exact linked passagemedium confidencepage 1233, entry [1018]7,536 chars
٨١٧ - يحيى بن المبارك بن المغيرة أبو محمد العدوىّ المعروف باليزيدىّ المقرئ النّحوىّ اللغوىّ «١» صاحب أبى عمرو بن العلاء البصرىّ. سكن بغداد، وحدّث بها عن أبى عمرو بن العلاء، وابن جريج [١]. روى عنه ابنه محمد، وأبو شعيب صالح بن زياد السوسىّ، وأبو عبيد القاسم ابن سلّام وإسحاق بن إبراهيم الموصلىّ، وأبو ع…
▸ expand full passage (7,536 chars)▾ collapse
٨١٧ - يحيى بن المبارك بن المغيرة أبو محمد العدوىّ المعروف باليزيدىّ المقرئ النّحوىّ اللغوىّ «١» صاحب أبى عمرو بن العلاء البصرىّ. سكن بغداد، وحدّث بها عن أبى عمرو بن العلاء، وابن جريج [١]. روى عنه ابنه محمد، وأبو شعيب صالح بن زياد السوسىّ، وأبو عبيد القاسم ابن سلّام وإسحاق بن إبراهيم الموصلىّ، وأبو عمرو الدّورىّ، وأحمد بن محمد ابن يحيى بن المبارك اليزيدىّ، وإبراهيم أخوه. وهو مولى لبنى عدىّ بن عبد مناة، من [٢] الرّباب.وإنما قيل له اليزيدىّ، لأنه كان منقطعا إلى يزيد بن منصور الحميرىّ خال ولد المهدىّ، يؤدّب ولده [١] فنسب إليه، ثمّ اتّصل بالرشيد [٢]، فجعل المأمون فى حجره [٣] وأدّبه [٤]. وكان اليزيدىّ ثقة، وكان أحد القراء الفصحاء، عالما بلغات العرب، وله كتاب «نوادر» في اللّغة على مثال كتاب «نوادر» الأصمعىّ الّذى عمله لجعفر ابن يحيى، وفي مثل عدد ورقة. وكان أيضا أحد الشعراء، وله جامع شعر وأدب. وكان قد أخذ علم العربية وأخبار الناس عن أبى عمرو وابن أبى إسحاق [٥]. الحضرمىّ، والخليل بن أحمد، ومن كان معهم في زمانهم. وحكى عن أبى [٦] حمدون الطبيب بن إسماعيل، قال: شهدت ابن أبى العتاهية، وكتب عن أبى محمد اليزيدىّ قريبا من ألف جلد، عن أبى عمرو بن العلاء خاصّة، يكون ذلك عشرة آلاف ورقة، لأنّ تقدير الجلد عشر ورقات. وأخذ عن الخليل من اللغة أمرا عظيما، وكتب عنه العروض في ابتداء صنعته اياه، إلّا أن اعتماده كان على أبى عمرو لسعة علم أبى عمرو باللّغة.وكان اليزيدى يعلّم بحذاء منزل أبى عمرو، وكان أبو عمرو يدنيه ويميل إليه لذكائه. وكان اليزيدىّ صحيح الرّواية، صدوق اللهجة. وألّف من الكتب: كتاب «النّوادر» وكتاب «المقصود والممدود». وكتاب «مختصر [١]» نحو. وكتاب «النّقط والشكل». وكان يجلس في أيّام الرّشيد مع الكسائىّ في مجلس واحد، ويقرئان النّاس. وكان الكسائىّ يؤدّب محمّدا الأمين، وكان اليزيدىّ يؤدّب عبد الله المأمون، فأمّا الأمين فإنّ أباه أمر الكسائىّ أن يأخذ عليه بحرف حمزة، وأمّا المأمون فإنّ أباه لما اختار له اليزيدىّ تركه يتعلّم منه حرف أبى عمرو [٢]. قال الأثرم [٣]: دخل اليزيدىّ على الخليل بن أحمد يوما وعنده جماعة، وهو على وسادة جالس، فأوسع له، فجلس معه اليزيدىّ على وسادته؛ فقال له اليزيدىّ: أحسبنى قد ضيّقت عليك! فقال الخليل: ما ضاق شىء على اثنين متحابّين، والدنيا لا تسع متباغضين. وسأل المأمون يحيى بن المبارك عن شىء، فقال: لا وجعلنى الله فداءك يا أمير المؤمنين! فقال: لله درّك. ما وضعت واو قطّ موضعا أحسن من موضعها فى لفظك هذا؛ ووصله وحمله. توفّى أبو محمد اليزيدىّ في سنة اثنتين ومائتين. وقيل: هو مولى عبد مناة بن تميم.وقال ابن قتيبة: اسمه عبد الرحمن [بن المبارك [١]]، ووهم، ويحيى أصحّ وأشهر- وكان يعلّم قبالة دار أبى عمرو بن العلاء زمنا [٢] طويلا، وله عقب. وقال أبو حاتم: اليزيدىّ مولى لبنى عدىّ، وليس منهم أيضا، وإنما كان نازلا فيهم، وكان مؤدّب المأمون، وخرج معه إلى خراسان، وتوفّى بها، وكان ظريفا. وانصرف اليزيدىّ من كتّابه يوما وقد قعد المأمون مع غلمانه ومن يأنس به، وأمر حاجبه ألّا يأذن [٣] عليه لأحد- وهو صبىّ يومئذ- فبلغ اليزيدىّ خبره، فصار إلى الباب فمنع، فكتب إليه: هذا الطفيلىّ على الباب ... يا خير إخوان وأصحاب [٤]. فصيرونى رجلا منكم ... أو أخرجوا لى بعض اصحابى [٥]. فأذن له فدخل، وانقبض المأمون، فقال له: أيّها الأمير، عد إلى انبساطك، فإنى إنّما جئت لأكون نديما لا معلّما [٦]. وقال اليزيدىّ يعتذر إلى المأمون من شىء تكلّم به، وهو سكران [٧]:أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو سكرت فأبدت منّى الكأس بعض ما ... كرهت، وما إن يستوى السّكر والصّحو ولا سيما إذ كنت عند خليفة ... وفي مجلس ما إن يجوز به اللّغو فإن تعف عنى تلف خطوى واسعا ... وإلّا يكن عفو، فقد قصّر الخطو وقال الأصمعىّ: سمعت اليزيدىّ يقول: كنت أؤدب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهرىّ، فتأخّر يوما عن الخروج إلى محلّة التعليم، فشكوته إلى سعيد الجوهرىّ، فقال لى: أقمه إذا اعوجّ، فأحضرته وضربته فبكى. واستؤذن عليه لجعفر بن يحيى ابن برمك، فقام إلى فراشه فجلس عليه، ومسح عينيه، ودخل جعفر فأخليت لهما المجلس، وخشيت أن يشكونى إليه، فألقى منه مالا أريده، فلمّا خرج دخلت عليه، فقال: ما الذى حملك على الخروج؟ فذكرت له ذلك، فقال: أعوذ بالله من ظنّك! هذا الأمر الذى جرى ما أعلم به الرشيد، فكيف جعفر! وكيف يحسن بى أن أقول: إننى فعلت أمرا أحتاج فيه إلى التأديب! لا وأخذك الله بظنك! قال اليزيدىّ: فأمسكت، وكنت أهابه بعد ذلك [١]. ولليزيدىّ أشعار كثيرة في الرّشيد والمأمون وغيرهما، قال ولده: واختلفنا عند موته ألّا نخرج شيئا من شعره إلّا ما كان في المواعظ [٢].وطبقته في النّحو دون طبقة الخليل ودون سيبويه والأخفش، وكان بصرىّ المذهب والبلد، متعصّبا للبصريّين، وله قصيدة [١] فى مدح البصرة وأهلها، وذمّ الكسائىّ وأتباعه؛ وعلمه باللّغة أكثر من النحو، وكان مذهبه العدل والتوحيد، وكان قبيح الهجاء ﵀. ولمّا مات خلّف من الأولاد خمسة نجباء أدباء فضلاء، منهم محمد بن أبى محمد [٢]، وهو أكبرهم وأشعرهم، وسيرد خبره في موضعه من هذا المجموع إن شاءالله تعالى، وإبراهيم [١]، وإسماعيل [٢] أبو القاسم [٣]، وعبيد الله أبو عبد الرحمن [٣]، وأبو يعقوب إسحاق [٤]. فأما [أبو [٥]] يعقوب إسحاق، فإنه اشتغل بالحديث وبرع فيه، وأمّا الأربعة الباقون، فإنهم برعوا في اللغة والعربية- ونادم من هؤلاء الأربعة المأمون: محمد وإبراهيم- وكلهم ماتوا ببغداد إلا محمدا فإنه مات مع المعتصم بمصر [٦]، على ما سيأتى فى خبره إن شاء الله: كتب إلىّ أبو الضّياء شهاب بن محمود الورّاق الهروىّ من هراة، أخبرنا عبد الكريم المروزىّ، أخبرنا أبو طالب المبارك بن علىّ بن محمد بن خضر الصّيرفيّ بقراءتى عليه، أخبرنا أبو غالب شجاع بن فارس الذّهلىّ قراءة عليه، أخبرنا أبو طاهر عبد الواحد بن الحسين بن قرقر الحذاء، أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن سعيد ابن سويد الشّاهد، حدّثنا أبو علىّ الحسين بن القاسم الكوكبىّ، حدّثنا أحمد ابن عبيد، أخبرنا اليزيدىّ، قال: دخلت على المأمون يوما والدنيا غضّة، وعنده نعم- وكانت من أجمل أهل دهرها- تغنّيه: وزعمت أنى ظالم فهجرتنى ... ورميت في قلبى بسهم نافذ [٧]. ونعم هجرتك، فاغفرى وتجاوزى [٨] ... هذا مقام المستجير العائذ ولقد أخذتم من فؤادى إنّه ... لا شكّ ربّى كفء ذاك الآخذواستعادها الصوت ثلاث مرات، وشرب ثلاثة أرطال في ثلاثة أقداح، ثم قال: يا يزيدىّ، يكون شىء أحسن مما نحن فيه! قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: وما هو؟ قلت: الشكر لمن خوّلك هذا الإنعام العظيم الجليل! فقال: أحسنت وصدقت، ووصلنى، وأمر بمائة ألف درهم يتصدّق بها، فكأنّى أنظر إلى البدر وقد أخرجت، والمال يفرّق. وكان اليزيدىّ يكلّم الأمين والمأمون بكلام يتفصّحان به، ويقول لهما: كان أولاد الخلفاء من بنى أميّة، يخرج بهم إلى البدو حتى يتفصّحوا، وأنتم أولى بالفصاحة منهم، فأكلا معه يوما [١] كمأة وقصرا [٢]؛ فقال لهما: كلا كلاكما كمأ كما كما ... لا تنبوا، إن تنبوا لا تنبلا فمضى الخادم الموكّل بهما إلى الرشيد، وقال: علّمهما اليوم كلام الزّنجية، فاستدعاه الرشيد وقال له: ما حاجتهما إلى كلام الزّنج، فلم علّمتهما؟ فقال اليزيدىّ: والله ما أحسنها، فقال الخادم: بلى، فعرّفه الحال، وقال: أنا آخذهما بأمثال ذلك ليتفّصحا، فقال له الرشيد: لا تلم الخادم، فلولا التّقدمة لظننته بالزنجية؛ وأنشد: لكل أناس مألف من طباعهم وشكا اليزيدىّ إلى المأمون خلّة أصابته، ودينا لحقه، فقال: ما عندنا فى هذه الأيام ما إن أعطينا كه بلغت به ما تريد، قال: يا أمير المؤمنين، إن الأمر ضاق علىّ، وإنّ غرمائى أرهقونى، فاحتل لى. فأفكر، واستقرّالأمر على أن يحضر اليزيدىّ في الباب، إذا جلس المأمون للشرب، وعنده ندماؤه، ويكتب رقعة يطلب فيها الدخول، أو إخراج بعض الندماء إليه، فلمّا جلس المأمون حضر اليزيدىّ الباب، ودفع إلى الخادم رقعة مختومة، فأدخلها إلى المأمون، ففضّها فإذا فيها مكتوب: يا خير إخوان وأصحاب ... هذا الطفيلىّ على الباب فصيّرونى واحدا منكم ... أو أخرجوا لى بعض أصحابى فقرأها المأمون على من حضره، قال: ما ينبغى أن يدخل مثل هذا الطفيلىّ على مثل هذا الحال، فأرسل إليه المأمون: دخولك في مثل هذا الوقت متعذّر، فاختر لنفسك من أحببت أن تنادمه. فأدّيت الرسالة إليه، فقال: ما أرى لنفسى اختيارا غير عبد الله بن طاهر، فقال له المأمون: قد وقع الاختبار عليك، فصر إليه. قال: يا أمير المؤمنين، فأكون شريك الطفيلىّ! قال: ما يمكننى ردّ أبى محمد عن أمره، فإن أحببت أن تخرج إليه، وإلا فافتد نفسك منه، قال: له علىّ عشرة آلاف درهم، قال: لا أحسب ذلك منك يقنعه عن مجالستك، فلم يزل يزيد عشرة آلاف، عشرة آلاف، والمأمون يقول له: لا أرضى له بذلك، حتى بلغ مائة ألف درهم، فقال له المأمون: فعجلّها، فكتب بها إلى وكيله، ووجّه رسولا، وأرسل إليه المأمون: قبض هذه في مثل هذا الحال أصلح لك من منادمته على مثل حاله. توّفى أبو محمد اليزيدىّ في سنة اثنتين ومائتين في خلافة المأمون.