exact linked passagemedium confidencepage 4381, entry [1614]17,296 chars
ذكر بقيَّة الخبر عما كان من الأحداث في سنة اثنتين وثلاثين ومئة تمام الخبر عن سبب البيعة لأبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ وما كان من أمره: قال أبو جعفر: قد ذكرنا من أمر أبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ ما حضرنا ذكره قبلُ، عمن ذكرنا ذلك عنه؛ وقد ذكرنا من أمره وأمر أبي سلمة وسبب عقد الخلافة لأبي…
▸ expand full passage (17,296 chars)▾ collapse
ذكر بقيَّة الخبر عما كان من الأحداث في سنة اثنتين وثلاثين ومئة تمام الخبر عن سبب البيعة لأبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ وما كان من أمره: قال أبو جعفر: قد ذكرنا من أمر أبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ ما حضرنا ذكره قبلُ، عمن ذكرنا ذلك عنه؛ وقد ذكرنا من أمره وأمر أبي سلمة وسبب عقد الخلافة لأبي العباس أيضًا ما أنا ذاكره؛ وهو أنه لما بلغ أبا سلمة قتلُ مروان بن محمد إبراهيمَ الذي كان يقال له الإمام، بدا له في الدعاء إلى ولد العباس وأضمر الدّعاء لغيرهم؛ وكان أبو سلمة قد أنزل أبا العباس حين قدم الكوفة مع مَن قدم معه من أهل بيته في دار الوليد بن سعد في بني أوْد، فكان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا، فلم يزل ذلك من أمره وهو في معسكره بحمّام أعين حتى خرج أبو حُميد، وهو يريد الكُناسة، فلقي خادمًا لإبراهيم يقال له سابق الخوارزميّ، فعرفه، وكان يأتيهم بالشأم فقال له: ما فعل الإمام إبراهيم؟ فأخبره أنّ مَرْوان قتله غِيلة، وأن إبراهيم أوصى إلى أخيهأبي العباس، واستخلفه من بعده، وأنه قدم الكوفة ومعه عامة أهل بيته، فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم، فقال له سابق: الموعدُ بيني وبينك غدًا في هذا الموضع، وكره سابق أن يدلّه عليهم إلا بإذنهم، فرجع أبو حميد من الغد إلى الموضع الذي وعد فيه سابقًا، فلقيه، فانطلق به إلى أبي العباس وأهل بيته، فلما دخل عليهم سأل أبو حُميد: مَن الخليفة منهم؟ فقال داود بن عليّ: هذا إمامكم وخليفتكم - وأشار إلى أبي العباس - فسلم عليه بالخلافة، وقبّل يديه ورجليه، وقال: مُرنا بأمرك، وعزّاه بالإمام إبراهيم. وقد كان إبراهيم بن سلمة دخل عسكر أبي سَلمة متنكِّرًا، فأتى أبا الجهم فاستأمنه، فأخبره أنه رسول أبي العباس وأهل بيته، وأخبره بمن معه وبموضعهم، وأنَّ أبا العباس كان سرّحه إلى أبي سلمة يسأله مئة دينار، يعطيها للجمّال كراء الجمال التي قدِم بهم عليها، فلم يبعث بها إليه، ورجع أبو حميد إلى أبي الجَهم، فأخبره بحالهم، فمشى أبو الجَهْم، وأبو حُميد ومعهما إبراهيم بن سلمة، حتى دخلوا على موسى بن كعب، فقصّ عليه أبو الجهم الخبرَ، وما أخبره إبراهيم بن سلمة، فقال موسى بن كعب: عجِّل البعثة إليه بالدّنانير وسرّحه، فانصرف أبو الجَهْم ودفع الدنانير إلى إبراهيم بن سلمة، وحمله على بَغْل وسرّح معه رجلين، حتى أدخلاه الكوفة، ثم قال أبو الجهم لأبي سلمة، وقد شاع في العسكر أن مروان بن محمد قد قتل الإمام: فإن كان قد قُتِل كان أخوه أبو العباس الخليفة والإمام من بعده؛ فردّ عليه أبو سلمة: يا أبا الجهم، اكفف أبا حميد عن دخول الكوفة، فإنهم أصحاب إرجاف وفساد. فلما كانت الليلة الثانية أتى إبراهيم بن سلمة أبا الجهم وموسى بن كعب، فبلّغهما رسالة من أبي العباس وأهل بيته، ومشى في القواد والشيعة تلك الليلة، فاجتمعوا في منزل موسى بن كعب؛ منهم عبد الحميد بن رِبعيّ وسلمة بن محمد وعبد الله الطائيّ وإسحاق بن إبراهيم وشراحيل وعبد الله بن بسام وغيرهم من القوّاد، فأتمروا في الدخول إلى أبي العباس وأهل بيته، ثم تسللوا من الغد حتى دخلوا الكوفة وزعيمهم موسى بن كعب وأبو الجهم وأبو حميد الحميريّ - وهو محمد بن إبراهيم - فانتهوا إلى دار الوليد بن سعد، فدخلوا عليهم، فقال موسى بن كعب، وأبو الجهم: أيّكم أبو العباس؟ فأشاروا إليه، فسلموا عليهوعزّوه بالإمام إبراهيم، وانصرفوا إلى العسكر، وخلّفوا عنده أبا حميد وأبا مقاتل وسليمان بن الأسود ومحمد بن الحصين ومحمد بن الحارث ونهار بن حُصين ويوسف بن محمد وأبا هريرة محمد بن فروخ. فبعث أبو سلمة إلى أبي الجَهْم فدعاه، وكان أخبره بدخوله الكوفة، فقال: أين كنت يا أبا الجهم؟ قال: كنت عند إمامي، وخرج أبو الجهم فدعا حاجب بن صدّان، فبعثه إلى الكوفة، وقال له: ادخل فسلِّم على أبي العباس بالخلافة، وبعث إلى أبي حميد وأصحابه: إن أتاكم أبو سلمة فلا يدخل إلا وحدَه؛ فإن دخل وبايع فسبيله ذلك؛ وإلا فاضربوا عنقه؛ فلم يلبثوا أن أتاهم أبو سلمة فدخل وحدَه، فسلم على أبي العباس بالخلافة، فأمره أبو العباس بالانصراف إلى عسكره، فانصرف من ليلته، فأصبح الناس قد لبسوا سلاحَهم، واصطفّوا لخروج أبي العباس، وأتوْه بالدواب، فركب ومَن معه من أهل بيته حتى دخلوا قصر الإمارة بالكوفة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلَتْ من شهر ربيع الآخر، ثم دخل المسجد من دار الإمارة، فصعِد المِنبر، فحمِد الله وأثنى عليه، وذكر عظمة الربّ ﵎ وفضل النبي ﷺ وقاد الولاية والوراثة حتى انتهيَا إليه، ووعد الناس خيرًا ثم سكت. وتكلّم داود بن عليّ وهو على المنبر أسفلَ من أبي العباس بثلاث درجات، فحمِد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ، وقال: أيّها الناس، إنه والله ما كان بينكم وبين رسول الله ﷺ خليفة إلا عليّ بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا الذي خلفي، ثم نزلا وخرج أبو العباس، فعسكر بحمام أعين في عسكر أبي سَلمة، ونزل معه في حجرته، بينهما ستر، وحاجب أبي العباس يومئذ عبد الله بن بسام، واستخلف على الكوفة وأرضها عمّه داود بن عليّ، وبعث عمه عبد الله بن عليّ إلى أبي عَوْن بن يزيد، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قَحْطبة، وهو يومئذ بواسط محاصر ابنَ هبيرة، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن عباس إلى حُميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن طريف، وأقام أبو العباس في العسَكر أشهرًا ثم ارتحل، فنزل المدينة الهاشميّة في قصرالكوفة، وقد كان تنكّر لأبي سلمة قبل تحوّله حتى عرف ذلك (١). [٧/ ٤٢٩ - ٤٣١]. قال عليّ: حدثنا شيخ من أهل خراسان فال: قال مرْوان للمخارق تعرف المخارق إن رأيته؛ فإنهم زعموا أنه في هذه الرؤوس التي أتينا بها، قال: نعم، قال: اعرضوا عليه تلك الرؤوس، فنظر فقال: ما أرى رأسه في هذه الرؤوس، ولا أراه إلّا وقد ذهب. فخلّى سبيله، وبلغ عبد الله بن عليّ انهزام المخارق، فقال له موسى بن كعب: اخرج إلى مَرْوان قبل أن يصل الفَلّ إلى العسكر، فيظهر ما لقي المخارق، فدعا عبد الله بن عليّ محمد بن صوْل، فاستخلفَه على العسكر، وسار على ميمنته أبو عون، وعلى ميسرة مَرْوان الوليد بن معاوية، ومع مروان ثلاثة آلاف من المحمرة ومعه الذكوانية والصَّحصحية والرّاشدية، فقال مروان لما التقى العسكران لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى عيسى ابن مريم؛ وإن قاتلونا قبل الزوال؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأرسل مَرْوان إلى عبد الله بن عليّ يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زُريق، ولا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله. فقال مروان لأهل الشأم: قِفوا لا تبدؤوهم بقتال، فجعل ينظر إلى الشمس، فحمل الوليد بن معاوية بن مروان وهو ختن مروان على ابنته، فغضب وشتمه، وقاتل ابنُ معاوية أهلَ الميمنة، فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن عليّ، فقال موسى بن كعب لعبد الله: مر الناس فلينزلوا، فنودي: الأرض، فنزل الناس، وأشرعوا الرماح، وجَثَوْا على الرّكَب، فقاتلوهم فجعل أهل الشأم يتأخّرُونَ كأنهم يدفعون، ومشى عبد الله قُدمًا وهو يقول: يا ربّ حتى متى نُقْتَل فيك! ونادى: يا أهل خُراسان، يا لثارات إبراهيم! يا محمد، يا منصور! واشتدّ بينهم القتال، وقال مروان لقضاعة: انزلوا، فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا، فأرسل إلى السكاسك أن احملوا، فقالوا: قل لبني عامر فليحمِلوافأرسل إلى السَّكون أن احملوا، فقالوا: قل لغطفان فليحملوا، فقال لصاحب شُرَطه: انزل، فقال: لا والله ما كنتُ لأجعَل نفسي غَرضًا، قال: أما والله لأسموءنّك، قال: وددت والله أنك قدرت على ذلك، ثم انهزم أهل الشام، وانهزم مروان، وقطع الجسر؛ فكان من غرق يومئذ أكثر ممن قُتِل؛ فكان فيمن غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع وأمر عبد الله بن عليّ فعقد الجِسْر على الزّاب، واستخرجوا الغرقَى فأخرجوا ثلاثمئة، فكان فيمن أخرجوا إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، فقال عبد الله بن عليّ: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (١). وأقام عبد الله بن عليّ في عسكره سبعة أيام، فقال رجل من ولد سعيد بن العاص يعيّر مروان: لَجَّ الفِرارُ بمروانٍ فقلتُ لَهُ ... عادَ الظلومُ ظَليمًا همُّه الهَرَبُ أَين الفرارُ وتركُ المُلْكِ إذ ذهبت ... عنك الهُوَينَى فلا دين ولا حَسبُ فراشَةُ الحِلم فِرْعَوْنُ العِقابِ وِإنْ ... تَطْلُبْ نَداهُ فكلبٌ دونه كَلِبُ وكتب عبد الله بن عليّ إلى أمير المؤمنين أبي العباس بالفتح، وهرب مروان وحوى عسكر مروان بما فيه، فوجد فيه سلاحا كثيرًا وأموالا؛ ولم يجدوا فيه امرأةً إلا جارية كانت لعبد الله بن مروان؛ فلمّا أتى العباس كتابُ عبد الله بن عليّ صلى ركعتين، ثم قال: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ إلى قوله ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (٢). وأمر من شهد الوقعة بخمسمئة خمسمئة، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين. حدثنا أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: قال عبد الرحمن بن أميّة: كان مَرْوان لما لقيه أهلُ خُراسان لا يدبّر شيئًا إلا كان فيه الخلل والفساد، قال: بلغني أنَّه كان يوم انهزم واقفًا، والناس يقتتلون؛ إذ أمَر بأموال فأخرِجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا، فهذه الأموال لكم، فجعل ناسٌ من الناس يصيبون من ذلك المال، فأرسلوا إليه: إنَّ الناس قد مالوا على هذا المال، ولا نأمنهم أنيذهبوا به، فأرسل إلى ابنه عبد الله أن سِرْ في أصحابِك إلى مؤخر عسكرك، فاقتل مَنْ أخذ من ذلك المال وامنعْهم؛ فمال عبد الله برايته وأصحابه، فقال الناس: الهزيمة؛ فانهزموا. حدّثنا أحمد بن عليّ، عن أبي الجارود السُّلميّ، قال: حدّثني رجل من أهل خُراسان، قال: لقيَنا مروان على الزّاب، فحمل علينا أهل الشأم كأنهم جبال حديد، فجثوْنا وأشرعنا الرماح، فمالوا عنا كأنهم سحابة، ومَنحنا الله أكتافهم، وانقطع الجِسْر ممّا يليهم حين عبروا، فبقيَ عليه رجلٌ من أهل الشام، فخرج عليه رجل منا، فقتله الشأميّ، ثم خرج آخر فقتله؛ حتى والى بين ثلاثة؛ فقال رجل منا: اطلبوا لي سيفًا قاطعًا، وتُرْسًا صلبًا، فأعطيناه، فمشى إليه فضربه الشأميّ فاتَّقاه بالترس، وضرب رِجْله فقطعها، وقتله ورجع؛ وحملناه وكثرنا فإذا هو عبيد الله الكابليّ. [٧/ ٤٣٣ - ٤٣٥]. * ذكر من قال ذلك: حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم بن خالد بن يزيد بن هريم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد بن صالح، قال: قدم مروان بن محمد الرَّقة حين قدمها متوجهًا إلى الضحاك بسعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيْه عثمان ومرْوان؛ وهم في وثاقهم معه؛ فسرّح بهم إلى خليفته بحرَّان، فحبسهم في حَبْسها، ومعهم إبراهيم بن عليّ بن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز والعباس بن الوليد، وأبو محمد السفْيانيّ - وكان يقال له البَيْطار - فهلك في سجن حَرّان منهم في وباء وقع بحرّان العباس بن الوليد وإبراهيم بن محمد وعبد الله بن عمر، قال: فلمَّا كان قبل هزيمة مَرْوان من الزَّاب يوم هزمه عبد الله بن عليّ بجمعة، خرج سعيد بن هشام ومَن معه من المحبَّسين، فقتلوا صاحب السجن، وخرج فيمن معه، وتخلف أبو محمد السفيانيّ في الحبس، فلم يخرج فيمن خرج، ومعه غيره لم يستحلّوا الخروج من الحبْس، فقتلَ أهل حَرّان ومَنْ كان فيها من الغوغاء سعيد بن هشام وشَراحيل بن مسلمة بن عبد الملك وعبد الملك بن بشر التغلبيّ، وبطريق أرمينية الرابعة - وكان اسمه كوشان - بالحجارة، ولم يلبث مَرْوان بعد قتلهم إلا نحوًا من خمس عشرة ليلة؛ حتى قدم حرّان منهزمًا من الزّاب، فخلَّى عنأبي محمد ومَن كان في حبسه من المحبَّسين. وذكر عمر أن عبد الله بن كثير العبديّ، حدّثه عن عليّ بن موسى، عن أبيه، قال: هدم مروان على إبراهيم بن محمد بيتًا فقتله. قال عمرو: وحدثني محمد بن معروف بن سويد، قال: حدثني أبي عن المهلهل بن صفوان - قال عمر: ثم حدّثني المفضّل بن جعفر بن سليمان بعده، قال: حدّثي المهلهل بن صفوان - قال: كنتُ أخدم إبراهيم بن محمد في الحبس؛ وكان معه في الحبس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وشراحيل بن مسلمة بن عبد الملك فكانوا يتزاورون، وخصّ الذي بين إبراهيم وشَراحيل فأتاه رسوله يومًا بلبن، فقال: يقول لك أخوك: إنّي شربتُ من هذا اللبن فاستطبتُه فأحببتُ أن تشربَ منه، فتناوله فشرب فتوصّب من ساعته وتكسر جسده (١)، وكان يومًا يأتي فيه شراحيل، فأبطأ عليه، فأرسل إليه: جُعِلت فداك! قد أبطأت فما حبسك؟ فأرسل إليه: إني لما شربت اللبن الذي أرسلته إليّ أخلفني، فأتاه شراحيل مذعورًا وقال: لا والله الذي لا إله إلا هو؛ ما شرِبْتُ اليوم لبنًا، ولا أرسلت به إليك، فإنا لله وإنا إليه راجعون! احتيل لك والله، قال: فوالله ما بات إلّا ليلته وأصبح من غد ميتًا؛ فقال إبراهيم بن عليّ بن سلمة بن عامر بن هرمة بن هذيل بن الربيع بن عامر بن صبيح بن عديّ بن قيس - وقيس هو ابن الحارث بن فهر - يرثيه (٢): قد كنتُ أحسِبُني جَلدًا فَضعْضَعَني ... قبرٌ بحَرَّانَ فيه عِصْمَةُ الدينِ فيه الإِمامُ وخيرُ الناس كلِّهمُ ... بين الصفائح والأَحجار والطينِ فيه الإِمامُ الذي عَمَّتْ مُصيبتُه ... وعَيَّلَتْ كلَّ ذي مال ومِسكينِ فلا عفا الله عن مروانَ مظلمةً ... لكنْ عفا اللهُ عمَّن قال آمين [٧/ ٤٣٧ - ٤٣٦].وقد خولف هؤلاء في عدد من كان مع عبد الله بن عليّ يومئذ، فذكر مسلم بن المغيرة، عن مصعب بن الربيع الخثعميّ وهو أبو موسى بن مصعب - وكان كاتبًا لمروان - قال: لما انهزم مروان، وظهر عبد الله بن عليّ على الشأم، طلبت الأمان فامنني، فإني يومًا جالس عنده؛ وهو متكى إذ ذكر مروان وانهزامه، قال: أشهدتَ القتال؟ قلتُ: نعم أصلح الله الأمير! فقال: حدَّثني عنه؛ قال: قلت: لما كان ذلك اليوم قال لي: احزر القوم، فقلت: إنما أنا صاحب قلم؛ ولستُ صاحب حرب؛ فأخذ يمنة ويسرة ونظر فقال: هم اثنا عشر ألفًا، فجلس عبد الله، ثم قال: ما له قاتله الله! ما أحصى الديوان يومئذ فضلًا على اثني عشر ألف رجل! * * * رجع الحديث إلى حديث علي بن محمد عن أشياخه: فانهزم مروان حتى أتى مدينة الموصل؛ وعليها هشام بن عمرو التغلبيّ، وبشر بن خزيمة الأسديّ، وقطعوا الجسر، فناداهم أهل الشأم: هذا مروان، قالوا: كذبتم، أمير المؤمنين لا يفرّ، فسار إلى بلد، فعبر دجْلة، فأتى حرّان ثم أتى دمشق، وخلّف بها الوليد بن معاوية، وقال: قاتلهم حتى يجتمع أهل الشأم، ومضى مَرْوان حتى أتى فلسطين، فنزل نهر أبي فُطْرُس، وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضَبْعان الجُذاميّ، فأرسل مَرْوان إلى عبد الله بن يزيد بن روح بن زِنباع، فأجازه، وكان بيت المال في يد الحكم، وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن عليّ يأمره باتباع مروان، فسار عبد الله إلى الموصل، فتلقاه هشام بن عمرو التغلبيّ وبشر بن خزيمة، وقد سوّدا في أهل الموصل، ففتحوا له المدينة، ثم سار إلى حَرّان، وولّى الموصل محمد بن صول؛ فهدم الدّار التي حبس فيها إبراهيم بن محمد، ثم سار من حَرَان، إلى منبج وقد سوّدوا، فنزل مَنْبج وولاها أبا حميد المروروذيّ، وبعث إليه أهل قنّسرين ببيعتهم إياه بما أتاه به عنهم أبو أمية التغلبيّ، وقدم عليه عبد الصمد بن عليّ، أمده به أبو العباس في أربعة آلاف، فأقام يومين بعد قدوم عبد الصّمد، ثم سار إلى قنَّسرين، فأتاها وقد سوّد أهلها، فأقام يومين، ثم سار حتى نزل حِمْص، فأقام بها أيّامًا وبايع أهلها، ثمسار إلى بعلبكّ، فأقام يومين ثم ارتحل، فنزل بعين الحرّ، فأقام يومين، ثم ارتحل، فنزل مِزّة (قرية من قرى دمشق) فأقام وقدم عليه صالح بن علي مَدَدًا، فنزل مَرْج عذراء في ثمانية آلاف، معه بسام بن إبراهيم وخفّاف وشعبة والهيثم بن بسام، ثم سار عبد الله بن عليّ، فنزل على الباب الشرقي، ونزل صالح بن علي على باب الجابية، وأبو عون على باب كيسان، وبسام على باب الصغير، وحُميد بن قحطبة على باب توما، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس - وفي دمشق الوليد بن معاوية - فحصروا أهل دمشق والبلْقاء، وتعصّب الناس بالمدينة، فقتل بعضهم بعضًا، وقتلوا الوليد، ففتحوا الأبواب يوم الأربعاء لعشر مضين من رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فكان أوّل مَنْ صعد سور المدينة من الباب الشرقيّ عبد الله الطائيّ، ومن قبَل باب الصغير بسّام بن إبراهيم، فقاتلوا بها ثلاث ساعات، وأقام عبد الله بن على بدمشق خمسة عشر يومًا، ثم سار يريد فلسطين، فنزل نهر الكُسوة، فوجّه منها يحيى بن جعفر الهاشميّ إلى المدينة، ثم ارتحل إلى الأردن، فأتوْه وقد سوّدوا، ثم نزل بَيْسان، ثم سار إلى مَرْج الرّوم، ثم أتى نهر أبي فُطْرُس، وقد هرب مَرْوان فأقام بفلسطين، وجاءه كتاب أبي العباس؛ أن وجّه صالح بن عليّ في طلب مروان، فسار صالح بن عليّ من نهر أبي فطرس في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومئة؛ ومعه ابن فتان وعامر بن إسماعيل وأبو عون، فقدّم صالح بن عليّ أبا عون على مقدّمته وعامر بن إسماعيل الحارثيّ، وسار فنزل الرّمْلة، ثم سار فنزلوا ساحل البحر، وجمع صالح بن عليّ السفن وتجهز يريد مَروان، وهو بالفرَماء، فسار على الساحل والسفن حذاءه في البحر؛ حتى نزل العريش. وبلغ مروان فأحرق ما كان حوله من علف وطعام وهرب، ومضى صالح بن عليّ فنزل الليل، ثم سار حتى نزل الصعيد، وبلغه أن خيلًا لمرْوان بالساحل يحرقون الأعلاف، فوجّه إليهم قوّادًا، فأخذوا رجالًا، فقدِموا بهم على صالح وهو بالفسطاط، فعبر مَرْوان النيل، وقطع الجسر، وحرق ما حَوْله، ومضى صالح يتبعه، فالتقى هو وخيل لمرْوان على النيل فاقتتلوا، فهزمهم صالح، ثم مضى إلى خليج، فصادف عليه خيلًا لمروان، فأصاب منهم طرفًا وهزمهم، ثمسار إلى خليج آخر فعبروا، ورأوا رَهَجًا فظنوه مروان، فبعث طليعة عليها الفضْل بن دينار ومالك بن قادم، فلم يلقوْا أحدًا ينكرونه، فرجعوا إلى صالح فارتحل، فنزل موضعًا يقال له ذات الساحل؛ ونزل فقدم أبو عون عامرَ بن إسماعيل الحارثيّ، ومعه شعبة بن كثير المازنيّ، فلقوا خيلًا لمروان وافوهم، فهزموهم وأسروا منهم رجالًا، فقتلوا بعضهم، واستحيوْا بعضًا، فسألوا عن مروان فأخبروهم بمكانه، على أن يؤمنوهم، وساروا فوجدوه نازلًا في كنيسة في بُوصير، ووافوهم في آخر الليل، فهرب الجند وخرج إليهم مروان في نفرٍ يسير، فأحاطوا به فقتلوه. قال عليّ: وأخبرني إسماعيل بن الحسن، عن عامر بن إسماعيل قال: لقينا مروان ببوصير ونحن في جماعة يسيرة فشدوا علينا، فانضوينا إلى نخل ولو يعلمون بقلتنا لأهلكونا، فقلت من معي من أصحابي: فإن أصبحنا فرأوْا قلّتنا وعددنا لم ينجُ منا أحد؛ وذكرت قول بكير بن ماهان: أنت والله تقتل مروان؛ كأني أسمعك، تقول "دهيد ياجوانكثان"، فكسرت جُفْن سيفي، وكسر أصحابي جفونَ سيوفهم، وقلت: "دهيد ياجوانكثان"، فكأنها نار صُبّت عليهم، فانهزموا وحمل رجل على مرْوان فضربه بسيفه فقتله، وركب عامر بن إسماعيل إلى صالح بن عليّ، فكتب صالح بن عليّ إلى أمير المؤمنين أبي العباس: إنّا اتّبعنا عدوّ الله الجعديّ حتى ألجأناه إلى أرض عدوّ الله شبيهه فرعون، فقتلته بأرضه (١). قال عليّ: حدثنا أبو طالب الأنصاريّ، قال: طعن مروان رجلٌ من أهل البصرة - يقال له المغود، وهو لا يعرفه - فصرعه، فصاح صائح: صُرع أمير المؤمنين، وابتدروه، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان، فاحتزّ رأسه، فبعث عامر بن إسماعيل برأس مروان إلى أبي عَوْن، فبعث بها أبو عون إلى صالح بن عليّ، وبعث صالح برأسه مع يزيد بن هانئ - وكان على شرَطه - إلى أبي العباس يوم الأحد، لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومئة، ورجع صالح إلى الفسطاط، ثم انصرف إلى الشام، فدفع الغنائم إلىأبي عَوْن، والسلاحَ والأموال والرّقيق إلى الفَضْل بن دينار، وخلّف أبا عون على مِصْر. قال عليّ: وأخبرَنا أبو الحسن الخُراسانيّ، قال: حدّثنا شيخ من بكْر بن وائل (١)، قال: إني لبدير قنَّى مع بكير بن ماهان ونحن نتحدّث؛ إذ مرّ فتىً معه قربتان؛ حتى انتهى إلى دجْلة، فاستقى ماء، ثم رجع فدعاه بكير، فقال: ما اسمك يا فتى؟ قال: عامر، قال: ابن مَنْ؟ قال: ابنُ إسماعيل، من بَلْحارث، قال: وأنا من بَلْحارث، قال: فكن من بني مُسليَة، قال: فأنا منهم، قال: فأنت والله تقتل مَرْوان، لكأني والله أسمعك تقول: "ياجوانكثان دهيد". قال علي حدثنا الكناني قال: سمعت أشياخنا بالكوفة يقولون بنو مسلية قتله مروان [٧/ ٤٣٩ - ٤٤٢]. وقد حدثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، عن عليّ بن مجاهد، قالا: كان يقال: إنّ أم مَرْوان بن محمد كانت لإبراهيم بن الأشتر؛ أصابها محمد بن مَرْوان بن الحكم يوم قتل ابن الأشتر، فأخذها من ثقَله وهي تتنيّق، فولدت مَرْوان على فراشه، فلما قام أبو العباس دخل عليه عبد الله بن عيَّاش المنتوف، فقال: الحمد لله الذي أبدَلنا بحمار الجزيرة وابن أمَة النَّخَع ابن عمّ رسول الله ﷺ وابن عبد المطلب (٢). * * * وفي هذه السنة قتل عبد الله بن عليّ مَن قتل بنهر أبي فطرس من بني أمية، وكانوا اثنين وسبعين رجلًا. وفيها خلع أبو الورْد أبا العباس بقنّسرين؛ فبيّض وبتضوا معه. [٧/ ٤٤٢ - ٤٤٣]. * * *