Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

بعض أخبار المأمون وسيره

بعض أخبار المأمون وسيره

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

2 books · 4 entries
Research data and provenancethin dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
thin
Source entries
2
Strong identity entries
0
Chronology hints
0
Attribute hints
0
Relation hints
0
Assessment hints
2
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

2 books · 4 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

2 exact linked passages0 legacy full passages2 assessment hints0 assessment snippets

ابن جرير الطبري - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

full-text

— · 2 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 4997, entry [1273]19,090 chars
    ذكر بعض أخبار المأمون وسيره ذكر عن محمد بْن الهيثم بْن عدي، أن إبراهيم بْن عيسى بْن بريهة بْن المنصور، قَالَ: لما أراد المأمون الشخوص إلى دمشق هيأت له كلاما، مكثت فيه يومين وبعض آخر، فلما مثلت بين يديه قلت: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، في أدوم العز وأسبغ الكرامة، وجعلني من كل سوء فداه! أن من أمسى و…
    ▸ expand full passage (19,090 chars)
    ذكر بعض أخبار المأمون وسيره ذكر عن محمد بْن الهيثم بْن عدي، أن إبراهيم بْن عيسى بْن بريهة بْن المنصور، قَالَ: لما أراد المأمون الشخوص إلى دمشق هيأت له كلاما، مكثت فيه يومين وبعض آخر، فلما مثلت بين يديه قلت: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، في أدوم العز وأسبغ الكرامة، وجعلني من كل سوء فداه! أن من أمسى وأصبح يتعرف من نعمة الله، له الحمد كثيرا عليه برأي أمير المؤمنين أيده الله فيه، وحسن تأنيسه له، حقيق بأن يستديم هذه النعمة، ويلتمس الزيادة فيها بشكر الله وشكر أمير المؤمنين، مد الله في عمره عليها وقد أحب أن يعلم أمير المؤمنين أيده الله إني لا أرغب بنفسي عن خدمته أيده الله بشيء من الخفض والدعة، إذ كان هو أيده الله يتجشم خشونة السفر ونصب الظعن، وأولى الناس بمواساته في ذلك وبذل نفسه فيه أنا، لما عرفني الله من رأيه، وجعل عندي من طاعته ومعرفه ما أوجب الله من حقه، فإن رأى أمير المؤمنين أكرمه الله أن يكرمني بلزوم خدمته، والكينونة معه فعل فقال لي مبتدئا من غير تروية: لم يعزم أمير المؤمنين في ذلك على شيء، وإن استصحب أحدا من أهل بيتك بدأ بك، وكنت المقدم عنده في ذلك، ولا سيما إذ أنزلت نفسك بحيث أنزلك أمير المؤمنين من نفسه، وان ترك ذلك فمن غير قلا لمكانك، ولكن بالحاجة إليك قَالَ: فكان والله ابتداؤه أكثر من ترويتيوذكر عن محمد بْن علي بْن صالح السرخسي، قَالَ: تعرض رجل للمأمون بالشام مرارا، فقال له: يا أمير المؤمنين، انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم أهل خراسان! فقال: أكثرت علي يا أخا أهل الشام، والله ما انزلت قيسا عن ظهور الخيل إلا وأنا أرى إنه لم يبق في بيت مالي درهم واحد، واما اليمن فو الله ما أحببتها ولا أحبتني قط، وأما قضاعة فسادتها تنتظر السفياني وخروجه فتكون من أشياعه، وأما ربيعة فساخطة على الله منذ بعث نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاريا، اعزب فعل الله بك! وذكر عن سعيد بْن زياد أنه لما دخل على المأمون بدمشق قَالَ له: أرني الكتاب الذى كتبه رسول الله ص لكم، قَالَ: فأريته، قَالَ: فقال: إني لأشتهي أن أدري أي شيء هذا الغشاء على هذا الخاتم؟ قَالَ: فقال له أبو إسحاق: حل العقد حتى تدري ما هو، قَالَ: فقال: ما اشك ان النبي ص عقد هذا العقد، وما كنت لأحل عقدا عقده رسول الله ص ثم قَالَ للواثق: خذه فضعه على عينك، لعل الله أن يشفيك قَالَ: وجعل المأمون يضعه على عينه ويبكي وذكر عن العيشي صاحب إسحاق بْن إبراهيم، أنه قَالَ: كنت مع المأمون بدمشق، وكان قد قل المال عنده حتى ضاق، وشكا ذلك إلى أبي إسحاق المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعه قَالَ: وكان حمل إليه ثلاثون ألف ألف من خراج ما يتولاه له، قَالَ: فلما ورد عليه ذلك المال، قَالَ المأمون ليحيى بْن أكثم: اخرج بنا ننظر إلى هذا المال، قَالَ: فخرجا حتى أصحرا، ووقفا ينظرانه، وكان قد هيئ بأحسن هيئة، وحليت أباعره، وألبست الأحلاس الموشاة والجلال المصبغة وقلدت العهن، وجعلت البدر بالحرير الصيني الأحمر والأخضر والأصفر، وأبديت رءوسها قَالَ: فنظر المأمون إلى شيء حسن، واستكثر ذلك، فعظم في عينه، واستشرفه الناس ينظرون إليه، ويعجبون منه، فقال المأمون ليحيى: يا أبا محمد، ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم الساعة خائبين الى منازلهم،وننصرف بهذه الأموال قد ملكناها دونهم! إنا إذا للئام ثم دعا محمد بْن يزداد، فقال له: وقع لآل فلان بألف ألف، ولآل فلان بمثلها، ولال فلان بمثلها قال: فو الله إن زال كذلك حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف درهم ورجله في الركاب، ثم قَالَ: ادفع الباقي إلى المعلى يعطي جندنا قَالَ العيشي: فجئت حتى قمت نصب عينه، فلم أرد طرفي عنها، لا يلحظني إلا رآني بتلك الحال فقال: يا أبا محمد، وقع لهذا بخمسين ألف درهم من الستة الآلاف الف، لا يختلس ناظري قَالَ: فلم يأت علي ليلتان حتى أخذت المال. وذكر عن محمد بْن أيوب بْن جعفر بْن سليمان، أنه كان بالبصرة رجل من بني تميم، وكان شاعرا ظريفا خبيثا منكرا، وكنت أنا والي البصرة، أنس به وأستحليه، فأردت أن أخدعه واستنزله، فقلت له: أنت شاعر وأنت ظريف، والمأمون أجود من السحاب الحافل والريح العاصف، فما يمنعك منه؟ قَالَ: ما عندي ما يقلني، قلت: فأنا أعطيك نجيبا فارها، ونفقة سابغة، وتخرج إليه وقد امتدحته، فإنك إن حظيت بلقائه، صرت إلى أمنيتك قَالَ: والله أيها الأمير ما أخالك أبعدت، فأعد لي ما ذكرت. قَالَ: فدعوت له بنجيب فاره، فقلت: شأنك به فامتطه، قَالَ: هذه إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، فما بال الاخرى! فدعوت له بثلاثمائة درهم، وقلت: هذه نفقتك، قَالَ: أحسبك أيها الأمير قصرت في النفقة، قلت: لا، هي كافية، وإن قصرت عن السرف قَالَ: ومتى رأيت في أكابر سعد سرفا حتى تراه في أصاغرها! فأخذ النجيب والنفقة، ثم عمل ارجوزه ليست بالطويله، فانشد فيها وحذف منها ذكري والثناء علي- وكان ماردا- فقلت له: ما صنعت شيئا قَالَ: وكيف؟ قلت: تأتي الخليفة ولا تثني على أميرك! قال: أيها الأمير أردت أن تخدعني فوجدتني خداعا، ولمثلها ضرب هذا المثل: من ينك العير ينك نياكا، أما والله ما لكرامتي حملتني على نجيبك، ولا جدت لي بمالك الذي ما رامه أحد قط إلا جعل الله خده الأسفل، ولكن لأذكركفي شعري وأمدحك عند الخليفة، أفهم هذا قلت: قد صدقت، فقال: أما إذ أبديت ما في ضميرك، فقد ذكرتك، وأثنيت عليك، فقلت: فأنشدني ما قلت، فأنشدنيه، فقلت: أحسنت، ثم ودعني وخرج فأتى الشام، وإذا المأمون بسلغوس قَالَ: فأخبرني، قَالَ: بينا أنا في غزاة قرة، قد ركبت نجيبي ذاك، ولبست مقطعاتي، وأنا أروم العسكر، فإذا أنا بكهل على بغل فاره ما يقر قراره، ولا يدرك خطاه قال: فلتقانى مكافحة ومواجهة، وأنا أردد نشيد أرجوزتي، فقال: سلام عليكم- بكلام جهوري ولسان بسيط- فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قَالَ: قف إن شئت، فوقفت فتضوعت منه رائحة العنبر والمسك الأذفر، فقال: ما أولك؟ قلت: رجل من مضر، قَالَ: ونحن من مضر، ثم قَالَ: ثم ماذا؟ قلت: رجل من بني تميم، قَالَ: وما بعد تميم؟ قلت: من بني سعد، قَالَ: هيه، فما أقدمك هذا البلد؟ قَالَ: قلت: قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى رائحة، ولا أوسع راحة، ولا أطول باعا، ولا أمد يفاعا منه. قَالَ: فما الذي قصدته به؟ قلت: شعر طيب يلذ على الأفواه، وتقتفيه الرواة، ويحلو في آذان المستمعين، قَالَ: فأنشدنيه، فغضبت وقلت: يا ركيك، أخبرتك أني قصدت الخليفة بشعر قلته، ومديح حبرته، تقول: أنشدنيه! قَالَ: فتغافل والله عنها، وتطأمن لها، وألغى عن جوابها، قَالَ: وما الذي تأمل منه؟ قلت: إن كان على ما ذكر لي عنه فألف دينار، قَالَ: فأنا أعطيك ألف دينار إن رأيت الشعر جيدا والكلام عذبا وأضع عنك العناء، وطول الترداد، ومنى تصل إلى الخليفة وبينك وبينه عشرة آلاف رامح ونابل! قلت: فلي الله عليك أن تفعل! قَالَ: نعم لك الله علي أن أفعل، قلت: ومعك الساعة مال؟ قَالَ: هذا بغلي وهو خير من ألف دينار، أنزل لك عن ظهره، قَالَ: فغضبت أيضا وعارضني نرق سعد وخفة أحلامها، فقلت: ما يساوي هذا البغل هذا النجيب! قَالَ:فدع عنك البغل، ولك الله علي أن أعطيك الساعة ألف دينار، قَالَ: فأنشدته: مأمون يا ذا المنن الشريفه ... وصاحب المرتبة المنيفه وقائد الكتيبة الكثيفه ... هل لك في أرجوزة ظريفه أظرف من فقه أبي حنيفه ... لا والذي أنت له خليفه ما ظلمت في أرضنا ضعيفه ... أميرنا مؤنته خفيفه وما اجتبى شيئا سوى الوظيفه ... فالذئب والنعجة في سقيفه واللص والتاجر في قطيفه. قال: فو الله ما عدا ان انشدته، فإذا زهاء عشرة آلاف فارس قد سدوا الأفق، يقولون: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبركاته! قَالَ: فأخذني أفكل، ونظر إلي بتلك الحال، فقال: لا بأس عليك أي أخي، قلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! أتعرف لغات العرب؟ قَالَ: أي لعمر الله، قلت: فمن جعل الكاف منهم مكان القاف؟ قَالَ: هذه حمير، قلت: لعنها الله، ولعن من استعمل هذه اللغة بعد اليوم! فضحك المأمون، وعلم ما أردت، والتفت إلى خادم إلى جانبه، فقال: أعطه ما معك، فأخرج إلي كيسا فيه ثلاثة آلاف دينار، فقال: هاك، ثم قَالَ: السلام عليك، ومضى فكان آخر العهد به. وقال أبو سعيد المخزومي: هل رأيت النجوم أغنت عن المأمون ... شيئا أو ملكه المأسوس خلفوه بعرصتي طرسوس ... مثل ما خلفوا أباه بطوس وقال علي بْن عبيدة الريحاني: ما أقل الدموع للمأمون ... لست أرضى إلا دما من جفونيوذكر أبو موسى هارون بْن محمد بْن اسماعيل بن موسى الهادي ان على ابن صالح حدثه، قَالَ: قَالَ لي المأمون يوما: أبغني رجلا من أهل الشام، له أدب، يجالسني ويحدثني، فالتمست ذلك فوجدته، فدعوته فقلت له: إني مدخلك على أمير المؤمنين، فلا تسأله عن شيء حتى يبتدئك، فإني أعرف الناس بمسألتكم يا أهل الشام، فقال: ما كنت متجاوزا ما أمرتني به. فدخلت على المأمون، فقلت له: قد أصبت الرجل يا أمير المؤمنين، فقال: أدخله، فدخل فسلم، ثم استدناه- وكان المأمون على شغله من الشراب- فقال له: إني أردتك لمجالستي ومحادثنى، فقال الشامي: يا أمير المؤمنين، إن الجليس إذا كانت ثيابه دون ثياب جليسه دخله لذلك غضاضة، قَالَ: فأمر المأمون أن يخلع عليه، قَالَ: فدخلني من ذلك ما الله به أعلم، قَالَ: فلما خلع عليه، ورجع إلى مجلسه، قَالَ: يا أمير المؤمنين، إن قلبي إذا كان متعلقا بعيالي لم تنتفع بمحادثتي، قَالَ: خمسون ألفا تحمل إلى منزله، ثم قَالَ: يا أمير المؤمنين، وثالثة، قَالَ: وما هي؟ قَالَ: قد دعوت بشيء يحول بين المرء وعقله، فإن كانت مني هنة فاغتفرها، قَالَ: وذاك! قَالَ علي: فكأن الثالثة جلت عني ما كان بي. وذكر أبو حشيشة محمد بْن علي بْن أمية بْن عمرو، قَالَ: كنا قدام أمير المؤمنين المأمون بدمشق، فغنى علويه: برئت من الإسلام إن كان ذا الذى ... أتاك به الواشوان عني كما قالوا ولكنهم لما رأوك سريعة ... إلي، تواصوا بالنميمة واحتالوا فقال: يا علويه، لمن هذا الشعر؟ فقال: للقاضي، قَالَ: أي قاض ويحك! قَالَ: قاضي دمشق، فقال: يا أبا إسحاق، اعزله، قَالَ: قد عزلته، قَالَ: فيحضر الساعة قَالَ: فأحضر شيخ مخضوب قصير، فقال له المأمون: من تكون؟ قال: فلان ابن فلان الفلاني، قَالَ: تقول الشعر؟ قَالَ: قد كنت أقوله، فقال: يا علويه، أنشده الشعر، فانشده، فقال:هذا الشعر لك؟ قَالَ: نعم يا أمير المؤمنين، ونساؤه طوالق وكل ما يملك في سبيل الله إن كان قَالَ الشعر منذ ثلاثون سنة إلا في زهد أو معاتبة صديق، فقال: يا أبا إسحاق اعزله، فما كنت أولى رقاب المسلمين من يبدأ في هزله بالبراءة من الإسلام ثم قَالَ: اسقوه، فأتي بقدح فيه شراب، فأخذه وهو يرتعد، فقال: يا أمير المؤمنين ما ذقته قط، قَالَ: فلعلك تريد غيره! قَالَ: لم أذق منه شيئا قط، قَالَ: فحرام هو؟ قَالَ: نعم يا أمير المؤمنين، قَالَ: أولى لك! بها نجوت، اخرج ثم قَالَ: يا علويه، لا تقل: برئت من الإسلام، ولكن قل: حرمت مناي منك إن كان ذا الذي ... أتاك به الواشون عني كما قالوا قَالَ: وكنا مع المأمون بدمشق، فركب يريد جبل الثلج، فمر ببركة عظيمة من برك بني أمية، وعلى جوانبها أربع سروات، وكان الماء يدخلها سيحا، ويخرج منها، فاستحسن المأمون الموضع، فدعا ببزماورد ورطل، وذكر بني أمية، فوضع منهم وتنقصهم، فأقبل علويه على العود، واندفع يغني: أولئك قومي بعد عز وثروة ... تفانوا فألا أذرف العين أكمدا فضرب المأمون الطعام برجله، ووثب وقال لعلويه: يا بن الفاعلة، لم يكن لك وقت تذكر فيه مواليك إلا في هذا الوقت! فقال: مولاكم زرياب عند موالي يركب في مائة غلام، وأنا عندكم أموت من الجوع! فغضب عليه عشرين يوما، ثم رضي عنه. قَالَ: وزرياب مولى المهدي، صار إلى الشام ثم صار إلى المغرب، إلى بني أمية هناك. وذكر السليطي أبو علي، عن عمارة بْن عقيل، قَالَ: أنشدت المأمون قصيدة فيها مديح له، هي مائة بيت، فابتدئ بصدر البيت فيبادرني الى قافيتهكما قفيته، فقلت: والله يا أمير المؤمنين، ما سمعها مني أحد قط، قَالَ: هكذا ينبغي أن يكون، ثم أقبل علي، فقال لي: أما بلغك أن عمر بْن أبي ربيعة أنشد عبد الله بْن العباس قصيدته التي يقول فيها. تشط غدا دار جيراننا. فقال ابن العباس وللدار بعد غد أبعد. حتى أنشده القصيدة، يقفيها ابن عباس! ثم قَالَ: أنا ابن ذاك. وذكر عن أبي مروان كازر بْن هارون، أنه قَالَ: قَالَ المأمون: بعثتك مرتادا ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا فناجيت من أهوى وكنت مباعدا ... فيا ليت شعري عن دنوك ما اغنى! أرى أثرا منه بعينيك بينا ... لقد أخذت عيناك من عينه حسنا قَالَ أبو مروان: وإنما عول المأمون في قوله في هذا المعنى على قول العباس ابن الأحنف، فإنه اخترع: إن تشق عيني بها فقد سعدت ... عين رسولي، وفزت بالخبر وكلما جاءني الرسول لها ... رددت عمدا في طرفه نظري تظهر في وجهه محاسنها ... قد أثرت فيه أحسن الأثر خذ مقلتي يا رسول عارية ... فانظر بها واحتكم على بصري قَالَ أبو العتاهية: وجه إلي المأمون يوما، فصرت إليه، فألفيته مطرقا مفكرا، فأحجمت عن الدنو منه في تلك الحال، فرفع رأسه، فنظر إلي وأشار بيده، أن ادن، فدنوت ثم أطرق مليا، ورفع رأسه، فقال: يا أبا إسحاق، شأن النفس الملل وحب الاستطراف، تأنس بالوحدة كما تأنس بالألفة، قلت: أجل يا أمير المؤمنين، ولي في هذا بيت، قَالَ: وما هو؟ قلت:لا يصلح النفس إذ كانت مقسمة ... إلا التنقل من حال إلى حال وذكر عن أبي نزار الضرير الشاعر أنه قَالَ: قَالَ لي علي بْن جبلة: قلت لحميد بْن عبد الحميد: يا أبا غانم، قد امتدحت أمير المؤمنين بمدح لا يحسن مثله أحد من أهل الأرض، فاذكرني له، فقال: أنشدنيه، فأنشدته، فقال: أشهد أنك صادق، فأخذ المديح فأدخله على المأمون، فقال: يا أبا غانم، الجواب في هذا واضح، إن شاء عفونا عنه وجعلنا ذلك ثوابا بمديحه، وإن شاء جمعنا بين شعره فيك وفي أبي دلف القاسم بْن عيسى، فإن كان الذي قَالَ فيك وفيه أجود من الذي مدحنا به ضربنا ظهره، وأطلنا حبسه، وإن كان الذي قَالَ فينا أجود أعطيته بكل بيت من مديحه ألف درهم، وإن شاء أقلناه فقلت: يا سيدي، ومن أبو دلف! ومن أنا حتى يمدحنا بأجود من مديحك! فقال: ليس هذا الكلام من الجواب عن المسألة في شيء، فاعرض ذلك على الرجل قَالَ علي بْن جبلة: فقال لي حميد: ما ترى؟ قلت: الا قاله أحب إلي، فأخبر المأمون، فقال: هو أعلم، قَالَ حميد: فقلت لعلي بْن جبلة: إلى أي شيء ذهب في مدحك أبا دلف وفي مدحك لي؟ قَالَ: إلى قول في أبي دلف: إنما الدنيا أبو دلف ... بين مغزاه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره وإلى قولي فيك: لولا حميد لم يكن ... حسب يعد ولا نسب يا واحد العرب الذي ... عزت بعزته العرب قَالَ: فأطرق حميد ساعة، ثم قَالَ: يا أبا الحسن، لقد انتقد عليك أمير المؤمنين وأمر لي بعشرة آلاف درهم وحملان وخلعة وخادم، وبلغ ذلكأبا دلف فأضعف لي العطية، وكان ذلك منهما في ستر لم يعلم به أحد إلى أن حدثتك يا أبا نزار بهذا. قَالَ أبو نزار: وظننت أن المأمون تعقد عليه هذا البيت في أبي دلف: تحدر ماء الجود من صلب آدم ... فأثبته الرحمن في صلب قاسم وذكر عن سليمان بْن رزين الخزاعي، ابن أخي دعبل، قَالَ: هجا دعبل المأمون، فقال: ويسومني المأمون خطة عارف ... أو ما رأى بالأمس رأس محمد يوفي على هام الخلائف مثل ما ... يوفي الجبال على رءوس القردد ويحل في أكناف كل ممنع ... حتى يذلل شاهقا لم يصعد إن الترات مسهد طلابها ... فاكفف لعابك عن لعاب الأسود فقيل للمأمون: إن دعبلا هجاك، فقال: هو يهجو أبا عباد لا يهجوني. يريد حدة أبي عباد، وكان أبو عباد إذا دخل على المأمون كثيرا ما يضحك المأمون، ويقول له: ما أراد دعبل منك حين يقول: وكأنه من دير هزقل مفلت ... حرد يجر سلاسل الأقيادوكان المأمون يقول لإبراهيم بْن شكلة إذا دخل عليه: لقد أوجعك دعبل حين يقول: إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل ... ولتصلحن من بعده للمارق أنى يكون ولا يكون ولم يكن ... لينال ذلك فاسق عن فاسق! وذكر محمد بْن الهيثم الطائي أن القاسم بْن محمد الطيفوري حدثه، قَالَ: شكا اليزيدي إلى المأمون خلة أصابته، ودينا لحقه، فقال: ما عندنا في هذه الأيام ما أن أعطيناكه بلغت به ما تريد، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الأمر قد ضاق علي، وإن غرمائي قد أرهقوني قَالَ: فرم لنفسك أمرا تنال به نفعا فقال: لك منادمون فيهم من أن حركته نلت منه ما أحب، فأطلق لي الحيلة فيهم، قَالَ: قل ما بدا لك، قَالَ: فإذا حضروا وحضرت فمر فلانا الخادم أن يوصل إليك رقعتي، فإذا قرأتها، فأرسل إلي: دخولك في هذا الوقت متعذر، ولكن اختر لنفسك من أحببت قَالَ: فلما علم أبو محمد بجلوس المأمون واجتماع ندمائه إليه، وتيقن أنهم قد ثملوا من شربهم، أتى الباب، فدفع إلى ذلك الخادم رقعة قد كتبها، فأوصلها له إلى المأمون، فقرأها فإذا فيها: يا خير إخواني وأصحابي ... هذا الطفيلي لدى الباب خبر أن القوم في لذة ... يصبو إليها كل أواب فصيروني واحدا منكم ... أو أخرجوا لي بعض أترابيقَالَ: فقرأها المأمون على من حضره، فقالوا: ما ينبغي أن يدخل هذا الطفيلي على مثل هذه الحال فأرسل إليه المأمون: دخولك في هذا الوقت متعذر، فاختر لنفسك من أحببت تنادمه، فقال: ما أرى لنفسي اختيارا غير عبد الله بْن طاهر، فقال له المأمون: قد وقع اختياره عليك، فصر إليه، قَالَ: يا أمير المؤمنين، فأكون شريك الطفيلي! قَالَ: ما يمكن رد أبي محمد عن أمرين، فإن أحببت أن تخرج، وإلا فافتد نفسك، قَالَ: فقال: يا أمير المؤمنين، له علي عشرة آلاف درهم، قَالَ: لا أحسب ذلك يقنعه منك ومن مجالستك، قَالَ: فلم يزل يزيده عشرة عشرة، والمأمون يقول له: لا أرضى له بذلك، حتى بلغ المائة ألف قَالَ: فقال له المأمون: فعجلها له، قَالَ: فكتب له بها إلى وكيله، ووجه معه رسولا، فأرسل إليه المأمون: قبض هذه في هذه الحال أصلح لك من منادمته على مثل حاله، وأنفع عاقبة. وذكر عن محمد بْن عبد الله صاحب المراكب قَالَ: أخبرني ابى عن صالح بن الرشيد، قَالَ: دخلت على المأمون، ومعي بيتان للحسين بْن الضحاك، فقلت: يا أمير المؤمنين، أحب أن تسمع مني بيتين، قَالَ: أنشدهما، قَالَ: فأنشده صالح: حمدنا الله شكرا إذ حبانا ... بنصرك يا أمير المؤمنينا فأنت خليفة الرحمن حقا ... جمعت سماحة وجمعت دينا فاستحسنهما المأمون، وقال: لمن هذان البيتان يا صالح؟ قلت: لعبدك يا أمير المؤمنين الحسين بْن الضحاك، قَالَ: قد أحسن، قلت: وله يا أمير المؤمنين ما هو أجود من هذا، قَالَ: وما هو؟ فأنشدته: أيبخل فرد الحسن فرد صفاته ... علي، وقد أفردته بهوى فرد! رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه والله أعلم بالعبد وذكر عن عمارة بْن عقيل، أنه قَالَ: قَالَ لي عبد الله بْن أبي السمط:علمت أن المأمون لا يبصر الشعر، قَالَ: قلت: ومن ذا يكون اعلم منه! فو الله إنك لترانا ننشده أول البيت فيسبقنا إلى آخره، قال: أنشدته بيتا أجدت فيه، فلم أره تحرك له، قَالَ: قلت: وما الذي أنشدته؟ قَالَ: أنشدته: أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل قَالَ: فقلت له: إنك والله ما صنعت شيئا، وهل زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها، في يدها سبحتها! فمن القائم بأمر الدنيا إذا تشاغل عنها، وهو المطوق بها! هلا قلت فيه كما قَالَ عمك جرير في عبد العزيز ابن الوليد: فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله فقال: الآن علمت أني قد أخطأت. وذكر عن محمد بن ابراهيم السيارى قَالَ: لما قدم العتابي على المأمون مدينة السلام أذن له، فدخل عليه، وعنده إسحاق بْن إبراهيم الموصلي- وكان شيخا جليلا- فسلم عليه، فرد ع، وأدناه وقربه حتى قرب منه، فقبل يده، ثم أمره بالجلوس فجلس، وأقبل عليه يسائله عن حاله، فجعل يجيبه بلسان طلق، فاستطرف المأمون ذلك، فأقبل عليه بالمداعبة والمزاح، فظن الشيخ أنه استخف به، فقال: يا أمير المؤمنين، الإبساس قبل الإيناس قَالَ: فاشتبه على المأمون الإبساس، فنظر إلى إسحاق بْن إبراهيم، ثم قَالَ: نعم، يا غلام ألف دينار، فأتى بها، ثم صبت بين يدي العتابي، ثمأخذوا في المفاوضة والحديث، وغمز عليه إسحاق بْن إبراهيم، فأقبل لا يأخذ العتابي في شيء إلا عارضه إسحاق بأكثر منه، فبقي متعجبا، ثم قال: يا امير المؤمنين، ايذن لي في مسألة هذا الشيخ عن اسمه، قَالَ: نعم، سله، قَالَ: يا شيخ، من أنت؟ وما اسمك؟ قَالَ: أنا من الناس، واسمي كل بصل، قَالَ: أما النسبة فمعروفة، وأما الاسم فمنكر، وما كل بصل من الأسماء؟ فقال له إسحاق: ما أقل إنصافك! وما كل ثوم من الأسماء! البصل أطيب من الثوم، فقال العتابي: لله درك! ما أحجك! يا أمير المؤمنين، ما رأيت كالشيخ قط، أتأذن لي في صلته بما وصلني به أمير المؤمنين، فقد والله غلبني! فقال المأمون: بل هذا موفر عليك، ونأمر له بمثله، فقال له إسحاق: اما إذا أقررت بهذه فتوهمني تجدني، فقال: والله ما أظنك إلا الشيخ الذي يتناهى إلينا خبره من العراق، ويعرف بابن الموصلي! قَالَ: أنا حيث ظننت، فأقبل عليه بالتحية والسلام، فقال المأمون وقد طال الحديث بينهما: أما إذا اتفقتما على الصلح والمودة، فقوما فانصرفا متنادمين، فانصرف العتابي إلى منزل إسحاق فأقام عنده. وذكر عن محمد بْن عبد الله بْن جشم الربعي أن عمارة بْن عقيل قَالَ: قَالَ لي المأمون يوما وأنا أشرب عنده: ما أخبثك يا أعرابي! قَالَ: قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ وهمتني نفسي، قَالَ: كيف قلت: قالت مفداه لما أن رأت أرقي ... والهم يعتادني من طيفه لمم نهبت مالك في الأدنين آصرة ... وفي الأباعد حتى حفك العدمفاطلب إليهم ترى ما كنت من حسن ... تسدي إليهم فقد باتت لهم صرم فقلت عذلك قد أكثرت لائمتي ... ولم يمت حاتم هزلا ولا هرم فقال لي المأمون: أين رميت بنفسك إلى هرم بْن سنان سيد العرب وحاتم الطائي! فعلا كذا وفعلا كذا، وأقبل ينثال علي بفضلهما، قَالَ: فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا خير منهما، أنا مسلم وكانا كافرين، وأنا رجل من العرب. وذكر عن محمد بْن زكرياء بْن ميمون الفرغاني، قَالَ: قَالَ المأمون لمحمد بْن الجهم: أنشدني ثلاثة أبيات في المديح والهجاء والمراثي، ولك بكل بيت كورة، فأنشده في المديح: يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود وأنشده في الهجاء: قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبر وأنشده في المراثي: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر وذكر عن العباس بْن أحمد بْن أبان بْن القاسم الكاتب، قَالَ: أخبرني الحسين بْن الضحاك، قَالَ: قَالَ لي علويه: أخبرك أنه مر بي مرة ما أيست من نفسي معه لولا كرم المأمون، فإنه دعا بنا، فلما أخذ فيه النبيذ، قَالَ: غنوني، فسبقني مخارق، فاندفع فغنى صوتا لابن سريج في شعر جرير:لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وضرب بالنواقيس فقلت للركب إذ جد المسير بنا ... يا بعد يبرين من باب الفراديس! قال: فحين لي ان تغنيت، وكان قد هم بالخروج إلى دمشق يريد الثغر: الحين ساق إلى دمشق وما ... كانت دمشق لأهلها بلدا فضرب بالقدح الأرض، وقال: ما لك! عليك لعنة الله ثم قَالَ: يا غلام، أعط مخارقا ثلاثة آلاف درهم، وأخذ بيدي فأقمت وعيناه تدمعان، وهو يقول للمعتصم: هو والله آخر خروج، ولا أحسبني أن أرى العراق ابدا، فكان والله آخر عهده بالعراق عند خروجه كما قال.
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 4997, entry [1273]344 chars
    دته: مأمون يا ذا المنن الشريفه ... وصاحب المرتبة المنيفه وقائد الكتيبة الكثيفه ... هل لك في أرجوزة ظريفه أظرف من فقه أبي حنيفه ... لا والذي أنت له خليفه ما ظلمت في أرضنا ضعيفه ... أميرنا مؤنته خفيفه وما اجتبى شيئا سوى الوظيفه ... فالذئب والنعجة في سقيفه واللص والتاجر في قطيفه. قال: فو الله ما عدا ان انشدته، فإذا زهاء عشرة آلاف فارس قد سدوا ال

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري

full-text

— · 2 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 5410, entry [1914]20,267 chars
    ذكر بعض أخبار المأمون وسيَره ذُكر عن محمد بن الهيثم بن عديّ، أن إبراهيم بن عيسى بن بُريهَة بن المنصور، قال: لما أراد المأمون الشخوصَ إلى دمشق هيّأتُ له كلامًا، مكثت فيه يومين وبعض آخر، فلما مثلتُ بين يديه قلتُ: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، في أدوم العزّ وأسبغ الكرامة، وجعلني من كلِّ سوء فداه! إنّ م…
    ▸ expand full passage (20,267 chars)
    ذكر بعض أخبار المأمون وسيَره ذُكر عن محمد بن الهيثم بن عديّ، أن إبراهيم بن عيسى بن بُريهَة بن المنصور، قال: لما أراد المأمون الشخوصَ إلى دمشق هيّأتُ له كلامًا، مكثت فيه يومين وبعض آخر، فلما مثلتُ بين يديه قلتُ: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، في أدوم العزّ وأسبغ الكرامة، وجعلني من كلِّ سوء فداه! إنّ من أمسى وأصبح يتعرّف من نعمة الله، له الحمد كثيرًا عليه برأي أمير المؤمنين أيّده الله فيه، وحُسْن تأنيسه له، حقيق بأن يستديم هذه النعمة، ويلتمس الزيادة فيها بشكر الله وشكر أمير المؤمنين، مدّ الله في عمره عليها. وقد أحبّ أن يعلم أميرُ المؤمنين أيّده الله أني لا أرغب بنفسي عن خدمته أيده الله بشيء من الخَفْض والدّعة؛ إذ كان هو أيّده الله يَتجشَّم خُشونة السفر ونصب الظَّعْن، وأوْلى الناس بمواساته في ذلك وبذل نفسه فيه أنا، لما عرّفني اللهُ من رأيه، وجعل عندي من طاعته ومعرفة ما أوجب الله من حقه؛ فإن رأى أميرُ المؤمنين أكرمه الله أن يكرمني بلزوم خدمته، والكينونة معه فعل. فقال لي مبتدئًا من غير تروية: لم يعزمُ أميرُ المؤمنين في ذلك على شيء، وإن استصحب أحدًا من أهل بيتك بدأ بك؛ وكنت المقدَّم عنده في ذلك، ولا سيما إذْ أنزلتَ نفسك بحيث أنزلكَ أمير المؤمنين من نفسه؛ وإن ترك ذلك فمن غير قِلىً لمكانك؛ ولكن بالحاجة إليك. قال: فكان واللهِ ابتداؤه أكثرَ من تَرْوِيتي. وذكر عن محمد بن عليّ بن صالح السرخسيّ، قال تعرّض رجلٌ للمأمون بالشام مرارًا، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، انظر لعرب الشّأم كما نظرت لعجم أهل خراسان! فقال: أكثرت عليّ يا أخا أهل الشام؛ والله ما أنزلت قيسًا عن ظهور الخيل إلّا وأنا أرى أنه لم يبقَ في بيتِ مالي درهم واحد؛ وأما اليمن فولله ما أحببتُها ولا أحبّتني قطّ؛ وأما قُضاعة فسادتُها تنتظر السفيانيّ وخروجَه فتكونُ من أشياعه، وأمّا رَبيعة فساخطةٌ على الله منذ بعث نبيَّه من مُضَر؛ ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاريًا، اعزُبْ فعل الله بك! وذُكر عن سعيد بن زياد أنه لما دخل على المأمون بدمشق قال له: أرِني الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لكم، قال: فأريته، قال: فقال: إني لأشتهي أنأدري أيّ شيء هذا الغِشاء على هذا الخاتم؟ قال: فقال له أبو إسحاق: حُلّ العقد حتى تدري ما هو، قال: فقال: ما أشكّ إنّ النبي ﷺ عقد هذا العقد، وما كنت لأحلّ عقدًا عقده رسول الله ﷺ. ثم قال للواثق: خذه فضعْه على عينك؛ لعلّ الله أن يشفيَك. قال: وجعل المأمون يضعه على عينه ويبكي. وذُكر عن العَيْشيّ صاحب إسحاق بن إبراهيم، أنه قال: كنت مع المأمون بدمشق، وكان قد قلّ المال عندَه حتى ضاق، وشكا ذلك إلى أبي إسحاق المعتصم، فقال له: يا أميرَ المؤمنين، كأنك بالمال وقد وافاكَ بعد جمعة. قال: وكان حمل إليه ثلاثون ألف ألف مِنْ خراج ما يتولاه له، قال: فلما وردَ عليه ذلك المال، قال المأمون ليحيى بن أكثم: اخرج بنا ننظر إلى هذا المال، قال: فخرجا حتى أصحَرا، ووقفا ينظرانه؛ وكان قد هُيِّيء بأحسن هيئة، وحُلِّيَتْ أباعِرُه، وألبِست الأحلاس الموشّاة والجِلال المصبّغة وقُلِّدت العِهنَ، وجعِلت البدر بالحرير الصيني الأحمر والأخضر والأصفر، وأبديت رؤوسها. قال: فنظر المأمون إلى شيء حسن، واستكثر ذلك، فعظم في عينه، واستشرَفه الناس ينظرون إليه، ويعجبون منه، فقال المأمون ليحيى: يا أبا محمد، ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم الساعة خائبين إلى منازلهم، وننصرف بهذه الأموال قد ملكناها دونهم! إنا إذًا للئام. ثم دعا محمد بن يزداد، فقال له: وقّع لآل فلان بألف ألف، ولآل فلان بمثلها، ولآل فلان بمثلها. قال: فولله إنْ زال كذلك حتى فرّق أربعة وعشرين ألف ألف درهم ورجله في الركاب، ثم قال: ادفع الباقي إلى المعلَّى يعطي جندنا. قال العيشيّ: فجئت حتى قمت نصب عينه، فلم أردّ طرفي عنها، لا يلحظني إلا رآني بتلك الحال. فقال: يا أبا محمد، وقّع لهذا بخمسين ألف درهم من الستة الآلف ألف؛ لا يختلس ناظري. قال: فلم يأت عليَّ ليلتان حتى أخذت المال (١).وذكر عن محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان؛ أنه كان بالبصرة رجلٌ من بني تميم، وكان شاعرًا ظريفًا خبيثًا منكرًا؛ وكنت أنا والي البصرة، آنسُ به وأستحليه؛ فأردتُ أن أخدَعه وأستنزله، فقلت له: أنت شاعر وأنت ظريف، والمأمون أجودُ من السحاب الحافل والريح العاصف؛ فما يمنعك منه؟ قال: ما عندي ما يُقلُّنِي، قلت: فأنا أعطيك نجيبًا فارهًا، ونفقة سابغة، وتخرج إليه وقد امتدحتَه؛ فإنك إن حظيتَ بلقائه، صرْت إلى أمنيّتك. قال: والله أيها الأمير ما إخالك أبعدت؛ فأعدّ لي ما ذكرت. قال: فدعوتُ له بنجيب فاره، فقلت: شأنك به فامتطه؛ قال: هذه إحدى الحُسنيَيْن، فما بال الأخرى! فدعوت له بثلثمائة درهم، وقلت: هذه نفقتك؛ قال: أحسبك أيها الأمير قصَّرت في النفقة، قلت: لا، هي كافية، وإن قصّرت عن السّرف. قال: ومتى رأيت في أكابر سعد سرفًا حتى تراه في أصاغرها! فأخذ النجِيب والنفقة، ثم عمل أرجوزة ليست بالطويلة، فأنشد فيها وحذف منها ذكري والثناء عليّ - وكان ماردًا - فقلت له: ما صنعتَ شيئًا. قال: وكيف؟ قلت: تأتي الخليفةَ ولا تُثْنِي على أميرك! قال: أيّها الأمير أردت أن تخدعني فوجدتني خدّاعًا، ولمثلها ضرب هذا المثل: "من يَنِك العَيْر يَنك نيَّاكًا"؛ أما والله ما لكرامتي حملْتَني على نجيبك، ولا جُدْت لي بمالك الذي ما رامه أحد قطّ إلا جعل الله خدّه الأسفل؛ ولكن لأذكرك في شعري وأمدحك عند الخليفة، أفهم هذا. قلت: قد صدقت، فقال: أمّا إذْ أبديتَ ما في ضميرك، فقد ذكرتك، وأثنيت عليك، فقلت: فأنشدني ما قلتَ، فأنشدنيه، فقلت: أحسنت؛ ثم ودّعني وخرج فأتى الشام؛ وإذا المأمون بسلغَوس. قال: فأخبرَنَي، قال: بينا أنا في غزَاةٍ قرَّة، قد ركبتُ نجيبِي ذاك، ولبستُ مقطّعاتي، وأنا أروم العسكر؛ فإذا أنا بكهل على بَغْل فاره ما يُقَرّ قراره، ولا يدرك خطاه. قال: فلتقَّاني مكافحة ومواجهة، وأنا أردّد نشيدأرجوزتي، فقال: سلام عليكم - بكلام جَهْوريّ ولسان بسيط - فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال: قف إن شئت، فوقفت فتضوّعت منه رائحة العَنْبر والمسك الأذفر، فقال: ما أوّلك؟ قلت: رجل من مُضَر، قال: ونحن من مُضَر، ثم قال: ثمّ ماذا؟ قلت: رجلٌ من بني تميم، قال: وما بعد تميم؟ قلت: من بني سعد، قال: هيهِ، فما أقدمك هذا البلد؟ قال: قلت: قصدتُ هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى رائحةً، ولا أوسعَ راحة، ولا أطولَ باعًا، ولا أمدّ يفاعًا منه. قال: فما الذي قصدتَهُ به؟ قلت: شعر طيب يلذّ على الأفواه، وتقتفيه الرّواة، ويحلو في آذان المستمعين، قال: فأنشدْنيه، فغضبتُ وقلت: يا ركيك، أخبرتُك أني قصدتُ الخليفة بشعر قلتُه، ومديح حَبّرتُه، تقول: أنشدْنيه! قال: فتغافل والله عنها، وتطامن لها، وألغى عن جوابها، قال: وما الذي تأمل منه؟ قلت: إن كان على ما ذُكر لي عنه فألف دينار، قال: فأنا أعطيك ألفَ دينار إن رأيتُ الشعرَ جيّدًا والكلام عذبًا وأضع عنك العناء، وطول التَّرداد؛ ومنى تصلُ إلى الخليفة وبينك وبينه عشرة آلاف رامحٍ ونابل! قلت: فلي الله عليك أن تفعَل! قال: نعم لك الله عليّ أن أفعل، قلت: ومعك الساعة مال؟ قال: هذا بغلي وهو خيرٌ من ألف دينار، أنزل لك عن ظهره، قال: فغضبتُ أيضًا وعارضني نَزَق سعْد وخفّة أحلامها، فقلت: ما يساوي هذا البغل هذا النجيب! قال: فدعْ عنك البغل، ولك الله عليّ أن أعطيَك الساعة ألف في ينار، قال: فأنشدته: مأْمونُ يا ذا المِننِ الشرِيفَةْ ... وصاحبَ المرتبةِ المُنيفَةْ وقائدَ الكتيبةِ الكثِيْفَةْ ... هل لك في أَرجوزةٍ ظريفةْ أَظرَفَ مِن فقهِ أَبي حنيفةْ ... لا والذي أَنت له خليفةْ ما ظُلِمَتْ في أَرضنا ضعيفةْ ... أَميرُنا مُؤْنَتُهُ خَفيفةْ وما اجتبى شيئًا سوى الوظيفةْ ... فالذئبُ والنَّعجةُ في سَقيفةْ *واللصّ والتاجرُ في قَطيفَةْ* قال: فولله ما عدا أن أنشدته، فإذا زُهاء عشرة ألاف فارس قد سدوا الأفق، يقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! قال: فأخذني أفكلٌ، ونظر إليّ بتلك الحال، فقال: لا بأس عليك أي أخي، قلت: يا أميرَ المؤمنين،جعلني الله فداك! أتعرف لغات العرب؟ قال: إي لعمر الله، قلت: فمن جعل الكاف منهم مكان القاف؟ قال: هذه حميَر، قلت: لعنها الله، ولعن من استعمل هذه اللغة بعد اليوم! فضحك المأمون، وعلم ما أردتُ، والتفت إلى خادم إلى جانبه، فقال: أعطه ما معك، فأخرج إليّ كيسًا فيه ثلاثة آلاف دينار، فقال: هاك، ثم قال: السلام عليك؛ ومضى فكان آخر العهد به (١). وقال أبو سعيد المخزومي: هل رأَيتَ النُّجومَ أَغنَت عنِ المأْ ... مونِ شيئًا أَو ملكِهِ المأْسوسِ خَلَّفُوهُ بِعَرْصتي طرسوس ... مثلَ ما خَلَّفُوا أَباه بطوس وقال عليّ بن عبيدة الرّيحانيّ: ما أقلَّ الدموعَ للمأمونِ ... لستُ أَرضى إلا دمًا مِن جفوني وذكر أبو موسى هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي أنّ عليّ بن صالح حدّثه، قال: قال لي المأمون يومًا: أبغني رجلًا من أهل الشام، له أدب، يجالسني ويحدّثني، فالتمستُ ذلك فوجدته، فدعوته فقلت له: إني مدخلك على أمير المؤمنين، فلا تسأله عن شيء حتى يبتدئك، فإني أعرفُ الناس بمسألتكم يا أهل الشام، فقال: ما كنت متجاوزًا ما أمرتني به. فدخلت على المأمون، فقلت له: قد أصبت الرّجل يا أمير المؤمنين، فقال: أدخله، فدخل فسلم، ثم استدناه - وكان المأمون على شغله من الشراب - فقال له: إني أردتك لمجالستي ومحادثتي، فقال الشامي: يا أمير المؤمنين؛ إن الجليس إن كانت ثيابه دون ثياب جليسه دخله لذلك غضاضة، قال: فأمر المأمون أن يخلَع عليه؛ قال: فدخلني من ذلك ما الله به أعلم، قال: فلما خلع عليه، ورجع إلى مجلسه، قال: يا أميرَ المؤمنين؛ إنّ قلبي كان إذا كان متعلِّقًا بعيالي لم تنتفع بمحادثتي، قال: خمسون ألفًا تحمل إلى منزله، ثم قال: يا أمير المؤمنين، وثالثة: قال: وما هي؟ قال: قد دعوت بشيء يحول بين المرء وعقله؛ فإن كانتمني هنةٌ فاغتفرها، قال: وذاك! قال عليّ: فكأنّ الثالثة جلتْ عني ما كان بي. وذكر أبو حشيشة محمد بن عليّ بن أمية بن عمرو، قال: كنا قدّام أمير المؤمنين المأمون بدمشق، فغنى علّويَه: بَرئت مِنَ الإِسلام إِن كَانَ ذا الذِي ... أَتاكِ به الواشونَ عنِّي كما قالوا ولكنَّهمْ لمّا رأَوْكِ سَرِيعَةً ... إِليَّ، تَواصوْا بالنَّميمَةِ واحتالوا فقال: يا علّويه، لمن هذا الشعر؟ فقال: للقاضي، قال: أيّ قاض ويحك! قال: قاضي دمشق، فقال: يا أبا إسحاق، اعزله، قال: قد عزلته، قال: فيُحضر الساعة. قال: فأحضر شيخ مخضوب قصير؛ فقال له المأمون: من تكون؟ قال: فلان بن فلان الفلانيّ، قال: تقول الشعر؟ قال: قد كنت أقوله، فقال: يا علّويه، أنشده الشعر، فأنشده؛ فقال: هذا الشعرُ لك: قال: نعم يا أمير المؤمنين، ونساؤه طوالِق وكلّ ما يملك في سبيل الله إن كان قال الشعر منذ ثلاثون سنة إلا في زُهد أو معاتبة صديق، فقال: يا أبا إسحاق اعزله؛ فما كنت أولِّي رقابَ المسلمين مَن يبدأ في هزله بالبراءة من الإسلام. ثم قال: اسقوه؛ فأتيَ بقدح فيه شراب، فأخذه وهو يرتعد، فقال: يا أمير المؤمنين ما ذقته قطّ، قال: فلعلك تريد غيره! قال: لم أذق منه شيئًا قطّ، قال: فحرام هو؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أوْلى لك! بها نجوت، اخرج. ثم قال: يا علّويه، لا تقل: "برئت من الإسلام"، ولكن قل: حُرمْتُ منايَ منكِ إِن كان ذَا الَّذي ... أَتاك به الواشون عَنِّي كما قالوا قال: وكنّا مع المأمون بدمشق، فركب يريد جبل الثلج، فمرّ ببركة عظيمة من برَك بني أميّة، وعلى جوانبها أربع سَرَوات، وكان الماء يدخلها سيْحَا، ويخرج منها؛ فاستحسن المأمون الموضِع، فدعا ببزْما وَرد ورطْل، وذكَر بني أميّة، فوضع منهم وتنقّصهم؛ فأقبل علّويه على العُود، واندفع يغنّي: أولئِك قومي بعد عزٍّ وثروةٍ ... تَفَانَوْا فإِلَّا أَذرِفُ العينَ أَكمدَا فضرب المأمونُ الطعام برجله، ووثب وقال لعلّويه: يا بن الفاعلة، لم يكن لك وقت تذكر فيه مواليك إلّا في هذا الوقت! فقال: مولاكم زِرياب عند مواليّيركب في مائة غلام؛ وأنا عندكم أموت من الجوع! فغضب عليه عشرين يومًا، ثم رضى عنه (١). قال: وزرياب مولى المهديّ، صار إلى الشام ثم صار إلى المغرِب، إلى بني أمية هناك. وذكر السّلِيطيّ أبو عليّ، عن عُمارة بن عَقِيل، قال: أنشدتُ المأمون قصيدةً فيها مديح له، هي مائة بيت؛ فأبتدئ بصدر البيت فيبادرني إلى قافيته كما قفَّيتُهُ، فقلت: والله يا أمير المؤمنين؛ ما سمعها مني أحد قطّ، قال: هكذا ينبغي أن يكون؛ ثم أقبل عليّ، فقال لي: أما بلغك أنّ عمر بن أبي ربيعة أنشد عبد الله بن العباس قصيدته التي يقول فيها: *تشُطُّ غدًا دارُ جيراننا* فقال ابنُ العباس: *وللدارُ بعد غد أبعد* حتى أنشده القصيدة، يقفّيها ابن عباس! ثم قال: أنا ابنُ ذاك (٢). وذُكر عن أبي مروان كازر بن هارون، أنه قال: قال المأمون: بعثتُكَ مُرتادًا ففزتَ بِنظْرةٍ ... وأَغفَلْتَنِي حتى أَسأْتُ بكَ الظَّنَّا فناجيتَ مَن أَهْوَى وكنتُ مباعَدًا ... فيا ليت شعرِي عَن دُنوّك ما أغنى! أَرَى أَثرًا منهُ بعينَيك بَيِّنًا ... لقد أَخذَت عيناكَ مِن عينه حُسنا قال أبو مروان: وإنما عوّل المأمون في قوله في هذا المعنى على قول العباس بن الأحنف، فإنه اخترع: إن تَشْقَ عيني بها فقد سَعِدَتْ ... عينُ رسولي، وفُزتُ بالخَبَرِ وكلَّما جاءَني الرسول ... لهَا ردَّدتُ عمدًا في طرفه نَظريتَظْهَرُ في وجهِه محاسنُها ... قد أَثَّرَتْ فيه أَحسنَ الأَثرِ خُذ مقلتِي يا رسولُ غاريةً ... فانظر بها واحتَكمْ على بصرِي قال أبو العتاهية: وجّه إليّ المأمون، فصرتُ إليه، فألفيتُه مطرقًا مفكِّرًا، فأحجمتُ عن الدنوّ منه في تلك الحال؛ فرفع رأسه، فنظر إليّ وأشار بيده، أن ادنُ، فدنوتُ ثم أطرق مليًّا، ورفع رأسه، فقال: يا أبا إسحاق، شأنُ النفس الملل وحُبّ الاستطراف، تأنس الوحدة كما تأنس بالألْفة، قلت: أجَل يا أمير المؤمنين، ولي في هذا بيت، قال: وما هو؟ قلت: لا يُصلِح النفسَ إذ كانت مُقَسَّمَةً ... إلَّا التَّنقُّلُ من حالٍ إلى حالِ (١) وذُكر عن أبي نزار الضّرير الشاعر أنه قال: قال لي عليّ بن جَبَلة: قلتُ لحميد بن عبد الحميد: يا أبا غانم، قد امتدحتُ أميرَ المؤمنين بمدْح لا يحسِن مثله أحدٌ من أهل الأرض، فاذكرني له، فقال: أنشدْنيه، فأنشدته، فقال: أشهد أنك صادق؛ فأخذ المديح فأدخله على المأمون، فقال: يا أبا غانم، الجواب في هذا واضح، إن شاء عفوْنا عنه وجعلنا ذلك ثوابًا بمديحه؛ وإن شاء جمعنا بين شعره فيك وفي أبي دُلف القاسم بن عيسى؛ فإن كان الذي قال فيك وفيه أجودُ من الذي مدحَنا به ضربنا ظهره، وأطلْنا حبسَه، وإن كان الذي قال فينا أجود أعطيتُه بكلّ بيت من مديحه ألف درهم، وإن شاء أقلناه. فقلت: يا سيّدي، ومن أبو دُلف! ومن أنا حتى يمدحنا بأجود من مديحك! فقال: ليس هذا الكلام من الجواب عن المسألة في شيء، فاعرضْ ذلك على الرجل. قال عليّ بن جبلة: فقال لي حُميد: ما ترى؟ قلت: الإقالة أحبُّ إليّ، فأخبر المأمون، فقال: هو أعلم، قال حميد: فقلت لعلي بن جبلة إلى أي شيء ذهب في مدحك أبا دُلف وفي مدحك لي؟ قال: إلى قولي في أبي دلف: إِنَّما الدّنيا أَبو دُلَفٍ ... بينَ مغزاهُ ومُحتَضَرِهْفإِذا ولَّى أَبو دُلَفٍ ... وَلَّتِ الدّنيا على أَثَرِهْ وإلى قولي فيك: لولا حميدٌ لم يكُنْ ... حسبٌ يُعَدُّ ولا نَسَبْ يا واحِدَ العَربِ الَّذي ... عَزَّتْ بعِزَّته العربْ قال: فأطرق حُميد ساعة، ثم قال: يا أبا الحسن، لقد انتقد عليك أمير المؤمنين. وأمر لي بعشرة آلاف درهم وحُملان وخلعة وخادم، وبلغ ذلك أبا دُلَف فأضعف لي العطية، وكان ذلك منهما في سترٍ لم يعلم به أحد إلى أن حدّثتك يا أبا نزار بهذا (١). قال أبو نزار: وظننتُ أنّ المأمون تعقّد عليه هذا البيت في أبي دُلَف: تحَدَّرَ ماءُ الجُودِ من صُلبِ آدمٍ ... فأَثبتَهُ الرَّحمَنُ في صلب قاسِمِ وذُكر عن سليمان بن رَزين الخزاعيّ، ابن أخي دعْبل، قال: هجا دعْبل المأمونَ، فقال: ويَسُومُني المأْمُونُ خَطَّةَ عارِفٍ ... أَوَ مَا رأى بالأَمسِ رأْسَ محمدِ يُوفِي على هامِ الخلائفِ مثلَ مَا ... يُودي الجبالُ على رؤوسِ القَرددِ وَيَحِلُّ في أكنافِ كلِّ ممنَّعٍ ... حتى يُذَلّلَ شاهِقًا لم يُصْعَدِ إنَّ التِّراتِ مُسَهَّدٌ طُلَّابُها ... فاكففْ لُعَابكَ عن لعابِ الأَسودِ فقيل للمأمون: إن دعْبلا هجاك، فقال: هو يهجو أبا عبّاد لا يهجوني. يريد حدّة أبي عبّاد، وكان أبو عبّاد إذا دخل على المأمون كثيرًا ما يضحك المأمون، ويقول له: ما أراد دِعبل منك حين يقول: وكأَنَّه من دَيرِ هِزْقِلَ مفلِتٌ ... حَرِدٌ يجُرُّ سلاسلَ الأَقيادوكان المأمون يقول لإبراهيم بن شَكْلة إذا دخل عليه: لقد أوجعك دِعْبل حين يقول: إن كانَ إِبراهيمُ مضطلعًا بِهَا ... فلَتَصلُحَنْ من بَعده لِمُخارِقِ وَلتَصْلُحَنْ من بعد ذاكَ لزُلزُلٍ ... ولتَصْلحَنْ مِنْ بعدهِ للمَارِقِ أَنَّى يكُونُ ولا يكونُ وَلمْ يكُنْ ... لينَالَ ذَلِكَ فاسقٌ عن فاسق! (١) وذكر محمد بن الهيثم الطائيّ أنّ القاسم بن محمد الطيْفوريّ حدّثه، قال: شكا اليزيديّ إلى المأمون خلّةً أصابته، ودَيْنًا لحقه، فقال: ما عندنا في هذه الأيام ما إن أعطيناكه بلغتَ به ما تريد، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنّ الأمرَ قد ضاق عليّ، وإنّ غُرَمائي قد أرهقوني. قال: فرُمْ لنفسك أمرًا تنال به نفعًا فقال: لك منادمون فيهم مَن إنْ حرّكتُه نلتُ منه ما أحبّ، فأطلق ليَ الحيلة فيهم، قال: قل ما بدا لك، قال: فإذا حضرُوا وحضرتُ فمرْ فلانًا الخادم أنْ يوصلَ إليك رقعتي؛ فإذا قرأتَها، فأرسل إليّ: دخولُك في هذا الوقت متعذّر، ولكن اختر لنفسك مَنْ أحببت. قال: فلما علم أبو محمد بجلُوس المأمون واجتماع ندمائه إليه، وتيقّن أنهم قد ثملوا من شُرْبهم، أتى الباب، فدفع إلى ذلك الخادم رُقعة قد كتبها، فأوصلها له إلى المأمون، فقرأها فإذا فيها: يا خيرَ إِخواني وأَصْحَابي ... هَذَا الطّفَيليُّ لَدَى البابِ خُبّرَ أَنَّ القَومَ في لَذَّةٍ ... يَصْبُو إليها كلُّ أَوَّابِ فصيِّروني واحدًا منكمُ ... أَو أَخرِجوا لِي بعضَ أَترابِي قال: فقرأها المأمون عَلى مَنْ حضره، فقالوا: ما ينبغي أن يدخُل هذاالطفيليّ على مثل هذه الحال. فأرسل إليه المأمون: دخولُك في هذا الوقت متعذّر، فاخترْ لنفسك مَنْ أحببت تنادمه، فقال: ما أرى لنفسي اختيارًا غير عبد الله بن طاهر، فقال له المأمون: قد وقع اختياره عليك، فصِرْ إليه، قال: يا أميرَ المؤمنين، فأكونُ شريك الطفيليّ! قال: ما يمكن رَدّ أبي محمد عن أمرين؛ فإن أحببت أن تخرج، وإلّا فافتد نفسك، قال: فقال: يا أميرَ المؤمنين، له عليّ عشرة آلاف درهم، قال: لا أحسب ذلك يقنعه منك ومن مجالستك، قال: فلم يزل يزيدُه عشرة عشرة، والمأمون يقول له: لا أرضى له بذلك، حتى بلغ المائة ألف. قال؛ فقال له المأمون: فعجّلْها له، قال: فكتب له بها إلى وكيلِه، ووجّه معه رسولًا، فأرسل إليه المأمون: قبض هذه في الحال أصلحُ لك من منادمته على مثل حاله، وأنفع عاقبة. وذُكر عن محمد بن عبد الله صاحب المراكب قال: أخبرَني أبي عن صالح بن الرشيد، قال: دخلتُ على المأمون، ومعي بيتَان للحسين بن الضحّاك، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، أحبّ أن تسمع منِّي بيتين، قال: أنشدهما، قال: فأنشده صالح: حَمِدْنا الله شكرًا إذ حَبَانا ... بِنَصْرِكَ يا أَميرَ المؤمِنينَا فأَنتَ خليفةُ الرَّحْمَنِ حَقًّا ... جَمَعْتَ سَماحةً وجَمعتَ دينا فاستحسنهما المأمون، وقال: لمن هذان البيتان يا صالح؟ قلت: لعبدك يا أمير المؤمنين الحسين بن الضحاك، قال: قد أحسن، قلت: وله يا أمير المؤمنين ما هو أجود من هذا، قال: وما هو؟ فأنشدته: أَيَبْخَلُ فردُ الحُسنِ فرْدُ صفاتِه ... عليَّ، وقد أَفردْتُه بهوىً فَرْدِ! رَأَى اللهُ عبدَ اللهِ خيرَ عِبَادِهِ ... فَمَلَّكَهُ واللهُ أَعلمُ بالعبدِ (١) وذُكر عن عُمارة بن عَقيل، أنه قال: قال لي عبد الله بن أبي السّمط: علمت أنّ المأمون لا يبصر الشعر، قال: قلت: ومَنْ ذا يكون أعلم منه! فولله إنك لترانا ننشده أوّلَ البيت فيسبِقنا إلى آخره، قال: أنشدته بيتا أجدتُ فيه، فلم أره تحرّكله، قال: قلتُ: وما الذي أنشدته؟ قال: أنشدته: أَضحى إِمامُ الهدى المأْمونُ مشتغلًا ... بالدينِ والناسُ بالدنيا مشاغيلُ قال: فقلت له: إنك والله ما صنعت شيئًا، وهل زِدتَ على أن جعلته عجوزًا في محْرابها، في يدها سُبحتها! فمن القائمُ بأمر الدنيا إذا تشاغل عنها، وهو المطوّق بها! هلّا قلتَ فيه كما قال عمّك جرير في عبد العزيز بن الوليد: فَلَا هُوَ في الدُّنْيا مُضيعٌ نَصيبَهُ ... وَلا عَرَضُ الدُّنيا عَن الدِّين شاغِلُهْ فقال: الآن علمتُ أني قد أخطأت. وذُكر عن محمد بن إبراهيم السَّيّاريّ قال: لما قدِم العتابيّ على المأمون مدينة السلام أذن له، فدخل عليه، وعنده إسحاق بن إبراهيم الموصلّي - وكان شيخًا جليلًا - فسلّم عليه، فردّ ﵇، وأدناه وقرّبه حتى قرُب منه، فقبّل يده، ثم أمره بالجلوس فجلس، وأقبل عليه يسائله عن حاله، فجعل يجيبه بلسانٍ طلْق؛ فاستَطرف المأمون ذلك. فأقبل عليه بالمداعبة والمُزاح، فظنّ الشيخ أنه استخفّ به، فقال: يا أميرَ المؤمنين، الإبساس قبل الإيناس قال: فاشتبه على المأمون الإبساس، فنظر إلى إسحاق بن إبراهيم، ثم قال: نعم، يا غلام ألف دينار؛ فأتِيَ بها، ثم صبّت بين يدي العتابيّ، ثم أخذوا في المفاوضة والحديث، وغمز عليه إسحاق بن إبراهيم، فأقبل لا يأخذ العتابيّ في شيء إلّا عارضه إسحاق بأكثر منه، فبقيَ متعجبًا، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إيذن لي في مسألة هذا الشيخ عن اسمه، قال: نعم، سله، قال: يا شيخ، مَنْ أنت؟ وما اسمك؟ قال: أنا من الناس، واسمي كلْ بصل، قال: أما بالنسبة فمعروفة، وأما الاسم فمنكر، وما كلْ بَصَل من الأسماء؟ فقال: له إسحاق: ما أقلَّ إنصافك! وما كلْ ثوم من الأسماء! البصل أطيب من الثوم، فقال العتابيّ: لله درّك! ما أحجّك! يا أمير المؤمنين ما رأيت كالشيخ قط أتأذن لي في صلته بما وصلني به أمير المؤمنين فقد والله غلبني! فقال المأمون: بل هذا موفَّرٌ عليك؛ ونأمر له بمثله، فقال له إسحاق: أما إذا أقررت بهذه فتوهَّمْني تجدْني، فقال: والله ما أظنّك إلا الشيخ الذي يتناهَى إلينا خبره من العراق؛ ويعرف بابن الموصلّي! قال: أنا حيث ظننتَ، فأقبل عليه بالتحيّة والسلام، فقال المأمون وقد طال الحديث بينهما: أما إذ اتفقتما على الصلح والمودة، فقوما فانصرفامتنادميْن؛ فانصرف العتابيّ إلى منزل إسحاق فأقام عنده (١). وذُكرِ عن محمد بن عبد الله بن جشم الرَّبعيّ أن عُمارة بن عقيل قال: قال لي المأمون يومًا وأنا أشرب عنده: ما أخبثَك يا أعرابيّ! قال: قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ وهَّمتني نفسي، قال: كيف قلت: قالت مُفَدَّاةُ لَمَّا أَن رأَتْ أَرَقِي ... والهمُّ يَعتَادُني من طيفِه لَمَمُ نَهَّبْتَ مالك في الأَدْنينَ آصرَةً ... وفي الأَباعِدِ حتى حفّكَ العَدمُ فاطلبْ إِليهم ترى ما كنتَ من حَسَنٍ ... تُسدِي إليهم فقد باتَتْ لهمْ صِرَمُ فقلتُ عَذلكِ قد أَكثَرْتِ لائِمتِي ... ولمْ يَمُتْ حاتم هُزْلًا ولا هرِمُ فقال لي المأمون: أين رميتَ بنفسك إلى هَرِم بن سنان سيد العرب وحاتم الطائيّ! فعلا كذا وفعلا كذا، وأقبل ينثال عليّ بفضلهما، قال: فقلت: يا أميرَ المؤمنين، أنا خيرٌ منهما، أنا مسلم وكانا كافرين، وأنا رجل من العرب (٢). وذُكر عن محمد بن زكرياء بن ميمون الفرْغانيّ، قال: قال المأمون لمحمد بن الجَهْم: أنشدني ثلاثة أبيات في المديح والهجاء والمراثي؛ ولك بكل بيت كُورة، فأنشده في المديح: يجودُ بالنفس إذ ضنَّ الجوادُ بها ... والجودُ بالنفس أَقصى غاية الجودِ وأنشده في الهجاء: قَبُحَتْ مناظرُهُمْ فحينَ خَبَرْتُهمْ ... حسُنَتْ مناظرهم لِقُبحِ المخبَرِ وأنشده في المراثي: أَرادُوا ليُخفُوا قبْرَه عَنْ عدُوّهِ ... فطِيبُ تُراب القبرِ دَلَّ على القبر وذكر عن العباس بن أحمد بن أبان بن القاسم الكاتب، قال: أخبرنيالحسين بن الضحاك، قال: قال لي علّوية: أخبرُك أنه مرّ بي مرة ما أيستُ من نفسي معه لولا كرم المأمون؛ فإنه دعا بنا؛ فلمّا أخذ فيه النبيذ؛ قال: غنّوني، فسبقني مخارق، فاندفع فغنّى صوتًا لابن سُرَيج في شعر جرير: لمَّا تَذَكَّرت بالدَّيريْنِ أَرَّقنَي ... صوتُ الدَّجاج وضرْبٌ بالنَّواقِيسِ فقلتُ لِلَّركبِ إذ جَدَّ المَسيرُ بنا ... يا بُعْدَ يَبْرينَ من باب الفراديس! قال: فحُيِّنَ لي أن تغنّيتُ، وكان قد همّ بالخروج إلى دمشق يريد الثغر: الحَينُ ساقَ إلى دمشق ومَا ... كانتْ دمشق لأَهلها بلدا فضرب بالقدح الأرض، وقال: ما لك! عليك لعنة الله. ثم قال: يا غلام، أعطِ مخارقًا ثلاثة آلاف درهم؛ وأخذ بيدي فأقمتُ وعيناه تدمعان، وهو يقول للمعتصم: هو والله آخر خُروج، ولا أحسبني أن أرى العراق أبدًا، فكان والله آخرَ عهدِه بالعراق عند خروجه كما قال (١).
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 5410, entry [1914]344 chars
    ةْ ... وصاحبَ المرتبةِ المُنيفَةْ وقائدَ الكتيبةِ الكثِيْفَةْ ... هل لك في أَرجوزةٍ ظريفةْ أَظرَفَ مِن فقهِ أَبي حنيفةْ ... لا والذي أَنت له خليفةْ ما ظُلِمَتْ في أَرضنا ضعيفةْ ... أَميرُنا مُؤْنَتُهُ خَفيفةْ وما اجتبى شيئًا سوى الوظيفةْ ... فالذئبُ والنَّعجةُ في سَقيفةْ *واللصّ والتاجرُ في قَطيفَةْ* قال: فولله ما عدا أن أنشدته، فإذا زُهاء عش