exact linked passagemedium confidencepage 1158, entry [466]8,846 chars
ثم دخلت سنة ست وثلاثين نزول أمير المؤمنين ذا قار ٢٥٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، في محمد وطلحة بإسنادهما، قالا: لما نزل عليٌّ ذا قار أرسل ابن عباس والأشتر بعد محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، وأرسل الحسنَ بن على وعمارًا بعد ابن عباس والأشتر، فخفّ في ذلك الأمر جميعُ من كان نَفر فيه، ولم يقدُم في…
▸ expand full passage (8,846 chars)▾ collapse
ثم دخلت سنة ست وثلاثين نزول أمير المؤمنين ذا قار ٢٥٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، في محمد وطلحة بإسنادهما، قالا: لما نزل عليٌّ ذا قار أرسل ابن عباس والأشتر بعد محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، وأرسل الحسنَ بن على وعمارًا بعد ابن عباس والأشتر، فخفّ في ذلك الأمر جميعُ من كان نَفر فيه، ولم يقدُم فيه الوجوه أتباعَهم فكانوا خمسة آلاف أخذ نصفهم في البرّ ونصفهم في البحر، وخفّ مَن لم ينفر فيها ولم يعمل لها. وكان على طاعته ملازمًا للجماعة فكانوا أربعة آلاف، فكان رؤساء الجماعة: القعقاع بن عمرو، وسعْر بن مالك، وهند بن عمرو، والهيثم بن شهاب. وكان رؤساء النّفّار: زيد بن صُوحان، والأشتر مالك بن الحارث، وعديّ بن حاتم، والمسيّب بن نَجَبَة، ويزيد بن قيس ومعهم أتباعهم وأمثال لهم ليسوا دونهم إلَّا أنهم لم يؤمّروا؛ منهم حُجْر بن عديّ، وابن مَحْدُوج البكريّ، وأشباه لهما لم يكن في أهل الكوفة أحد على ذلك الرأي غيرهم. فبادروا في الوقعة إلا قليلًا، فلما نزلوا على ذي قار دعا القعقاعَ بن عمرو فأرسله إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين يا بن الحنظليّة - وكان القعقاع من أصحاب النبي ﷺ فادعُهما إلى الألْفة والجماعة، وعظِّم عليهما الفُرْقَة، وقال له: كيف أنت صانع فيما جاءك منهما مما ليس عندك فيه وصاة منّي؟ فقال:نلقاهم بالّذي أمرتَ به، فإذا جاء منهما أمر ليس عندنا منك فيه رأيٌ اجتهدنا الرّأي وكلّمناهم على قدر ما نَسْمع ونرى أنه ينبغي. قال: أنت لها. فخرج القعقاعُ حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة ﵂ فسلّم عليها، وقال: أي أمَّهْ؛ ما أشخصك وما أقدمكِ هذه البلدة؟ قالت: أي بنيّ، إصلاح بين الناس، قال: فابعثي إلى طلحة والزّبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما فجاءا، فقال: إني سألت أمَّ المؤمنين: ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: مُتابعان، قال: فأخبراني ما وَجْهُ هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفنا لنُصلحن، ولئن أنكرناه لا نُصلح. قالا: قتلة عثمان ﵁، فإنّ هذا إن تُرك كان تَرْكًا للقرآن؛ وإن عمِل به كان إحياء للقرآن. فقال: قد قَتَلْتُما قتلةَ عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل قَتْلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليومَ، قتلتم ستمئة إلّا رجلًا، فغضب لهم ستة آلاف. واعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم ذلك الّذي أفلتَ -يعني: حرقوص بن زُهير- فمنعه ستة آلاف وهم على رِجْل، فإن تركتموه كنتم تاركين لما تقولون؛ وإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلوا عليكم فالّذي حذِرتم وقرِبتم به هذا الأمر أعظم ممّا أراكم تكرهون؛ وأنتم أحميتم مُضَر وربيعة من هذه البلاد، فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نُصرةً لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدَث العظيم والذنب الكبير. فقالت أم المؤمنين: فتقول أنت ماذا؟ قال: أقول هذا الأمر دواؤه التّسكين، وإذا سكن اختُلِجُوا، فإن أنتم بايعتمونا؛ فعلامةُ خير، وتباشير رَحْمة، ودرَكٌ بثأر هذا الرّجل، وعافية، وسلامة لهذه الأمة، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرَة هذا الأمر واعتسافه؛ كانت علامة شرّ، وذهاب هذا الثأر، وبعثة الله في هذه الأمة هَزاهِزهَا، فآثروا العافية؛ ترزقوها، وكونوا مَفاتيح الخير كما كنتم تكونون، ولا تعرضونا للبلاء ولا تعرَّضوا له فيصرعنا وإياكم. وايم الله إني لأقول هذا، وأدعوكم إليه وإني لخائفٌ ألّا يتمّ حتى يأخذ الله ﷿ حاجتَه من هذه الأمة التي قل متاعُها، ونزل بها ما نزل، فإنّ هذا الأمر الّذي حدَث أمرٌ ليس يقدّر، وليس كالأمور، ولا كقتل الرّجل الرّجل، ولا النّفر الرجلَ، ولا القبيلة الرجلَ. فقالوا: نعم إذًا! قد أحسنت وأصبت المقالةَ؛ فارجع فإن قَدم عليٌّ وهو علىمثل رأيك صلَح هذا الأمر. فرجع إلى عليّ فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصّلح؛ كَرِه ذلك مَن كرهه، ورضيَه مَنْ رضيه. وأقبلت وُفود البصرة نحو عليّ حين نزل بذي قار، فجاءت وفود تميم وبكْر قبل رجوع القعقاع لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة، وعلى أيّ حال نهضوا إليهم، وليعلِموهم أنّ الذي عليه رأيُهم الإصلاح، ولا يخطر لهم قتالٌ علَى بالٍ. فلمّا لقُوا عشائرَهم من أهل الكوفة بالذي بعثهم فيه عشائرُهم من أهل البصرة وقال لهم الكوفيون مثلَ مقالتهم، وأدخلوهم على عليّ فأخبروه خبرَهم؛ سأل عليٌّ جرير بن شرِس عن طلحة والزّبير، فأخبره عن دقيق أمرهما وجليله حتى تمثّل له: ألا أَبْلغ بَني بَكْرٍ رَسولا ... فَلَيسَ إلى بَني كَعب سَبيلُ سَيَرْجِعُ ظُلْمَكُمْ مِنْكُمْ عَلَيكُم ... طَويلُ الساعِدَينِ له فُضولُ وتمثّل عليٌّ عندها: ألَمْ تَعْلمْ أَبا سِمْعانَ أنَّا ... نَرُدُّ الشَّيخَ مِثلَكَ ذا الصُّداعِ! ويَذْهَلُ عَقْلهُ بالحربِ حَتى ... تقومَ فيَسْتجيبَ لِغَيرِ داعِ فدافَعَ عن خُزاعَةَ جَمْعُ بَكْرٍ ... وما بك يا سُراقَةُ مِنْ دِفاعِ رجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد وطلحة: فأرسل عمران بن حُصين في الناس يخذّل من الفريقين جميعًا، كما صنع الأحنف، وأرسل إلى بني عديّ فيمن أرسل، فأقبل رسولُه حتى نادى على باب مسجدهم: ألا إنّ أبا نُجَيد عمران بن الحُصين يقرئكم السلام، ويقول لكم: والله لأن أكون في جبل حَضَن مع أعنُز خضْر وضأن، أجزُّ أصوافها، وأشرَب ألبانَها أحبُّ إليّ من أن أرميَ في شيء من هذين الصفين بسهم. فقالت بنو عديّ جميعًا بصوت واحد: إنا والله لا نَدَع ثقلَ رسول الله ﷺ لشيء. يَعنُون: أمّ المؤمنين. رجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد وطلحة: وأهل البصرة فِرَق: فرقة مع طلحة، والزبير، وفرقة مع عليّ، وفرقة لا ترى القتال مع أحد من الفريقين، وجاءت عائشة ﵂ من منزلها الذي كانت فيه حتى نزلت في مسجد الحُدّان في الأزْد، وكان القتال في ساحتهم، ورأس الأزد يومئذ صَبْرة بن شَيْمان، فقال له كعب بن سور: إنّ الجموع إذا تراءَوا لم تستطع، وإنما هيبحور تَدفَّق، فأطِعني ولا تشهدهم، واعتزل بقومك، فإني أخاف ألّا يكون صُلح، وكن وراءَ هذه النطفة، ودع هذين الغارَين من مُضَر وربيعة، فهما أخَوان، فإن اصطلحا فالصّلح ما أردنا، وإن اقتتلا كنا حكَّامًا عليهم غدًا - وكان كعبٌ في الجاهليَّة نصرانيًّا - فقال صبرة: أخشى أن يكون فيك شيء من النصرانيَّة؛ أتأمرني أن أغيبَ عن إصلاح بين الناس، وأن أخذُل أم المؤمنين وطلحة والزبير إن ردّوا عليهم الصلح، وأدَع الطلبَ بدم عثمانَ! لا والله لا أفعلُ ذلك أبدًا، فأطبق أهلُ اليمن على الحضورِ (١). (٤: ٤٨٧/ ٤٨٨ / ٤٨٩/ ٤٩٠ تكملة ٥٠٢/ ٥٠٣ / ٥٠٤). ٢٥٩ - وأما الذي يرويه المحدّثون من أمر الأحنف، فغير ما رواهُ سيفٌ عمن ذكر من شيوخه. والذي يرويه المحدّثون من ذلك ما حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا ابن إدريس، قال: سمعت حُصينًا يذكر عن عمرو بن جأوان، عن الأحنف بن قيس، قال: قدمنا المدينةَ ونحن نريد الحجّ، فإنا لبمنازلنا نضع رحالنا؛ إذ أتانا آتٍ، فقِال: قد فزِعوا وقد اجتمعوا في المسجد، فانطلقنا فإذا الناس مجتمعون على نَفر في وسط المسجد، وإذا عليّ، والزّبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقّاص، وإنا لكذلك إذ جاء عثمان بن عفان؛ فقيل: هذا عثمان قد جاء وعليه مُلَيئة له صفراء قد قنَّع بها رأسه، فقال: أهاهنا عليّ؟ قالوا: نعم، قال: أهاهنا الزُّبَيْر؟ قالوا: نعم، قال: أهاهنا طلحة؟ قالوا: نعم، قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلّا هو؛ أتعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: من يبتَعْ مِرْبد بني فلان؛ غفر الله له! فابتعتُه بعشرين أو بخمسة وعشرين ألفًا، فأتيتُ النبيّ ﷺ فقلت: يا رسولَ الله! قد ابتعته، قال: "اجعله في مسجدنا وأجرُهُ لك"! قالوا: اللهمّ نعم، وذكر أشياء من هذا النوع. قال الأحنف: فلقيتُ طلحةَ والزّبير فقلتُ: من تأمُراني به، وترضيانه لي؟ فإني لا أرى هذا الرّجل إلّا مقتولًا، قالا: عليّ؟ قلتُ: أتأمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم، فانطلقتُ حتى قدِمت مكة، فبينا نحن بها إذ أتانا قتلُ عثمان ﵁ وبها عائشةأمّ المؤمنين ﵂، فلقيتُها فقلت: من تأمريني أن أبايع؟ قالت: عليّ، قلتُ: تأمرينني به وترضينه لي؟ قالت: نعم؛ فمررتُ على عليّ بالمدينة فبايعتُه، ثمّ رجعت إلى أهلي بالبصرة ولا أرى الأمر إلّا قد استقامَ، قال: فبينا أنا كذلك، إذ أتاني آتٍ فقال: هذه عائشة، وطلحة، والزّبير قد نزلوا جانب الخُرَيبة، فقلت: ما جاء بهم؟ قالوا: أرسلوا إليك يدعونك يستنصرون بك على دَم عثمان ﵁، فأتاني أفظعُ أمر أتاني قطّ! فقلت: إنّ خذْلاني هؤلاء ومعهم أمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله ﷺ لَشديد، وإنّ قتالي رجلًا ابن عمّ رسول الله ﷺ قد أمروني ببيعته لشديد. فلما أتيتهم قالوا: جئنا لنستنصر على دم عثمان ﵁، قُتل مظلومًا؛ فقلت: يا أمّ المؤمنين! أنشدك بالله أقلتُ لك: مَن تأمريني به؟ فقلت: عليّ؟ فقلتُ: أتأمرينني به وترضينه لي؟ قلت: نعم! قالت: نعم! ولكنه بدّل. فقلت: يا زُبير يا حواريّ رسول الله ﷺ يا طلحة! أنشدكما الله، أقلتُ لكما: ما تأمراني؟ فقلتما: عليّ. فقلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ فقلتما: نعم! قالا: نعم! ولكنه بدّل. فقلتُ: والله لا أقاتِلُكم ومعكم أمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله ﷺ ولا أقاتِل رجلًا ابن عمّ رسول الله ﷺ، أمرتموني ببيعته؛ اختاروا مني واحدة من ثلاث خِصال: إما أن تفتحوا لي الجسر فألحق بأرض الأعاجِم حتى يقضيَ الله ﷿ من أمره ما قضى، أو ألحق بمكة فأكون فيها حتى يقضي الله ﷿ من أمره ما قضى، أو أعتزل فأكونُ قريبًا. قالوا: إنا نأتمر، ثم نرسل إليك. فائتمروا فقالوا: نفتح له الجسرَ ويخبرهم بأخباركم! ليس ذاكم برأي، اجعلوه هاهنا قريبًا حيث تطؤون على صِماخه وتنظرون إليه. فاعتزل بالجلحاء من البصرة على فرسخين، فاعتزل معه زُهاءٌ على ستة آلاف. ثم التقى القوم فكان أوّل قتيل طلحة ﵁، وكعب بن سُور معه المصحف يذكِّر هؤلاء وهؤلاء، حتى قتل مَنْ قتل منهم، ولحق الزبير بسَفوان، من البصرة كمكان القادسيَّة منكم، فلقيه النَّعِر؛ رجل من مجاشع، فقال: أين تذهب يا حواريّ رسول الله ﷺ؟ إليّ فأنت في ذمتِي لا يوصَل إليك؛ فأقبل معه؛ فأتى الأحنف خبره فقيل: ذاك الزُّبَيْر قد لقي بِسَفوان فما تأمر؟ قال: جمَع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيوف ثم يلحق ببيته، فسمعهعمير بن جُرموز وَفضَالة بن حابس، ونُفيع؛ فركبوا في طلبه، فلقوه مع النَّعِر، فأتاه عمير بن جرموز من خلفه وهو على فرس له ضعيفة، فطعنه طعنة خفيفة، وحمل عليه الزُّبَيْر وهو على فرس له يقال له ذو الخِمار، حتى إذا ظنّ أنه قاتِله نادى عمير بن جُرموز: يا نافع! يا فضالة! فحملوا عليه فقتلوه (١). (٤: ٤٩٧/ ٤٩٨ / ٤٩٩). ٢٦٠ - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: معتمِر بن سليمان، قال: نبّأني أبي عن حصين، قال: حدَّثنا عمرو بن جأوان (رجل من بني تميم) وذاك أني قلت له: أرأيتَ اعتزال الأحنف ما كان؟ فقال: سمعت الأحنفَ يقول: أتيتُ المدينةَ وأنا حاجّ؛ فذكر نحوه. الحمد لله على ما قضى وحَكَم (٢)! (٤: ٤٩٩).