legacy full passagepage 70, entry [16]7,960 chars
رحلته إلى مصر وكان التاريخ قد ملك عليه عقله وقلبه، فهو منذ أن بدأ اهتمامه به، انكب على كتبه يطالعها، وعلى حوادثه وأخباره يدونها، جامعا شواردها من أفواه شيوخه، ومما يطلع عليه من كتاب وقف أو محضر اجتماع، أو قصيدة شاعر، أو مراسلات سلطان، حتى استطاع في مدة وجيزة أن يقف على جملة من أحوال المتقدمين والمتأ…
▸ expand full passage (7,960 chars)▾ collapse
رحلته إلى مصر وكان التاريخ قد ملك عليه عقله وقلبه، فهو منذ أن بدأ اهتمامه به، انكب على كتبه يطالعها، وعلى حوادثه وأخباره يدونها، جامعا شواردها من أفواه شيوخه، ومما يطلع عليه من كتاب وقف أو محضر اجتماع، أو قصيدة شاعر، أو مراسلات سلطان، حتى استطاع في مدة وجيزة أن يقف على جملة من أحوال المتقدمين والمتأخرين من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين، والخلفاء والسلاطين، والفقهاء والمحدثين، والأولياء والصالحين، والشعراء والنحويين، وأصناف الخلق الباقين (¬١). وتاقت نفسه لمعرفة المزيد، فتشوف إلى زيارة مصر، موطن شيوخه، وموئل علمهم: علم الدين السخاوي، وتقي الدين خزعل، وأبي عمرو بن الحاجب، وموطن صديقه الحبيب ظهير الدين عبد الغني، ولطالما حدثوه عنها، وأفاضوا في أخبارها. ويغادر دمشق مع القافلة المتجهة إلى مصر في آخر شهر ربيع الآخر سنة (¬٢) (٦٢٨ هـ/ ١٢٣١ م)، وبدل أن يؤم القاهرة يتابع طريقه إلى دمياط، فتكون أولى محطاته، فيصل إليها في يوم من أيام جمادى الأولى، ويقيم فيها نحو شهر (¬٣).كانت دمياط في ذاكرته وقلبه منذ حاصرها الصليبيون سنة (٦١٥ هـ/ ١٢١٨ م) يومها راح يتتبع أخبار حصارها الآثم، وصمودها الرائع، ثم سقوطها المفجع تحت سنابك خيل الصليبيين في (٢٥) شعبان سنة (٦١٦ هـ/ ١٢١٩ م) وما يزال يذكر ألم شيخه السخاوي، وهو يصف له برجها العظيم، برج السلسلة (¬١). ها هو الآن في دمياط، وقد تطهرت من دنس الصليبيين سنة (٦١٨ هـ/ ١٢٢١ م)، وها هو الآن يقف أمام برجها العظيم، قفل مصر، فيراه كما وصفه شيخه حقا. ويزور فيمن يزور شيخ دمياط أبا الحسن بن قفل، وهو ممن عاش محنتها، فإذا هو شيخ كبير، كان يحكي لكل من يزوره ما فعل الصليبيون بدمياط وقت استيلائهم عليها، كان أهلها قد فتحوا لهم أبوابها بعد أن عجز سلطانهم الكامل عن نصرتهم، مغترين بما بذل لهم الصليبيون من الأمان، حتى إذا رفعوا أعلامهم على سورها، غدروا بأهلها، ووضعوا فيهم السيف قتلا وأسرا، وباتوا تلك الليلة يفجرون بالنساء، وأخذوا منبر جامعها، وكان من الأبنوس، والمصاحف، ورؤوس القتلى، وبعثوا بها إلى بلادهم آية على انتصارهم، وحولوا جامعها كنيسة (¬٢). كان الشيخ يحكي، وأبو شامة يصغي، ودمياط تحاول لملمة أحزانها وجراحها وقد مضى على محنتها نحو عشر سنين. * * * وينتقل أبو شامة في جمادى الآخرة إلى القاهرة، ويقيم فيها نحو خمسة أشهر (¬٣)، ولعل أول من زار فيها قبر الإمام العالم الزاهد أبي القاسم الشاطبي في القرافة بتربة سارية (¬٤)، وما تزال في سمعه أحاديث شيخه السخاوي وكان منأجل أصحابه - عن زهده وورعه وعلمه، وقد كانت قصيدته في القراءات «حرز الأماني» من أوائل ما حفظ بعد كتاب الله (¬١)، هذه القصيدة التي نبغت في آخر الدهر أعجوبة لأهل العصر، وكل عصر، فنبذ الناس سواها من مصنفات القراءات، وأقبلوا عليها لما حوت من ضبط المشكلات وتقييد المهملات، مع صغر الحجم وكثرة العلم، وكان شيخه السخاوي هو الذي شهرها بين الناس، وبين معانيها، وكم قرأ هذه القصيدة بين يدي شيخه، وكم سمعها منه، وفي كل مرة كان ينفتح له من فوائدها باب، ومن معانيها ما لم يكن في حساب، وقد اختصه شيخه فيها بمعاني لم يودعها كتابه حين شرحها، ولم يعرفها أصحابه (¬٢). ويجد عند أصحاب الشاطبي، ومن قرأ عليه من الإعجاب به مثلما كان يجد عند شيخه السخاوي، فيقول: رأيت جماعة فضلاء فازوا … برؤية شيخ مصر الشاطبي وكلهم يعظمه ويثني … كتعظيم الصحابة للنبي (¬٣) ومن هؤلاء الأصحاب - الذين التقاهم أبو شامة - الشيخ أبو الطاهر محمد بن الحسين بن عبد الرحمن الجابري، من ولد الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁. وكان الجابري يخطب في جامع عمرو بن العاص (¬٤)، فكان أبو شامة - وقد أعجب بتدينه - يجتمع به كلما سنح له الوقت، ولربما طلب الجابري من أبي شامة، وقد عرف منزلته في العلم أن يقرئ في الجامع شيئا من علوم العربية، فكان ممنقرأ عليه عز الدين أيبك المحيوي (¬١)، غلام الوزير محيي الدين ابن ندى الجزري (¬٢). وفي القاهرة يلتقي مرة أخرى إماما من أئمة القراءات هو محمد بن عمر بن يوسف القرطبي (¬٣)، وكان قد التقاه في المدينة المنورة في حجته الأولى سنة (¬٤) (٦٢١ هـ/ ١٢٢٤ م). ويجتمع مرة أخرى كذلك بالقاضي ابن شداد، وكان قد التقاه بدمشق سنة (¬٥) (٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م)، وكان ابن شداد قد قدم القاهرة من حلب لإحضار ابنة الكامل فاطمة خاتون زوجة العزيز بن الظاهر، فيجلس عند قبرالشافعي، وهناك يسمع عليه أبو شامة دروسا في الحديث النبوي الشريف (¬١). ويحضر دروس الزين النحوي يحيى بن معطي، وكان آية في حفظ كلام النحويين (¬٢). ويزور في دار الحديث الكاملية بين القصرين الشيخ الحافظ أبا الخطاب ابن دحية، وكان يدرس بها، ويأخذ منه إجازة (¬٣). وقد حضر عنده ذات يوم، وهو يقرأ عليه «صحيح مسلم»، وكان قد وصل فيه إلى حديث أنس بن مالك (¬٤) ﵁ أن نبي الله ﷺ ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل، قال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا. فأخبر بها معاذ عند موته تأثما (¬٥). وكان أبو شامة يستشكل هذا الحديث، ويقول: أي إثم كان يلحقه لو لم يخبر به حتى تجنب الإثم بإخباره، غايته أن يقال: جاءت آثار وأخبار تقتضي الأمر بالتبليغ والنهي عن الكتمان نحو ﴿إن الذين يكتمون﴾، «بلغوا عني ولو آية»، نضر الله امرءا ونحو ذلك، إلا أن هذه الأشياء غايتها أن تكون عامة في جميع ما سمع من النبي ﷺ حتى تتناول محل النزاع، وفي محل النزاع دليل يخصه يقتضي منع الإعلام، والخاص مقدم على العام (¬٦).ووجدها أبو شامة فرصة حين سمع الحديث، فأورد على الشيخ أبي الخطاب هذا الإشكال، فما كان من أبي الخطاب إلا أن صاح، وقال: هذا جدل، والتفت إلى أبي شامة بعض أصحاب الشيخ، مشيرين إليه أن يسكت، فسكت (¬١). وكان مما سمعه أبو شامة من أبي الخطاب كتاب ألفه في «أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب» (¬٢). ويغتنم أبو شامة وجوده في القاهرة، فيزور دار الوزارة، ويطلع على بعض ما فيها من وثائق ومراسلات، وينسخها، ومما اطلع عليه توقيع كتب في ذي القعدة سنة (٥٤١ هـ/ ١١٤٧ م) عن خليفة مصر يومئذ الحافظ لدين الله، وعليه علامته: الحمد لله رب العالمين (¬٣). واطلع على كتب وزير مصر الأفضل عباس بن أبي الفتوح، ورأى علامته في الكتب: الحمد الله وبه أثق (¬٤). ووقف على نسخة سجل بإسقاط المكوس بمصر قرئ على المنبر بالقاهرة يوم الجمعة بعد العصر ثالث صفر سنة (٥٦٧ هـ/ ١١٧١ م) عن السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في أيام نور الدين (¬٥)، ووقف على كتب بخط صلاح الدين (¬٦)، والقاضي الفاضل (¬٧). ويزور قلعة الجبل، ويلتقي فيها الأمير أبا الفتوح بن العاضد، وهو ابن آخرالخلفاء الفاطميين، وهو محبوس فيها، يرسف في أغلاله، ويسأله أبو شامة عن بعض الوقائع التي عاصرها، فكان مما أخبره به أن أباه العاضد استدعى صلاح الدين في مرضه، فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا (¬١). وكان صلاح الدين بعد موت العاضد سنة (٥٦٧ هـ/ ١١٧١ م) قد أقام أبناء الفاطميين في إيوان القصر، واحترز عليهم في ذلك المكان، وأبعد عنهم النساء لئلا يتناسلوا، فيكثروا (¬٢). ثم أخرجوا من القصر سنة (٥٦٩ هـ/ ١١٧٤ م) بعد صلب عمارة اليمني، وكان قد حاول قلب دولة صلاح الدين، وإرجاع الفاطميين (¬٣). ومما أخبره به أبو الفتوح أن صلاح الدين جعلهم في دار برجوان، في الحارة المنسوبة إليه بالقاهرة، وهي دار كبيرة واسعة، وكان عيشهم فيها طيبا، ثم نقلوا بعد الدولة الصلاحية منها، وأبعدوا عنها (¬٤). وكان أبو شامة يدون بشغف كل ما يسمعه، وحين شعر أن كل ما أحب أن يحصل عليه قد جمعه عزم على الخروج إلى الإسكندرية، ولكن قبل أن يغادر القاهرة توفي في مستهل ذي الحجة سنة (٦٢٨ هـ/ ١٢٣١ م) شخه زين الدين النحوي، فحضر الصلاة عليه تحت القلعة، وكان ممن حضر السلطان الكامل، ثم ودع أبو شامة شيخه، وهو يدفن بالقرافة، وودع القاهرة (¬٥). * * * ويصل إلى الإسكندرية في ذي الحجة، ويقيم فيها نحو أربعة أشهر (¬٦)، ولعلأول من زار فيها قبر حافظها الكبير أبي طاهر السلفي، داخل الباب الأخضر (¬١)، فقد كانت منزلته عنده كمنزلة الشاطبي في القاهرة، ويسعى إلى لقاء أصحابه، فيلتقي منهم في جامعها المقرئ المحدث أبا الفضل جعفر بن علي بن أبي البركات بن جعفر بن يحيى الهمداني (¬٢)، ويلتقي مقرئ الإسكندرية الشيخ عيسى بن عبد العزيز بن عيسى بن عبد الواحد الإسكندراني، وكانت له مسموعات كثيرة على الحافظ السلفي، وهو من كبار القراء، فيجيزه بجميع ما يرويه (¬٣). غير أن الزيارة التي تركت في نفسه أثرا لا يمحى هي زيارته إلى زاهد الإسكندرية الشيخ محمد بن منصور بن يحيى القباري مع جماعة من الفضلاء، كان للشيخ محمد بستان يفلحه ويزرعه بنفسه، ويأكل من ثماره وزرعه، ويتورع في تحصيل بذره، حتى إنه كان إذا رأى ثمرة ساقطة تحت أشجاره، ولا يشاهد سقوطها، يتورع من أكلها، خوفا من أن تكون من شجرة غيره، قد حملها طائر، فسقطت منه في بستانه. حين زاره أبو شامة كان الشيخ محمد في الواحدة والأربعين من عمره، وقد وافقه يسقي بستانه في جرار ماء من الخليج على حمار له، وكان الماء في الخليج قليلا، قال أبو شامة: «فأجلسنا إلى أن تم عمله، ثم قدم لنا من ثمر غيطه، وكذا كانت عادته مع كل من يزوره من الملوك وغيرهم» (¬٤). وستبقى صورة هذا الشيخ المترفع عن الدنيا وحطامها، الزاهد بما في أيدي الناس، القانع بما تخرجه أرضه من ثمار، في ذاكرة أبي شامة، وسيكون له تأثير عليه في القادم من أيامه (¬٥).