ابن القلانسي - تاريخ دمشق لابن القلانسي
full-text— · 2 entries
- legacy full passagepage 347, entry [106]3,625 chars
سنة خمس عشرة وخمسمائة في هذه السنة وردت الأخبار بقتل الأفضل بن أمير الجيوش صاحب الأمر بمصر ﵀ ثاني عيد الفطر بأمر رتب له وعمل فيه عليه إلى حين أمكنت الفرصة فيه فانتهزت الفرصة وصودف راكباً في موكبه مجتازاً في بعض أسواق القاهرة وقد كان على غاية من التحرز والتحفظ واستعمال الاحتراس والتيقظ لا سيما من الط…
▸ expand full passage (3,625 chars)سنة خمس عشرة وخمسمائة في هذه السنة وردت الأخبار بقتل الأفضل بن أمير الجيوش صاحب الأمر بمصر ﵀ ثاني عيد الفطر بأمر رتب له وعمل فيه عليه إلى حين أمكنت الفرصة فيه فانتهزت الفرصة وصودف راكباً في موكبه مجتازاً في بعض أسواق القاهرة وقد كان على غاية من التحرز والتحفظ واستعمال الاحتراس والتيقظ لا سيما من الطائفة الباطنية والاحتياط منهم بأنواع السلاح ووافر الغلمان والخدم والعبيد والعدد المختلفة والسيوف الماضية وكان المرتب لقتله والمرصد له جماعة فوثب عليه رجل من بعض الشوارع بحيث شغل أصحاب الركاب ووثب الآخر من بين يديه فضربه ضربات سقط بها عن ظهر جواده إلى الأرض وقتلا في الحال وحمل إلى داره وبه رمق وتوفي ﵀ من يومه وادعى إن الباطنية تولوا قتلهوليس ذلك صحيحاً بل ذلك ادعاء باطل ومحال زائل وإنما السبب الذي اجتمعت عليه الروايات الصحيحة التي لا تشك في هذا الأمر فساد ما بينه وبين مولاه الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين لتضييقه عليه ومنعه مما تميل نفسه إليه ومنافرته إياه في بعض الأوقات. وقد كان هذا الخلف المستمر بينهما قد ظهر بمصر لكثير من أهلها وتحدثوا فيه وكان الآمر قد عزم على اغتياله إذا دخل عليه في قصره للسلام عليه أو في أيام أعياد وقويت نفسه على اتمام هذا الأمر فمنعه من ذلك الأمير أبو الميمون عبد المجيد وقال له: إن هذا الأمر إذا تم على هذه القضية كان فيه شناعة وسوء سمعة لأن هذا وأباه في خدمتنا منذ خمسين سنة لا يعرف الناس في سائر أقطار البلاد غير هذا فما يقال في مثل هذه الحال في مجازاتنا لمن هذه صفته هذه المجازاة الشنيعة والمكافأة الفظيعة وما العذر في ذاك إلى الناس وهم لا يعلمون ما في نفوسنا له وما ننقم عليه بسببه وما يعرفون منه في ظاهر الأمر إلا الموالاة الخالصة والطاعة الصادقة والذب عن الدولة والمحاماة عنها ولا بد أن تدعو الضرورة إلى إقامة غيره في مكانه والاعتماد عليه في منصبه فيتمكن كتمكنه أو بعضه فتحذر من الدخول إلى قصرنا خوفاً على نفسه مما جرى على غيره وإن دخل علينا كان خائفاً معداً وإن خرج عنا خرج وجلاً مستعداً. وفي هذا الفعل ما يؤكد الوحشة ويدل على فساد التدبير في اليوم وفيما بعد بل الصواب في التدبير أن تستميل أبا عبد الله محمد بن البطائحي الغالب على أمره المطلع على سره وجهرهوتراسله وتعده وتمنيه وتطمعه في منصبه فإنه يجيب إلى ذلك ويعين عليه لأمرين أحدهما ديناً لأن مذهبه مذهبنا واعتقاده موالاتنا ومحبتنا والثاني للدنيا وحبها وكونه يصير في منصبه فيها ويدبر الأمر عليه بمن لا يعرف ولا يوبه له ولا يلتفت إليه ممن يغتاله إذا ركب فإذا ظفرنا بمن قتله قتلناه وأظهرنا الطلب بدمه والحزن عليه والأسف لفقده فيكون عذرنا عند كافة الرعية مبسوطاً ويزول عنا قبح القالة وسوء السمعة فاستقر الأمر على هذه القضية وشرع في اتمامه والحال فيه ظاهرة وقضى الله عليه قضاء المحتوم وسر الآمر بمقتله سروراً غير مستور عن كافة الخاصة بمصر والقاهرة. وقيل إن الموضع الذي قتل فيه بمصر عند كرسي الجسر في رأس السويقتين في يوم الأحد سلخ شهر رمضان سنة ٥١٥ وعمره إذ ذاك ٥٧ سنة لأن مولده كان بعكاء سنة ٤٥٨ وكان حسن الاعتقاد في مذهب السنة جميل السيرة موثراً للعدل في العسكرية والرعية صائب الرأي والتدبير عالي الهمة ماضي العزمة ثاقب المعرفة صافي الحس كريم النفس صادق الحدس عادلاً عن الجور حائداً عن مذاهب الظلم فبكته العيون وحزنت له القلوب ولم يأت الزمان بعده بمثله ولا حمد التدبير عند فقده وانتقل الأمر بعده إلى صاحبه الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين واشتمل على خزائنه وأمواله وذخائره وكراعه وأثاثه وهو الغاية في الكثرة والوفور وانتظمت للآمر الأمور على المأثور وأقام أبا عبد الله بن البطائحي ووفى له بوعده ولقبه بالمأمون وبسط يده في البرم والنقض والرفع والخفضووردت الأخبار في هذه السنة بظهور الكرج من الدروب وقصدهم بلاد الملك طغرل فاستنجد بالأمير نجم الدين ايل غازي بن ارتق صاحب حلب وبالتركمان وبالأمير دبيس بن صدقة بن مزيد فأجابوا إلى ما دعاهم إليه وبعثهم عليه وتوجهوا نحوه في خلق عظيم فانهزم جمع الكرج خوفاً وعاد فرقاً وضايقهم المسلمون وضايقوهم في الدروب فعادوا على المسلمين فهزموهم وقتلوا منهم مقتلةً عظيمةً وقصدوا مدينة تفليس فافتتحوها بالسيف وقتلوا من كان فيهاوفي هذه السنة هبت بمصر ربيح سوداء ثلاثة أيام فأهلكت شيئاً كثيراً من الناس والحيوان
- legacy full passagepage 347, entry [106]3,625 chars
سنة خمس عشرة وخمسمائة في هذه السنة وردت الأخبار بقتل الأفضل بن أمير الجيوش صاحب الأمر بمصر ﵀ ثاني عيد الفطر بأمر رتب له وعمل فيه عليه إلى حين أمكنت الفرصة فيه فانتهزت الفرصة وصودف راكباً في موكبه مجتازاً في بعض أسواق القاهرة وقد كان على غاية من التحرز والتحفظ واستعمال الاحتراس والتيقظ لا سيما من الط…
▸ expand full passage (3,625 chars)سنة خمس عشرة وخمسمائة في هذه السنة وردت الأخبار بقتل الأفضل بن أمير الجيوش صاحب الأمر بمصر ﵀ ثاني عيد الفطر بأمر رتب له وعمل فيه عليه إلى حين أمكنت الفرصة فيه فانتهزت الفرصة وصودف راكباً في موكبه مجتازاً في بعض أسواق القاهرة وقد كان على غاية من التحرز والتحفظ واستعمال الاحتراس والتيقظ لا سيما من الطائفة الباطنية والاحتياط منهم بأنواع السلاح ووافر الغلمان والخدم والعبيد والعدد المختلفة والسيوف الماضية وكان المرتب لقتله والمرصد له جماعة فوثب عليه رجل من بعض الشوارع بحيث شغل أصحاب الركاب ووثب الآخر من بين يديه فضربه ضربات سقط بها عن ظهر جواده إلى الأرض وقتلا في الحال وحمل إلى داره وبه رمق وتوفي ﵀ من يومه وادعى إن الباطنية تولوا قتلهوليس ذلك صحيحاً بل ذلك ادعاء باطل ومحال زائل وإنما السبب الذي اجتمعت عليه الروايات الصحيحة التي لا تشك في هذا الأمر فساد ما بينه وبين مولاه الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين لتضييقه عليه ومنعه مما تميل نفسه إليه ومنافرته إياه في بعض الأوقات. وقد كان هذا الخلف المستمر بينهما قد ظهر بمصر لكثير من أهلها وتحدثوا فيه وكان الآمر قد عزم على اغتياله إذا دخل عليه في قصره للسلام عليه أو في أيام أعياد وقويت نفسه على اتمام هذا الأمر فمنعه من ذلك الأمير أبو الميمون عبد المجيد وقال له: إن هذا الأمر إذا تم على هذه القضية كان فيه شناعة وسوء سمعة لأن هذا وأباه في خدمتنا منذ خمسين سنة لا يعرف الناس في سائر أقطار البلاد غير هذا فما يقال في مثل هذه الحال في مجازاتنا لمن هذه صفته هذه المجازاة الشنيعة والمكافأة الفظيعة وما العذر في ذاك إلى الناس وهم لا يعلمون ما في نفوسنا له وما ننقم عليه بسببه وما يعرفون منه في ظاهر الأمر إلا الموالاة الخالصة والطاعة الصادقة والذب عن الدولة والمحاماة عنها ولا بد أن تدعو الضرورة إلى إقامة غيره في مكانه والاعتماد عليه في منصبه فيتمكن كتمكنه أو بعضه فتحذر من الدخول إلى قصرنا خوفاً على نفسه مما جرى على غيره وإن دخل علينا كان خائفاً معداً وإن خرج عنا خرج وجلاً مستعداً. وفي هذا الفعل ما يؤكد الوحشة ويدل على فساد التدبير في اليوم وفيما بعد بل الصواب في التدبير أن تستميل أبا عبد الله محمد بن البطائحي الغالب على أمره المطلع على سره وجهرهوتراسله وتعده وتمنيه وتطمعه في منصبه فإنه يجيب إلى ذلك ويعين عليه لأمرين أحدهما ديناً لأن مذهبه مذهبنا واعتقاده موالاتنا ومحبتنا والثاني للدنيا وحبها وكونه يصير في منصبه فيها ويدبر الأمر عليه بمن لا يعرف ولا يوبه له ولا يلتفت إليه ممن يغتاله إذا ركب فإذا ظفرنا بمن قتله قتلناه وأظهرنا الطلب بدمه والحزن عليه والأسف لفقده فيكون عذرنا عند كافة الرعية مبسوطاً ويزول عنا قبح القالة وسوء السمعة فاستقر الأمر على هذه القضية وشرع في اتمامه والحال فيه ظاهرة وقضى الله عليه قضاء المحتوم وسر الآمر بمقتله سروراً غير مستور عن كافة الخاصة بمصر والقاهرة. وقيل إن الموضع الذي قتل فيه بمصر عند كرسي الجسر في رأس السويقتين في يوم الأحد سلخ شهر رمضان سنة ٥١٥ وعمره إذ ذاك ٥٧ سنة لأن مولده كان بعكاء سنة ٤٥٨ وكان حسن الاعتقاد في مذهب السنة جميل السيرة موثراً للعدل في العسكرية والرعية صائب الرأي والتدبير عالي الهمة ماضي العزمة ثاقب المعرفة صافي الحس كريم النفس صادق الحدس عادلاً عن الجور حائداً عن مذاهب الظلم فبكته العيون وحزنت له القلوب ولم يأت الزمان بعده بمثله ولا حمد التدبير عند فقده وانتقل الأمر بعده إلى صاحبه الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين واشتمل على خزائنه وأمواله وذخائره وكراعه وأثاثه وهو الغاية في الكثرة والوفور وانتظمت للآمر الأمور على المأثور وأقام أبا عبد الله بن البطائحي ووفى له بوعده ولقبه بالمأمون وبسط يده في البرم والنقض والرفع والخفضووردت الأخبار في هذه السنة بظهور الكرج من الدروب وقصدهم بلاد الملك طغرل فاستنجد بالأمير نجم الدين ايل غازي بن ارتق صاحب حلب وبالتركمان وبالأمير دبيس بن صدقة بن مزيد فأجابوا إلى ما دعاهم إليه وبعثهم عليه وتوجهوا نحوه في خلق عظيم فانهزم جمع الكرج خوفاً وعاد فرقاً وضايقهم المسلمون وضايقوهم في الدروب فعادوا على المسلمين فهزموهم وقتلوا منهم مقتلةً عظيمةً وقصدوا مدينة تفليس فافتتحوها بالسيف وقتلوا من كان فيهاوفي هذه السنة هبت بمصر ربيح سوداء ثلاثة أيام فأهلكت شيئاً كثيراً من الناس والحيوان