Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

الخبر عن سبب دخول أبي أحمد وأصحابه طهيثا ومقتل الجبائي

الخبر عن سبب دخول أبي أحمد وأصحابه طهيثا ومقتل الجبائي

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

2 books · 9 entries
Research data and provenancemoderate dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
moderate
Source entries
2
Strong identity entries
0
Chronology hints
0
Attribute hints
2
Relation hints
0
Assessment hints
7
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

2 books · 9 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

2 exact linked passages0 legacy full passages7 assessment hints0 assessment snippets

ابن جرير الطبري - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

full-text

— · 5 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 5579, entry [1521]25,782 chars
    ذكر الخبر عن سبب دخول أبي أحمد وأصحابه طهيثا ومقتل الجبائي ذكر محمد بن الحسن أن محمد بن حماد حدثه أن أبا أحمد لما أعطى أصحابه ببردودا، فأصلح ما أراد إصلاحه من عدة حرب من قصد لحربه في مخرجه، سار متوجها إلى طهيثا، وذلك يوم الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومائتين، وكان مسيره على الظهر ف…
    ▸ expand full passage (25,782 chars)
    ذكر الخبر عن سبب دخول أبي أحمد وأصحابه طهيثا ومقتل الجبائي ذكر محمد بن الحسن أن محمد بن حماد حدثه أن أبا أحمد لما أعطى أصحابه ببردودا، فأصلح ما أراد إصلاحه من عدة حرب من قصد لحربه في مخرجه، سار متوجها إلى طهيثا، وذلك يوم الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومائتين، وكان مسيره على الظهر في خيله. وحدرت السفن بما فيها من الرجالة والسلاح والآلات، وحدرت المعابر والشذوات والسميريات، إلى أن وافى بها النهر المعروف بمهروذ بحضرة القرية المعروفة بقرية الجوزية، فنزل أبو أحمد هناك، وأمر بعقد الجسر على النهر المعروف بمهروذ، وأقام يومه وليلته ثم غدا فعبر الفرسان والأثقال بين يديه على الجسر، ثم عبر بعد ذلك، وأمر القواد والناس بالمسير إلى طهيثا، فصاروا إلى الموضع الذي ارتضاه أبو أحمد لنفسه منزلا على ميلين من مدينة سليمان بن جامع، فأقام هنالك بإزاء أصحاب الخائن يوم الاثنين والثلاثاء لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، ومطر السماء مطرا جودا، واشتد البرد أيام مقامه هنالك، فشغل بالمطر والبرد عن الحرب، فلم يحارب هذه الأيام وبقية الجمعة فلما كان عشية يوم الجمعة ركب أبو أحمد في نفر من قواده ومواليه لارتياد موضع لمجال الخيل، فانتهى إلى قريب من سورسليمان بن جامع، فتلقاه منهم جمع كثير وخرج عليه كمناء من مواضع شتى، ونشبت الحرب واشتدت، فترجل جماعة من الفرسان، ودافعوا حتى خرجوا عن المضايق التي كانوا وغلوها، وأسر من غلمان أبي أحمد وقواده غلام يقال له وصيف علمدار وعدة من قواد زيرك، ورمى أبو العباس أحمد بن مهدي الجبائي بسهم في إحدى منخريه، فخرق كل شيء وصل إليه حتى خالط دماغه، فخر صريعا، وحمل إلى عسكر الخائن وهو لمآبه، فعظمت المصيبة به عليه، إذ كان أعظم أصحابه غنى عنه، وأشدهم بصيرة في طاعته، فمكث الجبائي يعالج أياما، ثم هلك، فاشتد جزع الخائن عليه، فصار إليه، فولي غسله وتكفينه والصلاة عليه والوقوف على قبره إلى أن دفن، ثم أقبل على أصحابه فوعظهم، وذكر موت الجبائي وكانت وفاته في ليلة ذات رعود وبروق وقال فيما ذكر: علمت وقت قبض روحه قبل وصول الخبر إليه بما سمع من زجل الملائكة بالدعاء له والترحم عليه. قال محمد بن الحسن: فانصرف إلي أبو واثلة- وكان فيمن شهده- فجعل يعجبني مما سمع، وجاءني محمد بن سمعان فأخبرني بمثل خبر محمد ابن هشام، وانصرف الخائن من دفن الجبائي منكسرا عليه الكآبة. قال محمد بن الحسن: وحدثني محمد بن حماد أن أبا أحمد انصرف من الوقعة التي كانت عشية يوم الجمعة لأربع ليال بقين من شهر ربيع الآخر، وكان خبره قد انتهى إلى عسكره، فنهض إليه عامة الجيش، فتلقوه منصرفا، فردهم إلى عسكره، وذلك في وقت المغرب، فلما اجتمع أهل العسكر أمروا بالتحارس ليلتهم والتأهب للحرب، فأصبحوا يوم السبت لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر، فعبأ أبو أحمد أصحابه، وجعلهم كتائب يتلو بعضها بعضا، فرسانا ورجالة، وأمر بالشذا والسميريات أن يسار بها معه في النهر الذي يشق مدينة طهيثا المعروف بنهر المنذر، وسار نحو الزنج حتى انتهى إلى سور المدينة، فرتب قواد غلمانه في المواضع التي يخاف خروج الزنج عليه منها، وقدم الرجالة أمام الفرسان، ووكل بالمواضع التي يخاف خروج الكمناء منها، ونزل فصلى أربع ركعات، وابتهل إلى الله ﷿ في النصرله وللمسلمين ثم دعا بسلاحه فلبسه، وأمر ابنه أبا العباس بالتقدم إلى السور وتحضيض الغلمان على الحرب، ففعل ذلك، وقد كان سليمان بن جامع أعد أمام سور مدينته التي سماها المنصورة خندقا، فلما انتهى إليه الغلمان تهيبوا عبوره، وأحجموا عنه، فحرضهم قوادهم وترجلوا معهم، فاقتحموه متجاسرين عليه، فعبروه، وانتهوا إلى الزنج وهم مشرفون من سور مدينتهم، فوضعوا السلاح فيهم، وعبرت شرذمة من الفرسان الخندق خوضا. فلما رأى الزنج خبر هؤلاء القوم الذين لقوهم وكرهم عليهم ولوا منهزمين، واتبعهم أصحاب أبي أحمد، ودخلوا المدينة من جوانبها وكان الزنج قد حصنوها بخمسة خنادق، وجعلوا أمام كل خندق منها سورا يمتنعون به، فجعلوا يقفون عند كل سور وخندق إذا انتهوا إليه، وجعل أصحاب أبي أحمد يكشفونهم في كل موقف وقفوه، ودخلت الشذا والسميريات مدينتهم من النهر المشقق لها بعد انهزامهم، فجعلت تغرق كل ما مرت لهم به من شذاه وسميرية، واتبعوا من بحافتي النهر، يقتلون ويؤسرون، حتى أجلوا عن المدينة وعما اتصل بها، وكان زهاء ذلك فرسخا، فخوى أبو أحمد ذلك كله، وأفلت سليمان بن جامع في نفر من أصحابه، فاستحر القتل فيهم والأسر، واستنقذ أبو أحمد من نساء أهل واسط وصبيانهم ومما اتصل بذلك من القرى ونواحي الكوفة زهاء عشرة آلاف فأمر أبو أحمد بحياطتهم والإنفاق عليهم، وحملوا إلى واسط، ودفعوا إلى أهليهم واحتوى أبو أحمد وأصحابه على كل ما كان في تلك المدينة من الذخائر والأموال والأطعمة والمواشي، وكان ذلك شيئا جليل القدر، فأمر أبو أحمد ببيع ما أصاب من الغلات وغير ذلك، وحمله إلى بيت ماله، وصرفه في أعطيات من في عسكره من مواليه وجنوده، فحملوا من ذلك ما تهيأ لهم حمله، وأسر من نساء سليمان وأولاده عدة، واستنقذ يومئذ وصيف علمدار ومن كان أسر معه عشية يوم الجمعة، فأخرجوا من الحبس، وكان الأمر أعجل الزنج عن قتلهم، ولجأجمع كثير ممن أفلت إلى الآجام المحيطة بالمدينة فأمر أبو أحمد فعقد جسر على هذا النهر المعروف بالمنذر، فعبر الناس إلى غربيه، وأقام أبو أحمد بطهيثا سبعة عشر يوما، وأمر بهدم سور المدينة وطم خنادقها، ففعل ذلك، وأمر بتتبع من لجأ إلى الآجام، وجعل لكل من أتاه برجل منهم جعلا، فتسارع الناس إلى طلبهم، فكان إذا أتي بالواحد منهم عفا عنه، وخلع عليه وضمه إلى قواد غلمانه لما دبر من استمالتهم وصرفهم عن طاعة صاحبهم، وندب أبو أحمد نصيرا في الشذا والسميريات لطلب سليمان بن جامع والهرب معه من الزنج وغيرهم، وأمره بالجد في اتباعهم حتى يجاوز البطائح، وحتى يلج دجلة المعروفة بالعوراء، وتقدم في فتح الكور التي كان الفاسق أحدثها، ليقطع بها الشذا عن دجلة فيما بينه وبين النهر المعروف بأبي الخصيب، وتقدم إلى زيرك في المقام بطهيثا ليتراجع إليها الذين كان الفاسق أجلاهم عنها من أهلها، وأمره بتتبع من بقي في الآجام من الزنج حتى يظفر بهم. وفي شهر ربيع الآخر منها ماتت أم حبيب بنت الرشيد ورحل أبو أحمد بعد إحكامه ما أراد إحكامه إلى معسكره ببردودا، مزمعا على التوجه نحو الأهواز ليصلحها، وقد كان اضطرب أمر المهلبي وإيقاعه بمن أوقع عليه من الجيوش التي كانت بها وغلبته على أكثر كورها، وقد كان أبو العباس تقدمه في مسيره ذلك فلما وافى بردودا أقام أياما، وأمر بإعداد ما يحتاج إليه للمسير على الظهر إلى كور الأهواز، وقدم من يصلح الطريق والمنازل ويعد فيها المير للجيوش التي معه، ووافاه قبل أن ترحل عن واسط زيرك منصرفا عن طهيثا، بعد أن تراجع إلى النواحي التي كان بها الزنج أهلها، وخلفهم آمنين فأمره أبو أحمد بالاستعداد والانحدار في الشذا والسميريات في نخبة أصحابه وأنجادهم، ليصير بهم إلى دجلة العوراء، فتجتمع يدهويد أبي حمزة على نفض دجلة واتباع المنهزمين من الزنج والإيقاع بكل من لقوا من أصحاب الفاسق، إلى أن ينتهى بهم السير إلى مدينته بنهر أبي الخصيب، وإن رأوا موضع حرب حاربوه في مدينته، وكتبوا بما كان منهم إلى أبي أحمد ليرد عليهم من أمره ما يعملون بحبسه واستخلف أبو أحمد على من خلف في عسكره بواسط ابنه هارون، وأزمع على الشخوص فيمن خف من رجاله وأصحابه، ففعل ذلك بعد أن تقدم إلى ابنه هارون في أن يحدر الجيش الذي خلفه معه في السفن إلى مستقره بدجلة إذا وافى كتابه بذلك وفي يوم الجمعة لليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة- وهي سنة سبع وستين ومائتين ارتحل أبو أحمد من واسط شاخصا إلى الأهواز وكورها، فنزل باذبين ثم جوخي ثم الطيب ثم قرقوب ثم درستان ثم على وادي السوس، وقد كان عقد له عليه جسر، فأقام به من أول النهار إلى آخر وقت الظهر، حتى عبر أهل عسكره أجمع، ثم سار حتى وافى السوس، فنزلها- وقد كان أمر مسرورا- وهو عامله على الأهواز- بالقدوم عليه، فوافاه في جيشه وقواده من غد اليوم الذي نزل فيه السوس، فخلع عليه وعليهم، وأقام السوس ثلاثا. وكان ممن أسر بطهيثا من أصحاب الفاسق أحمد بن موسى بن سعيد المصرى المعروف بالقلوص، وكان أحد عدده وقدماء أصحابه، أسر بعد أن أثخن جراحا كانت منها منيته، فلما هلك امر ابو احمد باحتزاز رأسه ونصبه على جسر واسط. وكان ممن أسر يومئذ عبد الله بن محمد بن هشام الكرماني، وكان الخبيث اغتصبه أباه، فوجهه إلى طهيثا، وولاه القضاء والصلاة بها وأسر من السودان جماعة كان يعتمد عليهم، أهل نجدة وبأس وجلد، فلما اتصل به الخبر بما نال هؤلاء انتقض عليه تدبيره، وضلت حيله، فحمله فرط الهلع على أن كتب إلى المهلبي وهو يومئذ مقيم بالأهواز في زهاء ثلاثين ألفا مع رجل كان صحبه، يأمره بترك كل ما قبله من المير والأثاث، والإقبال إليه، فوصلالكتاب إلى المهلبي وقد أتاه الخبر بإقبال أبي أحمد إلى الأهواز وكورها، فهو لذلك طائر العقل، فترك جميع ما كان قبله، واستخلف عليه محمد بن يحيى ابن سعيد الكرنبائي، فدخل قلب الكرنبائي من الوجل، فأخلى ما استخلف عليه، وتبع المهلبي، وبجبى والأهواز ونواحيها يومئذ من أصناف الحبوب والتمر والمواشي شيء عظيم، فخرجوا عن ذلك كله. وكتب أيضا الفاسق إلى بهبوذ بن عبد الوهاب، وإليه يومئذ عمل الفندم والباسيان وما اتصل بهما من القرى التي بين الأهواز وفارس، وهو مقيم بالفندم، يأمره بالقدوم عليه، فترك بهبوذ ما كان قبله من الطعام والتمر- وكان ذلك شيئا عظيما- فحوى جميع ذلك أبو أحمد، فكان ذلك قوة له على الفاسق، وضعفا للفاسق. ولما فصل المهلبي عن الأهواز تفرق أصحابه في القرى التي بينها وبين عسكر الخبيث فانتهبوها، وأجلوا عنها أهلها، وكانوا في سلمهم، وتخلف خلق كثير ممن كان مع المهلبي من الفرسان والرجالة عن اللحاق به، فأقاموا بنواحي الأهواز وكتبوا يسألون أبا احمد الامان لما انتهى اليهم من عفوه عمن ظفر به من أصحاب الخبيث بطهيثا، ولحق المهلبي ومن اتبعه من أصحابه بنهر أبي الخصيب. وكان الذي دعا الفاسق إلى أمر المهلبي وبهبوذ بسرعة المصير إليه خوفه موافاة أبي أحمد وأصحابه إياه على الحال التي كانوا عليها من الوجل وشدة الرعب مع انقطاع المهلبي وبهبوذ فيمن كان معهما عنه، ولم يكن الأمر كما قدر. وأقام أبو أحمد حتى أحرز ما كان المهلبي وبهبوذ خلفاه، وفتحت السكور التي كان الخبيث أحدثها في دجلة، وأصلحت له طرقه ومسالكه ورحل أبو أحمد عن السوس الى جنديسابور، فأقام بها ثلاثا، وقد كانت الأعلاف ضاقت على أهل العسكر، فوجه في طلبها، وحملها ورحل عنجنديسابور إلى تستر، وأمر بجباية الأموال من كور الأهواز، وأنفذ إلى كل كورة قائدا ليروج بذلك حمل الأموال ووجه أحمد بن أبي الأصبغ الى محمد ابن عبيد الله الكردي، وقد كان خائفا أن يأتيه صاحب الفاسق قبل موافاة أبي أحمد كور الأهواز، وأمره بإيناسه وإعلامه ما عليه رأيه من العفو عنه، والتغمد لزلته، وأن يتقدم إليه في تعجيل حمل الأموال والمسير إلى سوق الأهواز، وأمر مسرورا البلخي عامله بالأهواز بإحضار من معه من الموالي والغلمان والجند ليعرضهم، ويأمر بإعطائهم الأرزاق، وينهضهم معه لحرب الخبيث. فأحضرهم، وعرضوا رجلا رجلا، وأعطوا ثم رحل إلى عسكر مكرم، فجعله منزلا اجتازه ورحل منه فوافى الأهواز، وهو يرى أنه قد تقدمه إليها من الميرة ما يحمل عساكره فغلظ الأمر في ذلك اليوم، واضطرب له الناس اضطرابا شديدا، وأقام ثلاثة أيام ينتظر ورود المير، فلم ترد، فساءت أحوال الناس، وكاد ذلك يفرق جماعتهم، فبحث أبو أحمد عن السبب المؤخر ورودها، فوجد الجند قد كانوا قطعوا قنطرة قديمة أعجمية كانت بين سوق الأهواز ورام هرمز يقال لها قنطرة أربك، فامتنع التجار ومن يحمل الميرة من تطرقه لقطع تلك القنطرة فركب أبو أحمد إليها وهي على فرسخين من سوق الأهواز، فجمع من كان بقي في العسكر من السودان، وأمرهم بنقل الحجارة والصخر لإصلاح هذه القنطرة وبذل لهم الأموال الرغيبة، فلم يرم حتى أصلحت في يومه ذلك، وردت إلى ما كانت عليه فسلكها الناس، ووافت القوافل بالمير، فحيي أهل العسكر، وحسنت أحوالهم. وأمر أبو أحمد بجمع السفن لعقد الجسر على دجيل، فجمعت من كور الأهواز وأخذ في عقد الجسر، وأقام بالأهواز أياما حتى أصلح أصحابه أمورهم، وما احتاجوا من آلاتهم، وحسنت أحوال دوابهم، وذهب عنها ما كان نالها من الضر بتخلف الأعلاف، ووافت كتب القوم الذين كانوا تخلفوا عن المهلبي، وأقاموا بسوق الأهواز يسألونه الأمان، فآمنهم، فأتاه نحومن ألف رجل، فأحسن إليهم، وضمهم إلى قواد غلمانه، وأجرى لهم الأرزاق، وعقد الجسر على دجيل، فرحل بعد أن قدم جيوشه، فعبر الجسر، وعسكر بالجانب الغربي من دجيل في الموضع المعروف بقصر المأمون، فأقام هنالك ثلاثا، وأصابت الناس في هذا الموضع من الليل زلزلة هائلة، وقى الله شرها، وصرف مكروهها وقد كان أبو أحمد قبل عبور الجسر المعقود على دجيل قدم أبا العباس ابنه إلى الموضع الذي كان عزم على نزوله من دجلة العوراء، وهو الموضع المعروف بنهر المبارك من فرات البصره، وكتب الى ابنه هارون بالانحدار في جميع الجيش المتخلف معه إلى نهر المبارك أيضا لتجتمع العساكر هناك، فرحل ابو اجمد عن قصر المأمون، فنزل بقورج العباس، ووافاه أحمد بن أبي الأصبغ هنالك بما صالح عليه محمد بن عبيد الله وبهدايا أهداها إليه من دواب وضوار وغير ذلك ثم رحل عن القورج، فنزل بالجعفرية، ولم يكن بهذه القرية ماء إلا من آبار كان أبو أحمد تقدم بحفرها في عسكره، وأنفذ لذلك سعدا الأسود مولى عبيد الله بن محمد بن عمار من قورج العباس، فحفرت، فأقام بهذا الموضع يوما وليلة، وألفى هناك ميرا مجموعة، واتسع الناس بها، وتزودوا منها. ثم رحل إلى الموضع المعروف بالبشير، وألفى فيه غديرا من المطر، فأقام به يوما وليلة، ورحل في آخر الليل يريد نهر المبارك، فوافاه بعد صلاة الظهر، وكان منزلا بعيد المسافة، وتلقاه ابناه أبو العباس وهارون في طريقه، فسلما عليه، وسارا بسيره حتى ورد نهر المبارك، وذلك يوم السبت للنصف من رجب سنة سبع وستين ومائتين. وكان لزيرك ونصير في الذي كان أبو أحمد وجه فيه زيرك من تتبع فل الخبيث من طهيثا أثر فيما بين فصول أبي أحمد من واسط إلى حال مصيره إلى نهر المبارك، وذلك ما ذكره محمد بن الحسن عن محمد بن حماد، قال:لما اجتمع زيرك ونصير بدجلة العوراء انحدرا حتى وافيا الأبلة، فاستأمن إليهما رجل من أصحاب الخبيث، فأعلمهما أن الخبيث قد أنفذ عددا كثيرا من السميريات والزواريق والصلاغ مشحونة بالزنج، يرأسهم رجل من أصحابه، يقال له محمد بن إبراهيم، يكنى أبا عيسى، ومحمد بن إبراهيم هذا رجل من أهل البصرة، كان جاء به رجل من الزنج عند خراب البصرة يقال له يسار، كان على شرطة الفاسق، فكان يكتب ليسار على ما كان يلي حتى مات، وارتفعت حال أحمد بن مهدي الجبائي عند الخبيث، فولاه أكثر أعماله، وضم محمد بن إبراهيم هذا إليه، فكان كاتبه إلى أن هلك الجبائي- فطمع محمد بن إبراهيم هذا في مرتبته، وأن يحله الخبيث محل الجبائي، فنبذ الدواة والقلم، ولبس آلة الحرب، وتجرد للقتال، فأنهضه الخبيث في هذا الجيش، وأمره بالاعتراض في دجلة لمدافعة من يردها من الجيوش، فكان في دجلة أحيانا، وأحيانا يأتي بالجمع الذي معه إلى النهر المعروف بنهر يزيد، ومعه في ذلك الجيش شبل بن سالم وعمرو المعروف بغلام بوذى وأجلاد من السودان وغيرهم، فاستأمن رجل كان في ذلك الجيش إلى زيرك ونصير، وأخبرهما خبره، وأعلمهما أن محمد بن إبراهيم على القصد لسواد عسكر نصير، ونصير يومئذ معسكر بنهر المرأة، وأنهم على أن يسلكوا الأنهار المعترضة على نهر معقل وبثق شيرين، حتى يوافوا الموضع المعروف بالشرطة، ليخرجوا من وراء العسكر فيكبوا على طرفيه، فرجع نصير عند وصول هذا الخبر إليه من الأبلة مبادرا إلى معسكره، وسار زيرك قاصدا لبثق شيرين، حتى صار من مؤخرة في موضع يعرف بالميشان، وذلك أنه قدر أن محمد بن إبراهيم ومن معه يأتون عسكر نصير من ذلك الطريق، فكان ذلك كما ظن، ولقيهم في طريقهم فوهب الله له العلو عليهم بعد صبر منهم له ومجاهدة شديدة، فانهزموا ولجئوا إلى النهر الذي كانوا وضعوا الكمين فيه، وهو نهر يزيد، فدل زيرك عليهم، فتوغلت عليهم سميرياته وشذواته، فقتل منهم طائفة، وأسر طائفة، وكان ممن ظفر به منهم محمد بن إبراهيم المكنى أبا عيسى وعمرو المعروف بغلام بوذى، وأخذما كان معهم من السميريات، وذلك نحو من ثلاثين سميرية، وأفلت شبل في الذين نجوا، فلحق بعسكر الخبيث، وخرج زيرك من بثق شيرين ظافرا ومعه الأسارى ورءوس من قتل مع ما حوى من السميريات والزواريق وسائر السفن، فانصرف زيرك من دجلة العوراء إلى واسط، وكتب إلى أبي أحمد بما كان من حربه والنصر والفتح. وكان فيما كان من زيرك في ذلك وصول الجزع إلى كل من كان بدجلة وكورها من اتباع الفاسق، فاستأمن إلى أبي حمزة وهو مقيم بنهر المرأة منهم زهاء ألفي رجل- فيما قيل- فكتب بخبرهم إلى أبي أحمد، فأمره بقبولهم وإقرارهم على الأمان وإجراء الأرزاق عليهم، وخلطهم بأصحابه ومناهضته العدو بهم. وكان زيرك مقيما بواسط إلى حين ورود كتاب أبي أحمد على ابنه هارون بالمصير بالجيش المتخلف معه إلى نهر المبارك، فانحدر زيرك مع هارون، وكتب أبو أحمد إلى نصير وهو بنهر المرأة يأمره بالإقبال إليه إلى نهر المبارك، فوافاه هنالك، وكان أبو العباس عند مصيره إلى نهر المبارك انحدر إلى عسكر الفاسق في الشذا والسميريات، فأوقع به في مدينته بنهر أبي الخصيب. وكانت الحرب بينه وبينهم من أول النهار إلى آخر وقت الظهر، واستأمن إليه قائد من قواد الخبيث المضمومين كانوا إلى سليمان بن جامع، يقال له منتاب، ومعه جماعة من أصحابه، فكان ذلك مما كسر الخبيث وأصحابه، وانصرف أبو العباس بالظفر، وخلع على منتاب ووصله وحمله، ولما لقي أبو العباس أباه أعلمه خبر منتاب، وذكر له خروجه إليه بالأمان، فأمر أبو أحمد لمنتاب بخلعة وصلة وحملان، وكان منتاب أول من استأمن من قواد الزنج ولما نزل أبو أحمد نهر المبارك يوم السبت للنصف من رجب سنة سبع وستين ومائتين، كان أول ما عمل به في أمر الخبيث- فيما ذكر محمد بن الحسن بن سهل، عن محمد بن حماد بن إسحاق بن حماد بن زيد- أنكتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى مما ركب من سفك الدماء وانتهاك المحارم وإخراب البلدان والأمصار، واستحلال الفروج والأموال، وانتحال ما لم يجعله الله له أهلا من النبوة والرسالة، ويعلمه أن التوبة له مبسوطة، والأمان له موجود، فإن هو نزع عما هو عليه من الأمور التي يسخطها الله، ودخل في جماعة المسلمين، محا ذلك ما سلف من عظيم جرائمه، وكان له به الحظ الجزيل في دنياه وأنفذ ذلك مع رسوله إلى الخبيث، والتمس الرسول إيصاله، فامتنع أصحاب الخبيث من إيصال الكتاب، فالقاه الرسول اليهم، فاخذوه وأتوا به الى الخبيث، فقراه فلم يزده ما كان فيه من الوعظ إلا نفورا وإصرارا، ولم يجب عن الكتاب بشيء، وأقام على اغتراره، ورجع الرسول إلى أبي أحمد فأخبره بما فعل، وترك الخبيث الإجابة عن الكتاب وأقام أبو أحمد يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء متشاغلا بعرض الشذا والسميريات وترتيب قواده ومواليه وغلمانه فيها، وتخير الرماة وترتيبهم في الشذا والسميريات، فلما كان يوم الخميس سار أبو أحمد في أصحابه، ومعه ابنه أبو العباس إلى مدينة الخبيث التي سماها المختارة من نهر أبي الخصيب، فأشرف عليها وتأملها، فرأى من منعتها وحصانتها بالسور والخنادق المحيطة بها وما عور من الطرق المؤدية إليها واعد من المجانيق والعرادات والقسي الناوكية وسائر الآلات على سورها ما لم ير مثله ممن تقدم من منازعي السلطان، ورأى من كثرة عدد مقاتلتهم واجتماعهم ما استغلظ أمره فلما عاين أصحابه أبا أحمد، ارتفعت أصواتهم بما ارتجت له الأرض، فأمر أبو أحمد عند ذلك ابنه أبا العباس بالتقدم إلى سور المدينة ورشق من عليه بالسهام، ففعل ذلك ودنا حتى ألصق شذواته بمسناة قصر الخائن، وانحازت الفسقة إلى الموضع الذي دنت منه الشذا، وتحاشدوا، وتتابعت سهامهم وحجارة مجانيقهم وعراداتهم ومقاليعهم، ورمى عوامهم بالحجارة عن أيديهم، حتى ما يقع طرف ناظر من الشذا على موضع إلا رأى فيه سهما أو حجرا، وثبت أبو العباس، فرأى الخائن وأشياعه من جدهم واجتهادهم وصبرهم ما لا عهد لهم بمثله من أحد حاربهمفأمر أبو أحمد أبا العباس ومن معه بالرجوع إلى مواقفهم ليروحوا عن أنفسهم ويداووا جراحهم، ففعلوا ذلك. واستأمن إلى أبي أحمد في تلك الحال مقاتلان من مقاتلة السميريات، فأتوه بسميريتهما وما فيها من الآلات والملاحين، فأمر للمقاتلين بخلع ديباج ومناطق محلاة، ووصلهما، وأمر للملاحين بخلع من خلع الحرير الأحمر والثياب البيض بما حسن موقعه منهم وعمهم جميعا بصلاته، وأمر بإدنائهم من الموضع الذي يراهم فيه نظراؤهم، فكان ذلك من أبخع المكايد التي كيد بها الفاسق فلما رأى الباقون ما صار إليه أصحابهم من العفو عنهم والإحسان إليهم، رغبوا في الأمان وتنافسوا فيه، فابتدروه مسرعين نحوه، راغبين فيما شرع لهم منه فصار إلى أبي أحمد في ذلك اليوم عدد من أصحاب السميريات، فأمر فيهم بمثل ما أمر به في أصحابهم فلما رأى الخبيث ركون أصحاب السميريات إلى الأمان واغتنامهم له أمر برد من كان منهم في دجلة إلى نهر أبي الخصيب، ووكل بفوهة النهر من يمنعهم من الخروج، وأمر بإظهار شذواته، وندب لهم بهبوذ بن عبد الوهاب وهو من أشد حماته بأسا، وأكثرهم عددا وعدة، فانتدب بهبوذ لذلك في أصحابه، وكان ذلك في وقت إقبال المد وقوته، وقد تفرقت شذوات أبي أحمد، ولحق أبو حمزة فيما معه منها بشرقي دجلة، فأقام هنالك وهو يرى أن الحرب قد انقضت، واستغني عنه. فلما ظهر بهبوذ فيما معه من الشذوات أمر أبو أحمد بتقديم شذواته، وأمر أبا العباس بالحمل على بهبوذ بما معه من الشذا، وتقدم إلى قواده وغلمانه بالحمل معه، وكان الذي صلي بالحرب من الشذوات التي مع أبي العباس وزيرك من الشذوات التي رتب فيها قواد الغلمان اثنتي عشرة شذاة فنشبت الحرب، وطمع أصحاب الفاسق في أبي العباس وأصحابه لقلة عدد شذواتهم. فلما صدموا انهزموا ووجه أبو العباس ومن معه في طلب بهبوذ، فألجئوه إلى فناء قصر الخبيث، وأصابته طعنتان، وجرح بالسهام جراحات، واوهنتأعضاؤه بالحجارة، وخلى ما كان عليه مع أصحابه، فأولجوه نهر أبي الخصيب وقد أشفى على الموت، وقتل يومئذ ممن كان مع بهبوذ قائد من قواده ذو بأس ونجدة وتقدم في الحرب، يقول له عميرة، وظفر أصحاب أبي العباس بشذاة من شذوات بهبوذ، فقتل أهلها، وغرقوا، وأخذت الشذاة، وصار أبو العباس ومن معه بشذواتهم بعد أن أتاهم أمر أبي أحمد بذلك، وبإلحاق الشذا بشرقي دجلة وصرف الجيش فلما رأى الفاسق جيش أبي أحمد منصرفا أمر من كان انهزم في شذواته إلى نهر أبي الخصيب بالظهور ليسكن بذلك روعة أصحابه، وليكون صرفه إياهم إذا صرفهم عن غير هزيمة فأمر أبو أحمد جماعة من غلمانه بأن يثبتوا صدور شذواتهم إليهم، ويقصدوهم فلما رأوا ذلك ولوا منهزمين مذعورين، وتأخرت عنهم شذاة من شذواتهم، فاستأمن أهلها إلى أبي أحمد، ونكسوا علما أبيض كان معهم، فصاروا إليه في شذاتهم، فأومنوا وحبوا ووصلوا وكسوا فأمر الفاسق عند ذلك برد شذواتهم إلى النهر ومنعها من الخروج، وكان ذلك في آخر النهار، وأمر أبو أحمد أصحابه بالرجوع إلى معسكرهم بنهر المبارك. واستأمن إلى أبي أحمد في هذا اليوم عند منصرفه خلق كثير من الزنج وغيرهم، فقبلهم، وحملهم في الشذا والسميريات، وأمر أن يخلع عليهم ويوصلوا ويحبوا، وتكتب أسماؤهم في المضمومين إلى أبي العباس. وسار أبو أحمد، فوافى عسكره بعد العشاء الأخيرة، فأقام به يوم الجمعة والسبت والأحد، ثم عزم على نقل عسكره إلى حيث يقرب منه عليه القصد لحرب الخبيث، فركب الشذا في يوم الاثنين لست ليال بقين من رجب سنة سبع وستين ومائتين، ومعه أبو العباس والقواد من مواليه وغلمانه، فيهم زيرك ولصير حتى وافى النهر المعروف بنهر جطى في شرقي دجلة، وهو حيال النهر المعروف باليهودي، فوقف عليه، وقدر فيه ما أراد وانصرف، وخلف به أبا العباس وزيرك ونصيرا، وعاد إلى معسكره فأمر فنودي في الناسبالرحيل إلى الموضع الذي اختار من نهر جطى، وتقدم في قود الدواب بعد أن أصلحت لها الطرق، وعقدت القناطر على الأنهار، وغدا في يوم الثلاثاء لخمس بقين من رجب في جميع عساكره حتى نزل نهر جطى، فأقام به إلى يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من شعبان سنة سبع وستين ومائتين، ولم يحارب في شيء من هذه الأيام، وركب في هذا اليوم في الخيل والرجالة، ومعه جميع الفرسان، وجعل الرجالة والمطوعة في السفن والسميريات، على كل رجل منهم لأمته وزيه، وسار حتى وافى الفرات، ووازى عسكر الفاسق وأبو أحمد من أصحابه وأتباعه في زهاء خمسين ألف رجل أو يزيدون، والفاسق يومئذ في زهاء ثلاثمائة ألف إنسان، كلهم يقاتل أو يدافع، فمن ضارب بسيف، وطاعن برمح، ورام بقوس، وقاذف بمقلاع، ورام بعراده او منجنيق، واضعفهم امر الرماة بالحجارة عن أيديهم وهم النظارة المكثرون السواد، والمعتنون بالنعير والصياح، والنساء يشركنهم في ذلك. فأقام أبو أحمد في هذا اليوم بإزاء عسكر الفاسق إلى أن أضحى، وأمر فنودي أن الأمان مبسوط للناس، أسودهم وأحمرهم إلا الخبيث، وأمر بسهام فعلقت فيها رقاع مكتوب فيها من الأمان مثل الذي نودي به، ووعد الناس فيها الإحسان، ورمى بها إلى عسكر الخبيث، فمالت إليه قلوب أصحاب المارق بالرهبة والطمع فيما وعدهم من إحسانه وعفوه، فأتاه في ذلك اليوم جمع كثير يحملهم الشذا إليه، فوصلهم وحباهم ثم انصرف إلى معسكره بنهر جطى، ولم يكن في هذا اليوم حرب. وقدم عليه قائدان من مواليه، أحدهما بكتمر والآخر جعفر بن بغلاغز، في جمع من أصحابهما فكان ورودهما زائدا في قوة من مع أبي أحمد. ورحل أبو أحمد عن نهر جطى إلى معسكر قد كان تقدم في إصلاحه، وعقد القناطر على أنهاره، وقطع النهر ليوسعه بفرات البصرة بإزاء مدينة الفاسق، فكان نزوله هذا المعسكر في يوم الأحد للنصف من شعبان سنة سبع وستينومائتين، وأوطن هذا المعسكر، وأقام به، ورتب قواده ورؤساء أصحابه مراتبهم فيه، فجعل نصيرا صاحب الشذا والسميريات في جيشه في أول العسكر وآخره بالموضع الموازي النهر المعروف بجوى كور، وجعل زيرك التركي صاحب مقدمة أبي العباس في أصحابه موازيا ما بين نهر أبي الخصيب وهو النهر الموسوم بنهر الأتراك والنهر المعروف بالمغيرة، ثم تلاه علي بن جهشيار حاجبه في جيشه وكانت مضارب أبي أحمد وابنيه حيال الموضع المعروف بدير جابيل، وأنزل راشدا مولاه في مواليه وغلمانه الأتراك والخزر والروم والديالمة والطبرية والمغاربة والزنج على النهر المعروف بهطمة، وجعل صاعد بن مخلد وزيره في جيشه من الموالي والغلمان فويق عسكر راشد، وأنزل مسرورا البلخي في جيشه على النهر المعروف بسندادان، وأنزل الفضل ومحمدا، ابني موسى ابن بغا في جيشهما على النهر المعروف بهالة، وتلاهما موسى دالجويه في جيشه وأصحابه، وجعل بغراج التركي على ساقته نازلا على نهر جطى، وأوطنوه، وأقاموا به ورأى أبو أحمد من حال الخبيث وحصانة موضعه وكثرة جمعه ما علم أنه لا بد له من الصبر عليه ومحاصرته وتفريق أصحابه عنه، ببذل الأمان لهم، والإحسان إلى من أناب منهم، والغلظة على من أقام على غيه منهم، واحتاج إلى الاستكثار من الشذا وما يحارب به في الماء. فأمر بإنفاذ الرسل في حمل المير في البر والبحر وإدرارها إلى معسكره بالمدينة التي سماها الموفقية، وكتب إلى عماله في النواحي في حمل الأموال إلى بيت ماله في هذه المدينة وأنفذ رسولا إلى سيراف وجنابا في بناء الشذا والاستكثار منها لما احتاج اليه من ترتيبها في المواضع التي يقطع بها المير عن الخائن وأشياعه. وأمر بالكتاب إلى عماله في النواحي بإنفاذ كل من يصلح للإثبات في الديوان، ويرغب في ذلك، وأقام ينتظر شهرا أو نحوه، فوردت المير متتابعة يتلو بعضها بعضا، وجهز التجار صنوف التجارات والأمتعة وحملوها إلى المدينة الموفقية، واتخذت بها الأسواق، وكثر بها التجار والمتجهزون من كل بلد، ووردتهامراكب البحر، وقد كانت انقطعت لقطع الفاسق وأصحابه سبلها قبل ذلك بأكثر من عشر سنين، وبنى أبو أحمد مسجد الجامع، وأمر الناس بالصلاة فيه، واتخذ دور الضرب، فضرب فيها الدنانير والدراهم، فجمعت مدينة أبي أحمد جميع المرافق، وسيق إليها صنوف المنافع حتى كان ساكنوها لا يفقدون بها شيئا مما يوجد في الأمصار العظيمة القديمة، وحملت الأموال، وأدر للناس العطاء في أوقاته، فاتسعوا وحسنت أحوالهم، ورغب الناس جميعا في المصير إلى المدينة الموفقية والمقام فيها. وكان الخبيث بعد ليلتين من نزول أبي أحمد مدينته الموفقية أمر بهبوذ بن عبد الوهاب، فعبر والناس غارون في سميريات إلى طرف عسكر أبي حمزة، فأوقع به، وقتل جماعة من أصحابه، وأسر جماعة، وأحرق كوخات كانت لهم قبل أن يبني الناس هنالك فأمر أبو أحمد نصيرا عند ذلك بجمع أصحابه، وألا يطلق لأحد مفارقة عسكره، وأن يحرس أقطار عسكره بالشذا والسميريات والزواريق فيها الرجالة إلى آخر ميان روذان والقندل وأبرسان، للإيقاع بمن هنالك من أصحاب الفاسق. وكان بميان روذان من قواده أيضا إبراهيم بن جعفر الهمداني في أربعة آلاف من الزنج، ومحمد بن أبان المعروف بأبي الحسن أخو علي بن أبان بالقندل في ثلاثة آلاف، والمعروف بالدور في ابرسان في الف وخمسمائة من الزنج والجبائيين، فبدأ أبو العباس بالهمداني فأوقع به، وجرت بينهما حروب، قتل فيها خلق كثير من أصحاب الهمداني، وأسر منهم جماعة، وأفلت الهمداني في سميرية قد كان أعدها لنفسه، فلحق فيها بأخي المهلبي المكنى بأبي الحسن، واحتوى أصحاب أبي العباس على ما كان في أيدي الزنج وحملوه إلى عسكرهم. وقد كان أبو أحمد تقدم إلى ابنه أبي العباس في بذل الأمان لمن رغب فيه، وأن يضمن لمن صار إليه الإحسان، فصار إليه طائفة منهم في الأمان فآمنهم، فصار بهم إلى أبيه، فأمر لكل واحد منهم من الخلع والصلات على أقدارهم في أنفسهم، وأن يوقفوا بإزاء نهر أبي الخصيب ليعاينهم أصحابهم وأقامأبو أحمد يكايد الخائن ببذل الأمان لمن صار إليه من الزنج وغيرهم، ومحاصرة الباقين والتضييق عليهم، وقطع المير والمنافع عنهم، وكانت ميرة الأهواز وما يرد من صنوف التجارات منها ومن كورها ونواحي أعمالها يسلك به النهر المعروف ببيان، فسرى بهبوذ في جلد رجاله ليلة من الليالي، وقد نمي إليه خبر قيروان ورد بصنوف من التجارات والمير وكمن في النخل، فلما ورد القيروان خرج إلى أهله، وهم غارون، فقتل منهم وأسر، وأخذ ما أحب أن يأخذ من الأموال. وقد كان أبو أحمد أنفذ لبذرقة ذلك القيروان رجلا من أصحابه في جمع، فلم يكن للموجه لذلك ببهبوذ طاقة، لكثرة عدد من معه وضيق الموقع على الفرسان، وأنه لم يكن بهم فيه غناء فلما انتهى ذلك إلى أبي أحمد، غلظ عليه ما نال الناس في أموالهم وأنفسهم وتجارتهم، وأمر بتعويضهم، وأخلف عليهم مثل الذي ذهب لهم، ورتب الشذا على فوهة بيان وغيره من الأنهار التي لا يتهيأ للفرسان سلوكها في بنائها والإقبال بها إليه، فورد عليه منها عدد صالح، فرتب فيها الرجال، وقلد أمرها أبا العباس ابنه، وأمره أن يوكل بكل موضع يرد إلى الفسقة منه ميرة، فانحدر أبو العباس لذلك إلى فوهه البحر في الشذوات، ورتب في جميع تلك المسالك القواد، وأحكم الأمر فيه غاية الإحكام. وفي شهر رمضان منها كانت وقعة بين اسحق بن كنداج وإسحاق بن أيوب وعيسى بن الشيخ وأبي المغراء وحمدان الشاري ومن تأشب إليهم من قبائل ربيعة وتغلب وبكر واليمن، فهزمهم ابن كنداج إلى نصيبين، وتبعهم إلى قريب من آمد، واحتوى على أموالهم، ونزلوا آمد، فكانت بينه وبينهم وقعات.
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 5579, entry [1521]343 chars
    زهاء خمسين ألف رجل أو يزيدون، والفاسق يومئذ في زهاء ثلاثمائة ألف إنسان، كلهم يقاتل أو يدافع، فمن ضارب بسيف، وطاعن برمح، ورام بقوس، وقاذف بمقلاع، ورام بعراده او منجنيق، واضعفهم امر الرماة بالحجارة عن أيديهم وهم النظارة المكثرون السواد، والمعتنون بالنعير والصياح، والنساء يشركنهم في ذلك. فأقام أبو أحمد في هذا اليوم بإزاء عسكر الفاسق إلى أن أضحى
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 5579, entry [1521]345 chars
    مقاتلين بخلع ديباج ومناطق محلاة، ووصلهما، وأمر للملاحين بخلع من خلع الحرير الأحمر والثياب البيض بما حسن موقعه منهم وعمهم جميعا بصلاته، وأمر بإدنائهم من الموضع الذي يراهم فيه نظراؤهم، فكان ذلك من أبخع المكايد التي كيد بها الفاسق فلما رأى الباقون ما صار إليه أصحابهم من العفو عنهم والإحسان إليهم، رغبوا في الأمان وتنافسوا فيه، فابتدروه مسرعين نحوه
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 5579, entry [1521]342 chars
    منه الشذا، وتحاشدوا، وتتابعت سهامهم وحجارة مجانيقهم وعراداتهم ومقاليعهم، ورمى عوامهم بالحجارة عن أيديهم، حتى ما يقع طرف ناظر من الشذا على موضع إلا رأى فيه سهما أو حجرا، وثبت أبو العباس، فرأى الخائن وأشياعه من جدهم واجتهادهم وصبرهم ما لا عهد لهم بمثله من أحد حاربهمفأمر أبو أحمد أبا العباس ومن معه بالرجوع إلى مواقفهم ليروحوا عن أنفسهم ويداووا
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 5579, entry [1521]343 chars
    أبي أحمد منصرفا أمر من كان انهزم في شذواته إلى نهر أبي الخصيب بالظهور ليسكن بذلك روعة أصحابه، وليكون صرفه إياهم إذا صرفهم عن غير هزيمة فأمر أبو أحمد جماعة من غلمانه بأن يثبتوا صدور شذواتهم إليهم، ويقصدوهم فلما رأوا ذلك ولوا منهزمين مذعورين، وتأخرت عنهم شذاة من شذواتهم، فاستأمن أهلها إلى أبي أحمد، ونكسوا علما أبيض كان معهم، فصاروا إليه في شذا

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري

full-text

— · 4 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 5946, entry [2140]26,950 chars
    ذكر الخبر عن سبب دخول أبي أحمد وأصحابه طَهِيثا ومقتل الجبائيّ ذكر محمد بن الحسن: أن محمد بن حماد حدّثه أن أبا أحمد لما أعطى أصحابه ببردودا، فأصلح ما أراد إصلاحه من عُدّةِ حرب مَنْ قصد لحربه في مخرجه؛ سار متوجّهًا إلى طهِيثا؛ وذلك يوم الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومئتين، وكان مسيره…
    ▸ expand full passage (26,950 chars)
    ذكر الخبر عن سبب دخول أبي أحمد وأصحابه طَهِيثا ومقتل الجبائيّ ذكر محمد بن الحسن: أن محمد بن حماد حدّثه أن أبا أحمد لما أعطى أصحابه ببردودا، فأصلح ما أراد إصلاحه من عُدّةِ حرب مَنْ قصد لحربه في مخرجه؛ سار متوجّهًا إلى طهِيثا؛ وذلك يوم الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومئتين، وكان مسيره على الظهر في خَيْله.وحدِّرت السفن بما فيها من الرّجّالة والسلاح والآلات، وحُدِّرت المعابر والشَّذوات والسُّميريّات، إلى أن وافى بها النهر المعروف بمَهْرُوذ بحضرة القرية المعروفة بقرية الجوزيّة، فنزل أبو أحمد هناك، وأمر بعقد الجسر على النهر المعروف بمَهروذ، وأقام يومه وليلته، ثم غدا فعبَّر الفرسان والأثقال بين يديه على الجسر، ثم عبر بعد ذلك، وأمر القوّاد والناس بالمسير إلى طَهِيثا، فصاروا إلى الموضع الذي ارتضاه أبو أحمد لنفسه منزلًا على ميلين من مدينة سليمان بن جامع، فأقام هنالك بإزاء أصحاب الخائن يوم الإثنين والثلاثاء لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، وأمطرت السماء مَطَرًا جَوْدا، وأشتدّ البرد أيام مقامه هنالك، فشغل بالمطر والبرد عن الحرب، فلم يحارب هذه الأيام وبقية الجمعة، فلما كان عشية يوم الجمعة ركب أبو أحمد في نفر من قوّاده ومواليه لارتياد موضع لمجال الخيل، فانتهى إلى قريب من سور سليمان بن جامع، فتلقّاه منهم جمع كثير، وخرج عليه كُمناء من مواضع شتى، ونشبت الحرب واشتدّت؛ فترجّل جماعة من الفرسان، ودافعوا حتى خرجوا عن المضايق التي كانوا وغلوها، وأسِر من غلمان أبي أحمد وقوّاده غلام يقال له وصيف عَلْمدار وعدّة من قوّاد زِيرَك، ورمى أبو العباس أحمدَ بن مهديّ الجبائيّ بسهم في إحدى منخريه، فخرق كلّ شيء وصل إليه حتى خالط دماغه، فخرّ صريعًا، وحُمِل إلى عسكر الخائن وهو لمآبه، فعظُمت المصيبة به عليه؛ إذا كان أعظمَ أصحابه غِنىً عنه، وأشدّهم بصيرةً في طاعته، فمكث الجبائيّ يعالَج أيامًا، ثم هلك، فاشتدّ جزع الخائن عليه، فصار إليه، فولِيَ غسله وتكفينه والصلاة عليه والوقوف على قبره إلى أن دفن، ثم أقبل على أصحابه فوعظَهم، وذكر موت الجبائيّ، وكانت وفاته في ليلة ذات رعود وبروق، وقال فيما ذكر: علمتُ وقت قَبْض روحه قبل وصول الخبر إليه بما سمع من زَجل الملائكة بالدّعاء له والترحُّم عليه. قال محمد بن الحسن: فانصرف إليّ أبو واثِلة - وكان فيمن شهده - فجعل يُعجّبني مما سمع، وجاءني محمد بن سمعان فأخبرني بمثل خبر محمد بن هشام، وانصرف الخائن من دفن الجبائيّ منكسرًا، عليه الكآبة. قال محمد بن الحسن: وحدثني محمد بن حماد أنّ أبا أحمد انصرف من الوقعة التي كانت عشيّة يوم الجمعة لأربع ليال بقين من شهر ربيع الآخر، وكانخبره قد انتهى إلى عسكره، فنهض إليه عامة الجيش، فتلقوْه منصرفًا، فردّهم إلى عسكره؛ وذلك في وقت المغرب؛ فلمّا اجتمع أهلُ العسكر أمِروا بالتحارس ليلتَهم والتأهّب للحرب، فأصبحوا يوم السبت لثلاث بقِين من شهر ربيع الآخر؛ فعبّأ أبو أحمد أصحابه، وجعلهم كتائب يتلُو بعضُها بعضًا؛ فرسانًا ورجّالة، وأمر بالشَّذَا والسميريَّات أن يُسار بها معه في النهر الذي يشقّ مدينة طَهِيثا المعروف بنهر المُنذر، وسار نحو الزَّنْج حتى انتهى إلى سور المدينة، فرتَّب قُوّاد غلمانه في المواضع التي يخاف خروج الزَّنج عليه منها، وقدّم الرجّالة أمام الفرسان، ووكّل بالمواضع التي يخاف خروج الكُمنَاء منها، ونزل فصلى أربع ركعات، وابتهل إلى الله ﷿ في النصر له وللمسلمين، ثم دعا بسلاحه فلبسه، وأمر ابنه أبا العباس بالتقدّم إلى السور وتحضيض الغلمان على الحرب، ففعل ذلك؛ وقد كان سليمان بن جامع أعدّ أمام سور مدينته التي سمّاها المنصورة خندقًا، فلمّا انتهى إليه الغلمان تهيبوا عبورَه، وأحجموا عنه، فحرّضهم قوّادُهم وترجّلوا معهم، فاقتحموه متجاسرين عليه، فعبروه، وانتهوا إلى الزَّنْج وهم مشرفون من سور مدينتهم، فوضعوا السلاح فيهم، وعبرت شِرْذمة من الفرسان الخندق خوضًا. فلمّا رأى الزَّنج خبر هؤلاء القوم الذين لقوهم وكرّهم عليهم؛ ولّوْا منهزمين، وأتبعهم أصحاب أبي أحمد، ودخلوا المدينة من جَوانبها، وكان الزَّنج قد حصنوها بخمسة خنادق، وجعلوا أمام كلّ خندق منها سورًا يمتنعون به، فجعلوا يقفون عند كلّ سور وخندق إذا انتهوا إليه، وجعل أصحاب أبي أحمد يكشفونَهم في كلّ موقف وقفوه، ودخلت الشَّذَا، والسميريّات مدينتهم من النهر المشقق لها بعد انهزامهم، فجعلت تُغرق كلّ ما مرّت لهم به من شَذاة وسُميريّة، واتبعوا مَنْ بحافتي النهر، يُقتلون ويُؤسرون، حتى أجلُوا عن المدينة وعمّا اتصل بها، وكان زهاءُ ذلك فرسخًا، فحوى أبو أحمد ذلك كله، وأفلت سليمان بن جامع في نفر من أصحابه، فاستحرّ القتل فيهم والأسر، واستنقَذ أبو أحمد من نساء أهل واسط وصبيانهم ومما اتصل بذلك من القُرى ونواحي الكوفة زُهاء عشرة آلاف، فأمر أبو أحمد بحياطتهم والإنفاق عليهم، وحُملوا إلى واسط، ودُفعوا إلى أهليهم، واحتوى أبو أحمد وأصحابه على كلّ ما كان في تلك المدينة منالذخائر، والأموال والأطعمة والمواشي، وكان ذلك شيئًا جليل القدر، فأمر أبو أحمد ببيع ما أصاب من الغلّات وغير ذلك، وحمله إلى بيت ماله، وصرفه في أعطيات من في عسكره من مواليه وجنوده، فحملوا من ذلك ما تهيّأ لهم حمله، وأسِر من نساء سليمان وأولاده عدّة، واستُنقِذ يومئذ وصيف عَلْمدار ومَنْ كان أسِر معه عشيّة يوم الجمعة، فأخرجوا من الحبس، وكان الأمر أعجل الزَّنج عن قتلهم، ولجأ جمع كثير ممن أفلت إلى الآجام المحيطة بالمدينة، فأمر أبو أحمد فعُقد جِسرٌ على هذا النهر المعروف بالمنذر، فعبر الناس إلى غربيّه، وأقام أبو أحمد بطهيثا سبعة عشر يومًا، وأمر بهدم سور المدينة وطمّ خنادقها، ففعل ذلك، وأمر بتتبع مَنْ لجأ إلى الآجام، وجعل لكل مَنْ أتاه برجل منهم جُعْلًا، فتسارع الناس إلى طلبهم؛ فكان إذا أتيَ بالواحد منهم عفا عنه، وخلع عليه وضمّه إلى دوّاد غلمانه لما دبّر من استمالتهم وصرفهم عن طاعة صاحبهم، وندب أبو أحمد نُصيرًا في الشَّذَا والسميريّات لطلب سليمان بن جامع والهرب معه من الزنج وغيرهم، وأمره بالجِدّ في اتباعهم حتى يجاوز البطائح، وحتى يلج دجْلة المعروفة بالعوراء، وتقدّم في فتح الكُور التي كان الفاسق أحدثها، ليقطع بها الشذَا عن دجلة فيما بينه وبين النهر المعروف بأبي الخصيب، وتقدّم إلى زيرَك في المقام بطهِيثا ليتراجع إليها الذين كان الفاسق أجلاهم عنها من أهلها، وأمره بتتبع مَنْ بَقِيَ في الآجام من الزّنج حتى يظفر بهم. * * * وفي شهر ربيع الآخر منها ماتت أم حبيب بنت الرّشيد، ورحل أبو أحمد بعد إحكامه ما أراد إحكامه إلى معسكره ببرْدُودا مزمِعًا على التوجّه نحو الأهواز ليصلحها؛ وقد كان اضطراب أمرُ المهلبيّ وإيقاعه بمن أوقع عليه من الجيوش التي كانت بها وغلبته على أكثر كُورها، وقد كان أبو العباس تقدّمه في مسيره ذلك، فلما وافَى بردودا أقام أيامًا، وأمر بإعداد ما يحتاج إليه للمسير على الظهر إلى كُور الأهواز، وقدِمَ مَنْ يصلح الطريق والمنازل ويعدّ فيها المِيَر للجيوش التي معه، ووافاه قبل أن ترحّل عن واسط زيرك منصرفًا عن طهيثا؛ بعد أن تراجع إلى النواحي التي كان بها الزّنج أهلُها، وخلّفهم آمنين، فآمره أبو أحمد بالاستعداد والانحدار في الشَّذَا والسُّميريَّات في نخبة أصحابه وأنجادهم، ليصير بهم إلىدِجْلة العوراء، فتجتمع يدُه ويد أبي حمزة على نفض دِجْلة واتباع المنهزمين من الزَّنْج والإيقاع بكل مَنْ لقوا من أصحاب الفاسق، إلى أن ينتهيَ بهم السير إلى مدينته بنهر أبي الخصيب، وإن رأوا موضع حرب حاربوه في مدينته، وكتبوا بما كان منهم إلى أبي أحمد ليردّ عليهم من أمره ما يعملون بحسبه، واستخلف أبو أحمد على من خلّف في عسكره بواسط ابنه هارون، وأزمع على الشخوص فيمن خفّ من رجاله وأصحابه، ففعل ذلك بعد أن تقدّم إلى ابنه هارون في أن يحدّر الجيش الذي خلّفه معه في السفن إلى مستقرّه بدِجْلة إذا وافى كتابه بذلك. * * * وفي يوم الجمعة لليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة - وهي سنة سبع وستين ومئتين، ارتحل أبو أحمد من واسط شاخصًا إلى الأهواز وكورها، فنزل باذبين ثم جوخَى ثم الطِّيب ثم قُرقوب ثم درستان ثم على وادي السوس، وقد كان عُقد له عليه جسر، فأقام به من أوّل النهار إلى آخر وقت الظهر، حتى عبّر أهلَ عسكره أجمع، ثم سار حتى وافَى السوس، فنزلها - وقد كان أمر مسرورًا وهو عامله على الأهواز - بالقدوم عليه، فوافاه في جيشه وقوّاده من غد اليوم الذي نزل فيه السوس، فخلع عليه وعليهم، وأقام بالسوس ثلاثًا. وكان ممن أسِرَ بَطهِثيا من أصحاب الفاسق أحمد بن موسى بن سعيد البصريّ المعروف بالقَلُوص، وكان أحد عُدَده وقدماء أصحابه، أسِر بعد أن أثخِن جراحًا كانت منها منيّته؛ فلمّا هلك أمر أبو أحمد باحتزاز رأسه ونصبه على جسر واسط. وكان ممّن أسِر يومئذ عبد الله بن محمد بن هشام الكَرْمانيّ؛ وكان الخبيث اغتصبه أباه، فوجّهه إلى طهيثا، وولّاه القضاء والصَّلاة بها، وأسِر من السودان جماعةٌ كان يعتمد عليهم، أهل نجدة وبأس وجَلد، فلمّا اتصل به الخبر بما نال هؤلاء انتقض عليه تدبيرُه، وضلَّت حِيَله، فحمله فَرْط الهَلع على أن كتب إلى المهلبيّ وهو يومئذ مقيم بالأهواز في زهاء ثلاثين ألفًا مع رجل كان صحِبه، يأمره بترك كلّ ما قِبَله من المِيَر والأثاث، والإقبال إليه؛ فوصل الكتاب إلى المهلبيّ وقد أتاه الخبر بإقبال أبي أحمد إلى الأهواز وكُوَرِها، فهو لذلك طائر العقل، فترك جميع ما كان قِبَله، واستخلف عليه محمد بن يحيى بن سعيد الكَرْنبائيّ، فَدخِل قلبُ الكرنبائيّ من الوَجل، فأخلى ما استُخلِف عليه، وتبع المهلّبيّ؛وبجُبَّى والأهواز ونواحيها يومئذ من أصناف الحبوب والتمر والمواشي شيء عظيم، فخرجوا عن ذلك كله. وكتب أيضًا الفاسق إلى بَهْبوذ بن عبد الوهاب، وإليه يومئذ عمل الفَنْدم والباسيَان، وما اتّصل بهما من القُرى التي بين الأهواز وفارس، وهو مقيم بالفَنْدم، يأمره بالقدوم عليه، فترك بَهْبوذ ما كان قِبَله من الطعام والتمر - وكان ذلك شيئًا عظيمًا - فحوى جميع ذلك أبو أحمد، فكان ذلك قوةً له على الفاسق، وضعفًا للفاسق. ولَمّا فصل المهلبيّ عن الأهواز تفرّق أصحابُه في القرى التي بينها وبين عسكر الخبيث فانتهجوها، وأجْلَوْا عنها أهلَها، وكانوا في سلْمهم، وتخلّف خلْق كثير ممّن كان مع المهلبيّ من الفرسان والرجّالة عن اللحاق به، فأقاموا بنواحي الأهواز، وكتبوا يسألون أبا أحمد الأمان لما انتهى إليهم من عفوه عمّن ظفر به من أصحاب الخبيث بطهِيثا، ولحق المهلبيّ ومَنْ اتّبعه من أصحابه بنهر أبي الخصيب. وكان الذي دعا الفاسق إلى أمر المهلبيّ وبهبوذ بسرعة المصير إليه خوفُه موافاة أبي أحمد وأصحابه إياه على الحال التي كانوا عليها من الوَجَل وشدّة الرّعب مع انقطاع المهلبيّ وبهبوذ فيمن كان معهما عنه، ولم يكن الأمر كما قدّر. وأقام أبو أحمد حتى أحرز ما كان المهلبيّ وبهبوذ خلّفاه، وفُتِحت السكور التي كان الخبيث أحدثها في دِجْلة، وأصلِحت له طرقه ومسالكه ورحل أبو أحمد عن السوس إلى جنديسابور، فأقام بها ثلاثًا؛ وقد كانت الأعلاف ضاقت على أهل العسكر، فوجّه في طلبها، وحملها ورحل عن جند يسابور إلى تُسْتَر، وأمر بجباية الأموال من كُور الأهواز، وأنفذ إلى كلّ كورة قائدًا ليرُوج بذلك حمل الأموال، ووجّه أحمد بن أبي الأصبغ إلى محمد بن عبيد الله الكرديّ، وقد كان خائفًا أن يأتيَه صاحب الفاسق قبل موافاة أبي أحمد كور الأهواز، وأمره بإيناسه وإعلامه ما عليه رأيُه من العفو عنه، والتغمّد لزلته، وأن يتقدّم إليه في تعجيل حمل الأموال والمسير إلى سوق الأهواز، وأمر مسرورًا البلخيّ عامله بالأهواز بإحضار مَنْ معه من الموالي والغلمان والجند ليعرضهم، ويأمرَ بإعطائهم الأرزاق، وينهضهم معه لحرب الخبيث. فأحضرهم، وعُرضوا رجلًا رجلًا،وأعطُوا ثم رحل إلى عسكر مُكْرَم، فجعله منزلًا اجتازه ورحل منه فوافَى الأهواز، وهو يرى أنه قد تقدَّمه إليها من الميرة ما يحمل عساكره، فغلظ الأمر في ذلك اليوم، واضطرب له الناس اضطرابًا شديدًا، وأقام ثلاثة أيام ينتظر ورود المِيَر؛ فلم تَرِد، فساءت أحوال الناس، وكاد ذلك يفرّق جماعتهم، فبحث أبو أحمد عن السبب المؤخّر ورودها، فوجد الجند قد كانوا قطعوا قنطرة قديمة أعجمية كانت بين سوق الأهواز ورامَ هرمز يقال لها: قنطرة أربُك، فامتنع التجار ومن يحمل الميرة من تطرُّقه لقطع تلك القنطرة، فركب أبو أحمد إليها وهي على فرسخين من سُوق الأهواز، فجمع مَنْ كان بقيَ في العسكر من السودان، وأمرهم بنقل الحجارة والصّخْر لإصلاح هذه القنطرة وبَذل لهم الأموال الرغيبة، فلم يرمْ حتى أصلحت في يومه ذلك، ورُدّت إلى ماكانت عليه، فسلكها الناس، ووافت القوافل بالمِيَر، فحيِيَ أهل العسكر، وحسنت أحوالهم. وأمر أبو أحمد بجمع السفن لعقد الجسر على دُجيل، فجمعت من كُور الأهواز وأخذ في عقد الجْسر، وأقام بالأهواز أيامًا حتى أصلح أصحابهُ أمورهم، وما احتاجوا من آلاتهم، وحسُنت أحوال دوابِّهم، وذهب عنها ما كان نالها من الضرّ بتخلف الأعلاف، ووافت كتب القوم الذين كانوا تخلّفوا عن المهلبيّ، وأقاموا بسوق الأهواز يسألونه الأمان؛ فآمنهم، فأتاه نحو من ألف رجل، فأحسن إليهم، وضمهم إلى قُوّاد غلمانه، وأجرى لهم الأرزاق، وعقد الجسر على دُجَيل، فرحل بعد أن قدّم جيوشه، فعبر الجسر، وعسكر بالجانب الغربيّ من دُجيل في الموضع المعروف بقصر المأمون، فأقام هنالك ثلاثًا، وأصابت الناس في هذا الموضع من الليل زلزلة هائلة، وقَى الله شرّها، وصرف مكروهها. وقد كان أبو أحمد قبل عبور الجسر المعقود على دُجَيل قدّم أبا العباس ابنه إلى الموضع الذي كان عزم على نزوله من دِجْلة العوراء، وهو الموضع المعروف بنهر المبارك من فُرات البصرة، وكتب إلى ابنه هارون بالانحدار في جميع الجيش المتخلف معه إلى نهر المبارك أيضًا لتجتمع العساكر هناك، فرحل أبو أحمد عن قصر المأمون، فنزل بقُورَج العباس، ووافاه أحمد بن أبي الأصبغ هنالك بما صالح عليه محمد بن عبيد الله وبهدايا أهداها إليه من دوابّ وضوارٍوغير ذلك، ثم رحل عن القورَج، فنزل بالجعفرية، ولم يكن بهذه القرية ماء إلا من آبار كان أبو أحمد تقدّم بحفرها في عسكره، وأنفذ لذلك سعدًا الأسود مولى عبيد الله بن محمد بن عمار من قورَج العباس، فُحُفرت، فأقام بهذا الموضع يومًا وليلة، وألفَى هناك مِيَرًا مجموعة، واتّسع الناس بها، وتزوَّدوا منها. ثم رحل إلى الموضع المعروف بالبشير، وألفى فيه غديرًا من المطر، فأقام به يومًا وليلة، ورحل في آخر الليل يريد نهر المبارك، فوافاه بعد صلاة الظهر، وكان منزلًا بعيد المسافة؛ وتلقّاه ابناه أبو العباس وهارون في طريقه، فسلّما عليه، وسارا بسيره حتى ورد نهر المبارك، وذلك يوم السبت للنصف من رجب سنة سبع وستين ومئتين. وكان لِزيرك ونصير في الذي كان أبو أحمد وجّه فيه زيرك من تتبُّع فلّ الخبيث من طَهيثا أثرٌ فيما بين وصول أبي أحمد من واسط إلى حال مصيره إلى نهر المبارك؛ وذلك ما ذكره محمد بن الحسن عن محمد بن حماد، قال: لمَّا اجتمع زيرك ونصير بدِجْلة العوراء؛ انحدرا حتى وافيا الأبُلّة، فاستأمن إليهما رجل من أصحاب الخبيث، فأعلمهما أن الخبيث قد أنفذ عددًا كثيرًا من السُّميريّات والزّواريق والصلاغ مشحونة بالزَّنج، يرأسهم رجل من أصحابه، يقال له: محمد بن إبراهيم، يكنى أبا عيسى، ومحمد بن إبراهيم هذا رجل من أهل البصرة، كان جاء به رجل من الزَّنج عند خراب البصرة يقال له: يَسار، كان على شُرْطة الفاسق، فكان يكتب ليسار على ما كان يلي حتى مات، وارتفعت حال أحمد بن مهدي الجبائيّ عند الخبيث، فولَّاه أكثر أعمالِه، وضمّ محمد بن إبراهيم هذا إليه، فكان كاتبه إلى أن هلك الجبائيّ - فطمِع محمد بن إبراهيم هذا في مرتبته، وأن يحلّه الخبيث محلّ الجبائيّ، فنبذ الدواة والقلم، ولبس آلة الحرب، وتجرّد للقتال، فأنهضه الخبيث في هذا الجيش، وأمره بالاعتراض في دجْلة لمدافعة مَنْ يردُها من الجيوش، فكان في دجْلة أحيانًا، وأحيانًا يأتي بالجمع الذي معه إلى النهر المعروف بنهر يزيد، ومعه في ذلك الجيش شِبْل بن سالم وعمرو المعروف بغلام بوذي وأجلاد من السودان وغيرهم، فاستأمن رجل كان في ذلك الجيش إلى زيرك ونُصير، وأخبرهما خبره، وأعلمهما أن محمد بن إبراهيم على القصد لسواد عسكر نُصَير، ونصير يومئذ معسكر بنهر المرأة،وأنهم على أن يسلكوا الأنهار المعترضة على نهر معقِل وبثْق شيرِين، حتى يوافوا الموضع المعروف بالشرطة، ليخرجوا من وراء العسكر فيكبُّوا على طرفيْه؛ فرجع نصير عند وصول هذا الخبر إليه من الأبُلّة مبادرًا إلى معسكره، وسار زيرَك قاصدًا لبَثْق شيرين؛ حتى صار من مؤخّرة في موضع يعرف بالميشان؛ وذلك أنه قدّر أن محمد بن إبراهيم ومن معه يأتون عسكر نُصير من ذلك الطريق؛ فكان ذلك كما ظنّ، ولقيهم في طريقهم فوهب الله له العلوّ عليهم بعد صبر منهم له ومجاهدة شديدة؛ فانهزموا ولجؤوا إلى النهر الذي كانوا وضعوا الكمين فيه، وهو نهر يزيد، فدُلّ زيرك عليهم، فتوغّلت عليهم سُميريّاته وشذواته، فقتِل منهم طائفة وأسِر طائفة؛ وكان ممن ظفِر به منهم محمد بن إبراهيم المكنى أبا عيسى وعمرو المعروف بغلام بوذي، وأخِذ ما كان معهم من السُّميريّات، وذلك نحو من ثلاثين سُميريّة، وأفلت شبل في الذين نجوْا، فلحق بعسكر الخبيث، وخرج زيرك من بَثْق شِيرين ظافرًا ومعه الأسارى ورؤوس مَنْ قتل مع ما حوى من السميريّات والزّواريق وسائر السفن، فانصرف زيرك من دِجْلة العَوْراء إلى واسط؛ وكتب إلى أبي أحمد بما كان من حربه والنصر والفتح. وكان فيما كان من زيرك في ذلك وصول الجزَع إلى كلّ مَنْ كان بدِجْلة وكُورها من أتباع الفاسق، فاستأمن إلى أبي حمزة وهو مقيم بنهر المرأة منهم زهاء ألفي رجل - فيما قيل - فكتب بخبرهم إلى أبي أحمد، فأمره بقبولهم وإقرارهم على الأمان وإجراء الأرزاق عليهم، وخلطهم بأصحابه ومناهضته العدوّ بهم. وكان زيرك مقيمًا بواسط إلى حين ورود كتاب أبي أحمد على ابنه هارون بالمصير بالجيش المتخلِّف معه إلى نهر المبارك، فانحدر زيرك مع هارون، وكتب أبو أحمد إلى نصير وهو بنهر المرأة يأمره بالإقبال إليه إلى نهر المبارك، فوافاه هنالك؛ وكان أبو العباس عند مصيره إلى نهر المبارك انحدر إلى عسكر الفاسق في الشَّذَا والسُّميريّات، فأوقع به في مدينته بنهر أبي الخصيب. وكانت الحرب بينه وبينهم من أوّل النهار إلى آخر وقت الظهر، واستأمن إليه قائد من قوّاد الخبيث المضمومين كانوا إلى سليمان بن جامع، يقال له: منتاب، ومعه جماعة من أصحابه؛ فكان ذلك مما كسر الخبيث وأصحابَه، وانصرف أبو العباس بالظَّفَر، وخلع على منتاب ووصله وحمله، ولمّا لقيَ أبو العباس أباهأعلمه خبر منتاب، وذكر له خروجه إليه بالأمان، فأمر أبو أحمد لمنتاب بخِلْعة وصلة وحُملان، وكان منتاب أوّل مَنْ استأمن من قوّاد الزَّنج. ولما نزل أبو أحمد نهر المبارك يوم السبت للنصف من رجب سنة سبع وستين ومئتين، كان أول ما عمل به في أمر الخبيث - فيما ذكر محمد بن الحسن بن سهل، عن محمد بن حمّاد بن إسحاق بن حمّاد بن زيد - أن كتب إليه كتابًا يدعوه فيه إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى مما ركب من سفك الدماء وانتهاك المحارم وإخراب البلدان والأمصار، واستحلال الفروج والأموال، وانتحال ما لم يجعله الله له أهلًا من النبوّة والرسالة، ويعلمه أن التوبة له مبسوطة، والأمان له موجود؛ فإن هو نزع عما هو عليه من الأمور التي يسخَطها الله، ودخل في جماعة المسلمين، محا ذلك ما سلف من عظيم جرائمه؛ وكان له به الحظّ الجزيل في دنياه، وأنفذ ذلك مع رسوله إلى الخبيث، والتمس الرّسول إيصالَه، فامتنع أصحاب الخبيث من إيصال الكتاب، فألقاه الرسول إليهم، فأخذوه وأتوا به إلى الخبيث، فقرأه فلم يزدْه ما كان فيه من الوعظ إلا نفورًا وإصرارًا، ولم يجب عن الكتاب بشيء، وأقام على اغتراره، ورجع الرسول إلى أبي أحمد فأخبَره بما فعل، وترك الخبيث الإجابة عن الكتاب، وأقام أبو أحمد يوم السبت والأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء متشاغلًا بعرض الشَّذَا والسُّميريّات وترتيب دوّاده ومواليه وغلمانه فيها، وتخيّر الرماة وترتيبهم في الشَّذَا والسُّميريّات، فلما كان يوم الخميس سار أبو أحمد في أصحابه، ومعه ابنه أبو العباس إلى مدينة الخبيث التي سمّاها المختارة من نهر أبي الخصيب، فأشرف عليها وتأمّلها، فرأى من مَنعَتها وحصانتها بالسُّور والخنادق المحيطة بها وما عوّر من الطرق المؤدية إليها وأعِدّ من المجانيق والعرّادات والقسيّ الناوكيّة وسائر الآلات على سورها ما لم ير مثله ممن تقدّم من منازعي السلطان، ورأى من كثرة عدد مقاتلتهم واجتماعهم ما استغلظ أمره، فلمّا عاين أصحابه أبا أحمد، ارتفعت أصواتُهم بما ارتجّت له الأرض، فأمر أبو أحمد عند ذلك ابنه أبا العباس بالتقدّم إلى سُور المدينة وَرشْق مَنْ عليه بالسهام، ففعل ذلك ودنا حتى ألصق شَذواته بمسنّاة قصر الخائن، وانحازت الفسقة إلى الموضع الذي دنت منه الشَّذَا، وتحاشدوا وتتابعت سهامهم، وحجارة مجانيقهم وعرّاداتهم ومقاليعهم، ورمى عوامُّهم بالحجارةعن أيديهم، حتى ما يقع طرف ناظر من الشذَا على موضع إلّا رأى فيه سهمًا أو حجرًا، وثبت أبو العباس، فرأى الخائن وأشياعه من جدّهم واجتهادهم وصَبْرهم ما لا عهد لهم بمثله من أحد حاربهم. فأمر أبو أحمد أبا العباس ومن معه بالرجوع إلى مواقفهم ليروِّحوا عن أنفسهم ويداووا جراحهم، ففعلوا ذلك. واستأمن إلى أبي أحمد في تلك الحال مقاتلان من مقاتلة السُّميريّات، فأتوه بسُمَيريتهما وما فيها من الآلات والملّاحين، فأمر للمقاتلين بخلَع ديباج ومناطق محلّاة، ووصلهما، وأمر للملاحين بخلَع من خلع الحرير الأحمر والثياب البيض بما حسن موقعه منهم وعمهم جميعًا بصلاته، وأمر بإدنائهم من الموضع الذي يراهم فيه نظراؤهم؛ فكان ذلك من أبخع المكايد التي كيد بها الفاسق، فلما رأى الباقون ما صار إليه أصحابهم من العفو عنهم والإحسان إليهم، رغبوا في الأمان وتنافسوا فيه، فابتدروه مسرعين نحوه، راغبين فيما شرع لهم منه، فصار إلى أبي أحمد في ذلك اليوم عدد من أصحاب السميريّات، فأمر فيهم بمثل ما أمر به في أصحابهم، فلما رأى الخبيثُ ركونَ أصحاب السميريّات إلى الأمان واغتنامهم له أمر بردّ مَنْ كان منهم في دِجْلة إلى نهر أبي الخصيب، ووكل بفوّهة النهر مَنْ يمنعهم من الخروج، وأمر بإظهار شذواته، وندب لهم بَهْبوذ بن عبد الوهاب، وهو من أشدّ حماته بأسًا، وأكثرهم عددًا وعِدّة، فانتدب بهبوذ لذلك في أصحابه، وكان ذلك في وقت إقبال المدّ وقوّته، وقد تفرّقت شَذَوات أبي أحمد، ولحق أبو حمزة فيما معه منها بشرقيّ دِجْلة، فأقام هنالك وهو يرى أنّ الحرب قد انقضت واستُغنى عنه. فلما ظهر بَهبْوذ فيما معه من الشَّذَوات أمر أبو أحمد بتقديم شَذَواتِه، وأمر أبا العباس بالحمل على بهبوذ بما معه من الشَّذَا، وتقدّم إلى قُوّاده وغلمانه بالحمل معه؛ وكان الذي صَلِيَ بالحرب من الشَّذَوات التي مع أبي العباس وزيرك من الشَّذَوات التي رتب فيها قوّاد الغلمان اثنتي عشرة شذاة، فنشبت الحرب، وطمع أصحاب الفاسق في أبي العباس وأصحابه لقلة عدد شذواتهم، فلما صُدِموا انهزموا ووجّه أبو العباس ومَنْ معه في طلب بهبوذ، فألجؤوه إلى فناء قصر الخبيث، وأصابتْه طعنتان، وجُرح بالسهام جراحات، وأوهِنت أعضاؤهبالحجارة، وخلّى ما كان عليه مع أصحابه، فأولجوه نهر أبي الخصيب وقد أشفى على الموت، وقتل يومئذ ممن كان مع بهبوذ قائد من قوّاده ذو بأس ونجدة وتقدّم في الحرب، يقال له: عميرة، وظفر أصحاب أبي العباس بشذَاة من شَذَوات بهبوذ، فقتل أهلها، وغرقوا وأخذت الشذاة، وصار أبو العباس ومَن معه بشذواهم بعد أن أتاهم أمر أبي أحمد بذلك، وبإلحاف الشَّذَا بشرقيّ في جلة وصرف الجيش، فلمّا رأى الفاسق جيش أبي أحمد منصرفًا أمر مَنْ كان انهزم في شَذواتِه إلى نهر أبي الخصيب بالظهور ليسكّن بذلك روعةَ أصحابه، وليكون صرفه إياهم إذا صرفهم عن غير هزيمة، فأمر أبو أحمد جماعة من غلمانه بأن يثبّتوا صدور شذواتهم إليهم؛ ويقصدوهم فلما رأوا ذلك ولَّوْا منهزمين مذعورين وتأخرت عنهم شذاة من شذواتهم، فاستأمن أهلها إلى أبي أحمد، ونكسوا علمًا أبيض كان معهم، فصاروا إليه في شذاتهم فأمِّنوا وحُبوا ووُصِلوا وكُسوا، فأمر الفاسق عند ذلك بردّ شذواتهم إلى النهر ومنعها من الخروج، وكان ذلك في آخر النهار، وأمر أبو أحمد أصحابه بالرجوع إلى معسكرهم بنهر المبارك. واستأمن إلى أبي أحمد في هذا اليوم عند منصرَفه خَلْق كثير من الزَّنْج وغيرهم، فقبلهم، وحملهم في الشَّذَا والسميريّات، وأمر أن يخلع عليهم ويوصلوا ويُحبَوْا، وتُكتب أسماؤهم في المضمومين إلى أبي العباس. وسار أبو أحمد، فوافى عسكره بعد العشاء الأخيرة، فأقام به يوم الجمعة والسبت والأحد، ثم عزم على نقل عسكره إلى حيث يقرب منه عليه القَصْد لحرب الخبيث، فركب الشَّذَا في يوم الإثنين لستّ ليال بفين من رجب سنة سبع وستين ومئتين، ومعه أبو العباس والقوّاد من مواليه وغلمانه، فيهم زيرك ونصير حتى وافَى النهر المعروف بنهر جَطّى في شرقيّ دجْلة، وهو حيال النهر المعروف باليهوديّ، فوقف عليه، وقدّر فيه ما أراد وانصرف، وخلّف به أبا العباس وزيرك ونُصيرًا، وعاد إلى معسكره، فأمر فنودي في الناس بالرحيل إلى الموضع الذي اختار من نهر جَطَّى، وتقدّم في قوْد الدوابّ بعد أن أصلحت لها الطرف، وعقدت القناطر على الأنهار، وغدا في يوم الثلاثاء لخمس بقين من رجب في جميع عساكره حتى نزل نهر جَطّى، فأقام به إلى يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من شعبان سنة سبع وستين ومئتين، ولم يحارب في شيء من هذه الأيام، وركبفي هذا اليوم في الخيل والرجّالة، ومعه جميع الفرسان، وجعل الرجالة والمطوّعة في السفن والسميريّات، على كل رجل منهم لأمَتُه وزِيّه، وسار حتى وافى الفرات، ووازى عسكر الفاسق وأبو أحمد من أصحابه وأتباعه في زُهاء خمسين ألف رجل أو يزيدون، والفاسق يومئذ في زهاء ثلثمئة ألف إنسان، كلهم يقاتل اْو يدافع؛ فمن ضاربٍ بسيف، وطاعن برمح، ورامٍ بقوس، وقاذف بمقلاع، ورامٍ بعرّادة أو منجنيق؛ وأضعفهم أمرُ الرماة بالحجارة عن أيديهم وهم النظارة المكثرون السواد، والمعتَنون بالنعير (١) والصّياح، والنساء يشركنهم في ذلك. فأقام أبو أحمد في هذا اليوم بإزاء عسكر الفاسق إلى أن أضحى، وأمر فنودي أن الأمان مبسوط للناس؛ أسودِهم وأحمرِهم إلّا الخبيث، وأمر بسهام فعُلّقت فيها رقاع مكتوب فيها من الأمان مثل الذي نودي به، ووعد الناس فيها الإحسان ورمى بها إلى عسكر الخبيث، فمالت إليه قلوب أصحاب المارق بالرّهبة والطمع فيما وعدهم من إحسانه وعفوه؛ فأتاه في ذلك اليوم جمع كثير يحملهم الشَّذَا إليه، فوصلهم وحباهم، ثم انصرف إلى معسكره بنهر جطّى، ولم يكن في هذا اليوم حرب. وقدم عليه قائدان من مواليه، أحدهما بكتمر والآخر جعفر بن بغلاغز، في جمع من أصحابهما فكان ورودهما زائدًا في قوّة مَنْ مع أبي أحمد. ورحل أبو أحمد عن نهر جَطّى إلى معسكر قد كان تقدم في إصلاحه، وعقد القناطر على أنهاره، وقطع النهر ليوسعه بفرات البصرة بإزاء مدينة الفاسق؛ فكان نزوله هذا المعسكر في يوم الأحد للنصف من شعبان سنة سبع وستين ومئتين، وأوطن هذا المعسكر، وأقام به، ورتب قوّاده، ورؤساء أصحابه مراتبهم فيه، فجعل نُصيرًا صاحب الشَّذَا والسميريات في جيشه في أوّل العسكر وآخره بالموضع الموازي النهر المعروف بجُوى كور، وجعل زيرك التركيّ صاحب مقدّمة أبي العباس في أصحابه موازيًا ما بين نهر أبي الخصيب وهو النهر الموسوم بنهر الأتراك والنهر المعروف بالمغيرة، ثم تلاه عليّ بن جهشيار حاجبه في جَيْشه. وكانت مضاربُ أبي أحمد وابنيه حيالَ الموضع المعروف بديْر جابِيل، وأنزلراشدًا مولاه في مواليه وغلمانه الأتراك والخزر والرّوم والديالمة والطبرية والمغاربة والزّنج على النهر المعروف بهَطَمة، وجعل صاعد بن مَخْلَد وزيره في جيشه من الموالي والغلمان فُويق عسكر راشد، وأنزل مسرورًا البلخيّ في جيشه على النهر المعروف بسِنْدادَان، وأنزل الفضل ومحمدًا، ابني موسى بن بُغا في جيشهما على النهر المعروف بهالة، وتلاهما موسى دالجويه في جيشه وأصحابه وجعل بُغْراج التركيّ على ساقته نازلًا على نهر جَطَّى، وأوطنوه، وأقاموا به، ورأى أبو أحمد من حال الخبيث وحصانة موضعه وكثرة جمعه ما علم أنه لابدّ له من الصبر عليه ومحاصرته وتفريق أصحابه عنه؛ ببذل الأمان لهم، والإحسان إلى مَنْ أناب منهم، والغلظة على مَنْ أقام على غيّه منهم، واحتاج إلى الاستكثار من الشَّذَا وما يحارب به في الماء. فأمر بإنفاذ الرّسل في حمل المِيَر في البرّ والبحر، وإدرارها إلى معسكره بالمدينة التي سماها الموفَّقيّة، وكتب إلى عماله في النواحي في حمل الأموال إلى بيت ماله في هذه المدينة، وأنفذ رسولًا إلى سِيراف وجنّابا في بناء الشذَا والاستكثار منها لما احتاج إليه من ترتيبها في المواضع التي يقطع بها المِيَر عن الخائن وأشياعه، وأمر بالكتاب إلى عمّاله في النواحي بإنفاذ كل مَنْ يصلح للإثبات في الديوان، ويرغب في ذلك، وأقام ينتظر شهرًا أو نحوه؛ فوردت الميَر متتابعةً يتلو بعضها بعضًا، وجهّز التجار صنوف التجارات والأمتعة وحملوها إلى المدينة الموفقيّة واتخذت بها الأسواق، وكثر بها التجار والمتجهزون من كلّ بلد، ووردتها مراكب البحر؛ وقد كانت انقطعت لقطع الفاسق وأصحابه سبلها قبل ذلك بأكثر من عشر سنين، وبنى أبو أحمد مسجد الجامع، وأمر الناس بالصَّلاة فيه، واتَّخذ دُورَ الضَّرْب، فضرب فيها الدنانير والدراهم، فجمعت مدينة أبي أحمد جميع المرافق، وسيق إليها صنوف المنافع حتى كان ساكنوها لا يفقدون بها شيئًا مما يوجد في الأمصار العظيمة القديمة، وحملت الأموال، وأدرّ للناس العطاء في أوقاته، فاتّسعوا وحسنت أحوالهم، ورغب الناس جميعًا في المصير إلى المدينة الموفقيّة والمقام فيها. وكان الخبيث بعد ليلتين من نزول أبي أحمد مدينته الموفقيّة أمر بهبوذ بن عبد الوهاب، فعبَر والناس غارُّون في سُميريّات إلى طرف عسكر أبي حَمْزةفأوقع به، وقتل جماعة من أصحابه، وأسر جماعة، وأحرق كوخات كانت لهم قبل أن يبنى الناس هنالك، فأمر أبو أحمد نُصيرًا عند ذلك بجمع أصحابه، وألّا يطلق لأحد مفارقة عسكره، وأن يحرس أقطار عسكره بالشَّذَا والسميريّات والزّواريق فيها الرجّالة إلى آخر مَيان رُوذان والقَنْدل وأبرسان، للإيقاع بمن هنالك من أصحاب الفاسق. وكان بميان روذان من قوّاده أيضًا إبراهيم بن جعفر الهمدانيّ في أربعة آلاف من الزَّنج، ومحمد بن أبان المعروف بأبي الحسن أخو عليّ بن أبان بالقَنْدل في ثلاثة آلاف، والمعروف بالدّور في أبرسان في ألف وخمسمئة من الزَّنج والجبائيّين، فبدأ أبو العباس بالهمدانيّ فأوقع به، وجرت بينهما حروب، قُتِل فيها خلق كثير من أصحاب الهمدانيّ، وأسر منهم جماعة، وأفلت الهمدانيّ في سُميريّة قد كان أعدّها لنفسه، فلحق فيها بأخي المهلبيّ المكنى بأبي الحسن، واحتوى أصحاب أبي العباس على ما كان في أيدي الزَّنج وحملوه إلى عسكرهم. وقد كان أبو أحمد تقدم إلى ابنه أبي العباس في بذل الأمان لمن رغب فيه، وأن يضمن لمن صار إليه الإحسان، فصار إليه طائفة منهم في الأمان فآنهم، فصار بهم إلى أبيه، فأمر لكل واحد منهم من الخِلَع والصلات على أقدارهم في أنفسهم، وأن يوقفوا بإزاء نهر أبي الخصيب ليعاينهم أصحابهم ... وأقام أبو أحمد يكايد الخائن ببذل الأمان لمن صار إليه من الزّنج وغيرهم، ومحاصرة الباقين والتضييق عليهم، وقطع المِيَر والمنافع عنهم؛ وكانت ميرة الأهواز وما يرد من صنوف التجارات منها ومن كورها ونواحي أعمالها يسلك به النهر المعروف ببيان، فسرى بهبوذ في جُلد رجاله ليلة من الليالي، وقد نمِي إليه خبر قيروان ورد بصنوف من التجارات والمِيروكمّن في النخل؛ فلما ورد القَيْروان خرج إلى أهله، وهم غارّون، فقَتل منهم وأسَر، وأخذ ما أحبّ أن يأخذ من الأموال. وقد كان أبو أحمد أنفذ لبَذْرقة ذلك القَيْروان رجلًا من أصحابه في جمع، فلم يكن للموجَّه لذلك ببهبوذ طاقة، لكثرة عدد مَنْ معه وضيق الموقع على الفرسان، وأنه لم يكن بهم فيه غناء، فلما انتهى ذلك إلى أبي أحمد، غلظ عليه ما نال الناس في أموالهم وأنفسهم وتجارتهم، وأمر بتعويضهم، وأخلف عليهممثلَ الذي ذهب لهم، ورتّب الشذا على فوّهة بيان وغيره من الأنهار التي لا يتهيّأ للفرسان سلوكُها في بنائها والإقبال بها إليه، فورد عليه منها عددٌ صالح، فرتّب فيها الرجال، وقلّد أمرها أبا العباس ابنه، وأمره أن يوكل بكل موضع يرد إلى الفسَقة منه مِيرة، فانحدر أبو العباس لذلك إلى فُوّهة البحر في الشذوات، ورتب في جميع تلك المسالك القوّاد، وأحكم الأمر فيه غاية الإحكام. * * * وفي شهر رمضان منها كانت وقعة بين إسحاق بن كُنْدَاج وإسحاق بن أيوب وعيسى بن الشيخ وأبي المغراء وحمدان الشاري ومن تأشّب إليهم من قبائل رَبيعة وتَغْلِب وبكْر واليمن، فهزمهم ابن كُنْدَاج إلى نَصِيبين، وتَبِعهم إلى قريب من آمِد، واحتوَى على أموالهم، ونزلوا آمِد، فكانت بينه وبينهم وقعات. * * *
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 5946, entry [2140]344 chars
    ء خمسين ألف رجل أو يزيدون، والفاسق يومئذ في زهاء ثلثمئة ألف إنسان، كلهم يقاتل اْو يدافع؛ فمن ضاربٍ بسيف، وطاعن برمح، ورامٍ بقوس، وقاذف بمقلاع، ورامٍ بعرّادة أو منجنيق؛ وأضعفهم أمرُ الرماة بالحجارة عن أيديهم وهم النظارة المكثرون السواد، والمعتَنون بالنعير (١) والصّياح، والنساء يشركنهم في ذلك. فأقام أبو أحمد في هذا اليوم بإزاء عسكر الفاسق إلى أ
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 5946, entry [2140]346 chars
    لين بخلَع ديباج ومناطق محلّاة، ووصلهما، وأمر للملاحين بخلَع من خلع الحرير الأحمر والثياب البيض بما حسن موقعه منهم وعمهم جميعًا بصلاته، وأمر بإدنائهم من الموضع الذي يراهم فيه نظراؤهم؛ فكان ذلك من أبخع المكايد التي كيد بها الفاسق، فلما رأى الباقون ما صار إليه أصحابهم من العفو عنهم والإحسان إليهم، رغبوا في الأمان وتنافسوا فيه، فابتدروه مسرعين نحوه
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 5946, entry [2140]343 chars
    ذَا، وتحاشدوا وتتابعت سهامهم، وحجارة مجانيقهم وعرّاداتهم ومقاليعهم، ورمى عوامُّهم بالحجارةعن أيديهم، حتى ما يقع طرف ناظر من الشذَا على موضع إلّا رأى فيه سهمًا أو حجرًا، وثبت أبو العباس، فرأى الخائن وأشياعه من جدّهم واجتهادهم وصَبْرهم ما لا عهد لهم بمثله من أحد حاربهم. فأمر أبو أحمد أبا العباس ومن معه بالرجوع إلى مواقفهم ليروِّحوا عن أنفسهم و