن أبي محمد بن حَوْطِ الله. حدّثنا عنه أبوا محمد: ابنُ أبي خرص الواعِظ، ومَوْلى سَعِيد بن حَكَم (٣). وكان أديبًا بارعَ الكتابة، شاعرًا مجُيدًا، رائقَ الخَطّ، ذا مشاركةٍ في فنونٍ من العلم. دَخَلَ الأندَلُسَ وكتَبَ عن بعض الوُلاةِ بها ثم تخَلَّى عن ذلك ولزِمَ الانقباضَ، وآثَرَ الخَلْوةَ والعُزْلةَ عن الناس، ونبَذَ علائقَه منهم. وله في طريقةِ الزُّهد وسُبُل الخَيْر والوعظِ والتذكير وتنزيهِ الباري سبحانَه وما جَرَى مجرى ذلك منظوماتٌ بديعة، وقَفْتُ على كثيرٍ منها بخطِّه الأنيق، ومنها: "الحقائقُ المَصُونة في الألفاظِ الموزونة في ذكْرِ أسماءِ الله الحُسنى وصِفاتِه واقتباسِ أنوارِها من مخلوقاتِه الباهرةِ ومَصنوعاتِه". نَظَمَ في [كلِّ قطعةٍ اسمًا من الأسماءِ الحُسنى] أجادَ فيها وبَلَغَ الغايةَ؛ منها في ذكْرِ [اسم الله سبحانَه] [من الكامل]: الله قُلْ ودعِ الوجودَ وما حَوَى ... إن كنتَ [مُرتادًا بلوغَ كمالِ] فالكلُّ دونَ الله إن حقَّقْتَهُ ... عَدَمٌ على التفصيلِ [والإجمالِ] واعلَمْ بأنك والعوالم (٤) كلَّها ... لولاهُ في مَحْوٍ وفي اضمحلالِفالعارفونَ فنُوا ولمّا يشهَدوا ... شيئًا سوى المُتكبِّر المُتَعالي ورأَوْا سِواه على الحقيقةِ هالكًا ... في الحالِ والماضي و [الاستقبالِ] مَن لا وجودَ لِذاتِه من ذاتِهِ ... فوجودُه لولاه عينُ مُحالِ فالمَحْ بطَرْفِك أو بعقلِكَ هل ترى ... شيئًا سوى فعلٍ من الأفعالِ وانظُرْ إلى أعلى الوجودِ وسُفلِهِ ... نظرًا تؤيِّدُه بالاستدلالِ تجدِ الجميعَ يشيرُ نحوَ جلالِهِ ... بلسانِ حالٍ أو لسانِ مقالِ هو مُمسكُ الأشياءِ من عُلوٍ إلى ... سُفل ومُبدعُها بغيرِ مثالِ وَجَبَ الوجودُ لذاتِه وصفاتِهِ ... فردًا عن الأكفاءِ والأمثالِ فاسكُنْ إليه بهمّةٍ عُلوّيةٍ ... متنزِّهًا عمّا سوى الفَعّالِ يبقَى وكلٌّ يضمحِلُّ وُجودُهُ ... ما واجبٌ كمقيَّدٍ بزوالِ وهو الذي يُرجَى وُيخشى، لا تَلُذْ ... بسِواهُ في حالٍ من الأحوالِ فالشرعُ جاء بذا وأنوارُ الهدى ... قد أيّدتْه فعِشْ خليَّ البالِ (١)وأتبَعَ هذه القطعةَ قطعًا ضمَّن كلَّ قطعةٍ منها اسمًا أو اسمَيْنِ من أسماءِ الله الحُسنى إلى تمامِها ناحيًا منحى أبي الحَسَن بن أحمد بن محمد بن عُمرَ الوادى آشيِّ المتقدِّم الذِّكْر [في] إنشاءاته التي أودَعَها: "الوسيلةَ لإصابةِ المعنى، في إحصاءِ أسماءِ الله الحُسنى" (١). ولأبي العَيْش في وَصْف حالِه وانقطاعِه إلى الله تعالى وإيثارِه العُزْلةَ، ونقَلتُه من خطّه [من الوافر]: قَنِعتُ بما رُزقتُ فلستُ أسعى ... لدار أبي فلانٍ أو فلانِ وآثرتُ المقامَ بكسرِ بيتي ... ولا أحدٌ نراه ولا يَراني ولا ألقَى خليلًا غيرَ حَبْرٍ ... مُعِينٍ في المعارفِ أو مُعانِ وقد أيقنْتُ أنّ الرّزقَ آتٍ ... وإن لم آتِهِ سعيًا أتاني وقد حَققتُهُ فهمًا وعِلْمًا ... وقد شاهدتُه رأيَ العِيانِ فلازمْ ذا بإخلاصٍ تُمَكَّنْ ... هنا وهناك من أسنى مكانِ [وكان يُنشئُ للوا] عظِ أبي محمد بن أبي خرص (٢) ﵀ أشعارًا، يفتتحُ بها [مجالسَه أو يُنشِدُها] أثناءها تدُلُّ على صِدقِه وتشهَدُ بإجادتِه. ١١٧ - محمدُ (٣) بن [عبد الجَبّار بن أبي بكر بن] محمد بن أبي العَرَب حَمْدِيس الأزْديُّ، سَر قوسيٌّ.رَوى عن أبيه [أبي محمد، وكان أديبًا] حَسَنَ الوِراقة في الطريقة المَشْرِقيّة. ١١٨ - محمدُ (١) بن عبد الحقّ [بن إبراهيمَ] بن عبد الله بن وَهْب الصُّنهاجيُّ، أبو عبد الله. رَوى عن أَبيه، وأجاز له أبو عبد الله محمدُ بن هشام بن أبي جَمْرةَ، وأبو الوليد بن رُشْدٍ الكبير. ١١٩ - محمدُ (٢) بن عبد الحقِّ بن سُليمانَ اليَعْمُريُّ، ويقال: البطوئيُّ، تِلِمْسينيُّ، نَدْروميُّ الأصل، أبو عبد الله، ابنُ سُليمان، والنّدروميُّ. رَوى ببلدِه عن أبوَيْ محمد: أَبيه، وتفَقَّه به، وعِمرانَ التَّلِيديِّ؛ وأبوَيْ بكرٍ: ابن عُصفُور واللَّقَنْتيِّ؛ وأبوَي الحَسَن: جابر بن محمد وابن أبي قَنُّون، وأبي عليّ حَسَن ابن الخَرّاز. وصَحِبَ الزاهدَيْنِ الفاضلَيْنِ: أَبا عبد الله بنَ محيو الهَوّاريَّ، وأبا مَدْيَن شُعَيْبَ بن الحَسَن الأندَلُسي. وبفاسَ عن أبي الحَسَن بن حُنَيْن، وأبي عبد الله ابن الرَّمّامة، وأبي محمد قاسم ابن الزّقاق، ولقِيَ بها أَبا الحُسَين اللَّوَاتيَّ وأجاز له. وبمَرّاكُشَ عن أبي الجَيْش مجُاهد، وأبوَيْ عبد الله: ابن خليل وابن الفَخّار، وأبوي القاسم: ابن حُبَيْش والسُّهَيْليّ. وبها وبإشبيلِيَةَ عن أبي بكر بن الجَدّ، وأبي جعفرِ بن مَضَاء، وأبي الحَسَن نَجَبةَ، ولقِيَ بها أَبا عِمرانَ الزاهد.وبَسْبْتةَ عن أبي محمد بن عُبَيد الله، وصَحِبَ بها أَبا الصَّبر أيّوبَ، ولقِيَ أَبا الحُسَين ابنَ الصّائغ، وأبا عبد الله بنَ حَمِيد، وأبا محمدٍ عبدَ المُنعم ابن الفَرَس. وأجاز له من أهل الأندَلُس: آباءُ بكر: ابنُ خَيْر وابن رزق وابن نُمَارة، وأبَوا الحَسَن: ابن هُذَيْل وابن النّعمة، وأبو العبّاس الخَرُّوبيّ، وأبو القاسم ابنُ بَشْكُوال. ومن أهل المشرِق: أبو طالبٍ التّنُوخى، وآباءُ طاهر: السِّلَفيُّ وابنُ عَوْف وابن مَعْشَر (١)، وآباءُ عبد الله: الحَضْرَميّ والرَّحبيّ المِصريُّ والكِرْكنتيُّ، وأبو القاسم البُوصيريُّ، وأبو يعقوبَ ابن الطّفِيْل الدِّمشقيّ. وقد ضمَّن ذكْرَهم وكيفيّةَ روايتِه عنهم برنامجَهَ الذي سمّاه "الإقناع، في ترتيبِ السَّماع". رَوى عنه أبو الحَجّاج بنُ محمد بن عليّ الأسَديّ، وأبو زكريّا بن أبي بكر بن عُصفُور، وأبَوا عبد الله: ابنُ أبي بكرٍ البريّ، وابن عليّ بن حَمّاد، وأبو العبّاس المَوْرُوريُّ، وأبو العَيْش محمدُ بن عبد الرحيم [الأَنْصاريّ، وأبو موسى] بن يوسُف بن تامحجلت. وحدَّث عنه بالإجازة شَيْخا [نا: أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ، وأبو عليّ] الماقَريُّ، وأبو عبد الرّحمن عبد الله بن القاسم بن زَغْبوشَ وغيرُهم. وكان راويةً للحديث فقيهًا حافظًا متكلِّمًا متفنَنًا في علوم جَمّة بارعَ [الكتابة حَسَنَ الخَطّ] جَماعةً للكُتُبِ الجليلة مُغاليًا في أثمانِها، احتَوتْ خِزانتُه [على ما لم يجتمعْ لأحدٍ] من أبناءِ جنسِه كثرةً ونَفاسة (٢)، وكتَبَ بخطِّه الكثير، وعُنيَ بتصحيح [كُتبه].وله مصنَّفاتٌ كثيرة أحفَلُها: "المختار، في الجَمْع بين المنتقَى والاستذكار" (١) [وغيرُ] ذلك ممّا سمّاه في آخِر برنامجَه، وقد رأيتُ إثباتَ أسمائها هنا؛ ليقفَ عليها [المتشوِّفُ [إليها، قال هنالك: "مَراتبُ تواليفي: "الفَيْصَلُ الجازم، في فضيلةِ العِلم والعالِم" في مراتبِ العلوم، جزء. "بَرنامجَي"، وهو كمراتبِ التواليف، وسمّيتُه: "الإقناع في كيفيّة الإسماع"، جزء. "لُبابُ الإعراب"، جزءٌ كبير، "فُرقانُ الفرقان وميزانُ القرآن" جزء، "عقيدةُ عِلْيةِ (٢) الخَلْق وزُبدةُ معرفةِ الحقّ، المضنونُ بها على غير أهلِ الصِّدق"، جزء، "غريبُ الشِّهاب"، جزء. "إكمال اللآلي على الأمالي"، سِفْران، "غريبُ الموطّإ وإعرابُه"، سِفر، وسمّيتُه: "الاقتضابَ"؛ لأني اقتضَبْتُه من الكتابِ الكبير كتاب "المختار الجامع بين المنتقَى والاستذكار"، بزياداتِ من "التمهيد" وغيرِه تونّقُ النفوَسَ وتَرُوق الأبصار، في نحوِ العشرينَ سِفْرًا، يشتملُ على نحوِ الثلاثة آلاف ورقة. "مخُتار المختار بين يدَيْ مختصَر كتابِ البخاريّ"، في سِفرٍ كبير، جزءٌ من شعري منتَخَل، "ميزانُ العمل" جزءٌ كبير، "إرشادُ المسترشدِ وبُغيةُ المُريدِ المُستبصِر المُجتهد"، سِفرٌ صغير، "الإيماءُ إلى نجاةِ المزيد" جزء، "النُّبُذة المُسعِدة واللمحةُ المُصعِدة"، في الاعتبار، جزء. "النُّكَتُ المحرَّرة والفصُولُ المحبَّرة"، في حقيقةِ التنزيه ونَفْي التشبيه، جزء، "الأجوبةُ المحرَّرة على المسائلِ المغيَّرة"، جزء. "التّسَلَّي عن الرَّزِيّة والتحَلِّي بالرّضا بقضاءِ باري البِرّية"، جزء. مجموعٌ شعريٌّ فيالمواعظ، جزء. "نَفْثةُ ذي الضّراء ومَسْلاتُه برثاءِ الآباءِ الأبناء"، جزءٌ كبير. التذكِرة للنّوادرِ المتخيَّرة"، مضَى منه نحوُ ثلاثةِ أسفارٍ ولم يتمَّ، وهو بين يدَيّ. "حدودُ أنواع الحُكْم الشَّرعي"، جزء. "مُستصفَى المُستصفَى"، ابتُدئَ ولم يتمَّ. "فَصْلُ المقال في مناقلِ أحوالِ غزو أهلِ الإلحادِ والضّلال"، إلى طُلَيْطُلة، كذا، جزءٌ (١) ". انتهت (٢) مشتملةً على ما رأيتُ التنبيهَ عليه، وذلك جَمْعُ التآليفِ على تواليف، وصوابُه: تآليف [....] همزةٌ وقبلَها واو، وتقديرُ كوامل هذه المصنَّفات [....] وقد تقَدَّم ليَ التنبيهُ عليه، والثلاثةُ آلافٍ بإضافة ما فيه الألِفُ واللام إلى ما ليستا فيه، وهذا ممنوعٌ، وأُتبِعُ هذه التسميةَ ما رأيتُ ذكْرَه من نَعْتِها أو [نحوِه]: قال: "وكيفيّةُ ترتيبِها أنّ أوّلَ ما ينبغي أن يُلقَى إلى ما يعتني به في طلبِ العلم هو فَضْلُ العلم لينهضَ إلى طلبه عن حرصٍ عليه ورغبةٍ فيه، ثم مَراتبُه [ليرتِّبَ العلومَ الكثيرة؟] في مراتبِها، فَيَعلمَ الأعلى من الأدنى والكُلّيَّ من الجُزْئيّ، والآلةَ [من الأصل] المقصود، واللاحقةَ من السابقة، فيَرى كلَّ علم منها في رُتبتِه فيقصِدَ إلى الأعلى منها فيجعَلَه وَكْدَه وَينظُرَ في غيره نظَرَ مشاركةٍ واستبصار؛ لئلّا يجهَلَه فيعاديَه وأهلَه، ثم يُلقَى إليه ما هو كالآلة من العلوم كعلم مَداركِ العقول وعلم اللّغة والإعراب، ثم يُلقَى إليه التفَقُّهُ في الحديثِ الذي هو الأصل وعلمُ أسرار علوم الدِّين الذي هو كالثمرة، ثم يُتبَعُ بما هو كالتتمّة للعلوم وكالمُبتدَع من جُملتِها ممّا لا يختَصُّ بعلم منها؛ فلذلك رتَّبتُها هذا الترتيب، فبدأتُ بفَضْل العلم ومَراتبِه، وثنَّيتُ بالآلة منه، وثلّثْتُ بالأصل منه، وختمتُ بما هو كالمُبتدَع من جُملتِه وكالتتمّةِ والتكميل منه، والحمدُ لله على هدايتِه" (٣).قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: نقلتُ ما تقَدَّم من تسمية هذه المصنَّفات وما أَتْبَعَ ذكْرَها به من آخِر نُسخة من "الإقناع" وعلى ظهرِها خطُّه مؤرَّخًا برجبِ ست مئة. وكان حَسَنَ الخَلْق والخُلُق، بهيجَ المنظر، رائقَ الملبَس، مُوسِرًا، مؤثرًا نَفّاعًا بجاهِه ومالِه، مِطعامًا، وجيهًا ببلدِه وسواه، خطيبًا (١) عندَ الوُلاة والأمراءِ والسّلاطين، تَعْروهُ أحيانًا غفلة. واستُقضيَ ببلده مرّتيْنِ فحُمِدت سِيرتُه وعُرِف بالعدل والإنصافِ والجزالة. أنشَدتُ على شيخِنا أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ ﵀، ونقَلتُه من خطِّه، لأبي عبد الله بن عبد الحقِّ هذا في عدِّ أحاديثِ البخاريّ مما أذِنَ له فيه [من الطويل]: جميعُ أحاديثِ الصَّحيح الذي رَوى الـ ... ـبُخاريُّ خمسة وسبعونَ في العدِّ وسبعةُ آلافٍ تضافُ وما مضَى ... إلى مئتينِ عَدَّ ذاك أُولو الجدِّ مولدُه سنةَ ستٍّ أو سبع وثلاثينَ وخمس مئة. وتوفِّي بتِلِمْسينَ خمس وعشرينَ وست مئة ابنَ تسع أو ثمانٍ وثمانينَ سنة. ١٢٠ - محمدُ (٢) بن عبد المُنعم بن مَنِّ الله بن أبي بَحْر الهَوّاريُّ، قَيْرَوانيُّ الأصل، سَكَنَ الأندَلُسَ زمانًا، [ثم انتَقل إلى فاسَ، أبو] بكر، ابنُ الكَمّاد. رَوى عن أَبيه أبي الطّيِّب (٣)، وأبي عبد الله [ابن سَعْدون القَرَويِّ]. رَوى عنه أبو الحُسَين يحيى بن عبد الباري الخُراسانيُّ المَهْدَويُّ نَزيلُ [فاسَ وأبو ....] بن يوسُف ابن البَلْخيّ؛ وحدَّث عنه أبو القاسم عبدُ الرحيم بن [عيسى ابن المَلْجوم بكتاب "علوم] الحديث" لأبي عبد الله الحاكم، وبجوابِ أبي محمد بن أبي زَيْد في [النّهيَ عن الجِد الذي الدّينِ مُناولةً منه وإجازةً -وكانا في مجلّد- لخمسٍ بقِينَ من ربيعٍ الآخِر [سنة سبع وعشرينَ] وخمس مئة.قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: ذكَرَ ابنُ الأبّار [ترجمتَه] في الغُرَباء، وأمرُه عندي مُشكِل؛ لأنّ أباه كان من جاليةِ القَيْروان الخارجينَ منها عندَ خَرابِها سنةَ تسع وأربعينَ وأربع مئة، وأُراه دَخَلَ الأندَلُسَ ذلك الوقتَ أو قريبًا منه، وقد سَمِع أبو بكرِ هذا من أبي عبد الله بن سَعْدون بَبلَنْسِيَةَ في شوّال وذي قَعْدةٍ من عام ستِّ وسبعينَ وأربع مئة، فلاحتمالِ أن يكونَ أبو بكرٍ هذا قد وُلد بالأندَلس فيُعدّ لذلك من أهلِها أشكَلَ أمرُه عندي، واللهُ يُطلِعُ على الجلاءِ فيه، وجعَلَه ابنُ الأبّار فاسيًّا، ووقَعَ عندَه اسمُ جَدِّه: مِنَ الله، مضبوطًا مجوَّدًا: مِنَ الله، هكذا على صيغة "مِن" حرف الجر (١)، والصّواب في ضبطِه ما ذكَرْتُه، وهو بفَتْح الميم وتشديد النُّون كما يُسمَّى بفَضْل الله ورِزْق الله وشِبهِهما، وكذلك وقَعَ عندَ أبي القاسم ابن المَلْجوم، وقَفْتُ عليه كذلك في نُسختَيْنِ من بَرنامَجِه وفي نُسخة من بَرنامَج أبي موسى ابن المَلْجوم فاعلَمْه. واللهُ الموفِّق. ١٢١ - محمدُ (٢) بن عبد الوهَاب بن عبد الكافي بن عبد الوهّاب الأنصاريُّ، دِمَشْقيٌّ، أبو بكرٍ وأبو سَعْدٍ وأبو عبد الله، ابنُ الحَنْبليّ. رَوى عن أبي الفَرَج ابن الجَوْزيّ، رَوى عنه أبو جعفر ابنُ الزُّبَير وأبو عبد الله بن أبي بكرٍ ابن رَشِيدٍ البغداديُّ الواعظ، وصاحبُنا أبو القاسم هبةُ اللهابن محمد بن أبي بكر بن سَعِيد بن عبد الغَفُور الأوْسيُّ، ولقِيتُه وجالَسْتُه كثيرًا، وسمعتُ وعظَه، وكان لا يكادُ يُفقَهُ ما يقولُ؛ لإفراط عُجمةٍ كانت في لسانِه، فلا يفهَمُه إلا من ألِفَه، وكان أصمَّ لا يكادُ يسمَعُ شيئًا (١)، فقيهًا حَنْبليَّ المذهب، آية من آياتِ الله في كثرةِ الحِفظ وحضورِ الذِّكْر وحَشْد الأقوال فيما يَجري بمجلسِه الوَعْظيِّ (٢) أو يُحاضرُ به في غيرِه، سريعَ الإنشاء ناظمًا ناثرًا، مع الإحسانِ في الطريقتَيْن، جيِّدَ الخَطّ والكَتْب على كَبْرتِه. وَرَدَ مَرّاكُشَ في وَسَط اثنتينِ وخمسينَ وست مئة. [وكان وقتَئذٍ ابنَ] ثمانينَ عامًا, ولم يكنْ في رأسِه ولحيتِه من الشَّيبِ إلا [شُعَيْراتٌ تدرَكُ بالعَدّ] والحَصْر. وأخبَرني أنه عَرَضَ وهو ابنُ عشرينَ عامًا على أبي الفَرَج ابن الجَوْزيّ كتابَه "المنتخَب" عن ظهرِ قلب ببغداد. وفَصَلَ عن مَرّاكُشَ ذلك العامَ [عائدًا إلى المشرق] واجتازَ بسَبْتةَ وقد كان دَخَلَها أولَ ذلك العام وأجازَ منها البحرَ إلى الأندَلُس مُطوِّفًا على البلاد يَعقِدُ فيها مجالسَ الوعظ.وُلد بدِمشقَ في حدودِ [ثمانٍ وسبعينَ وخمس مئة] , وتوفِّي ببلبيسَ، من مِصرَ، سنة سبع وخمسينَ وست مئة (١). ١٢٢ - محمدُ (٢) بن عثمانَ بن سَعِيد بن بقيميس -بباءٍ مَسْفول وقافٍ معقود وياءِ مَدّ وميم وياءِ مَدّ وسينٍ غُفْل- فاسيٌّ، أبو عبد الله. أخَذ ببِجَايةَ عن أبي محمدٍ عبد الحقّ ابن الخَرّاط. رَوى عنه أبوا العبّاس: ابن الرُّوميّة وابنُ المُزَيّن. وكان فقيهًا حافظًا عالمًا بأصولِ الفقه مشرِفًا على مسائلِ الخلاف. توفِّي سنةَ ثمانٍ وست مئة. ١٢٣ - محمدُ (٣) بنِ عليّ بن أبي بكر بن عيسى بن حَّماد، ابنُ حماد الصُّنْهاجيُّ القَلْعيُّ، قلعةَ بني حَّماد، حَمْزيُّ الأصل، استَوطَنَ مَرّاكُشَ بأخَرةٍ، أبو عبد الله، ابن كلانونَ وابنُ حمادو. تعلَّمَ القرآنَ العظيم عندَ القاسم بن النُّعمان بن الناصِر بن عَلا الناس (٤) ابن حمّادٍ الصنْهاجيّ، وكان يتعيَّشُ بعدَ انقراضِ دولتِهم بتعليم كتابِ الله ﷻ. ورَوى عن أبي جعفر بن محمد بن عَيّاش بمُرْسِيَةَ، وآباءِ الحَسَن: ابن شُكر بن عُمرَ وابنَي المحمّدَيْن: ابن عبد الملِك ابن القَطّان وابن عثمانَ التَّميميِّ القَلْعيّ المُعمَّر، وأبي الحُسَين ابن زَرْقونَ بإشبيلِيَةَ، وأبي ذَرّ ابن أبي رُكَب، وآباءِ عبد الله: ابن أبي بكر بن عبد الله الحَمْزيّ وابن عبد الله بن محمد المَعافِريّ ابن الخَرّاط، وابن عبد الحقِّ التِّلِمْسَانيّ، وابن عليّ ابن مَخْلوفٍ بالجزائر،وأبي العبّاس بن مبشّر بن سُرور مَوْلى الحمّاديِّينَ، وأبوَيْ محمد: عبدِ الحقّ ابن الخَرّاط ببِجَايةَ وغَلْبون بمُرْسِيَة. رَوى عنه أبو بكرٍ محمدُ بن غَلْبون، وأبو الحُسَين بن عبد الله بن عبد الرّحمن السِّجِلْماسيُّ مُستوطِنُ أَزْمُور، وأبو عبد الله بنُ عليّ بن هشام شيخُنا، وأبو العبّاس ابن فَرتُون، وأبوا محمد: ابن عبد الرّحمن ابن بُرطُلّه، وابن موسى الرُّكَيْبيُّ. وكان أديبًا، بارعَ النّظم والنّثر، نَزِهَ النَّفْس، حَسَنَ الخُلُق، ذا حظّ صَالح من الفقه وأصُولِه، متحقَقًا بالنّحو، متقدِّمًا في حفظِ اللّغاتِ والآداب، ضابطًا كُتبه، محافظًا عليها، جيِّدَ الخَطّ، كتَبَ الكثيرَ وأتقَنَ تقييدَه، ولم يزَل النَّاسُ يتنافسونَ فيما يوجَدُ بخطِّه أو بمعاناتِه، ويعتمدونَه، وصنَّف في اللّغاتِ والتاريخ والآدابِ وما جَرى مجرى ذلك مصنَّفاتٍ، منها: ["الإعلام بفوائدِ الأحكام"] لعبد الحقّ، و"شرْحُ قصيدةِ عُمرَ بن أبي ربيعةَ: أمِن آلِ نُعْم"، و"شرحُ: مقصورةِ ابن دُرَيْد"، و"الدُّبَاجة في أخبارِ صُنْهاجة"، وهذا الكتابُ غيرُ "النُّبَذ المحتاجة في أخبارِ صنْهاجةَ بإفريقيّةَ وبِجَاية". وديوانُ نَظْمِه ونَثرِه حافل، [وقد وقَفْتُ عليه] ومنه جزءٌ سمّاه "عُجالةَ المودعِّ، وعُلالةَ المشيِّع"، وكلُّه أو جُلُّه صَدَرَ [عنه أيامَ] كونِه بمُرْسِيّةَ، أفاد به بعضُ أصحابِه، وسَمّط قصائدَ وقِطَعًا [لجماعةٍ من] الشّعراء ظهَرتْ فيها إجادتُه، وعَكَفَ عامَّة عُمرِه على استفادةِ العلم [وإفادتِه]. واستُقضيَ بالجزيرة الخَضْراء وبسَلا سنةَ ثِنتَيْ عشْرةَ وست مئة، وبأَزْمُور (١) [كما] استُقضيَ بمُرْسِيَةَ، فحُمدت فيها كلِّها سِيَرهُ، وشُكرت أحوالُه، وعُرِف بالعدل وتمشيةِ الحقّ والجَزالةِ والطّهارة.ومن نَظْمِه -وكتَبَ به من مُرْسِيَةَ إلى أبي عبد الله بن عبد الحق (١) التّلِمْسانيِّ شاكرًا له على إجازةٍ بعَثَ بها إليه-[من الكامل]: يَا أيُّها النَّدْبُ السَّرِيُّ الأمجدُ ... والعالِمُ الحَبْرُ الفقيهُ الأوحدُ يَا أيُّها البحرُ المحيطُ مَعارفًا ... لا تنتهي، وفوائدًا لا تنفَدُ وصلتْ إجازتُك المُجيزةُ سيّدي ... نحوَ الذي أنحو إليه وأقصِدُ إنّ الدِّرايةَ والروايةَ منتهَى ... أملي الذي أسعَى إليه وأحفدُ لازلتَ لي متفضِّلًا فأجَزْتَني ... بفوائدٍ يفنَى الزمانُ وتَخلُدُ فجزاك عنّا اللهُ خيرَ جزائهِ ... فجزاءُ مثلِك عندَنا لا يوجدُ ووَدِدتُ لو أنّي لديك، وأين مِن ... ظمآنَ في البِيدِ البَلاقِع موردُ ولقد لقِيتُك لُقيَةً لكنّها ... كانت كما أغفَى وهَبَّ مسهّدُ لم تشفِ لي كمَدًا وأنّى يُشتفَى ... بزيارةِ الطّيفِ المسهّدِ مُكمَدُ فإن استمرّت بي الحياةُ لقيتُكمْ ... حتمًا، وإلا فالمعادُ الموعدُ لا زِلتُمُ في عِزّةٍ وسعادةٍ ... ما لاحَ في جُنح الدُّجُنّةِ فرقَدُ توفِّي بمَرّاكُشَ بعدَ خَدَر أصابَه سنةَ تسع وعشرينَ وست مئة. ١٢٤ - محمدُ (٢) بن عليِّ بن جعفرِ بن أحمدَ بن محمد القَيْسيُّ، قلعيّ -قلعةَ بني حَمّاد- استَوطنَ فاسَ، أبو عبد الله، ابنُ الرَّمّامة. لقَبٌ جَرَى على أحمدَ جَدِّ أَبيه في قولِ أبي محمد بن الياسَمِين (٣)، ونقَلتُه[من خطِّه، ونقَلَ ابن فَرتُونَ] عن بعضِ حَفَدةِ أبي عبد الله أنه أخبَرَه [أنّ الرَّمّامةَ: امرأةٌ نُسِب] إليها، والنفْسُ إلى قول ابن الياسَمين أميَل لنُبلِه (١) وحَذْقِه. رَوى أبو [عبد الله عن خالِه أبي] الحُسَين بن طاهر بن محشوّة (٢) بالجزائر، وصِهرِه أبي إسحاقَ (٣) بن حَمّاد [وأبي عبد] الله بن الطيِّبِ بن أبي الحَسَن الكَلْبيِّ، وأبي الفَضْل يوسُفَ بن محمد [ابن النَّحْويّ] ولازَمَه وتفقَّه عندَه وبه انتفَعَ وإيّاه اعتَمَد، وأبي محمدٍ عبد [الله المقري] (٤) -ولم يذكُرْ أنَّهم أجازوا له- وأبي بكرٍ ابن العَرَبي، وأبي حَفْص بن أحمد [التَّوزَريِّ] , وأبي الوليد بن رُشْدٍ الكبير -وشَكّ في إجازتهم له-. وأكثرَ عن أبي بحرٍ الأسَديِّ [وأجاز له]. وكتَبَ إليه مُجيزًا ولم يَلْقَهُ: أبو محمد بنُ عَتّاب، وأبو الوليد بنُ طَريف - وقد قال ابنُ الأبّار: إنه لقِيَهما- وأجاز له أبو الحَسَن عليُّ بن جعفرٍ السَّعديُّ ابنُ القَطّاع بإفادةِ أبي حفص ابن فُلفُل. رَوى عنه أبوا إسحاق: ابنا المحمّدَيْنِ: ابن عبد الله الفِهْرِيّ والأنصاريُّ أبو شامةَ، وآباءُ الحَسَن: ابن محمد بن خِيَار وابن عَتِيق بن مؤمن وابن موسى ابن النَّقِرات، وأبو ذَرّ الخُشَنيّ، وأبو الرّبيع بن مَهْدي السَّرَقُسْطيُّ، وأبو زكريّا بن عبد العزيز بن عَزّون، وأبو الطيِّب عَنْبرٌ مولى عبد الله بن مقر البادِسيُّ، وآباءُ عبد الله: ابنا الإبراهيمَيْنِ: ابن محمد أبو شامةَ -والدُ أبي إسحاق المذكورُ آنفًا- وابن البَقّار، وابن أبي درقةَ وابن قاسم بن عبد الرّحمن بن عبد الكريم، وأبو القاسم ابن بَقِيّ، وأبَوا محمد: سَالمُ بن محمد وابن محمد ابن الياسَمِين،وأبو يحيى أبو بكر ابنُ المَوّاق. وحدَّث عنه بالإجازة أبو الحَسَن بن المُفضَّل المَقدِسيُّ. وكان حافظًا للفقه نَظّارًا فيه بارعًا في معرفة أصُولِه ماهرًا في استنباطِ معانيه، شافعيَّ المذهب مُعَوِّلَا على "بسيط" الغَزّاليِّ واقفًا على عيونِه، مبرِّزًا في الكلام على [نُكَتِه] متقدِّمًا في الفَضْل والوَرَع والتواضُع والنّزاهة والوقار وحُسن الخُلُق وعُلُوِّ الهمة والانقطاع إلى العلم، وإيثار طلّابِه، وحثّهم على طلبِه. وشُهِرَ فضلُه فاستَخلصَهُ أميرُ المسلمينَ أبو الحَسَن عليُّ بن يوسُف بن تاشَفين، فكان من أخصِّ حاضِري مجلسِه لديه. ثم قَدَّمه للقضاءِ بفاسَ سنة ثلاث وثلاثين (١) وخمسِ مئة فتقَلّده، وسار فيه أحمدَ سيرة، واشتدَّت وَطْأتُه على المُفسِدينَ والذَّعَرة المُعتدين (٢)، وبرَّزَ في إظهار الحقِّ والعدل والإنصاف والتسوية بين الأقوياءِ والضُّعفاء والمشروفينَ والشُّرفاء، واستمرّ على ذلك من حالِه مدّة، ثم [أُخِّر عن القضاءِ لا لِزلّة] لحِقَتْه ولا لرِيبةٍ تعلَّقت به (٣)؛ وأقبَلَ على نشرِ العلم [والانتصابِ لإفادتِه] والجلوس للإقراء والإسماع، محتمِلًا مشَقّةَ التدريس [على كِبَرِ سنِّه] رغبةً في بثِّ العلم، وتحريضًا وإعانة لمُلتمِسيهِ. وكان [أكثرَ] أصنافِ الناس قاطبةً قضاءً للحوائج بارًّا بقاصِديه؛ وكانت الدِّرايةُ أغلبَ عليه من الرّواية؛ إذْ لم يتنبَّهْ لها إلّا في سِنِّ الكهولة؛ وقد أدرَكَ وعاصَرَ جملةً وافرةً من أكابرِ الشيوخ فلم يُعْنَ بالرّوايةِ عنهم لشَغَفِه بالعلوم النَّظرية وعَكَفَ على تحصيلِها حتى صار (٤) رأسًا فيها فكان لذلك قليلَ الرواية.وله مصنفاتٌ، منها: "تسهيلُ المَطْلب في تحصيل المذهب"، و"التفَصِّي عن فوائد التقَصِّي" (١)، و"التبيين في شَرْح التلقين" (٢)، ومختصَرٌ نبيلٌ في أصُولِ الفقه (٣). وُلد في رجبٍ أو شعبان -وهو كان الغالبَ على ظنِّه- سنةَ تسع وسبعينَ وأربع مئة. وقال أبو عبد الله ابنُ أبي درقةَ: إنّ مولدَه في رجبِ ثمانٍ وسبعينَ، وقال: هكذا أخبرَني عن مولدِه، وتوفِّي بفاسَ قبلَ الزَّوال أوَ عنده من يوم الاثنين لتسع بقِينَ من رجبِ سبع وستّينَ وخمس مئة، وصَلّى عليه القاضي بها حينَئذٍ أبو حَفْص بنُ عُمرَ بوصيّةٍ منه بذلك إليه، ودُفن بمقبُرة بابِ الجازيِّينَ (٤) , وكان الحفلُ في جنازتِه عظيمًا والثناءُ عليه جميلًا والأسَفُ لفَقْدِه كثيرًا طويلًا، رحمةُ الله عليه. ١٢٥ - محمدُ (٥) بن عليِّ بن الحَسَن بن عليّ التَميميُّ الغَوْثيُّ، قَيْرَوانيٌّ سَكَنَ صَقِلِّيَةَ، أبو بكر، ابنُ البَرّ وكان جَدُّ أَبيه هو المدعوَّ بالبَرّ. رَوى عن أبي سَعْد أحمدَ بن محمد بن أحمدَ بن عبد الله بن حَفْص بن خليل بن عبد الله بن إبراهيمَ المالِينيِّ، وأبي سَهْل محمد بن عليّ المَرْوَزيّ، وأبيعليّ صَالح بن إبراهيمَ بن رِشْدِين -لقِيَه بمِصرَ سنةَ ثلاثَ عشْرةَ وأربع مئة- وأبي عِمرانَ موسى بن عيسى بن أبي حاجّ الغَفْجوميِّ الفاسيّ، وأبي القاسم ابن سَيْف، وأبوَيْ محمد: إسماعيلَ بن محمد بن عَبْدُوس، وعبدِ الوهاب بن عليّ بن نَصْر بن أحمدَ بن الحَسَن بن هارونَ بن مالكِ بن طَوْق، وأبي يعقوبَ يوسُفَ بن يعقوبَ بن إسماعيلَ بن خُرَّزاذ النَّجِيرَميّ. رَوى عنه أبو بكرٍ محمدُ بن سابقٍ الصِّقِلِّي، وأبو الحَسَن عليُّ بن حَسَن بن مُهذَّب الرَّبَعي، وأبو الطيِّب عبدُ المُنعم بن مَنِّ الله ابن الكَمّاد، وأبو العَرَب الصِّقِلِّي، وآباءُ القاسم: زَيْدونٌ وعبدُ الرّحمن بن عُمرَ القَصْديريُّ وعليُّ بن جعفرٍ السَّعديُّ، وأبو محمدٍ عبد الله بن إبراهيمَ الصَّيْرَفيُّ. وكان متحقِّقا بعلوم [اللُّغة والأدبِ] جيِّدَ الخَطّ، محُكَم الضَّبط، مقيِّدًا مُفيدًا، أكثَرَ من ضمِّ [الأصُول وعُنِيَ] بالبحثِ عنها حتى جَمَعَ منها ما لم يجمَعْه غيرُه. وقَدِمَ الأندَلُسَ عامَ ستّينَ أو نحوَه، ووقَفْتُ على خطِّه بالرّواية عنه مؤرَّخًا بجُمادى الأولى سنةَ إحدى وستينَ وأربع مئة. قرأتُ على شيخِنا أبي الحَسَن الرّعَيْنيِّ، ﵀، ونقَلتُه من خطِّه: أنشَدَني ﵀ وكتبَه لي بخطِّه -يعني أَبا جعفر بنَ عبد المجيد ابن الجَيّار- قال: أنشَدَني ابنُ الفَخّار، قال: أنشَدَني ابنُ العَرَبيّ قال: أنشَدَني أبو بكرٍ محمدُ بن سابقٍ الصِّقِلِّيُّ قال: قال لي أبو بكرٍ ابنُ البَرّ: أتيتُ القاضيَ أَبا محمد عبدَ الوهّاب بنَ عليّ بن نَصْر بالمسجد الجامع بمِصرَ، فقلتُ له: يَا سيّدَنا الإِمام أَنْتَ القائل [من المتقارب]: تمَلَّكتَ يا مُهجتي مُهجتي ... وأسهَرْتَ يا ناظري ناظري وما كان ذا أمَلي يا ملولُ ... ولا خَطَرَ الهَجْرُ في خاطري فجُدْ بالوِصالِ فدَتْك النُّفوسُ ... فلستُ على الهجرِ بالقادرِ وفيك تعلّمتُ نَظْمَ الكلامِ ... فلقَّبَني النَّاسُ بالشاعرِ؟فقال: يَا أَبا بكر، دع ذا، فإنه كان في أيام الصِّبا. قال أبو عبد الله بنُ أبي الفَضْل عِيَاض -وقد أورَدَ هذه الحكايةَ عن ابن العَرَبي بسندِه-: هذه الحكايةُ نقلتُها من خطِّ المحدِّث أبي الوليد ابن الدَّبّاغ، والشّعرُ في كتاب "اليتيمة" للوَأْواء. قال شيخُنا أبو الحَسَن ﵀: الذي ثَبَتَ منه في "اليتيمة" منسوبًا لأبي الفَرَج محمد بن أحمدَ الغَسّانيِّ الدِّمشقيِّ الملقَّب بالوأواءِ بيتانِ وهما: "تمَلَّكتَ يَا مهجتي" البيتَ، "وفيك تعَلَّمتُ نظمَ الكلام" البيتَ، خاصّة. وقد حدَّث غيرُ واحد من المشيَخة بالحكاية عن القاضي أبي بكرٍ ابن العَرَبيّ حسبَما سَردتُها أولًا. انتهى المنقولُ من خطِّ أبي الحَسَن الرُّعَيْنيِّ ﵀. قال المصنِّفُ عَفَا اللهُ عنه: وقد ذَكَرَ هذه الحكايةَ أبو عبد الله ابنُ الأبّار فقال: وقرأتُ بخطِّ شيخِنا أبي عبد الله بن نُوح: أخبَر أبو بكرٍ ابنُ العَرَبيّ قال: أخبرنا محمدُ بن سابقٍ الصقِلِّيّ، قال: أخبرنا أبو بكرٍ ابن البَرّ، قال: قلتُ لعبد الوهّاب ابن عليّ بن نَصْر القاضي: أَنْتَ القائلُ: "تملّكتَ" الأبياتَ؟ فخَجِلَ وقال: دَعْ هذا يَا أَبا بكر، فإنّها أخبارُ الصِّبا. قال ابنُ الأبّار: وقد أجازَ لي ما رواه ابنُ العَرَبيّ وألّفَه القاضيانِ أبو بكرٍ ابنُ أبي جَمْرةَ وأبو الخَطّاب بن واجِب [عنه، وَيروي ابنُ أبي جَمْرةَ] منهما عن أبي القاسم ابن وَرْد، عن محمد بن سابق الصِّقِلِّيِّ جميع ما ألَّفه ورَواهُ. قال ابنُ الأبّار: وحدّثني الخطيبُ أبو محمدٍ عبد الله بن عبد الرّحمن الأَزْديُّ، والفقيهُ أبو العبّاس أحمدُ بن مُعاويةَ السُّلَميُّ بتونُسَ، وأنشَداني، قالا: حدّثنا القاضي أبو محمد بنُ حَوْطِ الله وأنشَدَنا، قال: حدّثنا أبو عبد الله محمدُ بن إبراهيمَ بن خَلَف بن أحمد -هو ابن الفَخّار- وأنشَدَنا، قال: حدّثنا أبو بكر محمدُ بن عبد الله ابن العَرَبيّ، وأنشَدَنا، قال: أنشَدَنا [أبو بكر ابنُ البَرّ، قال: أنشَدَنا] (١)أبو بكر الجَزِيريُّ، وأخبَرنا، قال: أتيْتُ القاضيَ أَبا محمد عبدَ الوهّاب في المسجد الجامع بمِصرَ، فقلتُ له: يَا سيّدَنا الإِمام، أَنْتَ القائلُ؟ وذَكَرَ الأبياتَ إلى آخِرِها، فقال ﵁: يَا أَبا بكر، دع هذا، فإنهُ كان في أيام الصِّبا. قال ابنُ الأبّار: كذا سمِعتُ بلفظِ هذَيْنِ الشَّيخَيْنِ هذه الحكاية، وعلى ما في هذا الإسناد من رواية ابن العَرَبيّ عن ابن البَرّ كتبتُها عنهما، وهو غَلَطٌ لا شكَّ فيه؛ لأنه لم يلقَهُ ولا سَمِعَ منه، قال ابنُ الأبّار: وعندي أنّ أَبا بكر الجَزِيريَّ هو: محمدُ بن سابِق الصِّقِلِّي، نُسِب إلى جزيرة صَقِلّيةَ ويُكنَى أَبا بكر، ولا روايةَ له عن عبد الوهّاب، وهو مذكورٌ في "الصِّلة" (١)، فأخَّره وقَدَّم ابنَ البَرّ مَن لا يَعرِفُ زمانَهما ولا تَهدَّى إلى الفرقِ بينَهما, ولعلّ ذلك من قِبَل ابن الفَخّار وغفَلَ عنه ابنُ حَوْطِ الله. قال ابنُ الأبار: وقد وجدتُ بعضَ أصحابِنا يَروي الأبياتَ عن أبي جعفر بن عبد المجيد الحَجريِّ المالَقيّ، قال: أنشَدَني الحافظُ أبو عبد الله بنُ إبراهيمَ ابن الفَخّار قال: أنشَدَنا ابنُ العَرَبيّ قال: أنشَدَنا أبو بكرِ الجَزِيريُّ قال: أنشَدَني أبو بكر ابنُ البَرّ. وذكَرَ الأبياتَ ورواها كما أورَدَها ابنُ نُوح على الصواب. قال المصنّفُ عَفَا اللهُ عنه: جعْلُ ابنِ الأبّارِ الوَهَمَ في قلبِ هذا الإسناد من قِبَل [ابن] الفَخّار لا وَجْهَ له عندي. فقد رواهُ عنه على الصّواب أبو جعفر بنُ عبد المجيد كما نابه أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ، ووجَدَه ابنُ الأبار من رواية بعض أصحابِه عنه حسبَما ذَكَرَ ذلك كلَّه، وَيبعُدُ أَيضًا توارُدُ الخطيبِ أبي محمد بن بُرطُلة والفقيهِ أبي العبّاس بن معاويةَ على هذا الوَهَم فالحَمْلُ فيه عندي بمقتضَى هذا الإيراد على أبي محمد بن حَوْطِ الله، واللهُ أعلم. قال المصنفُ عَفَا اللهُ عنه: هذا الذي حَدَسْتُه أولًا على أبي محمد بن حَوْطِ الله قد وقَفْتُ عليه ثانيًا، فكذلك ثَبَتَ في مُسلسَلاتِه بخطِّه، [وقد وقَفَ على هذا] الخطِّ أبو محمدٍ ابنُ بُرطُلة كما وقَفْتُ عليه بخطِّه أَيضًا [....] والحمدُ لله، وما هي بأوّلِنِعَمِ الله عليّ، أوزَعَنا اللهُ شُكرَ نِعَمِه، ووقَفْتُ في بعض مُعلَّقاتي على بيتٍ قبلَ: "وفيكَ تعَلَّمتُ، وهو [من المتقارب]: [نثَرتُ الدُّموعَ] نظَمْتُ الكلامَ ... فسُمِّيتُ بالناظم الناثرِ (١) واعلَمْ وراءَ ذلك، أنّ هنالك في طبقةِ شيوخ ابن العَرَبي أَبا بكرِ وأبا عبدِ الله محمدَ بنَ عبد الله ابن البَرّ (٢) الجَزِيريَّ -الجزيرةَ الخَضْراء- شيخٌ مُسِنٌّ يَروي عن أبي بكرِ ابن [المَرْشانيّ]. رَوى عنه أبو الفَضْل عِيَاضٌ، فقد يُوهِمُ أنه الواقعُ في هذا الإسناد برواية ابن البَرّ عنه وليس به. ١٢٦ - محمدُ (٣) بن عليِّ بن عبد الكريم الفَنْدَلاويُّ -بفتح الفاءِ وسُكون النّون وفَتْح الدال الغُفْل ولام أَلْفٍ وواوٍ منسُوبًا- فاسيٌّ، أبو عبد الله، ابنُ الكَتّانيِّ، بفَتْح الكاف وتشديدِ التاء وألفٍ ونون منسوبًا. أخَذَ عن أبي عَمْرٍو عثمانَ بن عبد الله السّلالقيِّ (٤). رَوى عنه أبو الحَجّاجالمُكَلاتيَّ (١)، وآباءُ الحَسَن: الحَضْرميّ، والشارِّيَّ (٢)، وابنُ القطَّان، وآباءُ العبّاس: ابنُ عبد المؤمن، وبنو المحمّدِينَ: الأَزْديُّ والبَكْريُّ والشَّرِيشيُّ والعَزَفيُّ وابنُ تامتيت، وأبو عليّ عُمرُ بن عبد المجيد الرُّنْديُّ، وأبو محمدٍ الناميسيّ (٣). وكان متحقِّقًا بعلم الكلام، متقدِّمًا في معرفةِ أصُول الفقه، ذا حظٍّ صالح من علوم اللّسان وقَرْض الشّعر. وله رَجَزٌ مشطورٌ مزدوَج في أصُول الفقه مُستنبَل (٤). وكان زاهدًا وَرِعًا فاضلًا منقبِضًا عن الملوكِ وأبناءِ الدّنيا منقطعًا إلى العبادةِ والاجتهاد في الأعمال الصّالحة والانتصابِ لإفادةِ العلم والتدريس. واكتفَى في معيشتِه بالقليل، وقد عُرِضت عليه الدّنيا غيرَ مرّة فما أجابَ إلى شيءٍ منها ولا غَرّتْه. وكان المنصُورُ من بني عبد المؤمن قد رَغِبَ في أن يكونَ من طلَبةِ مجلسِه، فما قَدَرَ عليه البتّةَ.حدّثني الشّيخُ أبو الحَسَن الرُّعَيْنيُّ ﵀ قراءةً عليه، قال: حَدَّثَنَا الشّيخُ السُّنيُّ أبو العبّاس العَزَفيُّ إجازةً إن لم يكنْ سَماعًا، قال: حدّثني الشّيخُ الأجَلّ أبو العبّاس أحمدُ بن عليّ القَنْطَريُّ أحدُ شهودِ بلدِنا، عن القاضي أبي الحَسَن ابن قاضي الجماعةِ أبي موسى عيسى بن عِمران، أنه قال له بإشبيلِيَةَ: سألَ اليومَ سيّدُنا أميرُ المؤمنينَ المنصُورُ أَيَّده اللهُ ونَصَرَه عن الفقيه [أبي عبد الله ابن الكَتّانيّ] سؤالَ مَن يَستدعيه وَشيكًا، وأظُنُّه قد وَجَّه عنه. ثم [بَلَغَني من غير واحد من أهل التاريخ و] معرفتِه أنّ مشيَخةَ أهل فاسَ تلقَّوْهُ عندَ قفولِه إلى العُدْوة بمقرُبةٍ من شَرِيش ... فسَلَّموا عليه، فقال لهم: أفيكم ابنُ الكَتّانيّ؟ فقالوا له: لا، ثم أجاز البحرَ، وأمَرَ على أهل فاسَ بالتقَدُّم وعَرَّفَهم أنه يَستقبِلُ بلادَهم، ثم تلقَّوْه إلى وادي [سبو] (١) فسَلَّموا عليه، فقال لهم: أفيكم أبو عبد الله الكَتّانيّ؟ قالوا له: لا، ثم تَلقّاه قليلٌ منهم [بالقُرب من فاسَ يتَقدَّمُهم] جماعتُهم فيهم أبو الحَسَن بنُ خِيَرةَ (٢)، فقال لهم مثلَ ذلك، فقالوا له: لا، ثم دَخَلَ فاسَ، كلأها اللهُ، وهو بها، فسألَ عنه فعَرَفَ أنه شاكٍ، فوَجّه إليه أطبّاءه ليَنظُروا في علاجِه، ثم رَحَلَ عن فاسَ ولم يلقَهُ. توفّي بفاسَ ضُحى يوم الجُمُعة لأربعَ عشْرةَ ليلةً خَلَتْ من ذي الحجة سنةَ سبع وتسعينَ (٣) وخمس مئة. وصَلّى عليه أبو يحيى أبو بكر (٤) بنُ خَلَف ابن المواق.١٢٧ - محمدُ (١) بن عليٍّ ابن العابد، فاسيٌّ، أبو عبد الله، ابنُ العابد. قَدِمَ الأندَلُسَ في حدود الثلاثينَ وست مئة، وارتَسمَ بالكتابة عن الأمر أبي عبد الله بن يوسُف بن نَصْر ابن الأحمر. وكان كاتبًا مُحسِنًا، شاعرًا مطبوعًا، تلبَّس حينًا بعَقْد الشّروط والكَتْبِ عن قاضي الجماعة أبي الحَسَن بن محمد بن أبي عشَرةَ الفاسيِّ (٢) بمَرّاكُش، وإيّاه فاتَحَ أبو عبد الله ابنُ الجَنّان بالرّسالة العَيْنيّة حسْبَما مَرّ ذكْرُ ذلك في رَسْمِه (٣). قال أبو القاسم عبد الكريم بن عِمران: كتبتُ إليه أستَقرِضُه بعضَ قريضِه بعدَ أن شافهْتُه بذلك ووعَدَ به فمَطَلَ [من الطويل]: إذا الشّعرُ وافَى في شعار ابن عابدٍ ... تقاصَرَ فيه الوَصْفُ عن حُسن موصُوفِ سَبَى مُهَجَ الرائينَ لألاءُ لؤلؤٍ ... له فوقَ أجيادِ الإجادةِ مرصُوفِ ورَقّ نسيمًا فانتَشِق لهبوبِهِ ... شَذا وَرَقٍ من جنّة الخُلدِ مخصوفِ يُولّدُ في أهل الوقارِ سَماعُهُ ... خفوفَ اهتزازٍ مثلَ ما شطح الصُّوفي لئن زان تأليفي ببعضِ قريضِهِ (٤) ... لقد تُجتَلَى الحسناءُ في خَشِن الصُّوفِ أيُّها الشاعرُ المُفلِق، قولةَ مُنصِف لا متملِّق، بَقِيتَ وللعُصُر بك اختيال، ولزَهْر الآدابِ من خمائل شمائلِك انثيال، ومهما ذكرَ القريض، بتصريحٍ أو بتعريض، فالناسُ فيه على براعتِك عِيال، اقتضَى الودُّ الذي لم نزَلْ نتعاطاه تعاطيَ الجِريال، والاعتدادُ [بالأُخوّةِ التي لم نفتَأْ] نجُرُّ في مجَرّة برودِها سابغةَ الأذيال، أن أهُزَّعِطفَ انطباعِكمُ [المختال، وأستمِدَّ] عُنصرَ طِباعِكم السَّيّال، وأتقاضَى منكم دَيْنًا ما أحملُ اللومَ [فيه إلا على] صَرْفِ اللّيال، فبعثتُ بهذه الرُّقعة على ما تَرَوْنَ بها من جَدْبِ [أديمِها، فليس لمُنتجع] في مُصُوح هشيمِها مراد، ولا لمتطلِّع في تصفُّح مرسُومِها [مُستفاد، ....] بخواطِوها شوقًا لمَواطِوِها رَقَصَ الآل، تشيرُ بمعطَّل جِيدِها، [إلى ناظم] قلائدِ النَظم ومُجيدِها، إشارةَ من راقَها لديه لألاءُ اللآل، فكيف بها إذا [قَرَعت] ففُتِح لها الباب، وكرَعَت في فمِ ذلك العُبَاب، واشتَمَلت من مَصُونِ ذخائرِه [على] اللُّباب، فهنالك تَبرُدُ الأُوام، وتَندَى بفُرادى من فرائدِ البديع وتُوام، ولا تزالُ تمرِّحُ بالثناءِ عليكم مترنِّمة، كورقاءَ في فروع الأيكِ مُهَيْنِمة، وفي دَوْحِ سرَاوتكم إن شاء اللهُ تجدُ الظّلال، وترِدُ الزُّلال، وتحُلُّ حيث حَلَّ من وَسْنى المُقَل الخَيال، فتصَدَّقْ عليها وأوفِ المِكيَال، واللهُ يُهنيكم ما مَنَحَكم من محاسنَ رائقةٍ وخِلال، ويُقِيدُ في آياتِ السحر الحلال، وسلامُ الله عليكم ما انحسَرَ قناعُ الغَيْم عن جَبينِ هلال، ولبَّى المُحرِمونَ بإهلال، ورحمةُ الله وبركاتُه. فأجابَه أبو عبد الله ابنُ العابِد بهذه الرّسالة [من الطويل]: إذا قيلَ: مَن ربُّ القَريضِ الذي لهُ ... يَدينُ؟ فقُلْ: عبدُ الكريم ابنُ عِمرانِ حَبَاني برَوْض من نتيجةِ فكرِهِ ... يَرُوقُ به للنظم والنثر زهرانِ ونزَّهَني في خطِّه وبيانِهِ ... فمن سامعٍ مُصْغ إليه ومن رانِ كسَاني به فخرًا تهنَّأتُ لُبْسَهُ ... ومن لُبْس أثوابِ الإجادة أعراني أيُّها البحرُ الوَهُوب لفُرادى الجواهرِ والتَّوام، والحَبْرُ اللَّعوب بأطوافِ الكلام، وُقيتَ عينَ الكمال، وبَقِيتَ محروسَ الجمال، تتأنقُ لمن بارالك في ارتيادِ البراعة، وتسبِقُ مَن جاراك بجيادِ اليَراعة، وتتبختَرُ من ملابِس السعادة في مُوَشَّى برودِها، وتظفَرُ من أوانِس الآمالِ المنقادةِ بشهيِّ برودِها، وَصَلتْني رُقعتُك التيجَلَوْتَ في أسطارِها الكواعبَ، وعَلَوْتَ بإظهارِها الكواكبَ، وأظهَرْتَ في نَظْمِها ونثرِها السحرَ لمُرتادِه، وذكَرْتَ بمُستافِ عنبرِها الشّحَر (١) على نأْي بلادِه، فقلت: هذه غايةٌ لا أبلُغُ مَداها، وآية يتحدّى بها من أهداها، فتوقّفتُ عن الإجابة توقُّفَ الحَسِير، وانصَرفتُ إلى الإذعانِ [انصرافَ؟] الأسير، وأنشَدتُ الخاطرَ وأرجاؤه داجية: أبعدَ حَوْل [تُناجي الشوقَ ناجِية] (٢) فأبَى لاغترارِه إلا أن يُسجِلَ عُبَابَك بهذه الصَّبابة، ويُعاجِلَ [جنابَك بما لم] يُرزَقْ سواه من عَدَم الإصابة، ومَجْدُك يُسبلُ على هذه الهَنَات [أذيالَ تجاوزِه، إذ لا] يَعدِلُ مَن قابَلِ تلك الحُلَل المُسهَمات بأسمالِ معاوزِه (٣)، واللهُ يُبقيكم [للمفاخِر] تنظِمون عقودَها، والمآثر تَحبُرونَ بُرودَها، والسلامُ عليكم ما اعتَدلتْ أنابيب، وانْسَدَلت من الظلام جَلابيب، وهطَلَت من سماءِ بلاغتِكم شَآبيب، ورحمةُ الله تعالى وبَرَكاتُه. قال المصنّفُ عَفَا اللهُ عنه: نقَلتُ هاتَيْنِ الرِّسالتَيْن من خطّ أبي القاسم بن عِمران، وأصحَبَ أبو عبد الله ابنُ عابدٍ جوابَه نُبذةً من نَظْمِه، منها، ونقَلتُها من خطِّه في أخوَيْن: وَسيم وأحدب [من الكامل]: في ابنَيْ محمدٍ ان نظرتَ عجائبٌ ... أخَوانِ ظَبْيٌ أحورٌ وحُوارُ (٤) فمن الجَمال بوجهِ ذاك مآثرٌ ... ومن الجِمالِ بظهرِ ذا آثارُومنها، ونقَلتُه من خطِّه في وَسِيم متغيِّر الثَّنِيّة له خالٌ بشارِبه [من المنسرح]: وشادنٍ في القلوبِ مرتَعُهُ ... مُرَهَّفُ القَدِّ أهيَفُ الخَصْرِ نشوانُ مَن [ذاق] خمرِ مُقلتِهِ ... فما تُفيقُ أعطافُه من السُّكرِ رماهُ قومٌ بالنَّقْص حينَ غَدا ... يُزري جَمالًا على سَنا البدرِ قالوا: سوادٌ بدا بمبسِمِهِ ... وما عَهِدنا السوادَ في الدرِّ فقلتُ: ما ذلكُم بعائبِهِ ... كفُّوا، فعندي حقيقةُ العُذرِ حبّةُ قلبي رأت مُقبَّلَهُ ... فأفلتَتْ من جوانح الصّدرِ وارتشَفتْ خمرَ ريقِهِ فسَرى ... سوادُها عند ذاك في الثّغرِ ثم ثَوَتْ فوقَهُ مُخبِّرةً ... مَن عابَهُ كُنْهَ ذلك الأمرِ ومنها ارتجالًا في شاربٍ رَعِف، ونقلتُه أيضًا من خطِّه [من الكامل]: ومُهفهَفٍ للبدرِ حُسنُ جبينِهِ ... وليانع الأغصانِ مائسُ عِطفِهِ لمّا أراق دمي ولاحَ بخدِّهِ ... أجراه قَصْدُ إهانتي من أنفِهِ ومنها، ونَقلتُه من خطّه أيضًا وفيه وَصْفُ حَمّام [من السريع]: [و .........] ... في ليلةٍ من غُرَر الدهرِ [مطَرُها أشبَهَ ذا] لوعةٍ ... أدمعُهُ خوفَ النوى تجري [والبرقُ] حَكَى لمعَهُ في الدُّجى ... زَنْجيّةٌ تبسِمُ عن ثغرِ [.............] البيتَ حتى أتى ... بأربع في صُوَر البدرِ (١) [وجاء] بابن النحل (٢) في زُبدةٍ ... مثلَ عنبرٍ شِيَب بالدُّرِّ[...] هاتِ الباقّلاءَ التي ... بدَتْ لنا في حُلل خُضْرِ زَبَرْجَدٌ ضُمَّ على لؤلؤٍ ... صاغَهما مُنسكبُ القطرِ فاجتَمَعتْ أطعِمةً حقُّ مَن ... أُعطِيَها الإقرارُ بالشكرِ فلم نزَلْ نجهَدُ في ضرِّها ... حتى أراحتنا من الضُّرِّ وحينَ ضَمَّ اللّيلُ أذيالَهُ ... وانتَشَرتْ ألوِيةُ الفجرِ قُمنا لبيتٍ حرجٍ مُظلمٍ ... قُسِّم بين البردِ والحَرِّ تخالُ مَن ضمَّتْهُ أحشاؤه ... كأنما أُدرج في قبرِ تلوحُ في أقبائه أنجُمٌ ... نقيضةٌ للأنجُم الزُّهرِ تبدو نهارًا فإذا ما بدا ... جُنحُ الدُّجى غارت ولم تَسْرِ يا طيبَهُ ليلًا ويا حُسنَهُ ... صُبحًا، لقد حاز سنى العُمرِ وقد مَرّ له ذكْرٌ في رَسْم أبي جعفر بن طلحةَ الشُّقْريّ (١). ١٢٨ - محمدُ بن عليِّ بن محمد بن عبد الرحيم (٢) بن هشام الأَنْصاريُّ الأوْسيُّ، مَرّاكشيٌّ، نشَأ بسَلَا، قُرطُبيُّ أصلِ السَّلف، أبو عبد الله، ابنُ هشام (٣). رَوى بسَلا عن أَبيه (٤)، ومؤدِّبِه أبي عليّ عُمرَ بن موسى بن الحَسَن بن عليّ بن مُكابِر بن بلولٍ الصُّنْهاجيّ الفشْتاليّ (٥) من بني بلول، ثم مِن بني عَطّاف، وبه انتفَعَ في العربيّة والطريقةِ الأدبيّة؛ والزاهدِ الفاضل أبي إسحاقَ بن أحمدَالقَلَبَّق (١)، وأبي جعفر ابن فَرْقَد (٢)، وأبي عبد الله ابن حَمّاد (٣)، وروى [بفاسَ] عن جماعة منهم: أبو عبد الله ابنُ عبو (٤). وشَرَّق مرّتَيْن حَجَّ فيهما، فَصَلَ في أُولاهما من سَلا سنةَ ثمانِ عشْرةَ وست مئة، وجال في بلادِ المشرق والشَّام والعراق، ودَخَلَ بغدادَ وتَكْريتَ والمَوْصِل ومِصرَ والإسكندَريّة، ورَوى عن طائفةٍ كثيرة من بقايا الشيوخ سَماعًا وقراءةً، وأجاز له منهم جَمْع لا يُحصَوْنَ كثرةً، فمن شيوخِه ببغدادَ: أبو إسحاق إبراهيمُ بن عبد الرّحمن بن أبي [ياسر] (٥) القَطِيعيُّ الخَيّاط، وأبو بكرٍ محمدُ بن أبي بكر بن عبد الله .... ، وأبو حَفْص عُمرُ بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن [سعد السُّهْرَوَردي] (٦)، وأبو سَعْد (٧) ثابتُ بن مُشرَّف بن أبي سَعْد بن إبراهيمَ الأزَجيُّ البناء (٨)، وموفَّقُ الدِّين أبو عبد الله بن عبد اللّطيف (٩)ابن يوسُف بن محمد بن عليّ [البغدادي] , ومحمد (١) بن أحمدَ بن صَالح بن شافِع الجِيليُّ، وبتكريتَ: أبو المعالي محمدُ بن نَصْر بن محمد بن المبارَك ابن البَرْدَغُوليِّ ابنُ الطاهِريّ (٢)، وبحَماةَ: أبو القاسم عبد الله [الحُسين] (٣) بن عبد الله بن رَواحةَ الحَمَويُّ، وبدمشقَ: خطيبُها جَمالُ الدِّين أبو عبد الله بنُ أحمدَ بن محمد بن قُدامةَ المَقْدِسيُّ، وشمسُ الدّين أبو نَصْر محمدُ بن هبة الله بن مَمِيل (٤) الشِّيرازيُّ، والقاضي أبو [....] (٥) الشَّهْرَزُوريُّ وغيرُهم، بإفادةِ صاحبِه أبي عبد الله بن يوسُف البِرْزاليِّ الإشبيلي (٦) مُستوطِنِ دمشقَ. وقَفَلَ من وِجهتِه هذه سنةَ ثِنتينِ وعشرينَ وست مئة، واستَوطنَ مَرّاكُشَ وقتًا. ثم رَحَلَ إلى الأندَلُس وسَكَنَ إشبيلِيَةَ مدّة وشَرِيشَ أُخرى، ومنها فَصَلَ لرحلتِه الثَّانية سنةَ ثمانٍ وأربعينَ، وكان محرِّكُه إليها وباعثُه عليها ما حدَّثني به ونقَلتُه من خطِّه، قال: وذلك رؤيا رأيتُها في المنام لم تكنْ من أضغاثِ الأحلام؛ رأيتُ في العشْر الأواخِر من رمضانَ سيّدَ البشَر الشفيعَ المشفَّع في المَحْشَر،جالسًا على سرير، تُبرِقُ من وجهِه الأسارير، فبادرتُ إليه مُسرعًا، ووقَفْتُ بين يَدَيْه متخضّعًا، وقلتُ له بعدَ أن سلّمتُ عليه، وقُمتُ مقام المستكينِ بين يدَيْه: يَا رسُولَ الله، ما أعظمَ عندَ الله تعالى مَن سَلّم عليك، وقبَّل ثَرى نَعْلَيْك! فقال لي ﵊ مجُيبًا، بعدَ أن رَحَّب ترحيبًا: إنّي أُحبُّك، إنّي أُحبُّك، [إنّي أُحبُّك] , ثلاثًا يُعدِّدُها، وُيكرّرُ الكلماتِ وُيردِّدُها، ثم قال لي في الآخِر: ومن أحبَّ شيئًا أكثرَ من ذكْرِه، فاستيقَظْتُ من منامي، وقمتُ على أقدامي، والعزائمُ منّي مشحوذة، وعِلَقُ تعلُّقي بحبالِ هذه الفانية بمُدى اليأسِ مقطوعةٌ مجذوذة، وخرَجْتُ لا أَلْوي على مُتعذِّر، خروجَ المجدِّ إلى لقاءِ المحبوبِ المشمِّر، فسِرتُ على عَوْنِ الله متورِّكًا، وبرؤيتي هذه المنامةَ متبرِّكًا، وبعُرَى وُدِّي الصّحيح، وحبِّي الصّريح متمسكًا (١). ولم يُعْنَ في هذه الرحلة بالأخْذِ عن أحد، [ورَوى] عن الخطيبِ بباعوثا: من أرضِ عجلونَ من بلادِ الشَّام [أبي عليّ] بن عُمرَ الأنصاريِّ ابن الأنْدَلُسيّ (٢)، وببُونةَ عن أبي القاسم محمد [....] محمد ابن مُحرِز التَّميميّ التونُسيِّ من ذريّة الفاضل، الشهيرِ الكرامات ... [عرفتُه] بمَرّاكُش، وصحِبتُه كثيرًا وأخَذْتُ عنه معظمَ ما كان عندَه. وكان [....] من أهل الصِّدقِ والعدالة، سُنّيًّا فاضلًا مُنحِيًا على أهل البِدع [....] بارعَ الخَطّ، سريعَ البديهة في النَّظم، مُكثرًا منه محُسِنًا في بعضِه، حافظًا للقرآنِ العظيم، مُثابِرًا على تلاوته، طيِّبَ النفْس كريمَ الأخلاق جميلَ الدُّعابة مُمتِع المجالسة.وُلد بمَرّاكُشَ سنةَ خمس وتسعينَ وخمسِ مئة، وتوفِّي بها نصفَ ليلة الخميس الحادلة والعشرينَ من ذي قَعْدةِ أحدٍ وسبعينَ وستّ مئة، ودُفنَ إثْرَ صلاةِ العَصْر من يوم الخميس المذكور بجَبّانة أسر غسن بمقرُبة من جامع عليّ بن يوسُف، عَمَرَه اللهُ بدوام الذِّكْر فيه، وشَهِدَ جَنازتَه خَلْقٌ كثير، وأثنَوْا عليه صالحًا، وكان أهلًا لذلك. ١٢٩ - محمدُ (١) بن عليّ بن مَرْوانَ بن جَبَل الهَمْدانيُّ، وَهْرانيٌّ نشَأَ بتِلِمْسينَ شَلَوبينيُّ الأصل، أبو عبد الله، ابن مَرْوان. رَوى عن أبي موسى عيسى بن عِمران. رَوى عنه أبو جعفر بن ثُعْبان. وكان فقيهًا مُستبحرًا في حفظِ المسائل ماهرًا في النّظر بارعَ الخَطّ سَرِيَّ الهمّة. استُقضيَ بتلمسينَ وقتًا، ثم قَدَّمه المنصورُ، من بني عبد المؤمن، في حركتِه المَشْرقيّةِ الثَّانية -وهي حركةُ قَفْصة (٢) - إلى قضاءِ الجماعة بعدَ صَرْف أبي جعفر ابن مَضَاء عن الخُطّة حسبَما ذُكِر في رَسْم أبي جعفر (٣)، فتقَلَّده محمودَ السيرة متعرَّفَ العدل والنزاهة والتُّؤَدة، يُذكَرُ أنه لم يجلدْ أحدًا طولَ أيام استقضائه بسَوْط، وكان، على ما ذُكِر من مشكورِ أحوالِه، كثيرَ المَيْل إلى ... وكان المنصُورُ معجَبًا به [متحفِّيّا] (٤) بشَخْصِه، حَظِيَ لديه كثيرًا فكان لا يَدخُلُ عليه أوجَهُ عندَه ولا أخفُّ على قلبِه منه (٥)، معَ علمِه بما كان عليه منالانهماكِ في التّصابي، قرأتُ بخطِّ التاريخيِّ العدل أبي العبّاس بن عليّ بن هارونَ (١)، قال: حدّثني أبو القاسم ابنُ بَقِي (٢) ﵀، قال: قال لي المنصورُ يومًا: صَحَّ عندي أنّ ابنَ مروانَ شرِبَ البارحةَ معَ نُدَمائه في المَحَجّة على الساقيةِ التي بمقرُبْة من دارِه، وذكَرَ لي أنّ خَوابيَ الشّراب في دارِه، فاذهَبْ إليها وانظُرْ ما فيها، فرغِبتُ إليه أن يُعفيَني من ذلك، فتغافَلَ عنه، وهَمّ حينَئذٍ بإقامة الحدّ عليه، وأجرى ذلك [في مجلسِه، وكان حاضرًا فيه أبو عبد الله] بنُ إبراهيمَ الأصوليُّ (٣)، وكان بينَه وبينَ ابن مَرْوان من [التدابُر ما] يكونُ بين متنافرَيْنِ، فقال له: يَا سيّدَنا لا تفعلوا، والأوْلى [أن تلتمسَ شُبهةً يُدرَأُ] بها عنه الحَدّ، ثم [لا] تَشيعُ هذه الأُحدوثةُ حتى تبلُغَ صاحبَ بغداد [ويقال: إنّ المنتسبَ] إلى أشرفِ خُطط الشريعة شاربُ خمر! فكَفّ المنصورُ عنه عندَ ذلك (٤)،[وبَلَغَ ابنَ مَرْوانَ] ما جَرى في المجلس، وما كان منَ ابن إبراهيمَ في شأنِه، فلِقيَه وأخَذَ في شكرِه [والثناءِ عليه] والاعتذارِ له ممّا سَلَف، فقال له ابنُ إبراهيم: خَلِّ عن هذا، فالذي بينَنا على [ما كان عليه، وإنّما فعلتُ ما فعلتُه] إبقاءً على الصِّنف وصَوْنًا له ورَعْيًا لحقّه وسترًا عليه. ثم إنّ المنصورَ نكَبَه بعدُ؛ لأنه كان يؤكِّدُ عليه أبدًا في الوُصاةِ بتفقُّدِ السّجون والنظرِ لمن فيها من المسجونينَ وتعاهُدِهم بما يُخرجُه لهم من الصَّدَقات، فكان كلّما سأله عن شيءٍ من ذلك أجابَه بأنه شديدُ العنايةِ به كثيرُ التهمُّم بأحوالِهم؛ فلمّا كان في بعض الأسحار سَمِعَ ضَجّةً عظيمة، فسأل عنها، فأُخبِر أنه صياحُ المسجونينَ واستغاثتُهم، فأرسَلَ من وَبثِقَ به في التطلُّع على أحوالِهم، فلمّا دخَلَ عليهم وسألهَم عن حالِهم أخبَروه بأنّهم في جَهْدٍ شديد، وأنّهم قد هَلَكوا جُوعًا وبردًا، ورغِبوا إليه في إيصال رَغَباتِهم إلى المنصُور وتطارُحِهم عليه في المُنّة عليهم بقتلِهم ليستريحوا من عظيم ما هم فيه من سُوءِ الحال وشدّة النَّكال، فأوصَلَ شِكايتَهم إلى المنصُور، فعَظُمَ ذلك عليه وأمر لهم بما يُصلحُ أحوالَهم (١)، وأمَرَ بسِجن القاضي في منزلِه فأقام به مسخوطًا عليه شهرًا أو نحوَه، ثم عَطَفَ عليه وأعاده إلى موضعِه من مجلسِه وصَرَفَه عن القضاء، وذلك بإشبيلِيَةَ سنةَ ثِنتَيْنِ وتسعينَ وخمسِ مئة. وقَدّم لخُطّةِ القضاء أَبا القاسم بن بَقِيّ، فبقِيَ قاضيًا إلى أن توفِّي المنصور، وكان من عهدِه لابنِه الناصِر إقرارُ ابن بَقيّ على القضاء طولَ حياتِه، فخالَفَ الناصِرُ في ذلك عهدَ أَبيه، فحين صارَ إليه الأمرُ صَرَفَ ابنَ بقِيّ في جُمادى الأولى سنةَ ستٍّ وتسعينَ، وأعاد إلى القضاء حينَئذٍ ابنَ مروان، فاشتدَّ إنكارُ ذلك على الناصِر، واستمرّ ابنُ مروانَ ناهضًا بأعباءِ الخُطّة، شديدَ الهَيْبة بصيرًا بالأحكام شديدَ النظرِ في الفَصْل بين الخُصوم إلى أنْ توفِّي ليلةَ الأحد تاسعةِ [جُمادى الأولى من سنة إحدى] وست مئة،ودُفن عصرَ يوم الاثنين، وصَلّى عليه [الخليفةُ الناصر، وكان الحَفْلُ في] جَنازِته عظيمًا (١). ١٣٠ - محمدُ (٢) بن عليّ بن يَخلُف بن يوسُف بن حَسُّون، [من جزائرِ بني مزغنا] (٣) أبو عبد الله. رَوى بِبجَايةَ عن أبي زكريّا يحيى بن ياسين [ابن اللُّؤلؤ، وأبي] محمد عبد الحقِّ ابن الخَرّاط. ودَخَلَ الأندَلُسَ طالبًا العلمَ فأخَذَ بإشبيلِيَةَ [عن أبي إسحاقَ] بن مُلْكون، وأبي بكر بن عيسى البَطَلْيَوْسي، وأبي محمد بن مَوْجُوال [البَلَنْسيِّ] , وأبي زَيْد السُّهَيْليِّ، وفي شيوخِه كثرة. وتوفِّي ببلدِه في الآخِر من صفرٍ [سنةَ ستٍّ] وست مئة. ١٣١ - محمدُ (٤) بن عُمرَ بن نَصْر الفَنْزاريُّ (٥)، سَلَاويٌّ، أبو عبد الله.قَدِمَ الأندَلُسَ، [وشرَّقَ] وحَجّ، ورَوى عن أبي الحَسَن ابن المُفَضَّل (١) المَقْدِسيّ، وأبي الطاهرِ الخُشوعيِّ، وأبي محمدٍ القاسم بن عليّ بن عساكر. رَوى عنه أبو الحُسَين عُبَيدُ الله بن عاصم الدائريُّ (٢) سنةَ ثلاثينَ وست مئة.