الحموي، ياقوت - معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 2620, entry [1141]10,731 chars
[١١٠٥] محمد بن محمد بن حامد بن عبد الله بن علي أبو عبد الله المعروف بالعماد الكاتب الأصبهاني: ولد بأصبهان يوم الاثنين [ثاني] جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وخمسمائة ونشأ بها، وقدم بغداد شابا وانتظم في سلك طلبة المدرسة النظامية فتفقه بها بأبي منصور سعيد بن محمد بن الرزاز، وسمع منه ومن أبي بكر الأشقر وأبي …
▸ expand full passage (10,731 chars)[١١٠٥] محمد بن محمد بن حامد بن عبد الله بن علي أبو عبد الله المعروف بالعماد الكاتب الأصبهاني: ولد بأصبهان يوم الاثنين [ثاني] جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وخمسمائة ونشأ بها، وقدم بغداد شابا وانتظم في سلك طلبة المدرسة النظامية فتفقه بها بأبي منصور سعيد بن محمد بن الرزاز، وسمع منه ومن أبي بكر الأشقر وأبي الحسن علي بن عبد السلام وأبي القاسم علي بن الصباغ وأبي منصور ابن خيرون وأبي المكارم المبارك بن علي السمرقندي وجماعة، وأجاز له أبو عبد الله الفراوي وأبو القاسم ابن الحصين، ثم عاد إلى أصبهان فتفقه بها أيضا على محمد بن عبد اللطيف الخجندي وأبي المعالي الوركاني، ثم رجع إلى بغداد واشتغل بصناعة الكتابة فبرع فيها ونبغ، فاتصل بالوزير عون الدين يحيى بن هبيرة فولاه النظر بالبصرة ثم بواسط، ولما توفي الوزير ابن هبيرة وتشتت شمل المنتسبين إليه أقام العماد مدة ببغداد منكّد العيش، فانتقل إلى دمشق ووصل إليها في شعبان سنة اثنتين وستين وخمسمائة، فأنزله قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد بن الشهرزوري بالمدرسة النورية الشافعية المنسوبة إلى العماد الآن المعروفة بالعمادية، وإنما نسبت إليه لأن الملك العادل نور الدين ولاه إياها سنة سبع وستين وخمسمائة. وكان العماد له معرفة بنجم الدين أيوب والد السلطان صلاح الدين، عرفه بتكريت حين كان نجم الدين واليا عليها، فلما سمع نجم الدين بوصوله بادر لتبجيله والسلام عليه في منزله، ومدحه العماد إذ ذاك بقصيدة أولها: يوم النوى ليس من عمري بمحسوب ... ولا الفراق إلى عيشي بمنسوب ما اخترت بعدك لكنّ الزمان أتى ... كرها بما ليس يا محبوب محبوبيأرجو إيابي إليكم غانما عجلا ... فقد ظفرت بنجم الدين أيوب موفّق الرأي ماضي العزم مرتفع ... على الأعاجم مجدا والأعاريب أحبّك الله إذ لازمت نصرته ... على جبين بتاج الملك معصوب وهي طويلة، فشكره نجم الدين وأحسن إليه وأكرمه وقدّمه على الأعيان وميزه، وعرّف به ابنه صلاح الدين. وكان القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري يحضر مجالس العماد ويذاكره بمسائل الخلاف في الفروع، فنوّه القاضي بذكر العماد عند السلطان نور الدين وذكر له تقدمه في العلم والكتابة، وأهّله لكتابة الانشاء، فتردد العماد في الدخول فيما لم يتقدم له اشتغال طويل به مع توفر موادّ هذه الصناعة عنده خوفا من التقصير فيما لم يمارسه، ثم أقدم بعد الاحجام فباشرها وأجاد فيها حتى زاحم القاضي الفاضل بمنكب ضخم. وكان ينشىء الرسائل بالفارسية أيضا فيجيد فيها إجادته بالعربية. وعلت منزلته عند نور الدين وصار صاحب سرّه، وفوّض إليه تدريس المدرسة العمادية كما تقدم، وولاه الإشراف على ديوان الانشاء. ولما توفي نور الدين وولي ابنه الملك الصالح إسماعيل اغراه بالعماد جماعة كانوا يحسدونه ويكرهونه، فخاف على نفسه وخرج من دمشق قاصدا بغداد، فوصل إلى الموصل ومرض بها، ولما أبلّ من مرضه بلغه خروج السلطان صلاح الدين من مصر قاصدا دمشق ليستولي عليها فعزم على الرجوع إلى الشام وخرج من الموصل سنة سبعين وخمسمائة فوصل إلى دمشق وسار منها إلى حلب، وصلاح الدين يومئذ نازل عليها، فلاقاه في حمص وقد استولى على قلعتها، فلزم بابه ومدحه بقصيدة طويلة كان نظمها قبلا في الشوق إلى دمشق والتأسف عليها، فجعل مدح صلاح الدين مخلصها، أولها «١» : أجيران جيرون ما لي مجير ... سوى عدلكم «٢» فاعدلوا أو فجوروا وما لي سوى طيفكم زائر ... فلا تمنعوه إذا لم تزوروا يعزّ عليّ بأنّ الفؤاد ... لديكم أسير وعنكم أسيروما كنت أعلم أني أعي ... ش بعد الأحبة «١» أني صبور وفت أدمعي غير أن الكرى ... وقلبي وصبري كلّ غدور إلى ناس باناس لي صبوة ... لها الوجد داع وذكري مثير يزيد اشتياقي وينمو كما ... يزيد يزيد وثورا يثور ومن بردى حرّ قلبي المشوق ... فها أنا من حرّه أستجير «٢» وبالمرج مرجوّ عيشي الذي ... على ذكره العذب عيشي مرير فقدتكم ففقدت الحياة ... ويوم اللقاء يكون النشور تطاول لسؤلي عند القصير ... فعن نيله اليوم باعي قصير وكن لي بريدا لباب البريد ... فأنت بأخبار شوقي خبير ومنها: ترى بالسلامة يوما يكون ... بباب السلامة مني عبور وأن جوازي بباب الصغير ... لعمري لعمري «٣» حظّ كبير وما جنة الخلد إلا دمشق ... وفي القلب شوقا إليها سعير وجامعها الرحب والقبة ال ... منيفة والفلك المستدير وفي قبّة النسر لي سادة ... بهم للمكارم أفق منير وباب الفراديس فردوسها ... وسكانها أحسن الناس حور والارزة فالسهم فالنيربان ... فجنات مزّتها فالكفور كأن الجواسق مأهولة ... بروج تطلّع منها البدور بنيربها يستنير الفؤاد ... ويربو بربوتها لي السرور «٤»ومنها: وأين تأملت فلك يدور ... وعين تفور ونهر يمور وأين نظرت نسيم يرقّ ... وزهر يروق وروض نضير ومنذ ثوى نور دين الالاه ... لم يبق للدين والشام نور وللناس بالملك الناصر ال ... صلاح صلاح ونصر وخير هو الشمس أنوارها بالبلاد ... ومطلعها سرجه والسرير إذا ما سطا أو حبا واحتبى ... فما الليث أو حاتم أو ثبير بيوسف مصر وأيامه ... تقرّ العيون وتشفى الصدور وقد أطال نفسه في هذه القصيدة وكلها غرر، وقد اكتفينا بما أوردناه منها. ثم لزم العماد من ذلك اليوم باب السلطان صلاح الدين ينزل لنزوله ويرحل لرحيله، ولم يزل يغشى مجالسه ملازما لخدمته حتى قرّبه واستكتبه واعتمد عليه، فتصدر وزاحم الوزراء وأعيان الدولة، وعلا قدره وطار صيته. وكان إذا انقطع القاضي الفاضل عن الديوان ناب عنه في النظر عليه، وألقى إليه السلطان مقاليده وركن إليه بأسراره، فتقدم الأعيان وأشير إليه بالبنان؛ وكان بينه وبين القاضي الفاضل مراسلات ومحاورات، فمن ذلك أنه لقي القاضي يوما وهو راكب على فرس فقال له: سر فلا كبا بك الفرس، فقال له الفاضل: دام علا العماد، وكلا القولين يقرأ عكسا وطردا. واجتمعا يوما في موكب السلطان وقد ثار الغبار لكثرة الفرسان، وتعجب القاضي من ذلك فأنشد العماد: أما الغبار فانه ... مما أثارته السنا بك والجوّ منه مظلم ... لكن أنارته السنا بك يا دهر لي عبد الرحي ... م فلست أخشى مسّ نابك ولما توفي السلطان صلاح الدين ﵀ اختلّت أحوال العماد ولزم بيته وأقبل على التصنيف والافادة، حتى توفي يوم الاثنين مستهل رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة.وله من المصنفات: خريدة القصر وجريدة العصر «١» ذيل به زينة الدهر لأبي المعالي سعد بن علي الحظيري الوراق، جمع العماد في هذا الكتاب تراجم شعراء الشام والعراق ومصر والجزيرة والمغرب وفارس ممن كان بعد المائة الخامسة إلى ما بعد سنة سبعين وخمسمائة، وهو يدخل في عشر مجلدات لطيفة. وله البرق الشامي «٢» ، وهو تاريخ بدأ فيه بذكر نفسه ونشأته ورحلته من العراق إلى الشام وأخباره مع الملك العادل نور الدين والسلطان صلاح الدين وما جرى له في خدمتهما، وذكر فيه بعض الفتوحات بالشام وأطرافها، وهو بضعة مجلدات. وله الفتح القسي في الفتح القدسي «٣» في مجلد كبير. وكتاب السيل على الذيل «٤» جعله ذيلا على كتابه خريدة القصر. وله نصرة الفطرة وعصرة القطرة في أخبار الدولة السلجوقية «٥» . وله رسالة سماها عتبى الزمان، وتسمى أيضا العتبى والعقبى. وكتاب سماه نحلة الرحلة ذكر فيها اختلال الأحوال وتغير الأمور بعد موت السلطان صلاح الدين، واختلاف أولاده وما وقع من الخلاف بين الأمراء والعمال. وله ديوان رسائل في مجلدات. وديوان شعر «٦» في مجلدين. وديوان دو بيت صغير وغير ذلك ومن إنشاء العماد الكتاب الكتاب الذي كتبه عن السلطان صلاح الدين إلى ديوان الخلافة ببغداد مبشرا بفتح بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة افتتحه بقوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ (النور: ٥٥) الآية ثم قال: الحمد لله الذي أنجز لعباده الصالحين وعد الاستخلاف، وقهر بأهل التوحيد أهل الشرك والخلاف، وخصّ سلطان الديوان العزيز بهذه الخلافة، ومكّن دينه المرتضى وبدّل بالأمان المخافة، وذخر هذا الفتح الأسنى،والنصر الأهنى، للعصر الامامي النبوي الناصري على يد الخادم أخلص أوليائه، والمختصّ من الاعتزاز باعتزائه إليه وانتمائه؛ وهذا الفتح العظيم، والنجح الكريم، قد انقرضت الملوك الماضية، والقرون الخالية، على مسرة تمنيه، وحيرة ترجيه، ووحشة اليأس من تسنيه، وتقاصرت عنه طوال الهمم، وتخاذلت عن الانتصار له أملاك الأمم، فالحمد لله الذي أعاد القدس إلى القدس، وطهره من الرجس، وحقق من فتحه ما كان في النفس، وبدّل وحشة الكفر فيه من الإسلام بالأنس، وجعل عزّ يومه ماحيا ذلّ أمس، وأسكنه الفقهاء والعلماء بعد الجهال والضلال من بطرك وقس، وعبدة الصليب ومستقبلي الشمس. وقد أظهر الله على المشركين الضالين، جنوده المؤمنين العالمين، وقطع دابر القوم الظالمين، والحمد لله رب العالمين، فكأن الله شرّف هذه الأمة فقال لهم: اعزموا على اقتناء هذه الفضيلة التي بها فضّلكم، وحقّق في حقكم امتثال أمره الذي خالفه اليهود في قوله ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ (المائدة: ٢١) وهذا الفتح قد أقدر الله على افتضاضه بالحرب العوان، وجعل ملائكته المسوّمة له من أعز الأنصار وأظهر الأعوان، واخرج من بيته المقدس يوم الجمعة أهل يوم الأحد، وقمع من كان يقول ان الله ثالث ثلاثة بمن يقول هو الله أحد. واعان الله بانزال الملائكة والروح، واتى بهذا النصر الممنوح، الذي هو فتح الفتوح، وقد تعالى ان يحيط به وصف البليغ نظما ونثرا، وعبد الله في البيت المقدّس سرا وجهرا، وملكت بلاد الاردنّ وفلسطين غورا ونجدا وبرا وبحرا، وملئت إسلاما وقد كانت ملئت كفرا، وتقاضى الخادم دين الدين الذي غلق رهنه دهرا، والحمد لله وشكرا، حمدا يجدّ للإسلام كلّ يوم نصرا، ويزيد وجوه أهله بشرى فتتوجّه بشرا. والكتاب طويل ذكر فيه فصولا عن الوقائع التي تقدمت فتح القدس، فاكتفينا منه بما أوردناه. وللعماد قصيدة من قصائده الطوال ضمنها فتح القدس وفلسطين، ومدح السلطان صلاح الدين اقتصرنا على إيراد طرف منها قال «١» : أطيب بأنفاس تطيب لكم نفسا ... وتعتاض من ذكراكم وحشتي أنساوأسأل عنكم عافيات دوارس ... غدت بلسان الحال ناطقة خرسا معاهدكم ما بالها كعهودكم ... وقد كرّرت من درس آثارها درسا وقد كان في حدسي لكم كلّ طارف ... وما جئتم من هجركم خالف الحدسا أرى حدثان الدهر ينسي حديثه ... وأما حديث الغدر منكم فلا ينسى تزول الجبال الراسيات وثابت ... رسيس غرام في فؤادي لكم أرسى حسبت حبيبي قاسي القلب وحده ... وقلب الذي يهوى بحمل الهوى أقسى ومنها: وإن نهاري صار ليلا لبعدكم ... فما أبصرت عيني صباحا ولا شمسا بكيت على مستودعات خدوركم» ... كما قد بكت قدما على صخرها الخنسا فلا تحبسوا عني الجميل فانني ... جعلت على حبي لكم مهجتي حبسا ومنها: رأيت صلاح الدين أفضل من غدا ... وأشرف من أضحى وأكرم من أمسى وقيل لنا في الأرض سبعة أبحر ... ولسنا نرى إلا أنامله الخمسا سجيته الحسنى وشيمته الرضى ... وبطشته الكبرى وعزته القعسا فلا عدمت أيامنا منه مشرقا ... ينير بما يولي ليالينا الدمسا جنودك أملاك السماء وظنّهم ... أعاديك جنا في المعارك أو إنسا «٢» سحبت على الأردنّ ردنا من القنا ... ردينية ملدا وخطّية ملسا ونعم مجال الخيل حطين لم تكن ... معاركها للجرد ضرسا ولا دهسا غداة أسود الحرب معتقلو القنا ... أساود تبغي من نحور العدا نهسا أتوا شكس الأخلاق خشنا فليّنت ... حدود الرقاق الخشن أخلاقها الشّكسا طردتهم في الملتقى وعكستهم ... مجيدا بحكم العزم طردك والعكسافكيف مكست المشركين رؤوسهم ... ورأيك «١» في الاحسان أن تطلق المكسا كسرتهم إذ صحّ عزمك فيهم ... ونكّستهم من بعد أعلامهم نكسا بواقعة رجّت بها أرض جيشهم ... ومارت كما بسّت جبالهم بسّا بطون ذئاب البرّ صارت قبورهم ... ولم ترض أرض ان تكون لهم رمسا وحامت «٢» على نار المواضي فراشهم ... لتطفى فزادت من خمودهم قبسا وقد خشعت أصوات أبطالها فما ... يعي السمع إلا من صليل الظبا همسا تقاد بدأماء الدماء ملوكهم ... أسارى كسفن اليمّ نيطت بها القلسا سبايا بلاد الله مملوءة بها ... وقد عرضت نخسا وقد شريت بخسا يطاف بها الأسواق لا راغب لها ... لكثرتها كم كثرة توجب الوكسا شكا يبسا رأس البرنس الذي به ... تندّى حسام حاسم ذلك اليبسا حسا دمه ماضي الغرار لغدره ... وما كان لولا غدره دمه يحسى ومنها: ومن قبل فتح القدس كنت مقدسا ... فلا عدمت أخلاقك الطهر والقدسا نزعت لباس الكفر عن قدس أرضها ... وألبستها الدين الذي كشف اللبسا ومنها: جرى بالذي تهوى القضاء وظاهرت ... ملائكة الرحمن أجنادك الحمسا وكم لبني أيوب عبد كعنتر ... فان ذكروا بالبأس لم يذكروا عبسا ومن غزلياته قوله «٣» : أفدي الذي خلبت قلبي لواحظه ... وخلّفت لذعات الوجد في كبدي صفات ناظره سقم بلا ألم ... سكر بلا قدح جرح بلا قود على محياه من نار الصّبا شعل ... وورد خديه من ماء الجمال نديومن حكمياته «١» : اقنع ولا تطمع فان الغنى ... كماله في عزّة النفس فانما ينقص بدر الدجى ... لأخذه الضوء من الشمس وقال «٢» : وما هذه الأيام الا صحائف ... يؤرّخ فيها ثم يمحى ويمحق ولم أر في دهري كدائرة المنى ... توسّعها الآمال والعمر ضيق