ابن الجوزي - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم
full-text— · 4 entries
- exact linked passagemedium confidencepage 1512, entry [1083]4,253 chars
ذكر طرف من سيرته من ذَلِكَ أنه أقر عمال عُمَر سَنَة، وولى زَيْد بْن ثابت الْقَضَاء، ورزقه عَلَى ذَلِكَ ستين درهما، وضمه إِلَى علي بْن أَبِي طالب حِينَ كثر النَّاس، وَكَانَ أول كتاب كتبه عُثْمَان إِلَى عماله: «أما بَعْد: فَإِن اللَّه تَعَالَى أمر الأئمة أَن يكونوا رعاة، وَلَمْ يتقدم إليهم أَن يكونوا …
▸ expand full passage (4,253 chars)ذكر طرف من سيرته من ذَلِكَ أنه أقر عمال عُمَر سَنَة، وولى زَيْد بْن ثابت الْقَضَاء، ورزقه عَلَى ذَلِكَ ستين درهما، وضمه إِلَى علي بْن أَبِي طالب حِينَ كثر النَّاس، وَكَانَ أول كتاب كتبه عُثْمَان إِلَى عماله: «أما بَعْد: فَإِن اللَّه تَعَالَى أمر الأئمة أَن يكونوا رعاة، وَلَمْ يتقدم إليهم أَن يكونوا جباة، وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة، وَلَمْ يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أَن يصيروا جباة، ولا يصيروا رعاة، ألا وإن أعدل [١] السيرة أَن تنظروا فِي أمور الْمُسْلِمِينَ» . وَقَالَ/ عَمْرو بْن شُعَيْب: أول من منع الحمام الطيارة والجلامقات [٢] عُثْمَان حِينَ ظهرت بالمدينة فأمر عَلَيْهَا عُثْمَان رجلا فمنعهم منها. [أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَزَّازِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمَأْمُونِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ، حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَمِّي مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ] [٣] ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ، رَأَيْتُ عُثْمَانَ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ وَرِدَاؤُهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَيَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَجْلِسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَجْلِسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَجْلِسُ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ أَحَدُهُمْ. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الباقي قال: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحسين بن الفهم قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَسْعَدَةَ] [٤] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الرُّومِيِّ، قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ يَلِي وضوء الليل بنفسه. قال: فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَمَرْتَ بَعْضَ الْخَدَمِ فَكَفَوْكَ. فَقَالَ: لَهُمُ اللَّيْلُ يَسْتَرِيحُونَ فِيهِ. [قَالَ مُحَمَّد بْن سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ] [٥] ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ، فَيَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي ركعة.ومن الحوادث فِي هَذِهِ السنة: أنه لما قتل عُمَر اتهم ابنه عبيد اللَّه: الهرمزان [١] وجفينة فقتلهما، وَكَانَ الهرمزان قَدْ أسلم، وجفينة نصراني. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قالا: أخبرنا ابْنُ النَّقُّورِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُخْلِصُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بن يحيى قال: حدثنا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ] [٢] عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ غَدَاةَ طَعْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى أَبِي لُؤْلُؤَةَ عِشَاءَ أَمْسِ وَمَعَهُ جُفَيْنَةُ وَالْهُرْمُزَانُ، وَهُمَا نَجِيٌّ، فَلَمَّا رَهَقْتُهُمْ ثَارُوا وَسَقَطَ مِنْهُمْ خِنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ، نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ، فَانْظُرُوا بِأَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ؟ فَجَاءَ قَاتِلُ أَبِي لُؤْلُؤَةَ بِالْخِنْجَرِ الَّذِي وَصَفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَأَمْسَكَ حَتَّى مَاتَ عُمَرُ، ثُمَّ اشْتَمَلَ [٣] عَلَى السَّيْفِ، فَأَتَى الْهُرْمُزَانَ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا عَضَّهُ السَّيْفُ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى جُفَيْنَةَ- وَكَانَ نَصْرَانِيًّا مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ ظِئْرًا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، أَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ لِلْمِلْحِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَلِيَعْلَمَ بِالْمَدِينَةِ الْكِتَابَةَ- فَلَمَّا عَلاهُ بِالسَّيْفِ قَبَصَ [٤] مِنْ عَيْنَيْهِ، وَتَلَقَّى ذَلِكَ صُهَيْبًا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى نَاوَلَهُ السَّيْفَ، وَثَاوَرْهُ سَعْدٌ، فَأَخَذَ بِشَعْرِهِ، وَجَاءُوا/ إِلَى صُهَيْبٍ. [وَحَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنِ ابْنِ الشَّهِيدِ الْحِجِّيِّ] [٥] ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ قَالَ: لَمَّا بُويِعَ عُثْمَانُ قَالَ: قُولُوا فِيمَا أَحْدَثَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. فَقَالُوا: الْقَوَدَ الْقَوَدَ. وَنَادَى جُمْهُورُ النَّاسِ لَعَلَّكُمْ تُرِيدُونَ [٦] أَنْ تُتْبِعُوا عُمَرَ ابْنَهُ، اللَّهَ اللَّهَ أَبْعَدَ اللَّهُ الْهُرْمُزَانَ وَجُفَيْنَةَ. قَالَ سَيْفٌ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَقَالَ عُثْمَانُ لابْنِ الْهُرْمُزَانِ: هَذَا قَاتِلُ أَبِيكَ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِهِ مِنَّا، فَاذْهَبْ بهفَاقْتُلْهُ. قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَحَدٌ إِلا مَعِي، إِلا أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِلَيَّ قَتْلُهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَلَكُمْ أَنْ تَمْنَعُوهُ؟ قَالُوا: لا. فَتَرَكْتُهُ للَّه ﷿ فاحتملوني، فو الله مَا بَلَغْتُ الْمَنْزِلَ إِلا عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ وَأَكُفِّهِمْ. وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ، فَقَالَ [١] أَبُو مَعْشَرٍ وَالْوَاقِدِيُّ: حَجَّ بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِأَمْرِ عُثْمَانَ، وَقَالَ آخَرُون: بَلْ حَجَّ عثمان ﵁ .
- exact linked passagemedium confidencepage 3894, entry [3278]7,352 chars
ذكر طرف من سيرته [وأحواله] [٩] أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد [قَالَ:] أخبرنا أبو بكر [أحمد بن علي بن ثابت] [١٠] الخطيب قال: أخبرنا أحمد بن عمر بن روح [١١] النهرواني [قال:] أخبرنا المعافى بن زكريا قال: حدثني بعض الشيوخ- ممن شاهد جماعة من العلماء وخالط كثيرا من الرؤساء- أن هاشم بن القاسم ا…
▸ expand full passage (7,352 chars)ذكر طرف من سيرته [وأحواله] [٩] أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد [قَالَ:] أخبرنا أبو بكر [أحمد بن علي بن ثابت] [١٠] الخطيب قال: أخبرنا أحمد بن عمر بن روح [١١] النهرواني [قال:] أخبرنا المعافى بن زكريا قال: حدثني بعض الشيوخ- ممن شاهد جماعة من العلماء وخالط كثيرا من الرؤساء- أن هاشم بن القاسم الهاشمي قَالَ: كنت جالسا [١٢] بحضرة المهتدي عشية من العشايا، فلما كادت الشمس تغرب وثبت [١٣] لأنصرف، وذلك في شهر رمضان، فقال لي: اجلس. فجلست فأذن المؤذن، وأقام [فتقدم] [١٤] وصلى المهتدي بنا [١٥] ، ثم ركعوركعنا. ودعى بالطعام، فأحضر طبق خلاف [١] عليه رغيف من الخبز النقي، وفيه آنية في بعضها [٢] ملح، وفي بعضها خل، وفي بعضها زيت، فدعاني إلى الأكل فابتدأت [٣] آكل معذرا ظانا أنه سيؤتى بطعام له نيقة، وفيه سعة. فنظر إلي وَقَالَ: ألم تكن صائما؟ قلت: بلى. قَالَ: أفلست عازما على صوم غد؟ قلت: كيف لا وهو شهر رمضان؟ فقال: كل واستوف غداءك، فليس ها هنا من الطعام غير ما ترى. فعجبت من قوله، ثم قلت [والله لأخاطبنه في هذا المعنى، فقلت:] [٤] ولم يا أمير المؤمنين، وقد أسبغ الله نعمته، وبسط قدرته [٥] ورزقه؟ فقال: [إن] [٦] الأمر لعلى ما وصفت والحمد للَّه، ولكني فكرت في [٧] أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز، وكان من التقلل والتقشف على ما بلغك، فغرت على بني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله، فأخذت نفسي بما رأيت [٨] . أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ [بن محمد قال:] أخبرنا أَحْمَد بْن عَلي [قَالَ:] أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّهِ بن أبي الفتح [قَالَ:] [٩] أَخْبَرَنَا أَحْمَد بن إبراهيم البزاز، حَدَّثَنَا إبراهيم بن مُحَمَّد بن عرفة، وذكر المهتدي فقال: حدثني بعض الهاشميين أنه وجد له سفط فيه جبة صوف، وكساء، وبرنس كان يلبسه بالليل ويصلي فيه، ويقول: أما يستحي [١٠] بنو العباس أن لا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز [١١] ؟ أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد أنه [١٢] كان قد اطّرح الملاهي، [وحرّم] [١٣] الغناءوالشرب، وحسم أصحاب السلطان عن الظلم، وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين والخراج، فحبس نفسه في الحسبانات لا يخل [١] بالجلوس يوم الاثنين والخميس [والكتاب بين يديه] [٢] . [أَخْبَرَنَا عَبْد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال:] [٣] أخبرنا عبد العزيز بن علي أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد [٤] المفيد [٥] ، حَدَّثَنَا أبو بشر الدولابي قَالَ: أخبرني أبو موسى العباسي قَالَ: لم يزل المهتدي صائما منذ جلس للخلافة إلى أن قتل [٦] . أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ [قال:] أخبرنا أحمد بن عَلِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الفتح [قَالَ:] أخبرني علي بن الحسن الجراحي [قَالَ:] حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمَد القراريطي قَالَ: قَالَ لي عمي عبد الله بن إبراهيم الإسكافي قَالَ: حضرت مجلس المهتدي باللَّه، وقد جلس للمظالم، فاستعداه رجل على ابن له، فأمر بإحضاره، فأحضر [٧] وأقامه إلى جنب الرجل، فسأله عما ادعاه عليه فأقر بِهِ، فأمره بالخروج إليه من حقه، فكتب له بذلك كتابا، فلما فرغ قَالَ له الرجل: والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قَالَ الشاعر: حكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر لا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر فقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل فجزاك الله خيرا [٨] ، وأما أنا فما جلست هذا المجلس حتى قرأت في المصحف وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ ٢١: ٤٧نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ٢١: ٤٧ [١] فما رأيت باكيا أكثر من بكائه ذلك اليوم [٢] وفي هذه السنة: في سلخ رجب كان ببغداد شغب، ووثبت العامة بسليمان [٣] بن عَبْد اللَّهِ بن طاهر صاحب الشرطة، وكان [٤] السبب في ذلك [٥] أن المهتدي كتب إلى [صاحب الشرطة] [٦] سليمان أن يأخذ البيعة له ببغداد، فأحضر أبا أَحْمَد بن المتوكل فهجم العامة وهتفوا باسم أبي أَحْمَد، ودعوا إلى بيعته، وكانت فتنة قتل فيها قوم ثم سكنوا [٧] . وللنصف [٨] من شوال [هذه السنة] : [٩] ظهر في نواحي البصرة رجل زعم أنه علي بن مُحَمَّد بن أَحْمَد بْن على بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان يقول إن جده لأمه خرج مع زيد بن علي على هشام بن عبد الملك، وكان من أهل ورزنين، وكان عبادا يتكلم في علم النجوم، فربما كتب العوذ، فخرج في نفر [١٠] من الزنج، فأخذه مُحَمَّد بن أبي عون، فحبسه ثم أطلقه، فخرج في قراب [١١] البصرة في مكان يُقَالُ له: برنجل، وجمع الزنج الذين كانوا يكتسحون السباخ فاستغواهم، ثم عبر دجلة ونزل الديناري، وكان هذا الرجل متصلا بقوم من أصحاب السلطان يمدحهم ويستميحهم بشعره، ثم خرج من سامراء سنة تسع وأربعين ومائتينإلى البحرين، وادعى أنه من ولد [١] علي بن أبي طالب، ودعا الناس إلى طاعته فتبعه جماعة، وأباه جماعة، فوقع بينهم قتال على ذلك، فانتقل عنهم إلى الإحساء فضوى [٢] إلى حي من بني تميم وصحبه جماعة من أهل البحرين، ثم كان [٣] ينتقل في البادية من حي إلى حي، ولم يزل أمره يقوى إلى سنة سبعين، وكان يقول: أوتيت آيات من آيات القرآن [٤] إمامتي [٥] منها، لقيت سورًا من القرآن لا أحفظها، فجرى بها لساني في ساعة واحدة، منها: سبحان، والكهف، وص [٦] ، وألقيت نفسي على فراشي فجعلت أفكر [٧] في الموضع الذي أقصد له، وأقيم فيه إذ نبت [٨] بي البادية فأظلتني سحابة فبرقت ورعدت [٩] ، وقيل لي: اقصد للبصرة فمضى إليها فقدمها في سنة أربع وخمسين [١٠] . ونزل في بني ضبيعة، فاتبعه جماعة منهم علي بن أبان المهلبي، ووافق ذلك فتنة البصرة بالبلالية والسعدية، فرجا أن يتبعه منهم أحد فلم يتبعه، فهرب، وطلبه مُحَمَّد بن رجاء عامل السلطان بها، فلم يقدر عليه، فأتى بغداد فأقام بها، فاستمال [١١] جماعة، فلما عزل مُحَمَّد بْن رجاء عن البصرة وثب رءوس [١٢] الفتنة من البلالية والسعدية، ففتحوا الحبوس [١٣] ، وأطلقوا من كان فيها فبلغه ذلك، فخرج إلى البصرة في رمضان سنة خمس وخمسين وأخذ حريرة [١٤] وكتب عليها: إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ ٩: ١١١أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ٩: ١١١ [١] وكتب [اسمه و] [٢] اسم أبيه وعلقها على [رأس] [٣] مردي [٤] ، وخرج [٥] في السحر من ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان، فلقيه غلمان، فأمر بأخذهم، وكانوا خمسين غلاما، ثم صار إلى مكان آخر فأخذ منه خمس مائة غلام، ثم [صار] [٦] إلى موضع آخر فأخذ منه مائة وخمسين غلاما، وجمع من الغلمان خلقا كثيرا، وقام فيهم خطيبا فمناهم ووعدهم أن يقودهم ويرأسهم ويملكهم، وَلَا يدع من الإحسان شيئا [٧] إلا فعله لهم [٨] ثم دعا مواليهم فقال: قد أردت ضرب أعناقكم لما كنتم تأتون إلى [٩] هؤلاء الغلمان الذين استضعفتموهم وقهرتموهم وحملتوهم [١٠] ما لا يطيقون، فكلمني أصحابي فيكم [فرأيت إطلاقكم] [١١] فقالوا: إن هؤلاء الغلمان أباق، فهم يتهربون منك، فخذ منا مالا وأطلقهم لنا. فأمر بهم فبطح كل قوم مولاهم، وضرب كل واحد خمسين سوطا وأحلفهم بطلاق نسائهم أن لا يعلموا أحدا بموضعه، وأطلقهم [١٢] . ثم خرج حتى عبر دجيلا، واجتمع إليه السودان، فلما حضر [١٣] العيد ركز المردي الذي عليه لواؤه [١٤] وصلى بهم، وخطب للعيد، وذكر ما كانوا فيه من الشقاء، وأن اللهسبحانه استنقذهم من ذلك، وأنه يريد أن يرفع أقدارهم ويملكهم العبيد والأموال والمنازل، ويبلغ بهم أعلى الأمر، ثم حلف لهم على ذلك، وكانوا جمعا كبيرا، وليس لهم إلا [١] ثلاثة أسياف وأهدي له فرس فلم يجد له سرجا ولا لجاما، فركبه بحبل وسنفه بليف [٢] . وما زال ينتقل من مكان إلى مكان ويأخذ ما يقدر عليه، وينتهب السلاح وغيره حتى صار لَهُ قوة، وخاف الموالي منه أن يردهم إلى مواليهم، فحلف لهم ويوثق من نفسه، وَقَالَ: ليحط بي منكم جماعة، فإن أحسوا مني غدرا فليقتلوني [٣] . وأعلمهم أنه لم يخرج لعرض الدنيا بل غضبا للَّه ﷿، ولما رأى من فساد الدين [٤] . وجاءه يهودي فسجد له وزعم أنه يجد صفته في التوراة. ومر على قرية [٥] فخالفوه، فانتهب منها مالا عظيما، وجوهرا كثيرا، وغلمانا ونسوة، وذلك أول سبي سباه، وما زال يعيث وينتهب فجاءه رجل [٦] من أهل البصرة فسأله عن البلالية والسعدية، فقال: إنما جئت إليك برسالتهم يسألونك شروطا، فإن أعطيتهم إياها سمعوا لك وأطاعوا. فأعطاهم ما سألوا، وكان يحارب فله وعليه، إلى أن اجتمع عليه خلق [٧] كثير من أهل البصرة، فقال اللَّهمّ إن هذه ساعة النصرة [٨] فأعني. فزعموا [٩] أنه رأى طيورا بيضاء فأظلتهم [١٠] .وكان سبب هزيمة أعدائه وقتلهم [١] ، فقوي عدو الله، ودخل رعبه في قلوب أهل البصرة، وكتبوا إلى السلطان يخبرونه خبره، فوجه جعلان التركي، ونزل الخبيث سبخة وأمر [٢] أصحابه باتخاذ الأكواخ وبثهم في القرى يغيرون [٣] . وحج بالناس في هذه السنة علي بن الحسن بن إسماعيل بْن العباس بْن مُحَمَّد [٤] .
- exact linked passagemedium confidencepage 3916, entry [3294]6,104 chars
ذكر طرف من سيرته أَخْبَرَنَا [مُحَمَّدُ] بْنُ نَاصِرٍ [قَالَ:] [١] أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْبُسَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شِهَابٍ [٢] ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ [قَالَ:] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ …
▸ expand full passage (6,104 chars)ذكر طرف من سيرته أَخْبَرَنَا [مُحَمَّدُ] بْنُ نَاصِرٍ [قَالَ:] [١] أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْبُسَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شِهَابٍ [٢] ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ [قَالَ:] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ الْمُعْتَمِدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِسَامَرَّاءَ فِي رَمَضَانَ، فلما أمسينا دَعَا بِتَمْرٍ فَأَفْطَرَ عَلَى تَمْرَةٍ، ثُمَّ نَاوَلَ مَنْ حَضَرَ تَمْرَةً تَمْرَةً، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَني أَبِي [قَالَ:] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: كَانَ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمَرَاتٍ [٣] حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. ثم قَالَ: سمعت أبي يقول: سمعت أَحْمَد بن حنبل يقول: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، عن معمر، عن وهب بن منبه قَالَ: إن الصائم يزيغ بصره، فإذا أفطر على الحلاوة رجع إليه بصره. وروى أبو بكر الصولي قَالَ: حدثني أَحْمَد بن يزيد المهلبي قَالَ: حدثني أبي قَالَ: كنا مرة [٤] بين يدي المعتمد، فجعل يخفق نعاسا، وَقَالَ: لا يبرحن أحد. ثم نام مقدار نصف ساعة، [٥] وانتبه فقال: احضروني من الحبس رجلا يعرف بمنصور الحمال، فأحضر، فقال: منذ [٦] كم أنت محبوس؟ فقال: منذ ثلاث سنين. قَالَ: فأصدقني عن خبرك؟ قَالَ: أنا رجل من أهل الموصل، كان لي جمل أحمل عَلَيْهِ وأعود بكراه على عائلتي، فضاق بالموصل المكسب [٧] ، فقلت: أخرج إلى سامراء، فإن العمل فيها [٨] كثير، فخرجت، فلما قربت منها إذا جماعة من الجند قد ظفروا بقوميقطعون الطريق قد كتب صاحب البريد بعددهم، وكانوا عشرة، فأعطاهم واحد من العشرة مالا على أن يطلقوه، فأطلقوه وأخذوني مكانه، وأخذوا جملي، فسألتهم باللَّه وعرفتهم خبري، فأبوا وحبسوني، فمات بعض القوم، وأطلق بعضهم، وبقيت وحدي. فقال المعتمد: أحضروني خمس مائة دينار. فجاءوا بها. فقال: ادفعوها [١] إليه [قَالَ:] فأخذها، وأجرى عليه ثلاثين دينارا في كُلّ شهر، وَقَالَ: اجعلوا أمر جمالنا [٢] إليه، ثم أقبل علينا، وَقَالَ: رأيت الساعة النبي ﷺ فَقَالَ لِي: يَا أَحْمَد، وجه الساعة إلى الحبس فأخرج منصور الجمال وأحسن إليه فإنه مظلوم [٣] . ففعلت ما رأيتم، ثم نام من وقته فانصرفنا. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي [قَالَ:] أَخْبَرَنَا أبو القاسم عَلِي بْن المحسن التنوخي، عَنْ أَبِيهِ قَالَ، حدثني أبو مُحَمَّد الصلحي قَالَ: حَدَّثَنَا أبو علي الكاتب الأترحي قَالَ: حدثني أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بن أَحْمَد بن حمدان قَالَ: انصرف جلساء المعتمد على الله ليلة [٤] عنه وانصرفت إلى حجرة مرسومة لي [٥] في الدار اختص بِهَا، فلما انتصف الليل وأنا نائم إذا أنا بالخدم [٦] يدقون باب حجرتي ويوقظونني بشدة، فانزعجت فقالوا [٧] : أجب أمير المؤمنين. فأجبت وأنا مذعور، وقلت: إنا للَّه بلاء تجدد، فلما صرت بحضرته قائما لم يستجلسني وَقَالَ: يا غلام صاحب الشرطة، الساعة قمت فزعا. فحضر فقال لَهُ: في حبسك رجل يُقَالُ له [٨] فلان بن فلان الجمال. فقال له: نعم. قَالَ [٩] : أحضره. فحضر. فقال له المعتمد:بأي شيء تعرف؟ قَالَ: أنا فلان بن فلان الجمال. قَالَ [١] : منذ كم حبست؟ قَالَ: منذ كذا وكذا. قَالَ: فِي أي شيء؟ قَالَ: مظلوم. قَالَ: فاشرح لي قصتك. قَالَ: أنا رجل من أهل الجبل، وكان يتقلدنا فلان بن فلان إلى الأمير فاستدعى إلى الحضرة يسخر جمالي، فتظلمت إليه فلم ينفع، فخرجت أمشي وراء [٢] الجمال إلى أن قربنا من حلوان، فسل الأكراد منها جملا محملا، فضربني مقارع كثيرة وقيدني، فقلت: ما ذنبي؟ قَالَ: أنت سرقت جملك [٣] وأخذت ما كان عليه. فقلت: غلمانك يعلمون أن الأكراد سلوه فقال الأكراد ما جاءوا [٤] إلا بمواطأتك ثم أمر [بي] [٥] فحملت على بَعْض الجمال مقيدا، فلما وردت هذا البلد طرحني في الحبس وملك الجمال، فقال: يا فلان، فحضر بعض الخدم فقال امض الساعة إلى الأمير فلان [٦] واقعد على دماغه، ولا تبرح أو يرد جمال هذا عليه أو قيمتها على ما يقوله الجمال، وادفع ذلك إليه [٧] وَقَالَ للخادم ادفع إلى هذا الجمال كذا وكذا دينار أو كسوة، وأدخله الحمام، وأطعمه واسقه [٨] ، ثم قَالَ لصاحب الشرطة: لا تعرض له. ثم قَالَ له [٩] : في حبسك فلان بن فلان الحداد؟ قَالَ: نعم. قَالَ: هاته [١٠] . فأحضره، فقال: ما قصتك؟ قَالَ: أنا رجل حبست ظلما منذ كذا وكذا سنة. قَالَ: وما كان سبب حبسك؟ فقص قصة طويلة. فقال لصاحب الشرطة: خل عنه، وَقَالَ للخادم: خذه فغير من حاله وأطعمه وأسقه، وأدخله الحمام واكسه، وادفع إليه كذا وكذا دينارا [١١] . وَقَالَ للشرطي: انصرف، ثم [١٢] رفعرأسه وَقَالَ: الحمد للَّه الذي وفقني لهذا الفعل [١] يا ابن حمدان [٢] . فقلت: كيف تكلف أمير الْمُؤْمِنِين النظر في هذا الأمر بنفسه [٣] في مثل هذا الوقت، وانزعج من نومه؟ فقال: ويحك جاءني [٤] رجل الساعة في النوم صفته كيت وكيت، [٥] فقال: في حبسك رجلان مظلومان يُقَالُ لأحدهما [٦] فلان بن فلان الجمال، والآخر فلان بن فلان الحداد، فأطلقهما وأنصفهما من خصومهما [٧] ، وأحسن إليهما. فانتبهت مذعورا، ولعنت إبليس، وصليت على رسول الله ﷺ، وتحولت إلى الجانب الآخر وقمت فرأيت الشخص [٨] بعينه، فقال لي [٩] : ويلك، آمرك أن تطلق رجلين محبوسين [١٠] مظلومين من حبسك قد [١١] طال حبسهما، وأن تنصفهما من خصومهما ولا تفعل، وترجع إلى نومك؟ [لقد] [١٢] هممت أن أفعل بك. قَالَ: وكاد يمد يده إلي. فقلت: يا هذا، أرفق بي وقل لي من أنت. قَالَ: [أنا] [١٣] مُحَمَّد رسول الله [قَالَ:] فكأني [قد] [١٤] قبلت يده، وقلت: يا رسول الله، ما عرفتك. ولو كنت عرفتك ما تجاسرت على مخالفتك. قَالَ: فقم [١٥] فعجل في أمرهما الساعة كما أمرتك [١٦] . فانتبهت فاستدعيتك لتشاهد ما يجري،وطلبت صاحب الشرطة، فجرى ما رأيت. فدعوت له [١] وعظمت في نفسه ما جرى، وقلت: هذه عناية من رسول الله ﷺ يا أمير المؤمنين، ومنة من الله عليه، فليشكر الله. فقال: امض فقد أزعجتك. فمضيت إلى حجرتي. ولخمس بقين من رجب: دخل الزنج إلى الأبلة، فقتلوا فيها خلقا كثيرا، منهم: عَبْد اللَّهِ بن حُمَيْد الطوسي، وأحرقوها. وفي هذا الشهر: قدم سعيد بن صالح المعروف [بالحاجب] [٢] من قبل السلطان لحرب الزنج، واستسلم أهل عبادان لصاحب الزنج، فسلموا إليه حصنهم، وذلك أنهم رأوا ما فعل بأهل الأبلة، فضعفت قلوبهم، وخافوا على أنفسهم، فأعطوا بأيديهم، فدخلها أصحابه فأخذوا من كَانَ فيها [٣] من العبيد والسلاح، ودخلوا الأهواز، فهرب أهلها، فدخلوا فأحرقوا وقتلوا [٤] ، ونهبوا وأخربوا، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من رمضان، فانزعج أهل البصرة لذلك، ورعبوا رعبا شديدا، وانتقل أكثر أهلها عنها. وفي هذه السنة: ظهر بالكوفة علي بن زيد الطالبي، فبعث إليه [الشاه بن ميكال في] [٥] عسكر كثيف، فهزمهم، ووثب [٦] مُحَمَّد بن واصل بن إبراهيم التيمي من أهل فارس ورجل من أكرادها يُقَالُ له: أَحْمَد [٧] بن الليث بعامل فارس فقتلاه. وفيها: شخص موسى بن بغا لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال من سامراء إلى الري، وشيعه المعتمد. [وحج بالناس في هذه السنة أَحْمَد بن عيسى بن المنصور] [٨] .
- exact linked passagemedium confidencepage 4569, entry [4194]9,023 chars
ذكر طرف من سيرته كَانَ الراضي سمحا واسع النفس، أديبا شاعرا حسن البيان والفصاحة، يحب محادثة العلماء. سمع من البغوي قبل الخلافة كثيرا ووصله بمال كثير غزير، ورفع إليه أن عبد الرحمن بْن عيسى قد احتاز أموالا عظيمة، وتقرر [٧] عليه مائة ألف دينار، فحلف أنلا يقنع إلا بأدائها، فكتب الوزير أَبُو جعفر الكرخي ت…
▸ expand full passage (9,023 chars)ذكر طرف من سيرته كَانَ الراضي سمحا واسع النفس، أديبا شاعرا حسن البيان والفصاحة، يحب محادثة العلماء. سمع من البغوي قبل الخلافة كثيرا ووصله بمال كثير غزير، ورفع إليه أن عبد الرحمن بْن عيسى قد احتاز أموالا عظيمة، وتقرر [٧] عليه مائة ألف دينار، فحلف أنلا يقنع إلا بأدائها، فكتب الوزير أَبُو جعفر الكرخي تقسيطا بدأ فيه بنفسه، ودخل عليه جعفر بْن ورقاء فسلم إليه الدرج، وخاطبه ليكتب شيئا، فَقَالَ: أنا أدبر الأمر، وكتب ضمن جعفر بْن ورقاء لوكيل أمير المؤمنين مائة ألف دينار عن عبد الرحمن بْن عيسى، ونفذ بها، فلما رأى الراضي الرقعة اغتاظ وخرقها، وَقَالَ: قل له يا أعرابي جلف أردت أن تري الناس أنك واسع النفس وقد عزمت عمن لا حرمته بينك وبينه هذا المال، وضاقت نفسي أنا عن تركه وهو خادمي فتظهر أنك أكرم مني، لا كَانَ هذا، فَقَالَ ابن ورقاء: والله ما اعتمدت أن يقع في نفسه إلا هذا فيفعل ما فعله، ولو جرى الأمر بخلافه لأديت ما أملك، واستمحت الناس. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الخطيب، قَالَ: كَانَ للراضي فضائل كثيرة وختم الخلفاء في أمور عدة منها: أنه آخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال، وآخر خليفة خطب على المنبر يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وجراياته وخزانته ومطابخه ومجالسه وخدمه وحجابه وأموره كلها تجري على ترتيب المتقدمين من الخلفاء، وقد روي لنا في حديث أنه وقع حريق بالكرخ [١] ، فأطلق للهاشميين عشرة آلاف دينار وللعامة أربعين ألفا حتى عمروا ما احترق، وولع بهدم القصور من دار الخلافة وتصييرها بساتين. وله أشعار حسان منها: لا تعذلي كرمي على الإسراف ... ربح المحامد متجر الإشراف أجرى كآبائي الخلائف سابقا ... وأشيد ما قد أسست أسلافي إني من القوم الذين أكفهم ... معتادة الأخلاف والإتلاف حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ علي بن ثابت، أَخْبَرَنَا عَلِي بْن الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سمعت أبا بكر مُحَمَّد بْن يحيى الصولي يحكي: أنه دخل على الراضي وهو يبني شيئا أو يهدم شيئا فأنشده أبياتا، وَكَانَ الراضي جالسا علىآجرة حيال الصناع، قَالَ: وكنت أنا وجماعة من الجلساء، فأمرنا بالجلوس بحضرته، فأخذ كل واحد منا آجرة فجلس عليها، واتفق أني أخذت آجرتين ملتصقتين بشيء من اسفيذاج، فجلست عليهما، فلما قمنا أمر أن توزن آجرة كل واحد منا ويدفع إليه وزنها دراهم أو دنانير. قَالَ أبي: الشك مني، قَالَ: فتضاعفت جائزتي على جوائز الحاضرين بتضاعف وزن آجرتي على وزن آجرهم. ومن أشعاره: يصفر وجهي إذا تأمله ... طرفي ويحمر وجهه خجلا حتى كَانَ الذي بوجنته ... من دم جسمي إليه قد نقلا قَالَ أَبُو بكر الصولي: قد كنت قلت: أبياتا وهي: يا مليح الدلال رفقا بقلب ... يشتكي منك جفوة وملالا نطق السقم بالذي كَانَ يخفي ... فسل الجسم إن أردت سؤالا قد أتاه في النوم منك خيال ... فرآه كما اشتهيت خيالا يتحاماه للضنا ألسن العذل ... فأضحى لا يعرف العذالا فأنشدت هذه الأبيات للراضي باللَّه، فجذب الدواة وعمل من وقته: عقلي لا يقبل المحالا ... وأنت لا تبذل الوصالا ضللت في حبكم فحسبي ... حتى متى أتبع الضلالا قد زارني منكم خيال ... فزدت إذ زارني خبالا رأى خيالا على فراش ... وما أراه رأى خيالا قَالَ الصولي: فعجبت والله من سرعة فطنته. وفى هذه السنة: عظم أمر مرداويج بأصبهان، وحدث الناس أنه يريد تشعيث الدولة، وقصد بغداد، وأنه مسالم لصاحب البحرين يجتمعان على ذلك، وَكَانَ يقول: أنا أرد دولة العجم وأبطل ملك العرب، ثم أساء السيرة في أصحابه خصوصا في الأتراك، فتواطئوا على إهلاكه، ثم ورد الخبر بأن غلمانه قتلوه، وأن رئيس الغلمان غلاميعرف ببجكم زعم ابن ياقوت أنه هو الذي دبر ذلك، وكاتب فيه الغلمان. وفى هذه السنة: ارتفع أمر أبي الحسن عَلي بْن بويه الديلمي، ولبويه قصة عجيبة وهي بداية أمورهم، فلنذكرها: أنبأنا مُحَمَّد بْن عبد الباقي البزاز، أَنْبَأَنَا عَلِي بْن المحسن التنوخي، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا عَلي بْن حسان الأنباري الكاتب، قَالَ: لما أنفذني معز الدولة من بغداد إلى ديلمان لأبني له دورا في بلدة منها، قَالَ لي: سل عن رجل من الديلم يقال له: أَبُو الحسين بْن شيركوه [١] ، فأكرمه واعرف حقه وأقرئه سلامي، وقل له سمعت وأنا صبي بحديث منام كَانَ أبي رآه وفسره هو وانت على مفسر بديلمان، ولم أقم عليه للصبي، فحدثني به واحفظه لتعيده عَلي. فلما جئت إلى ديلمان جاءني رجل مسلما، فعلمت بأنه كَانَ بينه وبين بويه والد الأمير صداقة فأكرمته وعظمته وأبلغته رسالة معز الدولة، فَقَالَ لي: كانت بيني وبين بويه مودة وكيدة، وهذه داره ودارى متحاذيتان كما ترى، وأومأ إليهما، فَقَالَ لي. ذات يوم: إنى قد رأيت رؤيا هالتني فاطلب لي إنسانا يفسرها لي، فقلت: نحن هاهنا في مفازة فمن أين لنا من يفسر، ولكن اصبر حتى يجتاز بنا منجم أو عالم فنسأله، ومضى على هذا الأمر شهور فخرجت أنا وهو في بعض الأيام إلى شَاطِئ البحر نصطاد سمكا، فجلسنا فاصطدنا شيئا [٢] كثيرا، فحملناه على ظهورنا أنا وهو، وجئنا فقال لي: ليس في داري من يعمله فخذ الجميع إليك ليعمل عندك، فأخذته وقلت له: فتعال إلي لنجتمع عليه، ففعل فقعدنا أنا وهو وعيالي ننظفه ونطبخ بعضه ونشوى الباقي، واذا رجل مجتاز يصيح منجم مفسر للرؤيا، فقال لي: يا أبا الحسين تذكر ما قلته لك بسبب المنام رأيته فقلت: بلى، فقمت وجئت بالرجل، فَقَالَ له بويه: رأيت ليلة في منامي كأني جالس أبول، فخرج من ذكري نار عظيمة كالعمود، ثم تشعبت يمنة ويسرة وأماما وخلفا حتى ملأت الدنيا، وانتبهت، فما تفسير هذا؟ فَقَالَ له: الرجل: لا أفسرها لك بأقل من ألف درهمقال: فسخرنا [١] منه، وقلنا له: ويحك نحن فقراء نخرج نصيد سمكا لنأكله والله ما رأينا هذا قط ولا عشره، ولكنا نعطيك سمكة من أكبر هذا السمك، فرضي بذلك، وَقَالَ له: يكون لك أولاد يفترقون في الدنيا فيملكونها ويعظم سلطانهم فيها على قدر ما احتوت النار التي رأيتها في المنام عليه من الدنيا قَالَ: فصفعنا الرجل، وقلنا: سخرت منا وأخذت السمكة حراما، وَقَالَ له: بويه ويلك أنا صياد فقير كما ترى وأولادي هم هؤلاء وأومأ إلى عَلي بْن بويه، وَكَانَ أول ما اختط عارضه، والحسن وهو دونه، وأحمد وهو فوق الطفل قليلا. ومضت السنون وأنسيت المنام حتى خرج بويه إلى خراسان، وخرج عَلي بْن بويه، فبلغنا حديثه وأنه قد ملك أرجان، ثم ملك فارس كلها، فما شعرنا إلا بصلاته قد جاءت إلى أهله وشيوخ بلد [٢] الديلم، وجاءني رسوله يطلبني، فطلبني فخرجت ومشيت إليه [٣] ، فهالني ملكه وأنسيت المنام/ وعاملني من الجميل والصلات بأمر عظيم، وَقَالَ لي وقد خلونا: يا أبا الحسين تذكر منام أبي الذي ذكرتموه للمفسر وصفعتموه لما فسره لكم، فاستدعى عشرة آلاف دينار فدفعها إلي وَقَالَ: هذا من ثمن تلك السمكة خذه، فقبلت الأرض، فَقَالَ لي: تقبل تدبيري؟ فقلت: نعم، قَالَ: انفذها إلى بلد الديلم، واشتر بها ضياعا هناك ودعني أدبر أمرك بعدها، ففعلت وأقمت عنده مدة ثم استأذنته في الرجوع، فَقَالَ: أقم عندي فإنّي أقودك وأعطيك إقطاعا بخمسمائة ألف درهم في السنة، فقلت له: بلدي أحب إلي، فأحضر عشرة آلاف دينار أخرى فأعطاني إياها، وَقَالَ: لا يعلم أحد فإذا حصلت ببلد الديلم فادفن منها خمسة آلاف استظهارا على الزمان، وجهز بناتك بخمسة آلاف، ثم أعطاني عشرة دنانير، وَقَالَ: احتفظ بهذه ولا تخرجها من يدك، فأخذتها فإذا في كل واحد مائة [٤] دينار وعشرة دنانير فودعته وانصرفت.قَالَ أَبُو الْقَاسِم: فحفظت القصة فلما عدت إلى معز الدولة حدثته بالحديث فسر به وتعجب، وَكَانَ بويه يكنى أبا شجاع، وينسب إلى سابور ذي الأكتاف، وأولاد بويه ثلاثة أكبرهم أَبُو الحسن عَلي ولقبه عماد الدولة، وأبو عَلي الحسن ولقبه ركن الدولة، وأبو الحسين أَحْمَد ولقبه معز الدولة، لقبهم بهذه الألقاب المستكفي باللَّه، وكانوا فقراء ببلد الديلم. ويحكي معز الدولة أنه كَانَ يحتطب على رأسه ثم خدموا مرداويج، وَكَانَ أَبُو الحسن عَلي بْن بويه الديلمي أحد قواد مرداويج [١] بْن زيار الديلمي، وقد ذكرنا حال مرداويج في سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وَكَانَ قد أنفذ عليا إلى الكرج يستحث له على حمل مال، فلما حصل بها استوحش من مرداويج وأخذ المال المستخرج لنفسه، وهو خمسمائة ألف درهم، وصار إلى همدان فأغلقت أبوابها دونه، ففتحها عنوة وقتل من أهلها خلقا كثيرا ثم صار [منها] [٢] إلى أصبهان فدخلها وملكها، فأنفذ إليه مرداويج جيشا فخرج منها إلى أرجان [فاستخرج منها [نحوا من] [٣] مائتي ألف دينار، وصار إلى كازرون وبلد سابور] [٤] فاستخرج نحو خمسمائة ألف دينار مع كنوز كثيرة وجدها، فزاد عدده [٥] وقويت شوكته، وملك شيراز، وطلب منه أصحابه المال ولم يكن معه ما يرضيهم، فأشرف على انحلال أمره فاغتم، واستلقى على ظهره مفكرا، فإذا حية قد خرجت من سقف ذلك المجلس فدخلت موضعا آخر، فدعا الفراشين ليبحثوا عنها، فوجدوا ذلك السقف يفضي إلى غرفة بين سقفين، فأمر بفتحها ففتحت، فإذا فيها صناديق من المال والصياغات ما قيمته خمسون ألف دينار، فأخذ المال وفرقه عليهم، فثبت أمره وَكَانَ قد وصف [له خياط [٦] يخيط] لبعض من كَانَ يحاربه فأحضره، وَكَانَ بالخياط طرش، فظن أنه قد سعى به إليه، فلما خاطبه في خياطة الثياب، وكان جوابه:والله ما لفلان عندي إلا اثنا عشر صندوقا، فما أدري ما فيها؟ فتعجب عَلي بْن بويه من الجواب ووجه من حملها، فوجد فيها مالا عظيما، وَكَانَ قد ركب يوما وطاف في خرابات البلد يتأمل أبنية الأوائل وآثارهم، فتهور تحت قوائم فرسه فاستراب بذلك الموضع [١] ، وأمر بالكشف عنه، فإذا مال عظيم. ولما تمكن عَلي بْن بويه من البلد أراد أن يقاطع السلطان عنه ويتقلده من قبله، فراسل الراضي بذلك، فأجابه فضمنه بثمانية آلاف درهم [٢] خالصة للحمل بعد النفقات والمؤن، فأنفذ إليه ابن مقلة خلعة ولواء [٣] ، وأمر أن لا يسلم إليه حتى يعطي المال [فتلقى الرسول فطالبه [٤] بالمال] فخاشنه وأرهبه، فأعطاه الخلع وبقي عنده مدة وهو يماطله بالمال حتى توفي الرسول. وهو أول الملوك الذين افتتحت بهم الدولة الديلمية، وَكَانَ عاقلا سخيا شجاعا، وتوفي على بشيراز في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. وظهر ببغداد رجل يعرف بأبي جعفر مُحَمَّد بْن عَلي الشلمغاني، ويعرف بابن أبي العزاقير، وَكَانَ قد ظهر وحامد بْن العباس في الوزارة، وذكر عنه أنه يقول بتناسخ اللاهوت، وأن اللاهوت قد حل فيه فاستتر، ثم ظهر في زمان الراضي، وقيل: إنه يدعي أنه إله فاستحضر بحضرة الراضي فأنكر ما ادعي عليه، وَقَالَ: أنا أباهل من يدعي عَلي هذه المقالة، فإن لم تنزل العقوبة على من باهلني بعد ثلاثة أيام وأقصاه بسبعة أيام فدمي لكم حلال؟ فأنكر هذا القول عليه، وقيل: يدعي علم الغيب، وأفتى قوم بأن دمه حلال إلا أن يتوب من هذه المقالة، فضرب ثمانين سوطا ثم قتل وصلب.