Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة:

قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة:

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

4 books · 9 entries
Research data and provenancemoderate dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
moderate
Source entries
4
Strong identity entries
0
Chronology hints
0
Attribute hints
0
Relation hints
2
Assessment hints
4
Known assessors
2

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

4 books · 9 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

4 exact linked passages1 legacy full passages4 assessment hints0 assessment snippets

شمس الدين الذهبي - تاريخ الإسلام - ت بشار

full-text

— · 2 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 580, entry [156]28,780 chars
    قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة خرج إليها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة ست. قاله نافع، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق، وغيرهم. وعروة في مغازيه، رواية أبي الأسود (¬٥). وتفرد علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في رمضان. وكانت الحديبية في شوال (¬٦). وفي الصحيحين (¬٧)…
    ▸ expand full passage (28,780 chars)
    قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة خرج إليها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة ست. قاله نافع، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق، وغيرهم. وعروة في مغازيه، رواية أبي الأسود (¬٥). وتفرد علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في رمضان. وكانت الحديبية في شوال (¬٦). وفي الصحيحين (¬٧) عن هدبة، عن همام، قال: حدثنا قتادة، أن أنساأخبره أن نبي الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا العمرة التي مع حجته، عمرة الحديبية زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل، وعمرة من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. وقال الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها. أخرجه البخاري (¬١). وقال شعبة، عن عمرو بن مرة سمع ابن أبي أوفى - وكان قد شهد بيعة الرضوان - قال: كنا يومئذ ألفا وثلاث مائة. وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين. أخرجه مسلم (¬٢). وعلقه البخاري في صحيحه (¬٣). وقال حصين بن عبد الرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. متفق عليه (¬٤). وخالفه الأعمش، عن سالم، عن جابر، فقال: كنا أربع عشرة مائة، أصحاب الشجرة. اتفقا عليه أيضا. وكأن جابرا قال ذلك على التقريب. ولعلهم كانوا أربع عشرة مائة كاملة تزيد عددا لم يعتبره، أو خمس عشرة مائة تنقص عددا لم يعتبره. والعرب تفعل هذا كثيرا، كما تراهم قد اختلفوا في سن رسول الله ﷺ، فاعتبروا تارة السنة التي ولد فيها والتي توفي فيها فأدخلوهما في العدد. واعتبروا تارة السنين الكاملة وسكتوا عن الشهور الفاضلة. ويبين هذا أن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة. قلت: إن جابرا قال: كانوا أربع عشرة مائة. قال: يرحمه الله -، وهم. هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرةمائة. أخرجه البخاري (¬١). وقال عمرو بن دينار: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة. فقال لنا رسول الله ﷺ: أنتم خير أهل الأرض. اتفقا عليه من حديث ابن عيينة (¬٢). وقال الليث، عن أبي الزبير، عن جابر: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة. صحيح (¬٣). وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: نحرنا عام الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة. قلنا لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفا وأربع مائة بخيلنا ورجلنا. وكذلك قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع، في أصح الروايتين عنه. والمسيب بن حزم، من رواية قتادة، عن سعيد، عن أبيه. قال البخاري (¬٤): معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان بن الحكم، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه. حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة. وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش. وسار حتى إذا كان بعذبة (¬٥) الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ: أشيروا علي. أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن لجوا تكن عنقا قطعهاالله. أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ قال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. قال: فروحوا إذا. قال الزهري في الحديث: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين. فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش (¬١)، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته فقال الناس: حل حل، فألحت (¬٢)، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء (¬٣). قال: فروحوا إذا. قال الزهري: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ. قال المسور ومروان في حديثهما: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ: إن خالد بن الوليد ب لغميم في خيل لقريش - رجع الحديث إلى موضعه - قال النبي ﷺ: ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها فوثبت به. قال: فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، إنما يتبرضه الناس تبرضا (¬٤)، فلم يلبثه الناس أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش. فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، قال: فوالله ما زال يجيش (¬٥) لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينا هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح (¬٦) لرسول الله ﷺ من أهل تهامة. فقال: إني تركت كعبابن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد (¬١) مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل (¬٢)، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. قال رسول الله ﷺ: إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا (¬٣)، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (¬٤) أو لينفذن الله أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال النبي ﷺ. فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: ألست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: هل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا (¬٥) علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ، فقال نحوا من قوله لبديل. فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا (¬٦) من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر ﵁: امصص بظر اللات. أنحن نفر عنه وندعه؟ قال: من ذا؟ قال: أبو بكر. قال: والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لمأجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ، كلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي ﷺ، ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك. فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، أوَ لست أسعى في غدرتك؟ قال: وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم فقال النبي ﷺ: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء. ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي ﷺ فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروه، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا (¬١). والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له. فبعثت له. واستقبله القوم يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: هذا مكرز وهو رجل فاجر. فجعل يكلم النبي ﷺ. فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو.قال معمر: وأخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل قال النبي ﷺ: قد سهل لكم من أمركم. قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابا. فدعا الكاتب فقال رسول الله ﷺ: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ: اكتب باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ: إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك لقوله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. فقال له النبي ﷺ: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف. فقال: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل. فكتب. فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى نفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: وهذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده. فقال النبي ﷺ: إنا لم نقض الكتاب بعد. قال: فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا. قال النبي ﷺ: فأجره (¬١) لي. قال: ما أنا بمجيره لك. قال: بلى، فافعل، قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجرناه. قال أبو جندل: معاشر المسلمين أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت؟ - وكان قد عذب عذابا شديدا في الله -. فقال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي ﷺفقلت: يا رسول الله، ألست نبي الله؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف حقا؟ قال: بلى، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت. فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أوليس كان يحدثنا أنه سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: الزهري. قال عمر: فعملت لذلك أعمالا (¬١). فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك، ثم تدعو بحالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحدا حتى فعل ذلك. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. ثم جاءه نسوة مؤمنات، وأنزل الله: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن حتى بلغ ولا تمسكوا بعصم الكوافر. فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدا جدافاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه فضربه حتى برد. وفر الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال للنبي ﷺ: قتل - والله - صاحبي وإني لمقتول. قال: فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد أوفى الله ذمتك، والله قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي ﷺ: ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم. فخرج حتى أتى سيف البحر. وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة. قال: فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن. فأرسل النبي ﷺ إليهم فأنزل: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم حتى بلغ حمية الجاهلية. وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. أخرجه البخاري، عن المسندي، عن عبد الرزاق، عن معمر، بطوله (¬١). وقال قرة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: من يصعد الثنية - ثنية المرار - فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل. فكان أول من صعد خيل بني الخزرج. ثم تبادر الناس بعد، فقال رسول الله ﷺ: كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر. فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ. قال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم. وإذا هو رجل ينشد ضالة. أخرجه مسلم (¬٢). وقال البخاري: عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة،والحديبية بئر، فنزحناها فما تركنا فيها قطرة. فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء منها فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا نحن وركابنا. أخرجه البخاري (¬١). وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ الحديبية، ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة ما ترويها. فقعد رسول الله ﷺ على جباها (¬٢)، فإما دعا وإما بزق فيها فجاشت فسقينا واستقينا. أخرجه مسلم (¬٣). وقال البكائي: قال ابن إسحاق (¬٤): حدثني الزهري، عن عروة، عن مسور، ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا. وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر. قال ابن إسحاق (¬٥): وكان جابر بن عبد الله - فيما بلغني - يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة. قلت: قد ذكرنا عن جماعة من الصحابة كقول جابر. ثم ساق ابن إسحاق حديث الزهري بطوله، وفيه ألفاظ غريبة، منها: وجعل عروة بن مسعود يكلم النبي ﷺ، والمغيرة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد. قال: فجعل يقرع يد عروة إذا تناول لحية رسول الله ﷺ ويقول: اكفف يدك عن لحية رسول الله ﷺ أن لا تصل إليك. فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك. قال: فتبسم رسول الله ﷺ. فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال: أي غدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟.قال ابن هشام (¬١): أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشرة رجلا مِنْ بَنِي مَالِكٍ بنْ ثَقِيفٍ. فَتَهَايَجَ الْحَيّانِ مِنْ ثَقِيفٍ رَهْطُ الْمَقْتُولِينَ، وَالْأَحْلَافُ رَهْطُ الْمُغِيرَةِ، فَوَدَى عُرْوَةُ الْمَقْتُولِينَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ دِيَةً، وأصلح الأمر. وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال عروة: وخرجت قريش من مكة، فسبقوا النبي ﷺ إلى بلدح (¬٢) وإلى الماء، فنزلوا عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ أنه قد سبق نزل على الحديبية، وذلك في حر شديد وليس بها إلا بئر واحدة، فأشفق القوم من الظمأ وهم كثير، فنزل فيها رجال يميحونها، ودعا رسول الله ﷺ بدلو من ماء فتوضأ في الدلو ومضمض فاه ثم مج فيه، وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهما من كنانته فألقاه في البئر ودعا الله - تعالى - ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها، وهم جلوس على شفتها (¬٣). وقد كان النبي ﷺ سلك على غير الطريق التي بلغه أن قريشا بها. قال ابن إسحاق (¬٤): فحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن رجلا من أسلم قال: أتانا رسول الله ﷺ قال: فسلك بهم طريقا وعرا أخزل من (¬٥) شعاب، فلما خرجوا منه - وقد شق ذلك على المسلمين - وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله ﷺ: قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه فقالوا ذلك. فقال: والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرايئل فلم يقولوها. قال عبد الملك بن هشام (¬٦): فأمر رسول الله ﷺ الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري المحمص (¬٧) في طريق تخرجه على ثنية المرار،مهبط الحديبية من أسفل مكة فلما رأت قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش. وقال شعبة، وغيره، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد قال: قلت لجابر: كم كنتم يوم الشجرة؟ قال: كنا ألفا وخمس مائة: وذكر عطشا أصابهم، فأتي رسول الله ﷺ بماء في تور فوضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون، فشربنا ووسعنا وكفانا، ولو كنا مائة ألف لكفانا. وقد أخرجه البخاري من أوجه أخر عن حصين (¬١). وقال أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي قال: قال جابر بن عبد الله: غزونا أو سافرنا مع رسول الله ﷺ، ونحن يومئذ أربع عشرة مائة، فحضرت الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: هل في القوم من طهور؟ فجاء رجل يسعى بإداوة فيها شيء من ماء ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله ﷺ في قدح ثم توضأ، ثم انصرف وترك القدح. قال: فركب الناس ذلك القدح وقالوا: تمسحوا تمسحوا. فقال رسول الله ﷺ: على رسلكم، حين سمعهم يقولون ذلك. قال: فوضع كفه في الماء والقدح وقال: سبحان الله. ثم قال: أسبغوا الوضوء. فوالذي ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابع رسول الله ﷺ، ولم يرفعها حتى توضؤوا أجمعون. رواه مسدد عنه (¬٢). وقال عكرمة بن عمار العجلي، حدثنا إياس بن سلمة، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا. فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعا، فاجتمع زاد القوم على النطع. فتطاولت لأحزر كم هو؟ فحزرته كربضة العنز ونحن أربععشرة مائة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جرباننا (¬١). ثم قال نبي الله ﷺ: هل من وضوء؟ فجاء رجل بإداوة له، فيها نطفة فأفرغها في قدح. فتوضأنا كلنا، ندغفقه دغفقة (¬٢)، أربع عشرة مائة. قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسول الله ﷺ: فرغ الوضوء. أخرجه مسلم (¬٣). وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: قال ابن عباس: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا: جهدنا وفي الناس ظهر (¬٤) فانحره. فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل. فقال رسول الله ﷺ: ابسطوا أنطاعكم وعباءكم. ففعلوا. ثم قال: من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره. ودعا لهم ثم قال: قربوا أوعيتكم. فأخذوا ما شاء الله. يحدثه نافع بن جبير (¬٥). وقال يحيى بن سليم الطائفي، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ لما نزل مر الظهران في صلح قريش قال أصحابه: لو انتحرنا يا رسول الله من ظهورنا فأكلنا من لحومها وشحومها وحسونا من المرق أصبحنا غدا إذا عدونا عليهم وبنا جمام. قال: لا، ولكن ائتوني بما فضل من أزوادكم. فبسطوا أنطاعا ثم صبوا عليها فضول أزوادهم. فدعا لهم رسول الله ﷺ بالبركة، فأكلوا حتى تضلعوا شبعا، ثم لففوا فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم (¬٦). مالك، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر والتمسوا الوضوء، فلم يجدوه. فأتي بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ يده في ذلك الإناء وأمر الناس أن يتوضؤوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه. فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم.متفق عليه (¬١). وقال حماد بن زيد: حدثنا ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ دعا بماء فأتي بقدح رحراح فجعل القوم يتوضؤون. فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين من توضأ منه، فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه. متفق عليه (¬٢). وقال عبد الله بن بكر: حدثنا حميد، عن أنس قال: حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله يتوضأ وبقي قوم. فأتي النبي ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فتوضأ القوم. قلنا: كم هم؟ قال: ثمانون وزيادة. أخرجه البخاري (¬٣). وجاء أنهم كانوا بقباء. وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ كان بالزوراء يتوضؤون. فوضع كفه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضؤوا. فقلنا لأنس: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاث مائة. أخرجه مسلم (¬٤)، والبخاري أيضا بمعناه (¬٥)، والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد. وقال أبو عبد الرحمن المقرئ: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثني زياد بن نعيم الحضرمي، قال: سمعت زياد بن الحارث الصدائي، قال: بايعت رسول الله ﷺ، فذكر حديثا طويلا منه: فوضع كفه ﷺ في الماء فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور. فقال لي رسول الله ﷺ: لولا أن أستحيي من ربي لسقينا واستقينا. عبد الرحمن ضعيف (¬٦). وهذه الأحاديث تدل على البركة في الماء غير مرة.وقال إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: كنا نأكل مع النبي ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام. وأتي بإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ. فقال: حي على الطهور المبارك والبركة من السماء (¬١). حتى توضأنا كلنا. أخرجه البخاري (¬٢). وقال أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: أتي رسول الله ﷺ بإناء من ماء، فجعل أصابعه في فم الإناء وفتح أصابعه، فرأيت العيون تنبع من بين أصابعه. وذكر الحديث. إسناده جيد (¬٣). وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال: قال عروة في نزوله ﷺ بالحديبية: ففزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب أن يبعث إليهم رجلا. فدعا عمر ليبعثه فقال: إني لا آمنهم، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي، فأرسل عثمان فإن عشيرته بها. فدعا عثمان فأرسله وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وادعهم إلى الإسلام. وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح. فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح. فقالت قريش: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إليكم لأدعوكم إلى الإسلام، ويخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا. فدعاهم عثمان كما أمره رسول الله ﷺ. قالوا: قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه، فحمل عليه عثمان فأجاره، وردفه أبان حتى جاء مكة. ثم إن قريشا بعثوا بديل بن ورقاء؛ فذكر الحديث والصلح. وذكر أنهم أمن بعضهم بعضا وتزاوروا. فبينا هم كذلك، وطوائف من المسلمين في المشركين، إذ رمى رجل رجلا من الفريق الآخر. فكانت معاركة، وتراموا بالنبل والحجارة. وصاح الفريقان وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو وغيره، وارتهن المشركون عثمان وغيره. ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة. ونادى منادي رسول الله ﷺ: ألا إنروح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ فأمر بالبيعة، فاخْرُجوا على اسم الله فبايعوا، فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا أبدا. فذكر القصة بطولها، وفيها: فقال المسلمون - وهم بالحديبية بل أن يرجع عثمان بن عفان -: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به. فقال رسول الله ﷺ: ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون. قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا. فرجع إليهم عثمان، فقال المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟ فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي، فوالذي نفسي بيده لو مكثت بها مقيما سنة ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله ﷺ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت (¬١). وقال البكائي، عن ابن إسحاق (¬٢): فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال - حين بلغه أن عثمان قد قتل -: لا نبرح حتى نناجز القوم. فدعا الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت، وكان جابر يقول: لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر. وقال يونس، عن ابن إسحاق (¬٣): حدثني بعض آل عثمان أن رسول الله ﷺ ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: هذه لي وهذه لعثمان إن كان حيا. ثم بلغهم أن ذلك باطل، ورجع عثمان، ولم يتخلف عن بيعة رسول الله ﷺ أحد إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة. قال جابر: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقة رسول الله ﷺ، وقد ضبأ إليها يستتر بها من الناس. وقال الحسن بن بشر البجلي: حدثنا الحكم بن عبد الملك - وليس بالقوي قاله النسائي (¬٤) - عن قتادة، عن أنس قال: لما أمر رسول الله ﷺببيعة الرضوان كان عثمان رسول رسول الله ﷺ إلى مكة. فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ: إن عثمان في حاجة الله ورسوله. فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم. وقال ابن عيينة: حدثنا أبو الزبير، سمع جابرا يقول: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعير. أخرجه مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير. وبه قال: لم نبايع النبي ﷺ على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة. وأخرجه من حديث الليث، عن أبي الزبير، وقال: فبايعناه وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة (¬١). وقال خالد الحذاء، عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة. ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم (¬٢). وقال ابن عيينة: حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي قال: لما دعا النبي ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ: علام تبايعني؟ قال: على ما في نفسك (¬٣). وقال مكي بن إبراهيم، وأبو عاصم - واللفظ له - عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ثم عدلت إلى ظل شجرة. فلما خف الناس قال: يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ قلت: قد بايعت يا رسول الله. قال: وأيضا. فبايعته الثانية. فقلت لسلمة: يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. متفقعليه (¬١). وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، فذكر الحديث، وقال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا إلى البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس وبايع، حتى إذا كان في وسط الناس، قال: بايعني يا سلمة. فقلت: يا رسول الله قد بايعتك. قال: وأيضا. قال: ورآني عزلا فأعطاني حجفة أو درقة. ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس قال: ألا تبايع؟ قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم. قال: وأيضا. فبايعت الثالثة. فقال: يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ قلت: لقيني عامر فأعطيتها إياه. فضحك ثم قال: إنك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي. ثم إن مشركي مكة راسلونا بالصلح حتى مشى بعضنا إلى بعض فاصطلحنا. وكنت خادما لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه (¬٢) وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله. فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في ظلها. فأتاني أربعة من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينا هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم. فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة وهم رقد (¬٣)، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ. وجاء عمي عامر برجل من العبلات (¬٤) يقال له: مكرز، يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم. وقال: دعوهم، يكون لهم بدء الفجور وثناؤه. فعفا عنهمرسول الله ﷺ، وأنزلت: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم الآية. أخرجه مسلم (¬١). وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجالا من أهل مكة هبطوا إلى النبي ﷺ من قبل جبل التنعيم ليقاتلوه. قال: فأخذهم رسول الله ﷺ أخذا، فأعتقهم. فأنزل الله: وهو الذي كف أيديهم عنكم الآية، أخرجه مسلم (¬٢). وقال الوليد بن مسلم: حدثنا عمر بن محمد العمري، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، قد تفرقوا في ظلال الشجر. فإذا الناس محدقون برسول الله ﷺ، فقال - يعني عمر - يا عبد الله انظر ما شأن الناس؟ فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع. أخرجه البخاري (¬٣) فقال: وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد. قلت: ورواه دحيم، عن الوليد. قلت: وسميت بيعة الرضوان من قوله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا. قال أبو عوانة، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ عند الشجرة، قال: فانطلقنا في قابل حاجين، فخفي علينا مكانها، فإن كانت تبينت لكم فأنتم أعلم. متفق عليه (¬٤). وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير المكي أنه سمع جابرا يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة: لا يدخلالنار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد. قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت: وإن منكم إلا واردها، فقال: قد قال - تعالى -: ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا. أخرجه مسلم (¬١). قرأت على عبد الحافظ بن بدران: أخبركم موسى بن عبد القادر، والحسين بن أبي بكر قالا: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: أخبرنا محمد ابن أبي مسعود، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، قال: حدثنا أبو القاسم البغوي، قال: حدثنا العلاء بن موسى إملاء، سنة سبع وعشرين ومائتين، قال: أخبرنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد لله قال: قال رسول الله ﷺ: لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار. أخرجه النسائي (¬٢). وقال قتيبة: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أن عبدا لحاطب ابن أبي بلتعة جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبا، قال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ: كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية (¬٣). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (¬٤)، حدثني الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، ومروان في قصة الحديبية، قالا: فدعت قريش سهيل بن عمرو، قالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه ولا تكونن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة. فخرج سهيل من عندهم، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فوقع الصلح على أن توضع الحرب بينهماعشر سنين، وأن يخلوا بينه وبين مكة من العام المقبل، فيقيم بها ثلاثا، وأنه لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب، وأنه من أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نرده عليك، ومن أتاك منا بغير إذن وليه رددته علينا، وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال. وذكر الحديث (¬١). الاسلال: الخفية، وقيل: الغارة، وقيل: سل السيوف، والإغلال: الغارة. وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما صالح رسول الله ﷺ مشركي مكة كتب بينهم كتابا: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك. قال لعلي: امحه. فأبى، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. واشترطوا عليه أن يقيموا ثلاثا، وأن لا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح - يعني السيف بقرابه - متفق عليه (¬٢). وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس نحوه أو قريبا منه. أخرجه مسلم (¬٣). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب أن كاتب رسول الله ﷺ للصلح كان عليا ﵁. فقال رسول الله ﷺ: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. فجعل علي يتلكأ ويأبى أن يكتب إلا: محمد رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: اكتب، فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد، فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله (¬٤).وقال عبد العزيز بن سياه: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، قال: قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالا لقاتلنا. فأتى عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في أنفسنا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولن يضيعني الله، فانطلق متغيظا إلى أبي بكر، فقال له كما قال رسول الله ﷺ، ونزل القرآن، فأرسل النبي ﷺ إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: نعم، فطابت نفسه ورجع. متفق عليه (¬١). وقال يونس، عن ابن إسحاق (¬٢)، عن الزهري عن عروة عن المسور، ومروان، قالا: خرج رسول الله ﷺ من عند أم سلمة فلم يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحر وحلق، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وحلق بعض وقصر بعض. فقال رسول الله ﷺ: اللهم اغفر للمحلقين. فقيل: يا رسول الله والمقصرين؟ فقال: اغفر للمحلقين، ثلاثا. قيل: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: وللمقصرين. وقال يونس، عن ابن إسحاق (¬٣) حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قيل له: لم ظاهر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة؟ فقال: إنهم لم يشكوا. وقال يونس - هو ابن بكير -، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد قال: حلق أصحاب رسول الله ﷺ يوم الحديبية كلهم غير رجلين، قصرا ولم يحلقا (¬٤). أبو إبراهيم مجهول.وقال ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن وهب بن عبد الله بن قارب قال: كنت مع أبي، فرأيت رسول الله ﷺ يقول: يرحم الله المحلقين. قال رجل: والمقصرين يا رسول الله؟ فلما كانت الثالثة، قال: والمقصرين (¬١). وقال يحيى بن أبي بكير: قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: نحر يوم الحديبية سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها (¬٢). ويروى عن ابن عباس أن النبي ﷺ أهدى في عمرة الحديبية جملا كان لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب أهداه ليغيظ به قريشا (¬٣). وقال فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت. فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليها إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما صالحهم. فلما أن أقام بها ثلاثا، أمروه أن يخرج فخرج. أخرجه البخاري (¬٤). وقال مالك عن أبي الزبير، عن جابر: نحرنا بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. رواه مسلم (¬٥).
  • exact linked passagemedium confidencepage 580, entry [156]28,780 chars
    قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة خرج إليها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة ست. قاله نافع، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق، وغيرهم. وعروة في مغازيه، رواية أبي الأسود (¬٥). وتفرد علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في رمضان. وكانت الحديبية في شوال (¬٦). وفي الصحيحين (¬٧)…
    ▸ expand full passage (28,780 chars)
    قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة خرج إليها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة ست. قاله نافع، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق، وغيرهم. وعروة في مغازيه، رواية أبي الأسود (¬٥). وتفرد علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في رمضان. وكانت الحديبية في شوال (¬٦). وفي الصحيحين (¬٧) عن هدبة، عن همام، قال: حدثنا قتادة، أن أنساأخبره أن نبي الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا العمرة التي مع حجته، عمرة الحديبية زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل، وعمرة من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. وقال الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها. أخرجه البخاري (¬١). وقال شعبة، عن عمرو بن مرة سمع ابن أبي أوفى - وكان قد شهد بيعة الرضوان - قال: كنا يومئذ ألفا وثلاث مائة. وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين. أخرجه مسلم (¬٢). وعلقه البخاري في صحيحه (¬٣). وقال حصين بن عبد الرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. متفق عليه (¬٤). وخالفه الأعمش، عن سالم، عن جابر، فقال: كنا أربع عشرة مائة، أصحاب الشجرة. اتفقا عليه أيضا. وكأن جابرا قال ذلك على التقريب. ولعلهم كانوا أربع عشرة مائة كاملة تزيد عددا لم يعتبره، أو خمس عشرة مائة تنقص عددا لم يعتبره. والعرب تفعل هذا كثيرا، كما تراهم قد اختلفوا في سن رسول الله ﷺ، فاعتبروا تارة السنة التي ولد فيها والتي توفي فيها فأدخلوهما في العدد. واعتبروا تارة السنين الكاملة وسكتوا عن الشهور الفاضلة. ويبين هذا أن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة. قلت: إن جابرا قال: كانوا أربع عشرة مائة. قال: يرحمه الله -، وهم. هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرةمائة. أخرجه البخاري (¬١). وقال عمرو بن دينار: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة. فقال لنا رسول الله ﷺ: أنتم خير أهل الأرض. اتفقا عليه من حديث ابن عيينة (¬٢). وقال الليث، عن أبي الزبير، عن جابر: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة. صحيح (¬٣). وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: نحرنا عام الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة. قلنا لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفا وأربع مائة بخيلنا ورجلنا. وكذلك قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع، في أصح الروايتين عنه. والمسيب بن حزم، من رواية قتادة، عن سعيد، عن أبيه. قال البخاري (¬٤): معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان بن الحكم، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه. حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة. وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش. وسار حتى إذا كان بعذبة (¬٥) الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ: أشيروا علي. أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن لجوا تكن عنقا قطعهاالله. أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ قال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. قال: فروحوا إذا. قال الزهري في الحديث: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين. فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش (¬١)، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته فقال الناس: حل حل، فألحت (¬٢)، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء (¬٣). قال: فروحوا إذا. قال الزهري: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ. قال المسور ومروان في حديثهما: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ: إن خالد بن الوليد ب لغميم في خيل لقريش - رجع الحديث إلى موضعه - قال النبي ﷺ: ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها فوثبت به. قال: فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، إنما يتبرضه الناس تبرضا (¬٤)، فلم يلبثه الناس أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش. فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، قال: فوالله ما زال يجيش (¬٥) لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينا هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح (¬٦) لرسول الله ﷺ من أهل تهامة. فقال: إني تركت كعبابن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد (¬١) مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل (¬٢)، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. قال رسول الله ﷺ: إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا (¬٣)، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (¬٤) أو لينفذن الله أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال النبي ﷺ. فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: ألست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: هل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا (¬٥) علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ، فقال نحوا من قوله لبديل. فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا (¬٦) من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر ﵁: امصص بظر اللات. أنحن نفر عنه وندعه؟ قال: من ذا؟ قال: أبو بكر. قال: والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لمأجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ، كلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي ﷺ، ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك. فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، أوَ لست أسعى في غدرتك؟ قال: وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم فقال النبي ﷺ: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء. ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي ﷺ فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروه، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا (¬١). والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له. فبعثت له. واستقبله القوم يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: هذا مكرز وهو رجل فاجر. فجعل يكلم النبي ﷺ. فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو.قال معمر: وأخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل قال النبي ﷺ: قد سهل لكم من أمركم. قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابا. فدعا الكاتب فقال رسول الله ﷺ: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ: اكتب باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ: إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك لقوله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. فقال له النبي ﷺ: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف. فقال: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل. فكتب. فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى نفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: وهذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده. فقال النبي ﷺ: إنا لم نقض الكتاب بعد. قال: فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا. قال النبي ﷺ: فأجره (¬١) لي. قال: ما أنا بمجيره لك. قال: بلى، فافعل، قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجرناه. قال أبو جندل: معاشر المسلمين أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت؟ - وكان قد عذب عذابا شديدا في الله -. فقال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي ﷺفقلت: يا رسول الله، ألست نبي الله؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف حقا؟ قال: بلى، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت. فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أوليس كان يحدثنا أنه سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: الزهري. قال عمر: فعملت لذلك أعمالا (¬١). فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك، ثم تدعو بحالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحدا حتى فعل ذلك. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. ثم جاءه نسوة مؤمنات، وأنزل الله: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن حتى بلغ ولا تمسكوا بعصم الكوافر. فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدا جدافاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه فضربه حتى برد. وفر الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال للنبي ﷺ: قتل - والله - صاحبي وإني لمقتول. قال: فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد أوفى الله ذمتك، والله قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي ﷺ: ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم. فخرج حتى أتى سيف البحر. وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة. قال: فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن. فأرسل النبي ﷺ إليهم فأنزل: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم حتى بلغ حمية الجاهلية. وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. أخرجه البخاري، عن المسندي، عن عبد الرزاق، عن معمر، بطوله (¬١). وقال قرة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: من يصعد الثنية - ثنية المرار - فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل. فكان أول من صعد خيل بني الخزرج. ثم تبادر الناس بعد، فقال رسول الله ﷺ: كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر. فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ. قال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم. وإذا هو رجل ينشد ضالة. أخرجه مسلم (¬٢). وقال البخاري: عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة،والحديبية بئر، فنزحناها فما تركنا فيها قطرة. فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء منها فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا نحن وركابنا. أخرجه البخاري (¬١). وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ الحديبية، ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة ما ترويها. فقعد رسول الله ﷺ على جباها (¬٢)، فإما دعا وإما بزق فيها فجاشت فسقينا واستقينا. أخرجه مسلم (¬٣). وقال البكائي: قال ابن إسحاق (¬٤): حدثني الزهري، عن عروة، عن مسور، ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا. وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر. قال ابن إسحاق (¬٥): وكان جابر بن عبد الله - فيما بلغني - يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة. قلت: قد ذكرنا عن جماعة من الصحابة كقول جابر. ثم ساق ابن إسحاق حديث الزهري بطوله، وفيه ألفاظ غريبة، منها: وجعل عروة بن مسعود يكلم النبي ﷺ، والمغيرة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد. قال: فجعل يقرع يد عروة إذا تناول لحية رسول الله ﷺ ويقول: اكفف يدك عن لحية رسول الله ﷺ أن لا تصل إليك. فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك. قال: فتبسم رسول الله ﷺ. فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال: أي غدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟.قال ابن هشام (¬١): أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشرة رجلا مِنْ بَنِي مَالِكٍ بنْ ثَقِيفٍ. فَتَهَايَجَ الْحَيّانِ مِنْ ثَقِيفٍ رَهْطُ الْمَقْتُولِينَ، وَالْأَحْلَافُ رَهْطُ الْمُغِيرَةِ، فَوَدَى عُرْوَةُ الْمَقْتُولِينَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ دِيَةً، وأصلح الأمر. وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال عروة: وخرجت قريش من مكة، فسبقوا النبي ﷺ إلى بلدح (¬٢) وإلى الماء، فنزلوا عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ أنه قد سبق نزل على الحديبية، وذلك في حر شديد وليس بها إلا بئر واحدة، فأشفق القوم من الظمأ وهم كثير، فنزل فيها رجال يميحونها، ودعا رسول الله ﷺ بدلو من ماء فتوضأ في الدلو ومضمض فاه ثم مج فيه، وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهما من كنانته فألقاه في البئر ودعا الله - تعالى - ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها، وهم جلوس على شفتها (¬٣). وقد كان النبي ﷺ سلك على غير الطريق التي بلغه أن قريشا بها. قال ابن إسحاق (¬٤): فحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن رجلا من أسلم قال: أتانا رسول الله ﷺ قال: فسلك بهم طريقا وعرا أخزل من (¬٥) شعاب، فلما خرجوا منه - وقد شق ذلك على المسلمين - وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله ﷺ: قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه فقالوا ذلك. فقال: والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرايئل فلم يقولوها. قال عبد الملك بن هشام (¬٦): فأمر رسول الله ﷺ الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري المحمص (¬٧) في طريق تخرجه على ثنية المرار،مهبط الحديبية من أسفل مكة فلما رأت قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش. وقال شعبة، وغيره، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد قال: قلت لجابر: كم كنتم يوم الشجرة؟ قال: كنا ألفا وخمس مائة: وذكر عطشا أصابهم، فأتي رسول الله ﷺ بماء في تور فوضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون، فشربنا ووسعنا وكفانا، ولو كنا مائة ألف لكفانا. وقد أخرجه البخاري من أوجه أخر عن حصين (¬١). وقال أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي قال: قال جابر بن عبد الله: غزونا أو سافرنا مع رسول الله ﷺ، ونحن يومئذ أربع عشرة مائة، فحضرت الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: هل في القوم من طهور؟ فجاء رجل يسعى بإداوة فيها شيء من ماء ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله ﷺ في قدح ثم توضأ، ثم انصرف وترك القدح. قال: فركب الناس ذلك القدح وقالوا: تمسحوا تمسحوا. فقال رسول الله ﷺ: على رسلكم، حين سمعهم يقولون ذلك. قال: فوضع كفه في الماء والقدح وقال: سبحان الله. ثم قال: أسبغوا الوضوء. فوالذي ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابع رسول الله ﷺ، ولم يرفعها حتى توضؤوا أجمعون. رواه مسدد عنه (¬٢). وقال عكرمة بن عمار العجلي، حدثنا إياس بن سلمة، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا. فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعا، فاجتمع زاد القوم على النطع. فتطاولت لأحزر كم هو؟ فحزرته كربضة العنز ونحن أربععشرة مائة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جرباننا (¬١). ثم قال نبي الله ﷺ: هل من وضوء؟ فجاء رجل بإداوة له، فيها نطفة فأفرغها في قدح. فتوضأنا كلنا، ندغفقه دغفقة (¬٢)، أربع عشرة مائة. قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسول الله ﷺ: فرغ الوضوء. أخرجه مسلم (¬٣). وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: قال ابن عباس: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا: جهدنا وفي الناس ظهر (¬٤) فانحره. فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل. فقال رسول الله ﷺ: ابسطوا أنطاعكم وعباءكم. ففعلوا. ثم قال: من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره. ودعا لهم ثم قال: قربوا أوعيتكم. فأخذوا ما شاء الله. يحدثه نافع بن جبير (¬٥). وقال يحيى بن سليم الطائفي، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ لما نزل مر الظهران في صلح قريش قال أصحابه: لو انتحرنا يا رسول الله من ظهورنا فأكلنا من لحومها وشحومها وحسونا من المرق أصبحنا غدا إذا عدونا عليهم وبنا جمام. قال: لا، ولكن ائتوني بما فضل من أزوادكم. فبسطوا أنطاعا ثم صبوا عليها فضول أزوادهم. فدعا لهم رسول الله ﷺ بالبركة، فأكلوا حتى تضلعوا شبعا، ثم لففوا فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم (¬٦). مالك، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر والتمسوا الوضوء، فلم يجدوه. فأتي بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ يده في ذلك الإناء وأمر الناس أن يتوضؤوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه. فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم.متفق عليه (¬١). وقال حماد بن زيد: حدثنا ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ دعا بماء فأتي بقدح رحراح فجعل القوم يتوضؤون. فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين من توضأ منه، فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه. متفق عليه (¬٢). وقال عبد الله بن بكر: حدثنا حميد، عن أنس قال: حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله يتوضأ وبقي قوم. فأتي النبي ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فتوضأ القوم. قلنا: كم هم؟ قال: ثمانون وزيادة. أخرجه البخاري (¬٣). وجاء أنهم كانوا بقباء. وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ كان بالزوراء يتوضؤون. فوضع كفه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضؤوا. فقلنا لأنس: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاث مائة. أخرجه مسلم (¬٤)، والبخاري أيضا بمعناه (¬٥)، والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد. وقال أبو عبد الرحمن المقرئ: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثني زياد بن نعيم الحضرمي، قال: سمعت زياد بن الحارث الصدائي، قال: بايعت رسول الله ﷺ، فذكر حديثا طويلا منه: فوضع كفه ﷺ في الماء فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور. فقال لي رسول الله ﷺ: لولا أن أستحيي من ربي لسقينا واستقينا. عبد الرحمن ضعيف (¬٦). وهذه الأحاديث تدل على البركة في الماء غير مرة.وقال إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: كنا نأكل مع النبي ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام. وأتي بإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ. فقال: حي على الطهور المبارك والبركة من السماء (¬١). حتى توضأنا كلنا. أخرجه البخاري (¬٢). وقال أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: أتي رسول الله ﷺ بإناء من ماء، فجعل أصابعه في فم الإناء وفتح أصابعه، فرأيت العيون تنبع من بين أصابعه. وذكر الحديث. إسناده جيد (¬٣). وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال: قال عروة في نزوله ﷺ بالحديبية: ففزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب أن يبعث إليهم رجلا. فدعا عمر ليبعثه فقال: إني لا آمنهم، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي، فأرسل عثمان فإن عشيرته بها. فدعا عثمان فأرسله وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وادعهم إلى الإسلام. وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح. فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح. فقالت قريش: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إليكم لأدعوكم إلى الإسلام، ويخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا. فدعاهم عثمان كما أمره رسول الله ﷺ. قالوا: قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه، فحمل عليه عثمان فأجاره، وردفه أبان حتى جاء مكة. ثم إن قريشا بعثوا بديل بن ورقاء؛ فذكر الحديث والصلح. وذكر أنهم أمن بعضهم بعضا وتزاوروا. فبينا هم كذلك، وطوائف من المسلمين في المشركين، إذ رمى رجل رجلا من الفريق الآخر. فكانت معاركة، وتراموا بالنبل والحجارة. وصاح الفريقان وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو وغيره، وارتهن المشركون عثمان وغيره. ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة. ونادى منادي رسول الله ﷺ: ألا إنروح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ فأمر بالبيعة، فاخْرُجوا على اسم الله فبايعوا، فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا أبدا. فذكر القصة بطولها، وفيها: فقال المسلمون - وهم بالحديبية بل أن يرجع عثمان بن عفان -: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به. فقال رسول الله ﷺ: ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون. قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا. فرجع إليهم عثمان، فقال المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟ فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي، فوالذي نفسي بيده لو مكثت بها مقيما سنة ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله ﷺ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت (¬١). وقال البكائي، عن ابن إسحاق (¬٢): فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال - حين بلغه أن عثمان قد قتل -: لا نبرح حتى نناجز القوم. فدعا الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت، وكان جابر يقول: لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر. وقال يونس، عن ابن إسحاق (¬٣): حدثني بعض آل عثمان أن رسول الله ﷺ ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: هذه لي وهذه لعثمان إن كان حيا. ثم بلغهم أن ذلك باطل، ورجع عثمان، ولم يتخلف عن بيعة رسول الله ﷺ أحد إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة. قال جابر: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقة رسول الله ﷺ، وقد ضبأ إليها يستتر بها من الناس. وقال الحسن بن بشر البجلي: حدثنا الحكم بن عبد الملك - وليس بالقوي قاله النسائي (¬٤) - عن قتادة، عن أنس قال: لما أمر رسول الله ﷺببيعة الرضوان كان عثمان رسول رسول الله ﷺ إلى مكة. فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ: إن عثمان في حاجة الله ورسوله. فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم. وقال ابن عيينة: حدثنا أبو الزبير، سمع جابرا يقول: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعير. أخرجه مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير. وبه قال: لم نبايع النبي ﷺ على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة. وأخرجه من حديث الليث، عن أبي الزبير، وقال: فبايعناه وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة (¬١). وقال خالد الحذاء، عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة. ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم (¬٢). وقال ابن عيينة: حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي قال: لما دعا النبي ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ: علام تبايعني؟ قال: على ما في نفسك (¬٣). وقال مكي بن إبراهيم، وأبو عاصم - واللفظ له - عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ثم عدلت إلى ظل شجرة. فلما خف الناس قال: يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ قلت: قد بايعت يا رسول الله. قال: وأيضا. فبايعته الثانية. فقلت لسلمة: يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. متفقعليه (¬١). وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، فذكر الحديث، وقال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا إلى البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس وبايع، حتى إذا كان في وسط الناس، قال: بايعني يا سلمة. فقلت: يا رسول الله قد بايعتك. قال: وأيضا. قال: ورآني عزلا فأعطاني حجفة أو درقة. ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس قال: ألا تبايع؟ قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم. قال: وأيضا. فبايعت الثالثة. فقال: يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ قلت: لقيني عامر فأعطيتها إياه. فضحك ثم قال: إنك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي. ثم إن مشركي مكة راسلونا بالصلح حتى مشى بعضنا إلى بعض فاصطلحنا. وكنت خادما لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه (¬٢) وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله. فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في ظلها. فأتاني أربعة من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينا هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم. فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة وهم رقد (¬٣)، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ. وجاء عمي عامر برجل من العبلات (¬٤) يقال له: مكرز، يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم. وقال: دعوهم، يكون لهم بدء الفجور وثناؤه. فعفا عنهمرسول الله ﷺ، وأنزلت: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم الآية. أخرجه مسلم (¬١). وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجالا من أهل مكة هبطوا إلى النبي ﷺ من قبل جبل التنعيم ليقاتلوه. قال: فأخذهم رسول الله ﷺ أخذا، فأعتقهم. فأنزل الله: وهو الذي كف أيديهم عنكم الآية، أخرجه مسلم (¬٢). وقال الوليد بن مسلم: حدثنا عمر بن محمد العمري، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، قد تفرقوا في ظلال الشجر. فإذا الناس محدقون برسول الله ﷺ، فقال - يعني عمر - يا عبد الله انظر ما شأن الناس؟ فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع. أخرجه البخاري (¬٣) فقال: وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد. قلت: ورواه دحيم، عن الوليد. قلت: وسميت بيعة الرضوان من قوله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا. قال أبو عوانة، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ عند الشجرة، قال: فانطلقنا في قابل حاجين، فخفي علينا مكانها، فإن كانت تبينت لكم فأنتم أعلم. متفق عليه (¬٤). وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير المكي أنه سمع جابرا يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة: لا يدخلالنار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد. قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت: وإن منكم إلا واردها، فقال: قد قال - تعالى -: ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا. أخرجه مسلم (¬١). قرأت على عبد الحافظ بن بدران: أخبركم موسى بن عبد القادر، والحسين بن أبي بكر قالا: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: أخبرنا محمد ابن أبي مسعود، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، قال: حدثنا أبو القاسم البغوي، قال: حدثنا العلاء بن موسى إملاء، سنة سبع وعشرين ومائتين، قال: أخبرنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد لله قال: قال رسول الله ﷺ: لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار. أخرجه النسائي (¬٢). وقال قتيبة: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أن عبدا لحاطب ابن أبي بلتعة جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبا، قال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ: كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية (¬٣). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (¬٤)، حدثني الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، ومروان في قصة الحديبية، قالا: فدعت قريش سهيل بن عمرو، قالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه ولا تكونن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة. فخرج سهيل من عندهم، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فوقع الصلح على أن توضع الحرب بينهماعشر سنين، وأن يخلوا بينه وبين مكة من العام المقبل، فيقيم بها ثلاثا، وأنه لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب، وأنه من أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نرده عليك، ومن أتاك منا بغير إذن وليه رددته علينا، وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال. وذكر الحديث (¬١). الاسلال: الخفية، وقيل: الغارة، وقيل: سل السيوف، والإغلال: الغارة. وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما صالح رسول الله ﷺ مشركي مكة كتب بينهم كتابا: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك. قال لعلي: امحه. فأبى، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. واشترطوا عليه أن يقيموا ثلاثا، وأن لا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح - يعني السيف بقرابه - متفق عليه (¬٢). وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس نحوه أو قريبا منه. أخرجه مسلم (¬٣). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب أن كاتب رسول الله ﷺ للصلح كان عليا ﵁. فقال رسول الله ﷺ: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. فجعل علي يتلكأ ويأبى أن يكتب إلا: محمد رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: اكتب، فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد، فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله (¬٤).وقال عبد العزيز بن سياه: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، قال: قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالا لقاتلنا. فأتى عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في أنفسنا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولن يضيعني الله، فانطلق متغيظا إلى أبي بكر، فقال له كما قال رسول الله ﷺ، ونزل القرآن، فأرسل النبي ﷺ إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: نعم، فطابت نفسه ورجع. متفق عليه (¬١). وقال يونس، عن ابن إسحاق (¬٢)، عن الزهري عن عروة عن المسور، ومروان، قالا: خرج رسول الله ﷺ من عند أم سلمة فلم يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحر وحلق، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وحلق بعض وقصر بعض. فقال رسول الله ﷺ: اللهم اغفر للمحلقين. فقيل: يا رسول الله والمقصرين؟ فقال: اغفر للمحلقين، ثلاثا. قيل: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: وللمقصرين. وقال يونس، عن ابن إسحاق (¬٣) حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قيل له: لم ظاهر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة؟ فقال: إنهم لم يشكوا. وقال يونس - هو ابن بكير -، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد قال: حلق أصحاب رسول الله ﷺ يوم الحديبية كلهم غير رجلين، قصرا ولم يحلقا (¬٤). أبو إبراهيم مجهول.وقال ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن وهب بن عبد الله بن قارب قال: كنت مع أبي، فرأيت رسول الله ﷺ يقول: يرحم الله المحلقين. قال رجل: والمقصرين يا رسول الله؟ فلما كانت الثالثة، قال: والمقصرين (¬١). وقال يحيى بن أبي بكير: قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: نحر يوم الحديبية سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها (¬٢). ويروى عن ابن عباس أن النبي ﷺ أهدى في عمرة الحديبية جملا كان لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب أهداه ليغيظ به قريشا (¬٣). وقال فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت. فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليها إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما صالحهم. فلما أن أقام بها ثلاثا، أمروه أن يخرج فخرج. أخرجه البخاري (¬٤). وقال مالك عن أبي الزبير، عن جابر: نحرنا بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. رواه مسلم (¬٥).

شمس الدين الذهبي - تاريخ الإسلام - ت تدمري

full-text

— · 1 entry

  • legacy full passagepage 921, entry [166]41,839 chars
    قصة غزوة الحديبية وهي عَلَى تسعة أميال من مكة خرج إليها رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي ذي القعدة سنة ستٍ. قاله نافع، وقَتَادة، والزُّهري، وابن إِسْحَاق، وغيرهم. وعُرْوة [١] فِي مغازية [٢] ، رواية أَبِي الأسود. وَتَفَرَّدَ عَلِيُّ بْنُ مُسْهَرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى …
    ▸ expand full passage (41,839 chars)
    قصة غزوة الحديبية وهي عَلَى تسعة أميال من مكة خرج إليها رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي ذي القعدة سنة ستٍ. قاله نافع، وقَتَادة، والزُّهري، وابن إِسْحَاق، وغيرهم. وعُرْوة [١] فِي مغازية [٢] ، رواية أَبِي الأسود. وَتَفَرَّدَ عَلِيُّ بْنُ مُسْهَرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ فِي رَمَضَانَ. وَكَانَتِ الْحُدَيْبِيَةُ فِي شَوَّالٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ هُدْبَةَ، عَنْ هَمَّامٍ، ثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسًا أَخْبَرَهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إِلَّا الْعُمْرَةَ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ: عُمَرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وعمرة من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجّته [٣] .وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةِ [٥٧ ب] مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ [١] قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ [٢] . وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ [حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ] [٣] بْنُ أَبِي أَوْفَى- وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ- قَالَ: كُنَّا يَوْمَئِذٍ أَلْفًا وَثَلاثَمِائَةٍ. وَكَانَتْ أَسْلَمُ يَوْمَئِذٍ ثُمْنَ الْمُهَاجِرِينَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٤] . وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ [٥] . وَقَالَ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٦] . وَخَالَفَهُ الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ. اتَّفَقَا أَيْضًا عَلَيْهِ [٧] . وَكَأَنَّ جَابِرًا قَالَ ذَلِكَ عَلَى التَّقْرِيبِ. وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً كَامِلَةً تَزِيدُ عَدَدًا لَمْ يَعْتَبِرْهُ، أَوْ خَمْسَ عشرة مائة تنقض عددا لم يعتبره. والعربتَفْعَلُ هَذَا كَثِيرًا، كَمَا تَرَاهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي سِنِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فاعتبروا تَارَةً السَّنَةَ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا وَالَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا فَأَدْخَلُوهُمَا فِي الْعَدَدِ. وَاعْتَبَرُوا تَارَةً السِّنِينَ الْكَامِلَةَ وَسَكَتُوا عَنِ الشُّهُورِ الْفَاضِلَةِ. وَيُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: كَمْ كَانَ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ؟ قَالَ: خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً. قُلْتُ: إِنَّ جَابِرًا قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. قَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، وَهِمَ. هُوَ حَدَّثَنِي أَنَّهُمْ كَانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [١] . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْولُ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ. فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنْتُمْ خَيْرُ أهل الأرض. اتّفقا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ [٢] . وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ. صَحِيحٌ [٣] . وَقَالَ الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ: نَحَرْنَا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَبْعِينَ بَدَنَةً، الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ. قُلْنَا لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ بِخَيْلِنَا وَرَجِلِنَا [٤] . وَكَذَلِكَ قَالَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ حَزْمٍ، مِن رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عن سعيد، عن أبيه.وقال معمر، عن الزهري، عن عروة، عن الْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةِ مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ. وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ يُخْبِرُهُ عَنْ قُرْيَشٍ. وَسَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ [١] قَرِيبًا مِنْ عُسْفَانَ أَتَاهُ عَيْنُه الْخُزَاعِيُّ فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ قَدْ جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَشِيرُوا عَلَيَّ. أَتَرَوْنَ أَنْ نَمِيلَ إِلَى ذَرَارِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ فَنُصِيبَهُمْ؟ فَإِنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوتُورِينَ وَإِنْ لَجُّوا تكن عنقا [٢] قطعها [٥٨ أ] اللَّهُ. أَمْ تَرَوْنَ أَنْ نَؤُمَّ الْبَيْتَ فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ: اللَّهُ ورسوله أعلم، إنّما جئنا معتمرين ولم نجيء لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتَ قَاتَلْنَاهُ. قَالَ: فَرُوحُوا إِذًا [٣] . قَالَ الزُّهري في الحديث: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قَالَ النَّبِيّ ﷺ: إن خَالِد بْن الوليد بالغميم فِي خيلٍ لقُرَيْش طليعةً فخذوا ذات اليمين. فو الله ما شعر بهم خَالِد حتى إذا هُمْ بقترة الجيش [٤] ، فانطلق يركض نذيرًا [٥] لقريش. وسار النَّبِيّ ﷺ حتى إذا كَانَ بالثنية [٦] التي يهبط عليهم منها بركتْ راحلتُه فقال النّاس: حَلْ حَلْ، فألحت، فقالوا: خلأتالقصواء خلأت القصواء [١] . قال: فرحوا إذًا [٢] قَالَ الزُّهري: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ما رَأَيْت أحدًا كَانَ أكثر مشاورة لأصحابه من رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ المِسْوَر ومروان فِي حديثهما: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قَالَ النَّبِيّ ﷺ: إن خَالِد بْن الوليد بالغميم في خيل لقريش- رجع الحديث إلى موضعه- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا خَلأت القصواء وما ذاك لَهَا بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل [٣] » . ثُمَّ قَالَ: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطّة يعظّمون فيها حُرُمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها» . ثُمَّ زجرها فوَثَبَتْ بِهِ. قَالَ: فَعَدل حتى نزل بأقصى الحُدَيْبية عَلَى ثمد [٤] قليل الماء، إنّما يتبرّضه النّاس تبرُّضًا [٥] ، فلم يُلَبِّثْه النّاس أنْ نَزَحُوه، فشكوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ العطش. فانتزع سهمًا من كِنانته ثُمَّ أمرهم [أن يجعلوه فيه، فو الله ما زال يجيش لهم بالرّيّ حتى صدروا] [٦] عَنْهُ. فبينما هُمْ كذلك إذ جاءه بُدَيْل بْن وَرْقاء الخُزَاعي فِي نفرٍ من خُزاعة، وكانوا عَيْبَة نُصْحٍ [٧] لرَسُول اللَّهِ ﷺ من أهل تِهَامة. فقال: إنّي تركت كعب ابن لُؤَيّ وعامر بْن لُؤَيّ نزلوا أعداد [٨] مياهِ الحديبيّة، معهم العوذالمطافيل [١] ، وهم مُقاتلوك وصادُّوك عَنِ البيت، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنا لم نجيء لقتال أحدٍ ولكّنا جئنا معتمرين، وإنّ قُريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرَّتْ بهم فإنْ شاءوا مادَدْتُهُم مدَّةً ويُخَلُّوا بيني وبين النّاس [٢] ، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فِيهِ النّاس فعلوا، وإلّا فقد جَمُّوا [٣] ، وإنْ هم أبوا فو الّذي نفسي بيده لأقاتلّنهم عَلَى أمري هذا حتى تنفرد سالفتي [٤] أو ليُنْفِذَنَّ الله أمْرَه. فقال بُدَيْلٌ: سأبلّغهم ما تَقُولُ. فانطلق حتى أتى قُرَيْشًا فقال: إنّا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يَقْولُ قولًا، فإنْ شئتم نعرضه عليكم فعلْنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا فِي أن تحدّثنا عَنْهُ بشيء. وقال ذَوُو الرأي منهم: هاتِ ما سَمِعْتُهُ. قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقْولُ كذا وكذا. فحدّثهم بما قَالَ النَّبِيّ ﷺ. فقام عُرْوة بْن مَسْعُود الثَّقَفي فقال: أي قوم أَلَسْتُم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: ألست بالولد؟ قَالُوا: بلى. قَالَ: هَلْ تتّهموني؟ قَالُوا: لا. قَالَ: ألستم تعلمون أنّي استنفرت أهل عُكاظ فلما بلّحوا عليّ [٥] [٥٧ ب] جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قَالُوا: بلى. قَالَ: فإنّ هذا قد عرض عليكم خطّة رشد، فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلّم النَّبِيّ ﷺ، فقال نحوًا من قوله لبُدَيْلٍ. فقال: أي مُحَمَّد أرأيت إنْ استأصلت قومَك هَلْ سَمِعْتُ بأحدٍ من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرىفو الله إني لأرى وجوهًا وأرى أَوْباشا [١] من النّاس خلقا أن يفرّوا وَيَدعوك. فقال لَهُ أَبُو بَكْر ﵁: أَمْصَصْ بَظْرَ الّلات [٢] . أنحن نفرّ عَنْهُ ونَدَعُهُ؟ قَالَ: من ذا؟ قَالَ أَبُو بَكْر. قَالَ: والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أَجْزِك بِهَا لأجَبْتُك. قَالَ: وجعل يكلّم النَّبِيّ ﷺ، كلّما كلّمه أخذ بلحيته، والمُغيرة بْن شُعبة قائمٌ عَلَى رَأْسِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ السيف وعليه المغفر، فكلّما أهوى عُرْوة إلى لحية النَّبِيّ ﷺ، ضرب يده بنَعْل السّيف وقال: أخِّرْ يدك. فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قَالُوا: المغيره بْن شُعبة. فقال: أي غدر، أوَ لست أسعى فِي غدرتك؟ قَالَ: وكان المغيرة صحب قومًا فِي الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثُمَّ جاء فَأَسْلَمَ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ: أمّا الإِسلام فأقْبَل، وأما المال فلستُ منه فِي شيء [٣] . ثُمَّ إنّ عُرْوة جعل يَرْمُق صحابة النَّبِيّ ﷺ، فو الله ما تَنَخَّم رَسُول اللَّهِ ﷺ نُخامةً إلّا وقعت فِي كفّ رجلٍ منهم يدلك بِهَا وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروه، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون عَلَى وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون [٤] إِلَيْهِ النَّظَرَ تعظيمًا لَهُ. فرجع عُرْوة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وَفَدتُ عَلَى قَيْصر وكِسْرى والنَّجاشيّ، والله إنْ رَأَيْت ملكًا قطّ يعظّمه أصحابُه ما يعظّم أصحابُ محمدٍ محمدًا [٥] . والله إنْ تنخّم نُخامةً إلّا وقعت فِي كفّ رجلٍ منهم فدلك بِهَا وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون علىوضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدُّون إِلَيْهِ النّظر تعظيمًا له، وإنّه قد عرض عليكم خطّة رُشدٍ فاقبلوها [١] . فقال رَجُل من بني كِنانة: دعوني آتِه. فقالوا: ائتِه. فلمّا أشرف عَلَى النَّبِيّ ﷺ وأصحابه، قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: هذا فلان وهو من قومٍ يعظِّمون البُدْن [٢] ، فابعثوها لَهُ. فبُعِثَت لَهُ. واستقبله القوم يلبُّون. فلما رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عَنِ البيت [٣] ، فلما رجع إلى أصحابه قَالَ: رَأَيْت البُدْنَ قد قُلِّدت وأشْعِرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عَنِ البيت. فقام رَجُل منهم يقال لَهُ مِكْرَز بْن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قَالَ النَّبِيّ ﷺ الله [٤٩ أ] عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هذا مِكْرَز وهو رجلٌ فاجر. فجعل يكلّم النَّبِيّ ﷺ. فبينا هُوَ يكلّمه إذ جاء سُهَيْل بْن عَمْرو. قَالَ مَعمَر: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ [٤] . قَالَ الزُّهري فِي حديثه: فجاء سُهَيْلُ بْن عَمْرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا. فدعا الكاتبَ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: «أكتُبْ بسم الله الرَّحْمَن الرحيم» . فقال سهيل: أمّا الرحمن فو الله ما أدرى ما هُوَ، ولكن اكتب [باسمك اللَّهمّ] [٥] كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّا بسم الله الرَّحْمَن الرحيم. فقال النَّبِيّ ﷺ: «اكتب باسمك الّلهمّ» ثُمَّ قَالَ: «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ محمدٌ رَسُول اللَّهِ» . فقال سُهَيْل: والله لو كنّا نعلم أنّك رَسُول اللَّهِ ما صدَدْناك عَنِ البيت ولا قاتَلْناك، ولكنْ أكتب محمد بنعَبْد الله. فقال النَّبِيّ ﷺ: إنّي لَرَسُولُ اللَّهِ وإنْ كذَّبْتُموني، أكتب مُحَمَّد بْن عَبْد الله. قَالَ الزُّهري: وذلك لقوله لا يسألوني خطّة يعظّمون فيها حُرُمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها. فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ ﷺ: عَلَى أنْ تُخَلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف. فقال: والله لا تتحدث العرب أنّا أُخِذْنا ضغطة [١] ، ولكن ذَلِكَ من العام المقبل. فكتب. فقال سُهَيْل: عَلَى أنّه لا يأتيك منّا رَجُل وإنْ كَانَ عَلَى دينك إلّا رَدَدْتَه إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هُمْ كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو [يوسف] [٢] فِي قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظْهُر المسلمين. فقال سُهَيْل: وهذا أول ما أقاضيك عَلَيْهِ أن تردّه. فقال النَّبِيّ ﷺ: إنّا لم نقض الكتاب بعد. قال: فو الله إذا لا نصالحك على شيء أبدا. قال النّبيّ ﷺ: فأجره لي. قَالَ: ما أَنَا بمُجِيره لك. قَالَ: بلى، فافعل قَالَ: ما انا بفاعل. قَالَ مِكْرَز: بلى قد أجرناه. قال أبو جندل: معاشر المسلمين أردُّ إلى المشركين وقد جئت مُسلِمًا، ألا تَرَوْن ما قد لقيت؟ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا فِي الله. فقال عُمَر: والله ما شَكَكْتُ منذ أسلمتُ إلّا يومئذٍ [٣] ، فأتيت النَّبِيّ، ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ألستَ نبيَّ الله؟ قَالَ: «بلى» قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قَالَ: «بلى» قلت: فلم نُعْطي الدَّنِيَّة فِي ديننا إذًا؟ قَالَ: «إنّي رَسُول اللَّهِ ولست أعصيه وهو ناصري» . قلت: أو لستكنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيتَ فنطوف حقًّا؟ قال: «بلى، أفأخبرتك [١] أنّك تأتيه العام؟ قلت: لا. قَالَ: فإنّك آتيه ومُطَوِّف بِهِ. قَالَ: فأتيت أَبَا بَكْر فقلت: يا أَبَا بَكْر أليس هذا نبيّ الله حقًا؟ قَالَ: بلى. قلت: أَلَسنا عَلَى الحقّ وعدوّنا عَلَى الباطل؟ قَالَ: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيّها الرجل إنّه رَسُول اللَّهِ وليس يعصي الله [٥٩ ب] وهو ناصره، فاستمسك بغرزه [٢] حتى تموت. فو الله إنّه لَعَلَى الحقّ. قلت: أَوَ لَيْسَ كَانَ يحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قَالَ: بلى فأخبرك أنّك تأتيه العام؟ قلت: لا. قَالَ: فإنّك آتيه ومُطَوِّف بِهِ [٣] . قَالَ: الزّهري. قال عمر: فعملت ملك أعمالًا. فلما فرغ من قضيّة الكتاب قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فو الله ما قام منهم رجلٌ حتى قَالَ ثلاث مرّات. فلما لم يقم منهم [أحد] [٤] ، قام فدخل عَلَى أَم سَلَمَةَ فذكر لَهَا ما لقي من النّاس. فقالت: يا نبيّ الله أتحبّ ذَلِكَ؟ خرج ثُمَّ لا تكلّم أحدًا كلمةً حتى تنحر بُدْنك، ثُمَّ تدعو بحالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلّم أحدًا حتى فعل ذَلِكَ. فلما رأوا ذَلِكَ قاموا فنحروا وجعل بعضُهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غَمًّا. ثُمَّ جاء نسوةٌ مؤمنات، وأنزل الله: إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ٦٠: ١٠ حتى بلغ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ ٦٠: ١٠الْكَوافِرِ ٦٠: ١٠ [١] . فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانت لَهُ فِي الشِّرْك، فتزوّج إحداهما معاويةُ، والأخرى صَفْوان بْن أُمّية [٢] . ثُمَّ رجع رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى المدينة، فجاءه أَبُو بصير [٣] ، رجلٌ من قريش، وهو مُسْلِم، فأرسلوا فِي طلبه رجلين فقالوا: العهد الَّذِي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا بِهِ حتى بلغا بِهِ ذا الحُلَيْفة، فنزلوا يأكلون من تمرٍ لهم. فقال أَبُو بصير لأحد الرَّجلين. والله إنّي لأرَى سيفك هذا جيّدًا حَدًّا. فاسْتَلَّه الآخر فقال: أجل [٤] ، والله إنّه لجيّد، لقد جرَّبتُ بِهِ ثُمَّ جرَّبت. فقال أَبُو بصير: أرني إِلَيْهِ. فأمكنه منه فضربه حتى بَرَد. وفرّ الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال للنّبيّ ﷺ: قُتل والله صاحبي وإنّي لَمَقْتُول. قَالَ: فجاء أَبُو بَصِير فقال: يا نبيّ الله قد أوفى [الله] [٥] ذمَّتك، والله قد رَدَدْتني إليهم ثُمَّ أنجاني الله بسيفهم. فقال النَّبِيّ ﷺ: «ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ [٦] لو كَانَ لَهُ أحد» . فلما سَمِعَ ذَلِكَ عرف أَنَّهُ سيردّه إليهم. فخرج حتى أتى سيف البحر. وينفلت [٧] منهم أَبُو جَنْدَل بْن سُهَيْل فلحق بابي بصير، فلا يخرج من قريش رَجُل قد أسلم إلّا لحِق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة.قال: فو الله لا يسمعون بعيرٍ لقريش خرجت [١] إلى الشام إلّا اعترضوا لَهَا فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشدُه الله [٢] والرَّحِم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن. فأرسل النَّبِيّ ﷺ إليهم فأنزل: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ٤٨: ٢٤ حتى بلغ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ٤٨: ٢٦ [٣] . وكانت حَمِيَّتُهم أنَّهم لم يُقرُّوا بنبيّ الله ولم يُقِرُّوا ببسم الله الرَّحْمَن الرحيم، وحالوا بينهم وبين الموت. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ، عَنِ الْمُسْنِدِي، عَنْ عَبْد الرزّاق، عَنْ مَعْمَر، بطُوله [٤] . وَقَالَ قُرَّةُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلّى الله [٦٠ أ] عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ يَصْعَدِ الثَّنِيَّةَ، ثِنَّيةَ الْمُرَارِ [٥] ، فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ مَا حُطَّ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعِدَ خَيْلُ بَنِي الْخَزْرَجِ. ثُمَّ تَبَادَرَ النَّاسُ بَعْدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ. فَقُلْنَا: تعالى يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ. وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ يَنْشُدُ ضَالَّةً. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٦] . وَقَالَ [٧] عُبَيْدُ [٨] اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَدْ كان فتح مكة فتحا، ونحن نعدّالْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَالْحُدَيْبِيَةُ، بِئْرٌ، فَنَزَحْنَاهَا فَمَا تَرَكْنَا [١] فِيهَا قَطْرةً. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَاهَا فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ مِنْهَا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا فَتَرَكَهَا [٢] غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ إِنَّهَا أَصْدَرَتْنَا [٣] نَحْنُ وَرِكَابَنَا. أَخْرَجَهُ خ [٤] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: قدمنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحُدَيْبِيَةَ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً مَا تَرْوِيهَا. فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبَاهَا [٥] ، فَإِمَّا دَعَا وَإِمّا بَزَقَ فِيهَا فَجَاشَتْ فَسَقَتْنَا وَأُسْقِينَا. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٦] . وَقَالَ الْبَكَّائِيُّ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [٧] : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ مِسْوَرٍ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَنَّهُمَا قَالا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ، لا يُرِيدُ قِتَالا. وَسَاقَ مَعَهُ لِلْهَدْيِ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَكَانَ النَّاسُ سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ، فَكَانَتْ كُلُّ بَدَنَةٍ عَنْ عَشَرَةِ نَفَرٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [٨] : وَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا بَلَغَنِي يَقُولُ: كُنَّا أَصْحَابَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. قلت: قد ذكرنا عَنْ جماعةٍ من الصّحابة كقول جابر.ثُمَّ ساق ابن إِسْحَاق، حديث الزُّهري بطُوله، وفيه ألفاظٌ غريبة، منها، وجعل عُرْوَة بن مَسْعُود يكلّم النَّبِيّ ﷺ، والمُغيرَةُ واقفٌ عَلَى رَأْسِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الحديد. قَالَ: فجعَلَ يقرع يد عُرْوَةَ إذا تناول لحيَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ويقول: أكفُفْ يدك عَنْ لحية [١] رَسُول اللَّهِ ﷺ [قَبْلَ] [٢] أن لَا تصل إليك. فيقول عُرْوَة: وَيْحك ما أفَظَّكَ وأغلظَكَ. قال: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ عُرْوَة: من هذا يا مُحَمَّد؟ قَالَ: هذا ابن أخيك المُغِيرة بْن شُعبة. قال: أي غدر، وهل غسلت سوأتك إلّا بالأمس؟ قَالَ ابن هشام [٣] : أراد عُرْوَة بقوله هذا أنّ المُغيرة قبْل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلًا من بني مالك من [٤] ثقيف، فتهايج [٥] الحيّان من ثقيف [بنو مالك] [٦] المقتولين، والأحلاف رَهط المقتولين، والأحلاف رَهط المُغيرة [٦٠ ب] ، فَوَدَى عُرْوَة المقتولين ثلاث عشرة دِيَة، وأصلح الأمر. وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: ثنا أَبُو الأَسْوَدِ، قال عروة: [و] [٧] خرجت قُرَيْشٌ مِنْ مَكَّةَ، فَسَبَقُوا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى بَلْدَحٍ [٨] وَإِلَى الْمَاءِ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ سُبِقَ نَزَلَ عَلَى الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ فِي حَرِّ شَدِيدٍ وَلَيْسَ بِهَا إِلا بِئْرٌ وَاحِدَةٌ، فَأَشْفَقَ الْقَوْمُ مِنَ الظَّمَإِ وَهُمْ كَثِيرٌ، فَنَزَلَ فِيهَا رِجَالٌ يَمْتَحُونَهَا، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ فِي الدَّلْوِ وَمَضْمَضَ فَاهُ ثممَجَّ فِيهِ، وَأَمَرَ أَنْ يُصَبَّ فِي الْبِئْرِ، وَنَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَأَلْقَاهُ فِي الْبِئْرِ وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَفَارَتْ بِالْمَاءِ حَتَّى جَعَلُوا يَغْتَرِفُونَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْهَا، وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى شَفَتِهَا. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ سَلَكَ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي بَلَغَهُ أَنَّ قُرَيْشًا بِهَا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [١] : فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ رَجُلا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَسَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا وَعْرًا «أرجل [٢] بَيْنَ [٣] شِعَابٍ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْهُ وَقَدْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَفْضَوْا إِلَى أَرْضٍ سَهْلَةٍ عِنْدَ مُنْقَطَعِ الْوَادِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قولوا «أستغفر اللَّهَ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ» فَقَالُوا: ذَلِكَ. فَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنَّهَا لَلْحِطَّةُ [٤] الَّتِي عُرِضَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يَقُولُوهَا» . قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ [٥] : فأمر رسول الله ﷺ النَّاسَ فَقَالَ: «اسْلُكُوا ذَاتَ الْيَمِينِ بَيْنَ ظَهْرَيِ المحمص [٦] فِي طَرِيقٍ تُخْرِجُهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْمُرَارِ، مَهْبِطِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ» فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ قَتَرَةَ الْجَيْشِ قَدْ خَالَفُوا عَنْ طَرِيقِهِمْ رَكَضُوا رَاجِعِينَ إِلَى قُرَيْشٍ. وَقَالَ شُعْبَةُ، وَغَيْرُهُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَ الشَّجَرَةِ؟ قَالَ: كنّا ألفا وخمس مائة: وذكر عطشاأَصَابَهُمْ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ فِي تَوْرٍ [١] فَوَضَعَ يَدَهُ فِيهِ، فَجَعَلَ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَنَّهُ الْعُيُونُ، فَشَرِبْنَا وَوَسِعَنَا وَكَفَانَا [٢] ، وَلَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُصَيْنٍ [٣] . وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ قَالَ: قال جابر ابن عَبْدِ اللَّهِ: غَزَوْنَا أَوْ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ فِي الْقَوْمِ مِنْ طَهُورٍ؟ فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْعَى بِإِدَاوَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ لَيْسَ فِي الْقَوْمِ مَاءٌ غَيْرُهُ، فَصَبَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَدَحٍ ثُمَّ تَوَضَّأَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَتَرَكَ الْقَدَحَ. قَالَ: فَرَكِبَ النَّاسُ ذَلِكَ الْقَدَح وَقَالُوا: تَمَسَّحُوا تَمَسَّحُوا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَى رِسْلِكْمُ» ، حِينَ سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ. قَالَ: فَوَضَعَ كَفَّهُ فِي الْمَاءِ وَالْقَدَحِ وَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ» . ثُمَّ قَالَ: «أسبغوا الوضوء» . فو الّذي ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون [٦١ ب] عُيُونَ الْمَاءِ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَرْفَعْهَا حَتَّى تَوَضَّئُوا أَجْمَعُونَ. رَوَاهُ مُسَدَّدٌ عَنْهُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ الْعِجْلِيُّ، ثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غزوة، فَأَصَابَنَا جَهْدٌ، حَتَّى هَمَمْنَا أَنْ نَنْحَرَ بَعْضَ ظَهْرِنَا. فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَجَمَعْنَا مَزَاوِدَنَا [٤] فَبَسَطْنَا لَهُ نِطَعًا [٥] ، فَاجْتَمَعَ زاد القوم على النّطع. فتطاولت لأحرزكم هو؟ فحزرته كربضة العنز [٦] ونحنأَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. قَالَ: فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ حَشَوْنَا جُرُبَنَا. ثُمَّ قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: هَلْ مِنْ وَضُوءٍ؟ فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ لَهُ، فِيهَا نُطْفةٌ فأفرغها في قدح. فتوضّأنا كلّنا، ندغفقه [١] دغفقة، أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ فَقَالُوا: هَلْ مِنْ طَهُورٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَرِغَ الْوُضُوءُ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٢] . وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لما رجع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ كَلَّمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: جَهَدْنَا وَفِي النَّاسِ ظَهْرٌ [٣] فَانْحَرْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: لا تَفْعَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ النَّاسَ إِنْ يَكُنْ مَعَهُمْ بَقِيَّةُ ظَهْرٍ أَمْثَلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ابْسُطُوا أَنْطَاعَكُمْ وَعَبَاءَكُمْ. فَفَعَلُوا. ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ زَادٍ وَطَعَامٍ فَلْيَنْثُرْهُ. وَدَعَا لَهُمْ ثُمَّ قَالَ: قَرِّبُوا أَوْعِيَتَكُمْ. فَأَخَذُوا مَا شَاءَ اللَّهُ. يُحَدِّثُهُ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ مَرَّ [الظَّهْرَانِ] [٤] فِي صُلْحِ قُرَيْشٍ قَالَ أَصْحَابُهُ: لَوِ انْتَحَرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ ظُهُورِنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لُحُومِهَا وَشُحُومِهَا وَحَسَوْنَا مِنَ الْمَرَقِ أَصْبَحْنَا غَدًا إِذَا عَدَوْنَا عَلَيْهِمْ وَبِنَا جُمَامٌ [٥] . قَالَ: [لا] [٦] ، وَلَكِنِ ائْتُونِي بِمَا فَضَلَ مِنْ أَزْوَادِكُمْ. فَبَسَطُوا أَنْطَاعًا ثُمَّ صَبُّوا عَلَيْهَا فُضُولَ أَزْوَادِهِمْ. فَدَعَا لهم رسول الله ﷺ بِالْبَرَكَةِ، فَأَكَلُوا حَتَّى تَضَلَّعُوا شِبَعًا، ثُمَّ لَفَّفُوا فُضُولَ مَا فَضَلَ مِنْ أَزْوَادِهِمْ فِي جُرُبِهِمْ.[وَقَالَ] [١] ، مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ [بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] [٢] بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلاةُ الْعَصْرِ وَالْتَمَسُوا الْوُضُوءَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ. فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٣] . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: ثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ [٤] فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَوَضَّئُونَ. فَحَزَرْتُ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ [٥] إِلَى الثَّمَانِينَ مَنْ تَوَضَّأَ مِنْهُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٦] . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ: نَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ إلى أهله يتوضّأ [٦١ ب] وَبَقِيَ قَوْمٌ. فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِخْضَبٍ [٧] مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ، فَصَغُرَ الْمِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ. قُلْنَا: كَمْ هُمْ؟ قَالَ: ثَمَانُونَ وَزِيَادَةٌ، أَخْرَجَهُ البخاري [٨] . وجاء أنّهم كانوا بقباء.وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ [١] [مَعَ أَصْحَابِهِ] [٢] يَتَوَضَّئُونَ. فَوَضَعَ كَفَّهُ فِي الْمَاءِ، فَجَعَلَ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا. فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: زُهَاءُ ثَلَاثِ مِائَةٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٣] ، وَالْبُخَارِيُّ أَيْضًا بِمَعْنَاهُ [٤] ، وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِيُّ: ثنا عَبْدُ الرحمن بن زياد، حدّثني زياد ابن نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيُّ، سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ [٥] قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فذكر حديثا فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلا مِنْهُ: فَوَضَعَ كَفَّهُ ﷺ فِي الْمَاءِ فَرَأَيْتُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ عَيْنًا تَفُورُ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْلا أَنْ أَسْتَحْيِيَ مِنْ رَبِّي لَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا. عَبْدُ الرَّحْمَنِ ضَعِيفٌ [٦] . وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى الْبَرَكَةِ فِي الْمَاءِ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَقَالَ إِسْرَائِيلُ: عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِقَالَ: كُنَّا نَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ. وَأُتِيَ بِإِنَاءٍ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ. فَقَالَ: حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ. حَتَّى تَوَضَّأْنَا كُلُّنَا. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [١] . وَقَالَ أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، [عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] [٢] قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فجعل أصابعه فِي فَمِ الإِنَاءِ وَفَتَحَ أَصَابِعَهُ، فَرَأَيْتُ الْعُيُونَ تَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: ثنا أَبُو الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ [٣] فِي نُزُولِهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ: فَزِعَتْ قُرَيْشٌ لِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ، فَأَحَبَّ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَجُلا. فَدَعَا عُمَرَ لِيَبْعَثَهُ فَقَالَ: إِنِّي لا آمَنُهُمْ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ يَغْضَبُ لِي، فَأَرْسِلْ عُثْمَانَ فَإِنَّ عَشِيرَتَهُ بِهَا. فَدَعَا عُثْمَانَ فَأَرْسَلَهُ وَقَالَ: أَخْبِرْهُمْ أَنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالٍ، وَادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ. وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ رِجَالا بِمَكَّةَ مُؤْمِنِينَ وَنِسَاءً مُؤْمِنَاتٍ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَيُبَشِّرُهُمْ بِالْفَتْحِ. فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ فَمَرَّ عَلَى قُرَيْشٍ بِبَلْدَحٍ. فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ لأَدْعُوَكُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَيُخْبِرُكُمْ أَنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالٍ وَإِنَّمَا جِئْنَا عَمَّارًا. فَدَعَاهُمْ عُثْمَانُ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالُوا: قَدْ سَمِعْنَا مَا تَقُولُ فَانْفُذْ لِحَاجَتِكَ. وَقَامَ إِلَيْهِ أبان بن سعيد بن العاص فرحّب بن وَأَسْرَجَ فَرَسَهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ عُثْمَانَ فَأَجَارَهُ، وَرَدَفَهُ أَبَانٌ حَتَّى جَاءَ مَكَّةَ. ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَالصُّلْحَ. وَذَكَرَ أَنَّهُمْ أَمِنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَتَزَاوَرُوا. فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ، وَطَوَائِفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُشْرِكِينَ، إذ رمى رجل رجلامن الفريق [٦٢ أ] الآخَرِ. فَكَانَتْ مُعَارَكَةٌ، وَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ. وَصَاحَ الْفَرِيقَانِ وَارْتَهَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ فِيهِمْ، فَارْتَهَنَ الْمُسْلِمُونَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَغَيْرُهُ، وَارْتَهَنَ الْمُشْرِكُونَ عُثْمَانُ وَغَيْرُهُ [١] . وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَيْعَةِ. وَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَلا إِنَّ الْقُدُسَ قَدْ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِالْبَيْعَةِ، فَاخْرُجُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ فَبَايِعُوا. فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ تَحْتِ الشَّجْرَةِ، فَبَايَعُوهُ عَلَى أَنْ لا يَفِرُّوا أَبَدًا [٢] . فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا، وَفِيهَا: فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: خَلَصَ عُثْمَانُ مِنْ بَيْنِنَا إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَظُنُّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَنَحْنُ مَحْصُورُونَ» . قَالُوا: وَمَا يَمْنَعُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ خَلَصَ؟ قَالَ: «ذَلِكَ ظَنِّي بِهِ أَنْ لا يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ حَتَّى يَطُوفَ مَعَنَا» . فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: اشْتَفَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ؟ فَقَالَ: بئس ما ظننتم بي، فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ مَكَثْتُ بِهَا مُقِيمًا سَنَةً وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقِيمٌ بِالْحُدَيْبِيَةِ مَا طُفْتُ بِهَا حَتَّى يَطُوفَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَقْد دَعَتْنِي قُرَيْشٌ إِلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَأَبَيْتُ. وَقَالَ الْبَكَّائِيُّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [٣] : فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ: لا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ الْقَوْمَ. فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ. فَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. فَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ: بَايَعَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَوْتِ، وَكَانَ جَابِرٌ يَقُولُ: لَمْ يُبَايِعْنَا عَلَى الْمَوْتِ وَلَكِنْ بَايَعَنَا عَلَى أَنْ لا نَفِرَّ.وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [١] : حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى وَقَالَ: هَذِهِ لِي وَهَذِهِ لِعُثْمَانَ إِنْ كَانَ حَيًّا: ثُمَّ بَلَغَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَرَجَعَ عُثْمَانُ: وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ بَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ إِلا الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ أَخُو بَنِي سَلَمَةَ. قَالَ جَابِرٌ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ لاصِقًا بِإِبْطِ نَاقَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، قد ضَبَأَ [٢] إِلَيْهَا يَسْتَتِرُ بِهَا مِنَ النَّاسِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ الْبَجَلِيُّ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ- وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ قَالَهُ النَّسَائِيُّ [٣]- عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ كَانَ عُثْمَانُ قَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ. فَبَايَعَ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ عُثْمَانَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى فَكَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُثْمَانَ خَيْرًا مِنْ أَيْدِيهِمْ لأَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ثنا الزّبير، سمع جابرا [٦٢ ب] يَقُولُ: لَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ وَجَدْنَا رَجُلا مِنَّا يُقَالُ لَهُ الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ مُخْتَبِئًا تَحْتَ إِبْطِ بَعِيرٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابن جريج، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَبِهِ: قَالَ لَمْ نُبَايِعِ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لا نَفِرَّ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ [٤] . وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَقَالَ: فَبَايَعْنَاهُ وَعُمَرَ ﵁ آخِذٌ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة [٥] .وَقَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَعْرَجِ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ الشَّجَرَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُبَايِعُ النَّاسَ وَأَنَا رَافِعٌ غُصْنًا مِنْ أَغْصَانِهَا عَنْ رَأْسِهِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لا نَفِرَّ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [١] . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ثنا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَمَّا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ كَانَ أَوَّلَ مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ أَبُو سِنَانٍ الأَسْدِيُّ فَقَالَ: أَبْسِطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عَلامَ تُبَايِعُنِي؟ قَالَ: [عَلَى] [٢] مَا فِي نَفْسِكَ. وَقَالَ مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو عَاصِمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ. فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ: يَا بْنَ الْأَكْوَعِ أَلَا تُبَايِعُ؟ قُلْتُ [قَدْ بَايَعْتُ] [٣] يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَيْضًا. فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ. فَقُلْتُ لِسَلَمَةَ: يَا أبا مسلم على أيّ شيء كنتم تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٤] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دعا إلى البيعة في الأصل الشجرة، فبايعته أولالنّاس وبايع [وبايع] [١] حتى إذا فِي وَسَطِ النَّاسِ قَالَ: «بَايِعْنِي يَا سَلَمَةُ» . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَايَعْتُكَ. قَالَ: «وَأَيْضًا» . قَالَ: وَرَآنِي عَزِلًا [٢] فَأَعْطَانِي حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً [٣] . ثُمَّ بَايَعَ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعْ» ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَايَعْتُكَ فِي أَوَّلِ النَّاسِ وَأَوْسَطِهِمْ. قَالَ: «وَأَيْضًا» . فَبَايَعْتُ الثَّالِثَةَ. فَقَالَ: «يَا سَلَمَةُ أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ» ؟ قُلْتُ: لَقِيَنِي عَامِرٌ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهُ [٤] . فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ: «أنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الْأَوَّلُ: اللَّهمّ أَبْغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي» . ثُمَّ إِنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ رَاسَلُونَا بِالصُّلْحِ حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ فَاصْطَلَحْنَا. وَكُنْتُ خَادِمًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَسْقِي فَرَسَهُ وَأَحُسُّهُ [٥] وَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ. وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا [٦] فَاضَّطَجَعْتُ فِي ظِلِّهَا. فَأَتَانِي أَرْبَعةٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ في رسول الله ﷺ فَأَبْغَضْتُهُمْ، فَتَحَوَّلَتْ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى، فَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ وَاضْطَجَعُوا. فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنادٍ من أسفل الوادي: (٦٣ أ) يَا لِلْمُهَاجِرِينَ، قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ. فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي فَشَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقُودٌ، فَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا [٧] فِي يَدِي، ثُمَّ قُلْتُ، والّذي كرّم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلّا ضربت الّذي فيه عيناه [٨] . ثم جئت بهم أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وجاءعَمِّي عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنَ الْعَبَلَاتِ [١] يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ يَقُودُهُ [مُجَفَّفًا] [٢] حَتَّى وَقَفْنَا بِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ. وَقَالَ: «دَعُوهُمْ، يَكُونُ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ» [٣] . فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأُنْزِلَتْ: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ٤٨: ٢٤ [٤] الآية. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٥] وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رِجَالا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قِبَلِ جَبَلِ التَّنْعِيمِ [٦] لِيُقَاتِلُوهُ. قَالَ: فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أخْذًا، فَأَعْتَقَهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ٤٨: ٢٤ الآية، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٧] . وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: ثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، قَدْ تَفَرَّقُوا فِي ظِلالِ الشَّجَرِ. فَإِذَا النَّاسُ مُحْدِقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ- يعني عمر-: ياعَبْدَ اللَّهِ انْظُرْ مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَوَجَدَهُمْ يُبَايِعُونَ، فَبَايَعَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عُمَرَ، فَخَرَجَ فَبَايَعَ. أَخْرَجَهُ خ فَقَالَ: وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: ثنا الْوَلِيدُ [١] . قُلْتُ: وَرَوَاهُ دُحَيْمٌ، عَنِ الْوَلِيدِ. قُلْتُ: وَسُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ٤٨: ١٨ [٢] . قَالَ أَبُو عَوَانة، عَنْ طارق بْن عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ سَعِيد بْن المسيّب قَالَ: كَانَ أَبِي ممّن بايع رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الشجرة، قَالَ: فانطلقنا فِي قابلٍ حاجّين، فخفي علينا مكانُها، فإنْ كانت تبيَّنتْ لكم فأنتم أعلم. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٣] . وَقَالَ ابن جريج: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا أَحَدٌ» . قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ١٩: ٧١ [٤] ، فقال: قدقَالَ تَعَالَى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ١٩: ٧٢ [١] . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [٢] . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْحَافِظِ بْنِ بَدْرَانَ، أَخْبَرَكُمْ مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالا: أَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، ثنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا الْعَلاءُ بْنُ مُوسَى إِمْلاءً، سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، أنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الَمكِّيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ [٦٣ ب] اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ النَّارَ» . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ [٣] . وَقَالَ قُتَيْبَةُ: نَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزّبير، عن جابر، أنّ عبدا لحاطب ابن أَبِي بَلْتَعَةَ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْكُو حَاطِبًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَبْتَ لَا يَدْخُلُهَا، فَإنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ [٤] » . وَقَالَ يُونُسُ بْن بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [٥] ، حدثني الزهري، عن عُرْوَة، عَنِ المِسْوَر بْن مَخْرَمَة، ومروان في قصة الحديبية، قالا: فدعت قريش سُهَيْل بْن عَمْرو، قَالُوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه ولا يكوننّ فِي صُلْحه إلّا أنْ يرجع عنّا عامَهُ هذا، لا تحدّث العربُ أنّه دخلها علينا عَنْوَةً. فخرج سُهَيْل من عندهم، فلما رآه رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلا قال: «قد أراد القومالصُّلْحَ حين بعثوا هذا الرجل» . فوقع الصلح عَلَى أن توضع الحرب بينهما عشر سنين، وأن يخلُّوا بينه وبين مكة من العام المقبل، فيقيم بِهَا ثلاثًا، وأنه لا يدخلها إلّا بسلاح الراكب والسيوف فِي القِرَب، وإنّه من أتانا من أصحابك بغير إذْن ولِيِّه لم نردّه عليك، ومن أتاك منّا بغير إذن وليّه رددته علينا، وأنّ بيننا وبينك عَيْبَةٌ مكفوفة [١] ، وأنه لا إسلال ولا إغلال. وذكر الحديث. الإِسلال: الخفية، وقيل الغارة، وقيل سلّ السيوف [٢] والإِغلال: الغارة. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُشْرِكِي مَكَّةَ كَتَبَ كِتَابًا: «هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» . قَالُوا: لَو عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نُقَاتِلْكَ. قَالَ لِعَلِيٍّ: «امْحُهُ» . فَأَبَى، فَمَحَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمُوا ثَلَاثًا، وَأَنْ لَا يَدْخُلُوا مَكَّةَ بِسِلَاحٍ إِلَّا جُلُبَّانَ السِّلَاحِ، يَعْنِي السَّيْفَ بِقِرَابِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٣] . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ أو قريبا منه. أخرجه مسلم [٤] .وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [١] ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ كَاتِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلِيًّا ﵁. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اكْتُبْ: «هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو» . فَجَعَلَ عَلِيُّ يَتَلَكَّأُ وَيَأْبَى إِلَّا أَنْ يَكْتُبَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اكْتُبْ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَهَا تُعْطِيهَا وَأَنْتَ مُضْطَهَدٌ» ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ: نَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَامَ سَهْلُ [٢] بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا. فَأَتَى عُمَرُ فَقَالَ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: (أَلَيْسَ) [٣] قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: بلى. قال: ففيم نعطي [٦٤ أ] الدَّنِيَّةَ فِي أَنْفُسِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ قَالَ: يَا بْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ، فَانْطَلَقَ مُتَغَيِّظًا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَنَزَلَ الْقُرْآنَ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [٤] . وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابن إسحاق [٥] ، عن الزهري، عن عروة عنالْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ قَالَا: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا حَتَّى أَتَى هَدْيَهُ فَنَحَرَ وَحَلَقَ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَحَلَقَ بَعْضٌ وَقَصَّرَ بَعْضٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهمّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ؟ فَقَالَ: اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ، ثَلَاثًا. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: وَلِلْمُقَصِّرِينَ. وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [١] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ لَهُ لِمَ ظَاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا [٢] . وَقَالَ يُونُسُ- هُوَ ابْنُ بُكَيْرٍ-، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: حَلَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كُلُّهُمْ غَيْرَ رَجُلَيْنِ، قَصَّرَا وَلَمْ يَحْلِقَا. أَبُو إِبْرَاهِيمَ مَجْهُولٌ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارِبٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ. قَالَ رَجُلٌ: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ: ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَحَرَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ سَبْعُونَ بَدَنَةً فِيهَا جَمَلُ أَبِي جَهْلٍ، فَلَمَّا صُدَّتْ عَنِ الْبَيْتِ حَنَّتْ كَمَا تَحِنُّ إلى أولادها.وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهْدَى فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ جَمَلا كَانَ لأَبِي جَهْلٍ، فِي أَنْفِهِ [١] بُرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ [٢] أَهْدَاهُ لِيَغِيظَ بِهِ قُرَيْشًا [٣] . وَقَالَ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. فَنَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ الْعَامَ الْمُقْبِلَ، وَلا يَحْمِلَ سِلاحًا عَلَيْهَا إِلا سُيُوفًا، وَلا يُقِيمَ بِهَا إِلا مَا أَحَبُّوا، فَاعْتَمَرَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَدَخَلَهَا كَمَا صَالَحَهُمْ. فَلَمَّا أَنْ أَقَامَ بِهَا ثَلاثًا، أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ فَخَرَجَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٤] . وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابر: نحرنا بالحديبية الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. رَوَاهُ مسلم [٥] .

شمس الدين الذهبي - سير أعلام النبلاء - ط الحديث

full-text

— · 3 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 476, entry [92]28,976 chars
    قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة: خرج إليها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة ست. قاله نافع، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق، وغيرهم، وعروة في "مغازيه"، رواية أبي الأسود. وتفرد علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال. وفي الصحيحين عن هدبة، عن …
    ▸ expand full passage (28,976 chars)
    قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة: خرج إليها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة ست. قاله نافع، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق، وغيرهم، وعروة في "مغازيه"، رواية أبي الأسود. وتفرد علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال. وفي الصحيحين عن هدبة، عن همام، قال: حدثنا قتادة، أن أنسًا أخبره أن نبي الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا العمرة التي مع حجته: عمرة الحديبية زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل، وعمرة من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته (¬١). وقال الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره، وأحرم منها. أخرجه البخاري (¬٢). وقال شعبة، عن عمرو بن مرَّة، سمع ابن أبي أوفى -وكان قد شهد بيعة الرضوان- قال: كنا يومئذ ألفًا وثلاث مائة. وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين. أخرجه مسلم. وعلقه البخاري في صحيحه (¬٣).وقال حصين بن عبد الرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. متفق عليه (¬١). وخالفه الأعمش، عن سالم، عن جابر، فقال: كنا أربع عشرة مائة، أصحاب الشجرة، اتفقا عليه أيضًا. وكأن جابرًا قال ذلك على التقريب. ولعلهم كانوا أربع عشرة مائة كاملة تزيد عددًا لم يعتبره، أو خمس عشرة مائة تنقص عددًا لم يعتبره والعرب تفعل هذا كثيرًا، كما تراهم قد اختلفوا في سن رسول الله ﷺ، فاعتبروا تارة السنة التي ولد فيها والتي توفي فيها فأدخلوهما في العدد. واعتبروا تارة السنين الكاملة وسكتوا عن الشهور الفاضلة. ويبين هذا أن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة. قلت: إن جابرًا قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمك الله، وهم. هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة. أخرجه البخاري (¬٢). وقال عمرو بن دينار: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة. فقال لنا رسول الله ﷺ: "أنتم خير أهل الأرض". اتفقا عليه من حديث ابن عيينة. وقال الليث، عن أبي الزبير، عن جابر: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربع مائة. صحيح. وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: نحرنا عام الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة. قلنا لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفًا وأربع مائة بخيلنا ورجلنا. وكذلك قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع، في أصح الروايتين عنه، والمسيب بن حزم، من رواية قتادة، عن سعيد، عن أبيه. قال البخاري (¬٣): معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان بن الحكم، يصدق كل واحد منهم حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضععشرة مائة من أصحابه. حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة. وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش. وسار حتى إذا كان بعذبة الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ: "أشيروا علي، أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن لجوا تكن عنقا قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه"؟ قال أبو بكر: الله ورسوله أعلم إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. قال: "فروحوا إذا". قال الزهري في الحديث: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ: "إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين". فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التى يهبط عليهم منها بركت راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء. قال: فروحوا إذا. قال الزهري: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ. قال المسور ومروان في حديثهما (¬١): فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ: "إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش" -رجع الحديث إلى موضعه- قال النبي ﷺ: "ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل". ثم قال: "والذي نفسى بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها". ثم زجرها فوثبت به. قال: فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، إنما يتبرضهالناس تبرضا (¬١)، فلم يلبثه الناس أن نزحوه، فشكو إلى رسول الله ﷺ العطش. فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينا هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح (¬٢) لرسول الله ﷺ من أهل تهامة. فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ، المطافيل (¬٣)، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. قال رسول الله ﷺ: "إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا (¬٤)، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (¬٥) أو لينفذن الله أمره". فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا، فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم نعرضه عليكم فعلنا؛ فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا كذا. فحدثهم بما قال النبي ﷺ. فقال عروة بن مسعود الثقفي، فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: ألست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: هل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا (¬٦) عليه جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلي. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ، فقال نحوا من قوله لبديل. فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا (¬٧) منالناس خلقاء أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر ﵁ امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ قال: من ذا؟ قال: أبو بكر. قال: والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ كلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي ﷺ، ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك. فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، أولست أسعى في غدرتك؟ قال: وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم فقال النبي ﷺ: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء". ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي ﷺ؛ فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروه، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك؛ وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعونى آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له. فبعثت له. واستقبله القوم يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: "هذا مكرز وهو رجل فاجر". فجعل يكلم النبي ﷺ. فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: وأخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل قال النبي ﷺ: "قد سهل لكم من أمركم". قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا.فدعا الكاتب فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ: "اكتب باسمك اللهم" ثم قال-: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله". فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ: "إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله". قال الزهري: وذلك لقوله: لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. فقال له النبي ﷺ: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف". فقال: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل. فكتب. فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال: المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده (¬١) قد خرج من أسفل مكة حتى رمى نفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: وهذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده. فقال النبي ﷺ: "إنا لم نقض الكتاب بعد". قال: فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا. قال النبي ﷺ: "فأجره لي" (¬٢). قال: ما أنا بمجيره لك. قال: "بلي، فافعل" قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجرناه. قال أبو جندل: معاشر المسلمين أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله. فقال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، ألست نبي الله؟ قال: "بلى"، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى"، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: "إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري". قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف حقا؟ قال: "بلي"، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوف به". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلي. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أوليس كان يحدثنا أنهسنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: الزهري. قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ: "قوموا فانحروا ثم احلقوا". قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك، ثم تدعو بحالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحدا حتى فعل ذلك. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم جاءه نسوة مؤمنات، وأنزل الله: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلوه في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدا جدا. فاستله الآخر فقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه فضربه حتى برد. وفر الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال للنبي ﷺ: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. قال: فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد أوفي الله ذمتك، والله قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي ﷺ: "ويل أمه (¬١) مسعر حرب (¬٢) لو كان له أحد". فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم.فخرج حتى أتى سيف البحر. وينفلت منهم أبو جندل ابن سهيل فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة. قال: فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن. فأرسل النبي ﷺ إليهم فأنزل: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤ - ٢٦]، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. أخرجه البخاري، عن المسندي، عن عبد الرزاق، عن معمر، بطوله (¬١). وقال قرة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: من يصعد الثنية، ثنية المرار، فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل. فكان أول من صعد خيل بني الخزرج. ثم تبادر الناس بعد، فقال رسول الله ﷺ: "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر". فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ. قال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم. وإذا هو رجل ينشد ضالة. أخرجه مسلم (¬٢). وقال البخاري: عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فما تركنا فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء منها فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا نحن وركابنا. أخرجه البخاري (¬٣). وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: قدمنا مع رسولالله ﷺ الحديبية، ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة ما ترويها، فقعد رسول الله ﷺ على جباها، فإما دعا وإما بزق فيها فجاشت فسقينا واستقينا. أخرجه مسلم (¬١). وقال البكائي: قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة، عن مسور، ومروان بن الحكم أنهما حدثاه، قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا. وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر. قال ابن إسحاق: وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة. قلت: قد ذكرنا عن جماعة من الصحابة كقول جابر. ثم ساق ابن إسحاق حديث الزهري بطوله، وفيه ألفاظ غريبة، منها: وجعل عروة بن مسعود يكلم النبي ﷺ، والمغيرة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد. قال: فجعل يقرع يد عروة إذا تناول لحية رسول الله ﷺ ويقول: اكفف يدك عن لحية رسول الله ﷺ أن لا تصل إليك. فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك. قال: فتبسم رسول الله ﷺ. فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: "هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة". قال: أي غدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟ قال ابن هشام: أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك بن ثقيف، فتهايج الحيان من ثقيف رهط المقتولين، والأحلاف رهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاثة عشر دية، وأصلح الأمر. وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال عروة: وخرجت قريش من مكة، فسبقوا النبي ﷺ إلى بلدح وإلى الماء، فنزلوا عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ أنه قد سبق نزل على الحديبية، وذلك في حر شديد وليس بها إلا بئر واحدة، فأشفق القوم من الظمأ وهم كثير، فنزل فيها رجال يميحونها، ودعا رسول الله ﷺ بدلو من ماء فتوضأ في الدلو ومضمض فاه ثم مج فيه، وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهما من كنانته فألقاه في البئر ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها، وهم جلوس على شفتها. وقد كان النبي ﷺ سلك على غير الطريق التي بلغه أن قريشا بها.قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن رجلا من أسلم قال: أتانا رسول الله ﷺ قال: فسلك بهم طريقا وعرا أخزل من شعاب، فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين، وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله ﷺ: "قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه" فقالوا ذلك. فقال: "والله إنها للحطة التى عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها". قال عبد الملك بن هشام: فأمر رسول الله ﷺ الناس فقال: "اسلكوا ذات اليمين بين ظهري المحمص في طريق تخرجه على ثنية المرار، مهبط الحديبية من أسفل مكة" فلما رأت قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش. وقال شعبة، وغيره، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قلت لجابر: كم كنتم يوم الشجرة؟ قال: كنا ألفا وخمس ومائة: وذكر عطشا أصابهم، فاتي رسول الله ﷺ بماء في تور فوضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون، فشربنا ووسعنا وكفانا، ولو كنا مائة ألف لكفانا. وقد أخرجه البخاري من أوجه أخر عن حصين. وقال أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، قال: جابر بن عبد الله: غزونا أو سافرنا مع رسول الله ﷺ، ونحن يومئذ أربع عشرة مائة، فحضرت الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: "هل في القوم من طهور"؟ فجاء رجل يسعى بإداوة فيها شيء من ماء ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله ﷺ في قدح ثم توضأ، ثم انصرف وترك القدح. قال: فركب الناس ذلك القدح وقالوا: تمسحوا تمسحوا. فقال رسول الله ﷺ: "على رسلكم"، حين سمعهم يقولون ذلك. قال: فوضع كفه في الماء والقدح وقال: "سبحان الله". ثم قال: "أسبغوا الوضوء". فوالذي ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابع رسول الله ﷺ ولم يرفعها حتى توضؤوا أجمعون (¬١). رواه مسدد، عنه. وقال عكرمة بن عمار العجلي: حدثنا إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا. فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعا، فاجتمع زاد القوم على النطع. فتطاولت لأحزركم هو؟ فحزرته كربضة العنز ونحن أربع عشرة مائة. قال: فأكلنا حتى شعبنا جميعا ثم حشوناجرباننا. ثم قال نبي الله ﷺ: "هل من وضوء"؟ فجاء رجل بإداوة له، فيها نطفة فأفرغها في قدح. فتوضأنا كلنا، ندغفقه دغفقة، أربع عشرة مائة. قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسول الله ﷺ: "فرغ الوضوء". أخرجه مسلم (¬١). وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: قال ابن عباس: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا: جهدنا وفي الناس ظهر فانحره. فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل. فقال رسول الله ﷺ: "ابسطوا أنطاعكم وعباءكم". ففعلوا. ثم قال: "من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره". ودعا لهم ثم قال: "قربوا أوعيتكم". فأخذوا ما شاء الله. يحدثه نافع بن جبير. وقال يحيى بن سليم الطائفي، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ لما نزل مر الظهران في صلح قريش قال أصحابه: لو انتحرنا يا رسول الله من ظهورنا فأكلنا من لحومها وشحومها وحسونا من المرق أصبحنا غدا إذا عدونا عليهم وبنا جمام. قال: "لا، ولكن ائتوني بما فضل من أزوادكم". فبسطوا أنطاعا ثم صبوا عليها فضول أزوادهم. فدعا لهم رسول الله ﷺ بالبركة، فأكلوا حتى تضلعوا شبعا، ثم لففوا فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم. مالك، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر والتمسوا الوضوء، فلم يجدوه. فأتى بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ يده في ذلك الإناء وأمر الناس أن يتوضؤوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه. فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم. متفق عليه (¬٢).وقال حماد بن زيد: حدثنا ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ دعا بماء فأتي بقدح رحراح فجعل القوم يتوضؤون. فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين من توضأ منه، فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه. متفق عليه (¬١). وقال عبد الله بن بكر: حدثنا حميد، عن أنس، قال: حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله يتوضأ وبقي قوم. فأتي النبي ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فتوضأ القوم. قلنا: كم هم؟ قال: ثمانون وزيادة. أخرجه البخاري (¬٢). وجاء: أنهم كانوا بقباء. وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ كان بالزوراء يتوضؤون. فوضع كفه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضؤوا. فقلنا لأنس: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاث مائة. أخرجه مسلم، والبخاري أيضا بمعناه (¬٣). والزوراء بالمدينة عند السوق والمسج. وقال أبو عبد الرحمن المقرئ: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثني زياد بن نعيم الحضرمي، قال: سمعت زياد بن الحارث الصدائي، قال: بايعت رسول الله ﷺ، فذكر حديثا طويلا منه: فوضع كفه ﷺ في الماء فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور. فقال لي رسول الله ﷺ: "لولا أن أستحيي من ربي لسقينا واستقينا". عبد الرحمن ضعيف. وهذه الأحاديث تدل على البركة في الماء غير مرة. وقال إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنا نأكل معالنبي ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام. وأتي بإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ. فقال: "حي على الطهور المبارك والبركة من السماء". حتى توضأنا كلنا. أخرجه البخاري (¬١). وقال أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: أتي رسول الله ﷺ بإناء من ماء، فجعل أصابعه في فم الإناء وفتح أصابعه، فرأيت العيون تنبع من بين أصابعه. وذكر الحديث. إسناده جيد. وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال: قال عروة في نزوله ﷺ بالحديبية: ففزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب أن يبعث إليهم رجلا. فدعا عمر ليبعثه فقال: إني لا آمنهم، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي، فأرسل عثمان فإن عشيرته بها. فدعا عثمان فأرسله وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وادعهم إلى الإسلام. وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح. فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح. فقالت قريش: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إليكم لأدعوكم إلى الإسلام، ويخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا. فدعاهم عثمان كما أمره رسول الله ﷺ. قالوا: قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه، فحمل عليه عثمان فأجاره، وردفه أبان حتى جاء مكة. ثم إن قريشا بعثوا بديل بن ورقاء؛ فذكر الحديث والصلح. وذكر أنهم أمن بعضهم بعضا وتزاوروا. فبيناهم كذلك، وطوائف من المسلمين في المشركين، إذ رمى رجل رجلا من الفريق الآخر. فكانت معاركة، وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو وغيره، وارتهن المشركون عثمان وغيره. ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة. ونادى منادى رسول الله ﷺ: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ فأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا. فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا أبدا. فذكر القصة بطولها، وفيها: فقال المسلمون وهم بالحديبية قبل أن يرجع عثمان بن عفان: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به. فقال رسول الله ﷺ: "ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون". قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: "ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا". فرجع إليهم عثمان، فقال المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟فقال: عثمان: بئس ما ظننتم بي، فوالذي نفسى بيده لو مكثت بها مقيما سنة ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى بها رسول الله ﷺ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت. وقال البكائي، عن ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرح حتى نناجز القوم". فدعا الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت، وكان جابر يقول: لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر. وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني بعض آل عثمان أن رسول الله ﷺ ضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه لي وهذه لعثمان إن كان حيًّا: ثم بلغهم أن ذلك باطل، ورجع عثمان. ولم يتخلف عن بيعة رسول الله ﷺ أحد إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة. قال جابر: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقة رسول الله ﷺ، وقد ضبأ إليهايستتر بها من الناس. قال الحسن بن بشر البجلي: حدثنا الحكم بن عبد الملك -وليس بالقوي قال النسائي- عن قتادة، عن أنس، قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان رسول الله ﷺ إلى مكة. فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ: "إن عثمان في حاجة الله ورسوله". فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم. وقال ابن عيينة: حدثنا أبو الزبير، سمع جابرا يقول: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له: الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعير. أخرجه مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، وبه قال: لم نبايع النبي ﷺ على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، وأخرجه من حديث الليث، عن أبي الزبير، وقال: فبايعناه وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة. وقال خالد الحذاء، عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار، قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة. ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم (¬١).وقال ابن عيينة: حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي، قال: لم دعا النبي ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي، فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ: "علام تبايعني" قال: على ما في نفسك. وقال مكي بن إبراهيم، وأبو عاصم -واللفظ له- عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ثم عدلت إلى ظل شجرة. فلما خف الناس قال: "يا ابن الأكوع ألا تبايع" قلت: قد بايعت يا رسول الله. قال: "وأيضا". فبايعته الثانية فقلت لسلمة: يا أبا مسلم على أى شي كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. متفق عليه (¬١). وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، فذكر الحديث، وقال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس ويايع، حتى إذا كان في وسط الناس، قال: "بايعني يا سلمة". فقلت: يا رسول الله قد بايعتك. قال: "وأيضا". قال: ورآني عزلا فأعطاني حجفة أو درقة. ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس قال: "ألا تبايع"؟ قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم. قال: "وأيضا". فبايعت الثالثة. فقال: "يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك"؟ قلت: لقيني عامر فأعطيتها إياه. فضحك ثم قال: "إنك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي". ثم إن مشركي مكة راسلونا بالصلح حتى مشى بعضنا إلى بعض فاصطلحنا. وكنت خادما لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه (¬٢) وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله. فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في ظلها. فأتاني أربعة من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينا هم كذلك إذ ناد مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم. فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة وهم رقد، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم إلا ضربت الذي فيه عيناه، ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ. وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له: مكرز يقوده حتى وقفنا بهم علىرسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم. وقال: "دعوهم، يكون لهم بدء الفجور وثناؤه". فعفا عنهم رسول الله ﷺ، وأنزلت: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، أخرجه مسلم (¬١). وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجالا من أهل مكة هبطوا إلى النبي ﷺ من قبل جبل التنعيم ليقاتلوه. قال: فأخذهم رسول الله ﷺ أخذا، فأعتقهم. فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية، أخرجه مسلم (¬٢). وقال الوليد بن مسلم: حدثنا عمر بن محمد العمري، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون برسول الله ﷺ، فقال -يعني عمر: يا عبد الله انظر ما شأن الناس؟ فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع. أخرجه البخاري (¬٣) فقال: وقال هشام بن عمار، حدثنا الوليد. قلت: ورواه دحيم، عن الوليد. قلت: وسميت بيعة الرضوان من قوله -تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. قال أبو عوانة، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ عند الشجرة، قال: فانطلقنا في قابل حاجين، فخفي علينا مكانها، فإن كانت تبينت لكم فأنتم أعلم. متفق عليه (¬٤). وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير المكي أنه سمع جابرا يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة"الذين بايعوا تحتها أحد". قلت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فقال: قد قال -تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]، أخرجه مسلم (¬١). قرأت على عبد الحافظ بن بدران: أخبركم موسى بن عبد القادر، والحسين بن أبي بكر، قالا: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: أخبرنا محمد بن أبي مسعود، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، قال: حدثنا أبو القاسم البغوي، قال: حدثنا العلاء بن موسى إملاء، سنة سبع وعشرين ومائتين، قال: أخبرنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار". أخرجه النسائي (¬٢). وقال قتيبة: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أن عبدا لحاطب بن أبي بلتعة جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبا؛ قال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ: "كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية" (¬٣). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، ومروان في قصة الحديبية؛ قالا: فدعت قريش سهيل بن عمرو؛ قالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه ولا تكونن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة. فخرج سهيل من عندهم، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا، قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل". فوقع الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشرسنين، وأن يخلوا بينه وبين مكة من العام المقبل، فيقيم بها ثلاثا، وأنه لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب، وأنه من أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نرده عليك، ومن أتاك منا بغير إذن وليه رددته علينا، وأن بينا وبينك عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال. وذكر الحديث. الإسلال: الخفية، وقيل: الغارة، وقيل: سل السيوف والإغلال: الغارة. وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما صالح رسول الله ﷺ مشركي مكة كتب بينهم كتابا: "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله". قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك. قال لعلي: "امحه". فأبى، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. واشتراطوا عليه أن يقيموا ثلاثا، وأن لا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح، يعني السيف بقرابه. متفق عليه (¬١). وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس نحوه أو قريبا منه. أخرجه مسلم (¬٢). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب أن كاتب رسول الله ﷺ للصلح كان عليا ﵁ فقال رسول الله ﷺ: "اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو". فجعل علي يتلكأ ويأبى أن يكتب إلا: محمد رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: "اكتب، فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد"، فكتب: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله". وقال عبد العزيز بن سياه: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، قال: قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالا لقاتلنا. فأتي عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في أنفسنا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: "يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولن يضيعني الله"، فانطلق متغيظا إلى أبي بكر، فقال له كما قال رسول الله ﷺ، ونزل القرآن، فأرسل النبي ﷺ إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله، أوفتح هو؟ قال: "نعم"، فطابت نفسه ورجع. متفق عليه (¬٣).وقال يونس، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان، قالا: خرج رسول الله ﷺ من عند أم سلمة فلم يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحر وحلق. فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وحلق بعض وقصر بعض. فقال رسول الله ﷺ: "اللهم اغفر للمحلقين". فقيل: يا رسول الله والمقصرين؟ فقال: "اغفر للمحلقين"، ثلاثا. قيل: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: "وللمقصرين". وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قيل له: لم ظاهر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة؟ فقال: إنهم لم يشكوا. وقال يونس -هو ابن بكير- عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد، قال: حلق أصحاب رسول الله ﷺ يوم الحديبية كلهم غير رجلين؛ قصرا ولم يحلقا. أبو إبراهيم مجهول. وقال ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن وهب بن عبد الله بن قارب، قال: كنت مع أبي، فرأيت رسول الله ﷺ يقول: "يرحم الله المحلقين". قال رجل: والمقصرين يا رسول الله؟ فلما كانت الثالثة، قال: "والمقصرين". وقال يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: نحر يوم الحديبية سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها. ويروى عن ابن عباس، أن النبي ﷺ أهدي في عمرة الحديبية جملا كان لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب أهداه ليغيظ به قريشا. وقال فليح بن سليمان، [عن نافع] عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليها إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما صالحهم. فلما أن أقام بها ثلاثا، أمروه أن يخرج فخرج. أخرجه البخاري (¬١). وقال مالك عن أبي الزبير، عن جابر، نحرنا بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. رواه مسلم (¬٢).
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 476, entry [92]344 chars
    يعت رسول الله ﷺ، فذكر حديثا طويلا منه: فوضع كفه ﷺ في الماء فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور. فقال لي رسول الله ﷺ: "لولا أن أستحيي من ربي لسقينا واستقينا". عبد الرحمن ضعيف. وهذه الأحاديث تدل على البركة في الماء غير مرة. وقال إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنا نأكل معالنبي ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام. وأتي بإناء فجع
  • reviewable assessment hintmajhulneeds reviewhigh confidenceسفيان بن عيينةpage 476, entry [92]345 chars
    نس -هو ابن بكير- عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد، قال: حلق أصحاب رسول الله ﷺ يوم الحديبية كلهم غير رجلين؛ قصرا ولم يحلقا. أبو إبراهيم مجهول. وقال ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن وهب بن عبد الله بن قارب، قال: كنت مع أبي، فرأيت رسول الله ﷺ يقول: "يرحم الله المحلقين". قال رجل: والمقصرين يا رسول الله؟ فلما كا

شمس الدين الذهبي - سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

full-text

— · 3 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 687, entry [108]28,739 chars
    قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة: خرج إليها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة ست. قاله نافع، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق، وغيرهم، وعروة في "مغازيه"، رواية أبي الأسود. وتفرد علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال. وفي الصحيحين عن هدبة، عن …
    ▸ expand full passage (28,739 chars)
    قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة: خرج إليها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة ست. قاله نافع، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق، وغيرهم، وعروة في "مغازيه"، رواية أبي الأسود. وتفرد علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال. وفي الصحيحين عن هدبة، عن همام، قال: حدثنا قتادة، أن أنسًا أخبره أن نبي الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا العمرة التي مع حجته: عمرة الحديبية زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل، وعمرة من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. وقال الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ-خرج عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره، وأحرم منها. أخرجه البخاري. وقال شعبة، عن عمرو بن مرَّة، سمع ابن أبي أوفى -وكان قد شهد بيعة الرضوان- قال: كنا يومئذ ألفًا وثلاث مائة. وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين. أخرجه مسلم. وعلقه البخاري في صحيحه. وقال حصين بن عبد الرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. متفق عليه. وخالفه الأعمش، عن سالم، عن جابر، فقال: كنا أربع عشرة مائة، أصحاب الشجرة، اتفقا عليه أيضًا. وكأن جابرًا قال ذلك على التقريب. ولعلهم كانوا أربع عشرة مائة كاملة تزيد عددًا لم يعتبره، أو خمس عشرة مائة تنقص عددًا لم يعتبره والعرب تفعل هذا كثيرًا، كما تراهم قد اختلفوا في سن رسول الله ﷺ، فاعتبروا تارة السنة التي ولد فيها والتي توفي فيها فأدخلوهما في العدد. واعتبروا تارة السنين الكاملة وسكتوا عن الشهور الفاضلة. ويبين هذا أن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة. قلت: إن جابرًا قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمك الله، وهم. هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة. أخرجه البخاري. وقال عمرو بن دينار: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة. فقال لنا رسول الله ﷺ: "أنتم خير أهل الأرض". اتفقا عليه من حديث ابن عيينة. وقال الليث، عن أبي الزبير، عن جابر: كنا يومالحديبية ألفًا وأربع مائة. صحيح. وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: نحرنا عام الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة. قلنا لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفًا وأربع مائة بخيلنا ورجلنا. وكذلك قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع، في أصح الروايتين عنه، والمسيب بن حزم، من رواية قتادة، عن سعيد، عن أبيه. قال البخاري: معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان بن الحكم، يصدق كل واحد منهم حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه. حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة. وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش. وسار حتى إذا كان بعذبة الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ: "أشيروا علي، أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين وإنلجوا تكن عنقا قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه "؟ قال أبو بكر: الله ورسوله أعلم إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. قال: "فروحوا إذا". قال الزهري في الحديث: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ: "إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين". فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التى يهبط عليهم منها بركت راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء. قال: فروحوا إذا. قال الزهري: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ. قال المسور ومروان في حديثهما: فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ: "إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش" -رجع الحديث إلى موضعه- قال النبي ﷺ: "ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل". ثم قال: "والذي نفسى بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها". ثم زجرها فوثبت به. قال: فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، إنما يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبثه الناس أن نزحوه، فشكو إلى رسول الله ﷺ العطش. فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه،قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينا هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح لرسول الله ﷺ من أهل تهامة. فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ، المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. قال رسول الله ﷺ: "إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره". فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا، فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم نعرضه عليكم فعلنا؛ فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا كذا. فحدثهم بما قال النبي ﷺ. فقال عروة بن مسعود الثقفي، فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: ألست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: هل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا عليه جئتكمبأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلي. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ، فقال نحوا من قوله لبديل. فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر ﵁ امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ قال: من ذا؟ قال: أبو بكر. قال: والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ كلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي ﷺ، ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك. فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، أولست أسعى في غدرتك؟ قال: وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم فقال النبي ﷺ: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء". ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي ﷺ؛ فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروه، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك؛ وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. والله إن تنخم نخامة إلا وقعت فيكف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعونى آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له. فبعثت له. واستقبله القوم يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: "هذا مكرز وهو رجل فاجر". فجعل يكلم النبي ﷺ. فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: وأخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل قال النبي ﷺ: "قد سهل لكم من أمركم". قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا. فدعا الكاتب فقال رسول الله ﷺ: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ: "اكتب باسمك اللهم" ثم قال-: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله". فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ: "إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله". قال الزهري: وذلك لقوله: لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها.فقال له النبي ﷺ: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف". فقال: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل. فكتب. فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال: المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى نفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: وهذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده. فقال النبي ﷺ: "إنا لم نقض الكتاب بعد". قال: فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا. قال النبي ﷺ: "فأجره لي". قال: ما أنا بمجيره لك. قال: "بلي، فافعل" قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجرناه. قال أبو جندل: معاشر المسلمين أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله. فقال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، ألست نبي الله؟ قال: "بلى"، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى"، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: "إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري". قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف حقا؟ قال: "بلي"، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوف به". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلي. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول وليس يعصيربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أوليس كان يحدثنا أنه سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: الزهري. قال عمر: فعلمت لذلك أعمالا. فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ: "قوموا فانحروا ثم احلقوا". قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك، ثم تدعو بحالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحدا حتى فعل ذلك. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم جاءه نسوة مؤمنات، وأنزل الله: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلوه في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدا جدا. فاستله الآخر فقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه فضربه حتى برد. وفر الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال للنبي ﷺ: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. قال: فجاء أبو بصير فقال: يا نبيالله قد أوفي الله ذمتك، والله قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي ﷺ: "ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد". فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم. فخرج حتى أتى سيف البحر. وينفلت منهم أبو جندل ابن سهيل فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة. قال: فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن. فأرسل النبي ﷺ إليهم فأنزل: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤- ٢٦] ، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. أخرجه البخاري، عن المسندي، عن عبد الرزاق، عن معمر، بطوله. وقال قرة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: من يصعد الثنية، ثنية المرار، فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل. فكان أول من صعد خيل بني الخزرج. ثم تبادر الناس بعد، فقال رسول الله ﷺ: "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر". فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ. قال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم. وإذا هو رجل ينشد ضالة. أخرجه مسلم. وقال البخاري: عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. كنا مع النبي ﷺ أربععشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فما تركنا فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء منها فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا نحن وركابنا. أخرجه البخاري. وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ الحديبية، ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة ما ترويها، فقعد رسول الله ﷺ على جباها، فإما دعا وإما بزق فيها فجاشت فسقينا واستقينا. أخرجه مسلم. وقال البكائي: قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة، عن مسور، ومروان بن الحكم أنهما حدثاه، قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا. وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر. قال ابن إسحاق: وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة. قلت: قد ذكرنا عن جماعة من الصحابة كقول جابر. ثم ساق ابن إسحاق حديث الزهري بطوله، وفيه ألفاظ غريبة، منها: وجعل عروة بن مسعود يكلم النبي ﷺ، والمغيرة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد. قال: فجعل يقرع يد عروة إذا تناول لحية رسول الله ﷺ ويقول: اكفف يدك عن لحية رسول الله ﷺ أنلا تصل إليك. فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك. قال: فتبسم رسول الله ﷺ. فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: "هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة". قال: أي غدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟ قال ابن هشام: أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك بن ثقيف، فتهايج الحيان من ثقيف رهط المقتولين، والأحلاف رهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاثة عشر دية، وأصلح الأمر. وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال عروة: وخرجت قريش من مكة، فسبقوا النبي ﷺ إلى بلدح وإلى الماء، فنزلوا عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ أنه قد سبق نزل على الحديبية، وذلك في حر شديد وليس بها إلا بئر واحدة، فأشفق القوم من الظمأ وهم كثير، فنزل فيها رجال يميحونها، ودعا رسول الله ﷺ بدلو من ماء فتوضأ في الدلو ومضمض فاه ثم مج فيه، وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهما من كنانته فألقاه في البئر ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها، وهم جلوس على شفتها. وقد كان النبي ﷺ سلك على غير الطريق التي بلغه أن قريشا بها. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن رجلا من أسلم قال: أتانا رسول الله ﷺ قال: فسلك بهم طريقا وعرا أخزل من شعاب، فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين، وأفضواإلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله ﷺ: "قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه" فقالوا ذلك. فقال: "والله إنها للحطة التى عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها". قال عبد الملك بن هشام: فأمر رسول الله ﷺ الناس فقال: "اسلكوا ذات اليمين بين ظهري المحمص في طريق تخرجه على ثنية المرار، مهبط الحديبية من أسفل مكة" فلما رأت قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش. وقال شعبة، وغيره، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قلت لجابر: كم كنتم يوم الشجرة؟ قال: كنا ألفا وخمس ومائة: وذكر عطشا أصابهم، فاتي رسول الله ﷺ بماء في تور فوضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون، فشربنا ووسعنا وكفانا، ولو كنا مائة ألف لكفانا. وقد أخرجه البخاري من أوجه أخر عن حصين. وقال أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، قال: جابر بن عبد الله: غزونا أو سافرنا مع رسول الله ﷺ، ونحن يومئذ أربع عشرة مائة، فحضرت الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: "هل في القوم من طهور"؟ فجاء رجل يسعى بإداوة فيها شيء من ماء ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله ﷺ في قدح ثم توضأ، ثم انصرف وترك القدح. قال: فركب الناس ذلك القدح وقالوا: تمسحوا تمسحوا. فقال رسولالله ﷺ: "على رسلكم"، حين سمعهم يقولون ذلك. قال: فوضع كفه في الماء والقدح وقال: "سبحان الله". ثم قال: "أسبغوا الوضوء". فوالذي ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابع رسول الله ﷺ ولم يرفعها حتى توضؤوا أجمعون. رواه مسدد، عنه. وقال عكرمة بن عمار العجلي: حدثنا إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا. فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعا، فاجتمع زاد القوم على النطع. فتطاولت لأحزركم هو؟ فحزرته كربضة العنز ونحن أربع عشرة مائة. قال: فأكلنا حتى شعبنا جميعا ثم حشونا جرباننا. ثم قال نبي الله ﷺ: "هل من وضوء"؟ فجاء رجل بإداوة له، فيها نطفة فأفرغها في قدح. فتوضأنا كلنا، ندغفقه دغفقة، أربع عشرة مائة. قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسول الله ﷺ: "فرغ الوضوء". أخرجه مسلم. وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: قال ابن عباس: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا: جهدنا وفي الناس ظهر فانحره. فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل. فقال رسول الله ﷺ: "ابسطوا أنطاعكم وعباءكم". ففعلوا. ثم قال: "من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره".ودعا لهم ثم قال: "قربوا أوعيتكم". فأخذوا ما شاء الله. يحدثه نافع بن جبير. وقال يحيى بن سليم الطائفي، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ لما نزل مر الظهران في صلح قريش قال أصحابه: لو انتحرنا يا رسول الله من ظهورنا فأكلنا من لحومها وشحومها وحسونا من المرق أصبحنا غدا إذا عدونا عليهم وبنا جمام. قال: "لا، ولكن ائتوني بما فضل من أزوادكم". فبسطوا أنطاعا ثم صبوا عليها فضول أزوادهم. فدعا لهم رسول الله ﷺ بالبركة، فأكلوا حتى تضلعوا شبعا، ثم لففوا فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم. مالك، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر والتمسوا الوضوء، فلم يجدوه. فأتى بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ يده في ذلك الإناء وأمر الناس أن يتوضؤوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه. فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم. متفق عليه. وقال حماد بن زيد: حدثنا ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ دعا بماء فأتي بقدح رحراح فجعل القوم يتوضؤون. فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين من توضأ منه، فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه. متفق عليه. وقال عبد الله بن بكر: حدثنا حميد، عن أنس، قال: حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله يتوضأ وبقي قوم. فأتي النبي ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفهفتوضأ القوم. قلنا: كم هم؟ قال: ثمانون وزيادة. أخرجه البخاري. وجاء: أنهم كانوا بقباء. وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ كان بالزوراء يتوضؤون. فوضع كفه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضؤوا. فقلنا لأنس: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاث مائة. أخرجه مسلم، والبخاري أيضا بمعناه. والزوراء بالمدينة عند السوق والمسج. وقال أبو عبد الرحمن المقرئ: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثني زياد بن نعيم الحضرمي، قال: سمعت زياد بن الحارث الصدائي، قال: بايعت رسول الله ﷺ، فذكر حديثا طويلا منه: فوضع كفه ﷺ في الماء فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور. فقال لي رسول الله ﷺ: "لولا أن أستحيي من ربي لسقينا واستقينا". عبد الرحمن ضعيف. وهذه الأحاديث تدل على البركة في الماء غير مرة. وقال إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنا نأكل مع النبي ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام. وأتي بإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ. فقال: "حي على الطهور المبارك والبركة من السماء". حتى توضأنا كلنا. أخرجه البخاري.وقال أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: أتي رسول الله ﷺ بإناء من ماء، فجعل أصابعه في فم الإناء وفتح أصابعه، فرأيت العيون تنبع من بين أصابعه. وذكر الحديث. إسناده جيد. وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال: قال عروة في نزوله ﷺ بالحديبية: ففزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب أن يبعث إليهم رجلا. فدعا عمر ليبعثه فقال: إني لا آمنهم، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي، فأرسل عثمان فإن عشيرته بها. فدعا عثمان فأرسله وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وادعهم إلى الإسلام. وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح. فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح. فقالت قريش: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إليكم لأدعوكم إلى الإسلام، ويخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا. فدعاهم عثمان كما أمره رسول الله ﷺ. قالوا: قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه، فحمل عليه عثمان فأجاره، وردفه أبان حتى جاء مكة. ثم إن قريشا بعثوا بديل بن ورقاء؛ فذكر الحديث والصلح. وذكر أنهم أمن بعضهم بعضا وتزاوروا. فبيناهم كذلك، وطوائف من المسلمين في المشركين، إذ رمى رجل رجلا من الفريق الآخر. فكانت معاركة، وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو وغيره، وارتهن المشركون عثمان وغيره. ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة. ونادى منادى رسول الله ﷺ: ألا إنروح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ فأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا. فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا أبدا. فذكر القصة بطولها، وفيها: فقال المسلمون وهم بالحديبية قبل أن يرجع عثمان بن عفان: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به. فقال رسول الله ﷺ: "ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون". قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: "ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا". فرجع إليهم عثمان، فقال المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟ فقال: عثمان: بئس ما ظننتم بي، فوالذي نفسى بيده لو مكثت بها مقيما سنة ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى بها رسول الله ﷺ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت. وقال البكائي، عن ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرح حتى نناجز القوم". فدعا الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت، وكان جابر يقول: لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر. وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني بعض آل عثمان أن رسول الله ﷺ ضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه لي وهذه لعثمان إن كان حيًّا: ثم بلغهم أن ذلك باطل، ورجع عثمان. ولم يتخلف عن بيعة رسول الله ﷺ أحد إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة. قال جابر: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقة رسول الله ﷺ، وقد ضبأإليها يستتر بها من الناس. قال الحسن بن بشر البجلي: حدثنا الحكم بن عبد الملك -وليس بالقوي قال النسائي- عن قتادة، عن أنس، قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان رسول الله ﷺ إلى مكة. فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ: "إن عثمان في حاجة الله ورسوله". فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم. وقال ابن عيينة: حدثنا أبو الزبير، سمع جابرا يقول: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له: الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعير. أخرجه مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، وبه قال: لم نبايع النبي ﷺ على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، وأخرجه من حديث الليث، عن أبي الزبير، وقال: فبايعناه وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة. وقال خالد الحذاء، عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار، قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة. ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم. وقال ابن عيينة: حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي، قال: لم دعا النبي ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي،فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ: "علام تبايعني" قال: على ما في نفسك. وقال مكي بن إبراهيم، وأبو عاصم -واللفظ له- عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ثم عدلت إلى ظل شجرة. فلما خف الناس قال: "يا ابن الأكوع ألا تبايع" قلت: قد بايعت يا رسول الله. قال: "وأيضا". فبايعته الثانية فقلت لسلمة: يا أبا مسلم على أى شي كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. متفق عليه. وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، فذكر الحديث، وقال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس ويايع، حتى إذا كان في وسط الناس، قال: "بايعني يا سلمة". فقلت: يا رسول الله قد بايعتك. قال: "وأيضا". قال: ورآني عزلا فأعطاني حجفة أو درقة. ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس قال: "ألا تبايع"؟ قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم. قال: "وأيضا". فبايعت الثالثة. فقال: "يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك"؟ قلت: لقيني عامر فأعطيتها إياه. فضحك ثم قال: "إنك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي". ثم إن مشركي مكة راسلونا بالصلح حتى مشى بعضنا إلى بعض فاصطلحنا. وكنت خادما لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى اللهورسوله. فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في ظلها. فأتاني أربعة من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينا هم كذلك إذ ناد مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم. فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة وهم رقد، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم إلا ضربت الذي فيه عيناه، ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ. وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له: مكرز يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم. وقال: "دعوهم، يكون لهم بدء الفجور وثناؤه". فعفا عنهم رسول الله ﷺ، وأنزلت: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] ، أخرجه مسلم. وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجالا من أهل مكة هبطوا إلى النبي ﷺ من قبل جبل التنعيم ليقاتلوه. قال: فأخذهم رسول الله ﷺ أخذا، فأعتقهم. فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية، أخرجه مسلم. وقال الوليد بن مسلم: حدثنا عمر بن محمد العمري، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، قدتفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون برسول الله ﷺ، فقال -يعني عمر: يا عبد الله انظر ما شأن الناس؟ فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع. أخرجه البخاري فقال: وقال هشام بن عمار، حدثنا الوليد. قلت: ورواه دحيم، عن الوليد. قلت: وسميت بيعة الرضوان من قوله -تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] . قال أبو عوانة، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ عند الشجرة، قال: فانطلقنا في قابل حاجين، فخفي علينا مكانها، فإن كانت تبينت لكم فأنتم أعلم. متفق عليه. وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير المكي أنه سمع جابرا يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة "الذين بايعوا تحتها أحد". قلت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] ، فقال: قد قال -تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] ، أخرجه مسلم. قرأت على عبد الحافظ بن بدران: أخبركم موسى بن عبد القادر، والحسين بن أبي بكر، قالا: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: أخبرنامحمد بن أبي مسعود، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، قال: حدثنا أبو القاسم البغوي، قال: حدثنا العلاء بن موسى إملاء، سنة سبع وعشرين ومائتين، قال: أخبرنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار". أخرجه النسائي. وقال قتيبة: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أن عبدا لحاطب بن أبي بلتعة جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبا؛ قال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ: "كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية". وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، ومروان في قصة الحديبية؛ قالا: فدعت قريش سهيل بن عمرو؛ قالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه ولا تكونن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة. فخرج سهيل من عندهم، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا، قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل". فوقع الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين، وأن يخلوا بينه وبين مكة من العام المقبل، فيقيم بها ثلاثا، وأنه لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب، وأنه من أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نرده عليك، ومن أتاك منا بغير إذن وليه رددته علينا، وأن بينا وبينك عيبة مكفوفة، وأنهلا إسلال ولا إغلال. وذكر الحديث. الإسلال: الخفية، وقيل: الغارة، وقيل: سل السيوف والإغلال: الغارة. وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما صالح رسول الله ﷺ مشركي مكة كتب بينهم كتابا: "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله". قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك. قال لعلي: "امحه". فأبى، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. واشتراطوا عليه أن يقيموا ثلاثا، وأن لا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح، يعني السيف بقرابه. متفق عليه. وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس نحوه أو قريبا منه. أخرجه مسلم. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب أن كاتب رسول الله ﷺ للصلح كان عليا ﵁ فقال رسول الله ﷺ: "اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو". فجعل علي يتلكأ ويأبى أن يكتب إلا: محمد رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: "اكتب، فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد"، فكتب: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله". وقال عبد العزيز بن سياه: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، قال: قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس اتهمواأنفسكم، لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالا لقاتلنا. فأتي عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في أنفسنا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: "يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولن يضيعني الله"، فانطلق متغيظا إلى أبي بكر، فقال له كما قال رسول الله ﷺ، ونزل القرآن، فأرسل النبي ﷺ إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله، أوفتح هو؟ قال: "نعم"، فطابت نفسه ورجع. متفق عليه. وقال يونس، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان، قالا: خرج رسول الله ﷺ من عند أم سلمة فلم يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحر وحلق. فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وحلق بعض وقصر بعض. فقال رسول الله ﷺ: "اللهم اغفر للمحلقين". فقيل: يا رسول الله والمقصرين؟ فقال: "اغفر للمحلقين"، ثلاثا. قيل: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: "وللمقصرين". وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قيل له: لم ظاهر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة؟ فقال: إنهم لم يشكوا. وقال يونس -هو ابن بكير- عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد، قال: حلق أصحاب رسولالله ﷺ يوم الحديبية كلهم غير رجلين؛ قصرا ولم يحلقا. أبو إبراهيم مجهول. وقال ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن وهب بن عبد الله بن قارب، قال: كنت مع أبي، فرأيت رسول الله ﷺ يقول: "يرحم الله المحلقين". قال رجل: والمقصرين يا رسول الله؟ فلما كانت الثالثة، قال: "والمقصرين". وقال يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: نحر يوم الحديبية سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها. ويروى عن ابن عباس، أن النبي ﷺ أهدي في عمرة الحديبية جملا كان لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب أهداه ليغيظ به قريشا. وقال فليح بن سليمان، [عن نافع] عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليها إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما صالحهم. فلما أن أقام بها ثلاثا، أمروه أن يخرج فخرج. أخرجه البخاري. وقال مالك عن أبي الزبير، عن جابر، نحرنا بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. رواه مسلم.
  • reviewable assessment hintmajhulneeds reviewhigh confidenceسفيان بن عيينةpage 687, entry [108]345 chars
    ونس -هو ابن بكير- عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد، قال: حلق أصحاب رسولالله ﷺ يوم الحديبية كلهم غير رجلين؛ قصرا ولم يحلقا. أبو إبراهيم مجهول. وقال ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن وهب بن عبد الله بن قارب، قال: كنت مع أبي، فرأيت رسول الله ﷺ يقول: "يرحم الله المحلقين". قال رجل: والمقصرين يا رسول الله؟ فلما كا
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 687, entry [108]344 chars
    يعت رسول الله ﷺ، فذكر حديثا طويلا منه: فوضع كفه ﷺ في الماء فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور. فقال لي رسول الله ﷺ: "لولا أن أستحيي من ربي لسقينا واستقينا". عبد الرحمن ضعيف. وهذه الأحاديث تدل على البركة في الماء غير مرة. وقال إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنا نأكل مع النبي ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام. وأتي بإناء فج