شمس الدين الذهبي - تاريخ الإسلام - ت بشار
full-text— · 2 entries
- exact linked passagemedium confidencepage 363, entry [105]15,633 chars
غزوة بدر الكبرى من السيرة لابن إسحاق، رواية البكائي. قال ابن إسحاق (¬٣): سمع النبي ﷺ أن أبا سفيان بن حرب قد أقبل من الشام في عير لقريش وتجارة عظيمة، فيها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش؛ منهم: مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص. فقال النبي ﷺ: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها. فان…
▸ expand full passage (15,633 chars)غزوة بدر الكبرى من السيرة لابن إسحاق، رواية البكائي. قال ابن إسحاق (¬٣): سمع النبي ﷺ أن أبا سفيان بن حرب قد أقبل من الشام في عير لقريش وتجارة عظيمة، فيها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش؛ منهم: مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص. فقال النبي ﷺ: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها. فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل بعض، ظنا منهم أن النبي ﷺ لا يلقى حربا. واستشعرأبو سفيان فجهز منذرا إلى قريش يستنفرهم إلى أموالهم. فأسرعوا الخروج، ولم يتخلف من أشرافهم أحد، إلا أن أبا لهب قد بعث مكانه العاص أخا أبي جهل. ولم يخرج أحد من بني عدي بن كعب. وكان أمية بن خلف شيخا جسيما فأجمع القعود. فأتاه عقبة بن أبي معيط - وهو في المسجد - بمجمرة وبخور فوضعها بين يديه، وقال: أبا علي، استجمر! فإنما أنت من النساء. قال: قبحك الله. ثم تجهز وخرج معهم. وخرج النبي ﷺ في ثامن رمضان، واستعمل على المدينة عمرو ابن أم مكتوم على الصلاة. ثم رد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة. ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير. وكان أمام رسول الله ﷺ رايتان سوداوان؛ إحداهما مع علي، والأخرى مع رجل أنصاري. وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ. فكان مع المسلمين سبعون بعيرا يعتقبونها، وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا. وكان رسول الله ﷺ، وعلي، ومرثد بن أبي مرثد يعتقبون بعيرا. وكان أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا. فلما قرب النبي ﷺ من الصفراء بعث اثنين يتجسسان أمر أبي سفيان. وأتاه الخبر بخروج نفير قريش، فاستشار الناس، فقالوا: خيرا. وقال المقداد بن عمرو: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال النبي ﷺ له خيرا ودعا له. وقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، والله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك. فسر رسول الله ﷺ قوله، وقال: سيروا وأبشروا، فإن ربي قد وعدني إحدى الطائفتين: إما العير وإما النفير. وسار حتى نزل قريبا من بدر. فلما أمسى بعث عليا والزبير وسعدا في نفر إلى بدر يلتمسون الخبر. فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم وأبو يسار من مواليهم، فأتوا بهما النبي ﷺ فسألوهما فقالا: نحن سقاة لقريش. فكرهالصحابة هذا الخبر، ورجوا أن يكونوا سقاة للعير. فجعلوا يضربونهما، فإذا آلمهما الضرب قالا: نحن من عير أبي سفيان. وكان النبي ﷺ يصلي، فلما سلم قال: إذا صدقا ضربتموهما، وإذا كذبا تركتموهما. ثم قال: أخبراني أين قريش؟ قالا: هم وراء هذا الكثيب. فسألهما: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: عشرا من الإبل أو تسعا: فقال: القوم ما بين التسعمائة إلى الألف. وأما اللذان بعثهما النبي ﷺ يتجسسان، فأناخا بقرب ماء بدر واستقيا في شنهما. ومجدي بن عمرو بقربهما لم يفطنا به. فسمعا جاريتين من جواري الحي تقول إحداهما للأخرى: إنما تأتي العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقضيك. فصرفهما مجدي، وكان عينا لأبي سفيان. فرجعا إلى النبي ﷺ فأخبراه. ولما قرب أبو سفيان من بدر تقدم وحده حتى أتى ماء بدر فقال لمجدي: هل أحسست أحدا؟ فذكر له الراكبين. فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب. فرجع سريعا فصرف العير عن طريقها، وأخذ طريق الساحل فنجى، وأرسل يخبر قريشا أنه قد نجا فارجعوا. فأبى أبو جهل وقال: والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر، ونقيم عليه ثلاثا، فتهابنا العرب أبدا. ورجع الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة ببني زهرة كلهم، وكان فيهم مطاعا. ثم نزلت قريش بالعدوة القصوى من الوادي. وسبق النبي ﷺ إلى ماء بدر. ومنع قريشا من السبق إلى الماء مطر عظيم لم يصب المسلمين منه إلا ما لبد لهم الأرض. فنزل النبي ﷺ على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة. فقال الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل الرأي والحرب والمكيدة. قال: يا رسول الله، إن هذا ليس لك بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء، فنشرب ولا يشربون. فاستحسن النبي ﷺ ذلك من رأيه، وفعل ما أشار به، وأمر بالقلب فغورت، وبنى حوضا وملأه ماء. وبنيلرسول الله ﷺ عريش يكون فيه، ومشى النبي ﷺ على موضع الوقعة، فأرى أصحابه مصارع قريش، يقول: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان. قال: فما عدا واحد منهم مصرعه ذلك. ثم بعثت قريش فحزروا المسلمين. وكان فيهم فارسان: المقداد والزبير. وأراد عتبة بن ربيعة، وحكيم بن حزام قريشا على الرجوع فأبوا، وكان الذي صمم على القتال أبو جهل، فارتحلوا من الغد قاصدين نحو الماء. فلما رآهم رسول الله ﷺ مقبلين قال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحتفهم الغداة. وقال ﷺ وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل أحمر - إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا. وكان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري بعث إلى قريش، حين مروا به، ابنا بجزائر (¬١) هدية، وقال: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا. فأرسلوا إليه: أن وصلتك رحم، قد قضيت الذي ينبغي، فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا ضعف، وإن كنا إنما نقاتل الله، كما يزعم محمد، ما لأحد بالله من طاقة. فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: دعوهم. فما شرب رجل يومئذ إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام. ثم إنه أسلم بعد ذلك، وكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي نجاني يوم بدر. ثم بعثت قريش عمير بن وهب الجمحي ليحزر المسلمين. فجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع فقال: هم ثلاثمائة يزيدون قليلا أو ينقصونه، ولكن أمهلوني حتى أنظر للقوم كمين أو مدد؟ وضرب في الوادي، فلم ير شيئا فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئا، ولكني قد رأيت - يا معشر قريش - البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع. قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلامنكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي. قال: قد فعلت. أنت علي بذلك، إنما هو حليفي فعلي عقله وما أصيب من ماله. فائت ابن الحنظلية - والحنظلية أم أبي جهل - فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره. ثم قام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا. والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر ي وجه الرجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه وابن خاله أو رجلا من عشيرته. فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون. قال حكيم: فأتيت أبا جهل فوجدته قد شد درعا من جرابها فهو يهيؤها فقلت له: يا أبا الحكم، إن عتبة قد أرسلني بكذا وكذا. فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه. كلا، والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد. وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه قد تخوفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك. فقام عامر فكشف رأسه وصرخ: واعمراه، واعمراه. فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوسقوا على ما هم عليه من الشر. وأفسد على الناس رأي عتبة الذي دعاهم إليه. فلما بلغ عتبة قول أبي جهل: انتفخ والله سحره، قال: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره. ثم التمس عتبة بيضة لرأسه، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته، فاعتجر على رأسه ببرد له. وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي - وكان شرسا سيئ الخلق - فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه. وأتاه فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب ﵁، فالتقيا فضربه حمزة فقطعساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما. ثم جاء إلى الحوض حتى اقتحم فيه ليبر يمينه، واتبعه حمزة فقتله في الحوض. ثم إن عتبة بن ربيعة خرج للمبارزة بين أخيه شيبة، وابنه الوليد بن عتبة، ودعوا للمبارزة، فخرج إليه عوف ومعوذ ابنا عفراء وآخر من الأنصار. فقالوا: من أنتم؟ قالوا: من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ليخرج إلينا أكفاؤنا من قومنا. فقال رسول الله ﷺ: قم يا عبيدة بن الحارث، ويا حمزة، ويا علي. فلما دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فتسموا لهم. فقال: أكفاء كرام. فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله. وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله. واختلف عتبة وعبيدة بينهما ضربتين: كلاهما أثبت (¬١) صاحبه. وكر علي وحمزة على عتبة فدففا (¬٢) عليه. واحتملا عبيدة إلى أصحابهما. والصحيح - كما سيأتي - إنما بارز حمزة عتبة، وعلي شيبة، والله أعلم. ثم تزاحف الجمعان. وقد أمر النبي ﷺ أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم وقال: انضحوهم عنكم بالنبل. وهو ﷺ في العريش، معه أبو بكر. وذلك يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة رمضان. قال سفيان، عن قتادة: إن وقعة بدر صبيحة يوم الجمعة سابع عشر رمضان. وقال قرة بن خالد: سألت عبد الرحمن بن القاسم عن ليلة القدر، فقال: كان زيد بن ثابت يعظم سابع عشرة ويقول: هي وقعة بدر. وكذلك قال إسماعيل السدي وغيره في تاريخ يوم بدر، وقاله عروة بن الزبير، ورواه خالد بن عبد الله الواسطي، عن عمرو بن يحيى، عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: كانت صبيحة بدر سبع عشرة من رمضان؛ لكن روى قتيبة عن جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن ابن مسعود في ليلة القدر قال: تحروها لإحدى عشرة بقين، صبيحتها يوم بدر،كذا قال ابن مسعود (¬١)، والمشهور ما قبله. ثم عدل رسول الله ﷺ الصفوف بنفسه، ورجع إلى العريش ومعه أبو بكر فقط. فجعل يناشد ربه ويقول: يا رب إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض. وأبو بكر يقول: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك. فإن الله منجز لك ما وعدك. ثم خفق ﷺ، فانتبه وقال: أبشر يا أبا بكر، أتاك النصر، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع. فرمي مهجع - مولى عمر - بسهم، فكان أول قتيل في سبيل الله. ثم رمي حارثة بن سراقة النجاري بسهم وهو يشرب من الحوض، فقتل. ثم خرج رسول الله ﷺ إلى الناس يحرضهم على القتال. فقاتل عمير بن الحمام حتى قتل. ثم قاتل عوف ابن عفراء - وهي أمه - حتى قتل. ثم إن رسول الله ﷺ رمى المشركين بحفنة من الحصباء وقال: شاهت الوجوه. وقال لأصحابه: شدوا عليهم. فكانت الهزيمة، وقتل الله من قتل من صناديد الكفر: فقتل سبعون وأسر مثلهم. ورجع النبي ﷺ إلى العريش. وقام سعد بن معاذ على الباب بالسيف في نفر من الأنصار، يخافون على رسول الله ﷺ كرة العدو. ثم قال النبي ﷺ لأصحابه: إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث فلا يقتله، ومن لقي العباس فلا يقتله؛ فإنه إنما خرج مستكرها. فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس؟ والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف. فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر: يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله؟ فقال عمر: دعني فلأضرب عنق هذا المنافق. فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا آمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا، إلاأن تكفرها عني الشهادة. فاستشهد يوم اليمامة (¬١). وكان أبو البختري أكف القوم عن رسول الله ﷺ، وقام في نقض الصحيفة. فلقيه المجذر بن زياد البلوي حليف الأنصار، فقال: إن رسول الله ﷺ قد نهانا عن قتلك. فقال: وزميلي جنادة الليثي؟ فقال المجذر: لا والله ما أمرنا إلا بك وحدك. فقال: لأموتن أنا وهو، لا يتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة. فاقتتلا، فقتله المجذر. ثم أتى النبي ﷺ فقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر، فآتيك به، فأبى إلا أن يقاتلني. وعن عبد الرحمن بن عوف: كان أمية بن خلف صديقا لي بمكة. قال فمررت به ومعي أدراع قد استلبتها، فقال لي: هل لك في، فأنا خير لك من الأدراع؟ قلت: نعم، ها الله إذا. وطرحت الأدراع، فأخذت بيده ويد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟ يعني: من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن. ثم جئت أمشي بهما، فقال لي أمية: من الرجل المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قلت: حمزة. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. فوالله إني لأقودهما، إذ رآه بلال؛ وكان يعذب بلالا بمكة، فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف؟ لا نجوت إن نجا. قلت: أي بلال، أبأسيري؟ قال: لا نجوت إن نجا. قال: أتسمع يا ابن السوداء ما تقول؟ ثم صرخ بلال بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. قال: فأحاطوا بنا، وأنا أذب عنه. فأخلف رجل السيف، فضرب رجل ابنه فوقع، فصاح أمية صيحة عظيمة، فقلت: انج بنفسك، ولا نجاء، فوالله ما أغني عنك شيئا. فهبروهما بأسيافهم. فكان يقول: رحم الله بلالا، ذهبت أدراعي، وفجعني بأسيري (¬٢). وعن ابن عباس، عن رجل من غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الدائرة على من تكون، فننتهب مع من ينتهب، فبينا نحن في الجبل، إذ دنت مناسحابة، فسمعت فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم (¬١). فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت. رواه عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عمن حدثه، عن ابن عباس (¬٢). وروى الذي بعده ابن حزم عمن حدثه من بني ساعدة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة قال: لو كان معي بصري وكنت ببدر لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة (¬٣). قال ابن إسحاق (¬٤): فحدثني أبي، عن رجال، عن أبي داود المازني قال: إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه بالسيف، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قتله غيري. وعن ابن عباس قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. وأما أبو جهل بن هشام فاحتمى في مثل الحرجة - وهو الشجر الملتف - وبقي أصحابه يقولون: أبو الحكم لا يوصل إليه. قال معاذ بن عمرو بن الجموح: فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربت ضربة أطنت (¬٥) قدمه بنصف ساقه. فوالله ما أشبهها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها. فضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه. فلقد قاتلت عامة يومي، وإني لأسحبها خلفي. فلما آذتني وضعت عليها قدمي. ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها. قال: ثم عاش بعد ذلك إلى زمن عثمان. ثم مر بأبي جهل معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته، وتركه وبه رمق.وقاتل معوذ حتى قتل. وقتل أخوه عوف قبله. واسم أبيهما: الحارث بن رفاعة بن الحارث الزرقي. ثم مر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر النبي ﷺ بالتماسه، وقال فيما بلغنا: إن خفي عليكم في القتلى فانظروا إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان، ونحن غلامان؛ وكنت أشف (¬١) منه بيسير، فدفعته، فوقع على ركبته فجحش (¬٢) فيها. قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق، فوضعت رجلي على عنقه. وقد كان ضبث (¬٣) بي مرة بمكة، فآذاني ولكزني. فقلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبماذا أخزاني، وهل فوق رجل قتلتموه؟ أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قلت: لله ولرسوله. ثم قال: لقد ارتقيت، يا رويعي الغنم مرتقى صعبا. قال: فاحتززت رأسه وجئت به رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل. قال: آلله الذي لا إله غيره؟ قلت: نعم. وألقيت رأسه بين يدي النبي ﷺ (¬٤). ثم أمر بالقتلى أن يطرحوا في قليب هناك. فطرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليخرجوه فتزايل، فأقروه به، وألقوا عليه التراب فغيبوه. فلما ألقوا في القليب، وقف عليهم النبي ﷺ فقال: يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا. فقالوا: يا رسول الله أتنادي قوما قد جيفوا؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا (¬٥).وفي رواية: فناداهم في جوف الليل: يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام. فعدد من كان في القليب. زاد ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أنه ﷺ قال: يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم؛ كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس. وعن أنس: لما سحب عتبة بن ربيعة إلى القليب نظر رسول الله ﷺ في وجه أبي حذيفة ابنه، فإذا هو كئيب متغير. فقال: لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟ قال: لا والله ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف منه رأيا وحلما، فكنت أرجو أن يسلم، فلما رأيت ما أصابه وما مات عليه أحزنني ذلك. فدعا له النبي ﷺ وقال له خيرا. وكان الحارث بن ربيعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج قد أسلموا. فلما هاجر النبي ﷺ حبسهم آباؤهم وعشائرهم، وفتنوهم عن الدين فافتتنوا - نعوذ بالله من فتنة الدين - ثم ساروا مع قومهم يوم بدر، فقتلوا جميعا. وفيهم نزلت إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم الآية. وعن عبادة بن الصامت قال: فينا أهل بدر نزلت الأنفال حين تنازعنا في الغنيمة وساءت فيها أخلاقنا. فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسوله. فقسمه بين المسلمين على السواء (¬١). ثم بعث النبي ﷺ عبد الله بن رواحة، وزيد بن حارثة، بشيرين إلى المدينة. قال أسامة: أتانا الخبر حين سوينا على رقية بنت رسول الله ﷺ قبرها. كان رسول الله ﷺ خلفني عليها مع عثمان. ثم قفل رسول الله ﷺ ومعه الأسارى؛ فيهم: عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث. فلما خرج من مضيق الصفراء قسم النفل. فلما أتى الروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بالفتح. فقال لهم سلمة بن سلامة: ما الذيتهنئونا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز ضلعا كالبدن المعقلة فنحرناها. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أي ابن أخي، أولئك الملأ - يعني الأشراف والرؤساء -. ثم قتل النضر بن الحارث العبدري بالصفراء. وقتل بعرق الظبية عقبة بن أبي معيط. فقال عقبة حين أمر النبي ﷺ بقتله: فمن للصبية يا محمد؟ قال: النار. فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، وقيل: علي (¬١). وقال حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي قال: لما أمر النبي ﷺ بقتل عقبة قال: أتقتلني يا محمد من بين قريش؟ قال: نعم، أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها، فما رفع حتى ظننت أن عيني ستندران. وجاء مرة أخرى بسلى شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي.
- exact linked passagemedium confidencepage 363, entry [105]15,633 chars
غزوة بدر الكبرى من السيرة لابن إسحاق، رواية البكائي. قال ابن إسحاق (¬٣): سمع النبي ﷺ أن أبا سفيان بن حرب قد أقبل من الشام في عير لقريش وتجارة عظيمة، فيها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش؛ منهم: مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص. فقال النبي ﷺ: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها. فان…
▸ expand full passage (15,633 chars)غزوة بدر الكبرى من السيرة لابن إسحاق، رواية البكائي. قال ابن إسحاق (¬٣): سمع النبي ﷺ أن أبا سفيان بن حرب قد أقبل من الشام في عير لقريش وتجارة عظيمة، فيها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش؛ منهم: مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص. فقال النبي ﷺ: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها. فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل بعض، ظنا منهم أن النبي ﷺ لا يلقى حربا. واستشعرأبو سفيان فجهز منذرا إلى قريش يستنفرهم إلى أموالهم. فأسرعوا الخروج، ولم يتخلف من أشرافهم أحد، إلا أن أبا لهب قد بعث مكانه العاص أخا أبي جهل. ولم يخرج أحد من بني عدي بن كعب. وكان أمية بن خلف شيخا جسيما فأجمع القعود. فأتاه عقبة بن أبي معيط - وهو في المسجد - بمجمرة وبخور فوضعها بين يديه، وقال: أبا علي، استجمر! فإنما أنت من النساء. قال: قبحك الله. ثم تجهز وخرج معهم. وخرج النبي ﷺ في ثامن رمضان، واستعمل على المدينة عمرو ابن أم مكتوم على الصلاة. ثم رد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة. ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير. وكان أمام رسول الله ﷺ رايتان سوداوان؛ إحداهما مع علي، والأخرى مع رجل أنصاري. وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ. فكان مع المسلمين سبعون بعيرا يعتقبونها، وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا. وكان رسول الله ﷺ، وعلي، ومرثد بن أبي مرثد يعتقبون بعيرا. وكان أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا. فلما قرب النبي ﷺ من الصفراء بعث اثنين يتجسسان أمر أبي سفيان. وأتاه الخبر بخروج نفير قريش، فاستشار الناس، فقالوا: خيرا. وقال المقداد بن عمرو: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال النبي ﷺ له خيرا ودعا له. وقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، والله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك. فسر رسول الله ﷺ قوله، وقال: سيروا وأبشروا، فإن ربي قد وعدني إحدى الطائفتين: إما العير وإما النفير. وسار حتى نزل قريبا من بدر. فلما أمسى بعث عليا والزبير وسعدا في نفر إلى بدر يلتمسون الخبر. فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم وأبو يسار من مواليهم، فأتوا بهما النبي ﷺ فسألوهما فقالا: نحن سقاة لقريش. فكرهالصحابة هذا الخبر، ورجوا أن يكونوا سقاة للعير. فجعلوا يضربونهما، فإذا آلمهما الضرب قالا: نحن من عير أبي سفيان. وكان النبي ﷺ يصلي، فلما سلم قال: إذا صدقا ضربتموهما، وإذا كذبا تركتموهما. ثم قال: أخبراني أين قريش؟ قالا: هم وراء هذا الكثيب. فسألهما: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: عشرا من الإبل أو تسعا: فقال: القوم ما بين التسعمائة إلى الألف. وأما اللذان بعثهما النبي ﷺ يتجسسان، فأناخا بقرب ماء بدر واستقيا في شنهما. ومجدي بن عمرو بقربهما لم يفطنا به. فسمعا جاريتين من جواري الحي تقول إحداهما للأخرى: إنما تأتي العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقضيك. فصرفهما مجدي، وكان عينا لأبي سفيان. فرجعا إلى النبي ﷺ فأخبراه. ولما قرب أبو سفيان من بدر تقدم وحده حتى أتى ماء بدر فقال لمجدي: هل أحسست أحدا؟ فذكر له الراكبين. فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب. فرجع سريعا فصرف العير عن طريقها، وأخذ طريق الساحل فنجى، وأرسل يخبر قريشا أنه قد نجا فارجعوا. فأبى أبو جهل وقال: والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر، ونقيم عليه ثلاثا، فتهابنا العرب أبدا. ورجع الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة ببني زهرة كلهم، وكان فيهم مطاعا. ثم نزلت قريش بالعدوة القصوى من الوادي. وسبق النبي ﷺ إلى ماء بدر. ومنع قريشا من السبق إلى الماء مطر عظيم لم يصب المسلمين منه إلا ما لبد لهم الأرض. فنزل النبي ﷺ على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة. فقال الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل الرأي والحرب والمكيدة. قال: يا رسول الله، إن هذا ليس لك بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء، فنشرب ولا يشربون. فاستحسن النبي ﷺ ذلك من رأيه، وفعل ما أشار به، وأمر بالقلب فغورت، وبنى حوضا وملأه ماء. وبنيلرسول الله ﷺ عريش يكون فيه، ومشى النبي ﷺ على موضع الوقعة، فأرى أصحابه مصارع قريش، يقول: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان. قال: فما عدا واحد منهم مصرعه ذلك. ثم بعثت قريش فحزروا المسلمين. وكان فيهم فارسان: المقداد والزبير. وأراد عتبة بن ربيعة، وحكيم بن حزام قريشا على الرجوع فأبوا، وكان الذي صمم على القتال أبو جهل، فارتحلوا من الغد قاصدين نحو الماء. فلما رآهم رسول الله ﷺ مقبلين قال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحتفهم الغداة. وقال ﷺ وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل أحمر - إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا. وكان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري بعث إلى قريش، حين مروا به، ابنا بجزائر (¬١) هدية، وقال: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا. فأرسلوا إليه: أن وصلتك رحم، قد قضيت الذي ينبغي، فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا ضعف، وإن كنا إنما نقاتل الله، كما يزعم محمد، ما لأحد بالله من طاقة. فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: دعوهم. فما شرب رجل يومئذ إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام. ثم إنه أسلم بعد ذلك، وكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي نجاني يوم بدر. ثم بعثت قريش عمير بن وهب الجمحي ليحزر المسلمين. فجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع فقال: هم ثلاثمائة يزيدون قليلا أو ينقصونه، ولكن أمهلوني حتى أنظر للقوم كمين أو مدد؟ وضرب في الوادي، فلم ير شيئا فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئا، ولكني قد رأيت - يا معشر قريش - البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع. قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلامنكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي. قال: قد فعلت. أنت علي بذلك، إنما هو حليفي فعلي عقله وما أصيب من ماله. فائت ابن الحنظلية - والحنظلية أم أبي جهل - فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره. ثم قام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا. والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر ي وجه الرجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه وابن خاله أو رجلا من عشيرته. فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون. قال حكيم: فأتيت أبا جهل فوجدته قد شد درعا من جرابها فهو يهيؤها فقلت له: يا أبا الحكم، إن عتبة قد أرسلني بكذا وكذا. فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه. كلا، والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد. وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه قد تخوفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك. فقام عامر فكشف رأسه وصرخ: واعمراه، واعمراه. فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوسقوا على ما هم عليه من الشر. وأفسد على الناس رأي عتبة الذي دعاهم إليه. فلما بلغ عتبة قول أبي جهل: انتفخ والله سحره، قال: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره. ثم التمس عتبة بيضة لرأسه، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته، فاعتجر على رأسه ببرد له. وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي - وكان شرسا سيئ الخلق - فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه. وأتاه فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب ﵁، فالتقيا فضربه حمزة فقطعساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما. ثم جاء إلى الحوض حتى اقتحم فيه ليبر يمينه، واتبعه حمزة فقتله في الحوض. ثم إن عتبة بن ربيعة خرج للمبارزة بين أخيه شيبة، وابنه الوليد بن عتبة، ودعوا للمبارزة، فخرج إليه عوف ومعوذ ابنا عفراء وآخر من الأنصار. فقالوا: من أنتم؟ قالوا: من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ليخرج إلينا أكفاؤنا من قومنا. فقال رسول الله ﷺ: قم يا عبيدة بن الحارث، ويا حمزة، ويا علي. فلما دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فتسموا لهم. فقال: أكفاء كرام. فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله. وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله. واختلف عتبة وعبيدة بينهما ضربتين: كلاهما أثبت (¬١) صاحبه. وكر علي وحمزة على عتبة فدففا (¬٢) عليه. واحتملا عبيدة إلى أصحابهما. والصحيح - كما سيأتي - إنما بارز حمزة عتبة، وعلي شيبة، والله أعلم. ثم تزاحف الجمعان. وقد أمر النبي ﷺ أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم وقال: انضحوهم عنكم بالنبل. وهو ﷺ في العريش، معه أبو بكر. وذلك يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة رمضان. قال سفيان، عن قتادة: إن وقعة بدر صبيحة يوم الجمعة سابع عشر رمضان. وقال قرة بن خالد: سألت عبد الرحمن بن القاسم عن ليلة القدر، فقال: كان زيد بن ثابت يعظم سابع عشرة ويقول: هي وقعة بدر. وكذلك قال إسماعيل السدي وغيره في تاريخ يوم بدر، وقاله عروة بن الزبير، ورواه خالد بن عبد الله الواسطي، عن عمرو بن يحيى، عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: كانت صبيحة بدر سبع عشرة من رمضان؛ لكن روى قتيبة عن جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن ابن مسعود في ليلة القدر قال: تحروها لإحدى عشرة بقين، صبيحتها يوم بدر،كذا قال ابن مسعود (¬١)، والمشهور ما قبله. ثم عدل رسول الله ﷺ الصفوف بنفسه، ورجع إلى العريش ومعه أبو بكر فقط. فجعل يناشد ربه ويقول: يا رب إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض. وأبو بكر يقول: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك. فإن الله منجز لك ما وعدك. ثم خفق ﷺ، فانتبه وقال: أبشر يا أبا بكر، أتاك النصر، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع. فرمي مهجع - مولى عمر - بسهم، فكان أول قتيل في سبيل الله. ثم رمي حارثة بن سراقة النجاري بسهم وهو يشرب من الحوض، فقتل. ثم خرج رسول الله ﷺ إلى الناس يحرضهم على القتال. فقاتل عمير بن الحمام حتى قتل. ثم قاتل عوف ابن عفراء - وهي أمه - حتى قتل. ثم إن رسول الله ﷺ رمى المشركين بحفنة من الحصباء وقال: شاهت الوجوه. وقال لأصحابه: شدوا عليهم. فكانت الهزيمة، وقتل الله من قتل من صناديد الكفر: فقتل سبعون وأسر مثلهم. ورجع النبي ﷺ إلى العريش. وقام سعد بن معاذ على الباب بالسيف في نفر من الأنصار، يخافون على رسول الله ﷺ كرة العدو. ثم قال النبي ﷺ لأصحابه: إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث فلا يقتله، ومن لقي العباس فلا يقتله؛ فإنه إنما خرج مستكرها. فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس؟ والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف. فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر: يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله؟ فقال عمر: دعني فلأضرب عنق هذا المنافق. فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا آمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا، إلاأن تكفرها عني الشهادة. فاستشهد يوم اليمامة (¬١). وكان أبو البختري أكف القوم عن رسول الله ﷺ، وقام في نقض الصحيفة. فلقيه المجذر بن زياد البلوي حليف الأنصار، فقال: إن رسول الله ﷺ قد نهانا عن قتلك. فقال: وزميلي جنادة الليثي؟ فقال المجذر: لا والله ما أمرنا إلا بك وحدك. فقال: لأموتن أنا وهو، لا يتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة. فاقتتلا، فقتله المجذر. ثم أتى النبي ﷺ فقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر، فآتيك به، فأبى إلا أن يقاتلني. وعن عبد الرحمن بن عوف: كان أمية بن خلف صديقا لي بمكة. قال فمررت به ومعي أدراع قد استلبتها، فقال لي: هل لك في، فأنا خير لك من الأدراع؟ قلت: نعم، ها الله إذا. وطرحت الأدراع، فأخذت بيده ويد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟ يعني: من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن. ثم جئت أمشي بهما، فقال لي أمية: من الرجل المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قلت: حمزة. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. فوالله إني لأقودهما، إذ رآه بلال؛ وكان يعذب بلالا بمكة، فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف؟ لا نجوت إن نجا. قلت: أي بلال، أبأسيري؟ قال: لا نجوت إن نجا. قال: أتسمع يا ابن السوداء ما تقول؟ ثم صرخ بلال بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. قال: فأحاطوا بنا، وأنا أذب عنه. فأخلف رجل السيف، فضرب رجل ابنه فوقع، فصاح أمية صيحة عظيمة، فقلت: انج بنفسك، ولا نجاء، فوالله ما أغني عنك شيئا. فهبروهما بأسيافهم. فكان يقول: رحم الله بلالا، ذهبت أدراعي، وفجعني بأسيري (¬٢). وعن ابن عباس، عن رجل من غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الدائرة على من تكون، فننتهب مع من ينتهب، فبينا نحن في الجبل، إذ دنت مناسحابة، فسمعت فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم (¬١). فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت. رواه عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عمن حدثه، عن ابن عباس (¬٢). وروى الذي بعده ابن حزم عمن حدثه من بني ساعدة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة قال: لو كان معي بصري وكنت ببدر لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة (¬٣). قال ابن إسحاق (¬٤): فحدثني أبي، عن رجال، عن أبي داود المازني قال: إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه بالسيف، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قتله غيري. وعن ابن عباس قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. وأما أبو جهل بن هشام فاحتمى في مثل الحرجة - وهو الشجر الملتف - وبقي أصحابه يقولون: أبو الحكم لا يوصل إليه. قال معاذ بن عمرو بن الجموح: فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربت ضربة أطنت (¬٥) قدمه بنصف ساقه. فوالله ما أشبهها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها. فضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه. فلقد قاتلت عامة يومي، وإني لأسحبها خلفي. فلما آذتني وضعت عليها قدمي. ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها. قال: ثم عاش بعد ذلك إلى زمن عثمان. ثم مر بأبي جهل معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته، وتركه وبه رمق.وقاتل معوذ حتى قتل. وقتل أخوه عوف قبله. واسم أبيهما: الحارث بن رفاعة بن الحارث الزرقي. ثم مر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر النبي ﷺ بالتماسه، وقال فيما بلغنا: إن خفي عليكم في القتلى فانظروا إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان، ونحن غلامان؛ وكنت أشف (¬١) منه بيسير، فدفعته، فوقع على ركبته فجحش (¬٢) فيها. قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق، فوضعت رجلي على عنقه. وقد كان ضبث (¬٣) بي مرة بمكة، فآذاني ولكزني. فقلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبماذا أخزاني، وهل فوق رجل قتلتموه؟ أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قلت: لله ولرسوله. ثم قال: لقد ارتقيت، يا رويعي الغنم مرتقى صعبا. قال: فاحتززت رأسه وجئت به رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل. قال: آلله الذي لا إله غيره؟ قلت: نعم. وألقيت رأسه بين يدي النبي ﷺ (¬٤). ثم أمر بالقتلى أن يطرحوا في قليب هناك. فطرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليخرجوه فتزايل، فأقروه به، وألقوا عليه التراب فغيبوه. فلما ألقوا في القليب، وقف عليهم النبي ﷺ فقال: يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا. فقالوا: يا رسول الله أتنادي قوما قد جيفوا؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا (¬٥).وفي رواية: فناداهم في جوف الليل: يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام. فعدد من كان في القليب. زاد ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أنه ﷺ قال: يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم؛ كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس. وعن أنس: لما سحب عتبة بن ربيعة إلى القليب نظر رسول الله ﷺ في وجه أبي حذيفة ابنه، فإذا هو كئيب متغير. فقال: لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟ قال: لا والله ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف منه رأيا وحلما، فكنت أرجو أن يسلم، فلما رأيت ما أصابه وما مات عليه أحزنني ذلك. فدعا له النبي ﷺ وقال له خيرا. وكان الحارث بن ربيعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج قد أسلموا. فلما هاجر النبي ﷺ حبسهم آباؤهم وعشائرهم، وفتنوهم عن الدين فافتتنوا - نعوذ بالله من فتنة الدين - ثم ساروا مع قومهم يوم بدر، فقتلوا جميعا. وفيهم نزلت إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم الآية. وعن عبادة بن الصامت قال: فينا أهل بدر نزلت الأنفال حين تنازعنا في الغنيمة وساءت فيها أخلاقنا. فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسوله. فقسمه بين المسلمين على السواء (¬١). ثم بعث النبي ﷺ عبد الله بن رواحة، وزيد بن حارثة، بشيرين إلى المدينة. قال أسامة: أتانا الخبر حين سوينا على رقية بنت رسول الله ﷺ قبرها. كان رسول الله ﷺ خلفني عليها مع عثمان. ثم قفل رسول الله ﷺ ومعه الأسارى؛ فيهم: عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث. فلما خرج من مضيق الصفراء قسم النفل. فلما أتى الروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بالفتح. فقال لهم سلمة بن سلامة: ما الذيتهنئونا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز ضلعا كالبدن المعقلة فنحرناها. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أي ابن أخي، أولئك الملأ - يعني الأشراف والرؤساء -. ثم قتل النضر بن الحارث العبدري بالصفراء. وقتل بعرق الظبية عقبة بن أبي معيط. فقال عقبة حين أمر النبي ﷺ بقتله: فمن للصبية يا محمد؟ قال: النار. فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، وقيل: علي (¬١). وقال حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي قال: لما أمر النبي ﷺ بقتل عقبة قال: أتقتلني يا محمد من بين قريش؟ قال: نعم، أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها، فما رفع حتى ظننت أن عيني ستندران. وجاء مرة أخرى بسلى شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي.