الزبيدي، أبو بكر - طبقات النحويين واللغويين
full-text— · 2 entries
- legacy full passagepage 211, entry [213]1,987 chars
١٧٣ - أبو محمد المكفوف هو عبد الله بن محمود المكفوف النحوي. كان من أعلم خَلْق الله بالعربية والغريب والشعر وتفسير المشروحات وأيام العرب وأخبارها ووقائعها، وأدرك المهريَّ وأخذ عنه، ثم صحب من بعده حمدونًا المعروف بالنَّعجةِ، فكان لا يُبارحه، ولم يمتْ حمدون حتى علا المكفوف عليه، وفَضَل في أشياء. وله كت…
▸ expand full passage (1,987 chars)١٧٣ - أبو محمد المكفوف هو عبد الله بن محمود المكفوف النحوي. كان من أعلم خَلْق الله بالعربية والغريب والشعر وتفسير المشروحات وأيام العرب وأخبارها ووقائعها، وأدرك المهريَّ وأخذ عنه، ثم صحب من بعده حمدونًا المعروف بالنَّعجةِ، فكان لا يُبارحه، ولم يمتْ حمدون حتى علا المكفوف عليه، وفَضَل في أشياء. وله كتب كثيرة أملاها في اللغة والعربية والغريب، وله كتاب في العروض يفضله أهل العلم على سائر الكتب المؤلفة فيها؛ لما بين فيه وقرب، وعليه قرأ الناس المشروحات، وإليه كانت الرحلة من جميع إفريقيَّةَ والمغرب، وكان يجلس مع حمدون في مكتبه، فربما استعار بعضُ الصبيان كتابًا فيه شعر أو غريب أو شيء من أخبار العرب، فيقتضيه صاحبُه فيه، فإذا ألحَّ عليه أعلم بذلك أبا محمد المكفوف، فيقول له: اقرأه عليَّ. فإذا فعل قال: أَعِدْهُ ثانيةً. ثم يقول: ردَّه على صاحبه، ومتى شئتَ فتعال حتى أمليَه عليك. وأبطأ عنه أبو القاسم بن عثمان الوزَّان النحوي أيامًا كثيرةً، ثم أتاه فلامه على تخلُّفه عنه، وقال له: يا أبا القاسم، نحن كنا سبب ما أنت فيه من العلم، علمتَ كيف كنت أخصك وأوثرك على غيرك؛ فلما صرتَ إلى هذه الحال قطعتنا! فقال له: أصلحك الله! اعذر فقد كان لي شغل. قال: وما هو؟قال: لي اليوم أكثر من شهرٍ أختلف إلى رقَّادة، إلى دار فلان -وذكر بعض السلاطين- أشْكُل له كُتبًا وأُصحِّحها. فقال: سَرَرْتَنِي والله. قال: بماذا سررتُك؟ قال: بما يكون من برِّه ومكافأته على اختلافك إليه وتصحيحك لكتبه. فضحك وقال: والله ما هو إلا أن أكترِيَ دابَّةً إذا مضيتُ، وكذلك إذا رجعتُ من مالي. فعجب من ذلك وقال: تدري كم وصل إليَّ من ابن الصائغ صاحب البريد؟ قال: لا. قال: نحو من خمسمئة دينار، سوى الخِلَع وقضاء الحوائج والبر والإكرام، ولا كان يسألني عن شيء إلا إذا أكل يوم الجمعة بعث في طلبي دابَّته وابنه، وأحضر مائدته. وكان أبو محمد المكفوف من أهل سُرت، وهجاه إسحاق بن خُنَيس فقال: ألا لُعِنتْ سُرتٌ وما جاء من سُرتِ ... فقد حل من أكنافها جَبَلُ المقت في شعر له طويل، فقال فيه المكفوف: إنَّ الخُنَيسيَّ يهجوني لأرفعه ... اخسأ خُنَيس فإني غير هاجيكا لم تَبْق مثلبة تُحْصى إذا جُمعت ... من المثالب إلا كلُّها فيكا وله أشعار فصيحة، وأراجيز عربية، وله كتاب في شرح صفة أبي زُبَيد الطائي للأسد؛ جود فيه وحسنه. وتوفي المكفوف سنة ثمان وثلاثمئة.
- legacy full passagepage 211, entry [213]1,987 chars
١٧٣ - أبو محمد المكفوف هو عبد الله بن محمود المكفوف النحوي. كان من أعلم خَلْق الله بالعربية والغريب والشعر وتفسير المشروحات وأيام العرب وأخبارها ووقائعها، وأدرك المهريَّ وأخذ عنه، ثم صحب من بعده حمدونًا المعروف بالنَّعجةِ، فكان لا يُبارحه، ولم يمتْ حمدون حتى علا المكفوف عليه، وفَضَل في أشياء. وله كت…
▸ expand full passage (1,987 chars)١٧٣ - أبو محمد المكفوف هو عبد الله بن محمود المكفوف النحوي. كان من أعلم خَلْق الله بالعربية والغريب والشعر وتفسير المشروحات وأيام العرب وأخبارها ووقائعها، وأدرك المهريَّ وأخذ عنه، ثم صحب من بعده حمدونًا المعروف بالنَّعجةِ، فكان لا يُبارحه، ولم يمتْ حمدون حتى علا المكفوف عليه، وفَضَل في أشياء. وله كتب كثيرة أملاها في اللغة والعربية والغريب، وله كتاب في العروض يفضله أهل العلم على سائر الكتب المؤلفة فيها؛ لما بين فيه وقرب، وعليه قرأ الناس المشروحات، وإليه كانت الرحلة من جميع إفريقيَّةَ والمغرب، وكان يجلس مع حمدون في مكتبه، فربما استعار بعضُ الصبيان كتابًا فيه شعر أو غريب أو شيء من أخبار العرب، فيقتضيه صاحبُه فيه، فإذا ألحَّ عليه أعلم بذلك أبا محمد المكفوف، فيقول له: اقرأه عليَّ. فإذا فعل قال: أَعِدْهُ ثانيةً. ثم يقول: ردَّه على صاحبه، ومتى شئتَ فتعال حتى أمليَه عليك. وأبطأ عنه أبو القاسم بن عثمان الوزَّان النحوي أيامًا كثيرةً، ثم أتاه فلامه على تخلُّفه عنه، وقال له: يا أبا القاسم، نحن كنا سبب ما أنت فيه من العلم، علمتَ كيف كنت أخصك وأوثرك على غيرك؛ فلما صرتَ إلى هذه الحال قطعتنا! فقال له: أصلحك الله! اعذر فقد كان لي شغل. قال: وما هو؟قال: لي اليوم أكثر من شهرٍ أختلف إلى رقَّادة، إلى دار فلان -وذكر بعض السلاطين- أشْكُل له كُتبًا وأُصحِّحها. فقال: سَرَرْتَنِي والله. قال: بماذا سررتُك؟ قال: بما يكون من برِّه ومكافأته على اختلافك إليه وتصحيحك لكتبه. فضحك وقال: والله ما هو إلا أن أكترِيَ دابَّةً إذا مضيتُ، وكذلك إذا رجعتُ من مالي. فعجب من ذلك وقال: تدري كم وصل إليَّ من ابن الصائغ صاحب البريد؟ قال: لا. قال: نحو من خمسمئة دينار، سوى الخِلَع وقضاء الحوائج والبر والإكرام، ولا كان يسألني عن شيء إلا إذا أكل يوم الجمعة بعث في طلبي دابَّته وابنه، وأحضر مائدته. وكان أبو محمد المكفوف من أهل سُرت، وهجاه إسحاق بن خُنَيس فقال: ألا لُعِنتْ سُرتٌ وما جاء من سُرتِ ... فقد حل من أكنافها جَبَلُ المقت في شعر له طويل، فقال فيه المكفوف: إنَّ الخُنَيسيَّ يهجوني لأرفعه ... اخسأ خُنَيس فإني غير هاجيكا لم تَبْق مثلبة تُحْصى إذا جُمعت ... من المثالب إلا كلُّها فيكا وله أشعار فصيحة، وأراجيز عربية، وله كتاب في شرح صفة أبي زُبَيد الطائي للأسد؛ جود فيه وحسنه. وتوفي المكفوف سنة ثمان وثلاثمئة.