Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

الخبر عن مراسله الكوفيين الحسين ع للمصير إِلَى مَا قبلهم وأمر مسلم بن عقيل ﵁

الخبر عن مراسله الكوفيين الحسين ع للمصير إِلَى مَا قبلهم وأمر مسلم بن عقيل ﵁

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

2 books · 15 entries
Research data and provenancerich dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
rich
Source entries
2
Strong identity entries
0
Chronology hints
0
Attribute hints
5
Relation hints
0
Assessment hints
13
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

2 books · 15 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

2 exact linked passages0 legacy full passages13 assessment hints0 assessment snippets

ابن جرير الطبري - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

full-text

— · 9 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 2807, entry [618]59,252 chars
    ذكر الخبر عن مراسله الكوفيين الحسين ع للمصير إِلَى مَا قبلهم وأمر مسلم بن عقيل ﵁ حَدَّثَنِي زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى الضَّرِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن جناب المصيصي- ويكنى أبا الْوَلِيد- قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِد بن يَزِيدَ بن أسد بن عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عمار الدهني، ق…
    ▸ expand full passage (59,252 chars)
    ذكر الخبر عن مراسله الكوفيين الحسين ع للمصير إِلَى مَا قبلهم وأمر مسلم بن عقيل ﵁ حَدَّثَنِي زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى الضَّرِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن جناب المصيصي- ويكنى أبا الْوَلِيد- قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِد بن يَزِيدَ بن أسد بن عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عمار الدهني، قَالَ: [قلت لأبي جَعْفَر: حَدَّثَنِي بمقتل الْحُسَيْن حَتَّى كأني حضرته، قَالَ: مات مُعَاوِيَة والوليد بن عتبة بن أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الْمَدِينَة، فأرسل إِلَى الْحُسَيْن بن علي ليأخذ بيعته، فَقَالَ لَهُ: أخرني وارفق، فأخره، فخرج إِلَى مكة، فأتاه أهل الْكُوفَة ورسلهم: إنا قَدْ حبسنا أنفسنا عَلَيْك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي، فأقدم علينا- وَكَانَ النُّعْمَان بن بشير الأَنْصَارِيّ عَلَى الْكُوفَة، قَالَ: فبعث الْحُسَيْن إِلَى مسلم بن عقيل بن أبي طالب ابن عمه فَقَالَ لَهُ: سر إِلَى الْكُوفَةِ فانظر مَا كتبوا بِهِ إلي، فإن كَانَ حقا خرجنا إِلَيْهِم فخرج مسلم حَتَّى أتى الْمَدِينَة، فأخذ منها دليلين، فمرا بِهِ فِي البرية، فأصابهم عطش، فمات أحد الدليلين، وكتب مسلم إِلَى الْحُسَيْن يستعفيه، فكتب إِلَيْهِ الْحُسَيْن: أن امض إِلَى الْكُوفَةِ] . فخرج حَتَّى قدمها، ونزل عَلَى رجل من أهلها يقال لَهُ ابن عوسجة، قَالَ: فلما تحدث أهل الْكُوفَة بمقدمه دبوا إِلَيْهِ فبايعوه، فبايعه مِنْهُمُاثنا عشر ألفا قَالَ: فقام رجل ممن يهوى يَزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى النُّعْمَان بن بشير، فَقَالَ لَهُ: إنك ضعيف أو متضعف، قَدْ فسد البلاد! فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان: أن أكون ضعيفا وأنا فِي طاعة اللَّه أحب إلي من أن أكون قويا فِي معصية اللَّه، وما كنت لأهتك سترا ستره اللَّه. فكتب بقول النُّعْمَان إِلَى يَزِيد، فدعا مولى لَهُ يقال لَهُ: سرجون، - وَكَانَ يستشيره- فأخبره الخبر، فَقَالَ لَهُ: أكنت قابلا من مُعَاوِيَة لو كَانَ حيا؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فاقبل مني، فإنه ليس للكوفة إلا عُبَيْد اللَّهِ ابن زياد، فولها إِيَّاهُ- وَكَانَ يَزِيد عَلَيْهِ ساخطا، وَكَانَ هم بعزله عن الْبَصْرَة- فكتب إِلَيْهِ برضائه، وأنه قَدْ ولاه الْكُوفَة مع الْبَصْرَة، وكتب إِلَيْهِ أن يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده. قَالَ: فأقبل عُبَيْد اللَّهِ فِي وجوه أهل الْبَصْرَة حَتَّى قدم الْكُوفَة متلثما، وَلا يمر عَلَى مجلس من مجالسهم فيسلم الا قالوا: عليك السلام يا بن بنت رَسُول اللَّهِ- وهم يظنون أنه الْحُسَيْن بن على ع- حَتَّى نزل القصر، فدعا مولى لَهُ فأعطاه ثلاثة آلاف، وَقَالَ لَهُ: اذهب حَتَّى تسأل عن الرجل الَّذِي يبايع لَهُ أهل الْكُوفَة فأعلمه أنك رجل من أهل حمص جئت لهذا الأمر، وهذا مال تدفعه إِلَيْهِ ليتقوى فلم يزل يتلطف ويرفق بِهِ حَتَّى دل عَلَى شيخ من أهل الْكُوفَة يلي البيعة، فلقيه فأخبره، فَقَالَ لَهُ الشيخ: لقد سرني لقاؤك إياي، وَقَدْ ساءني، فأما مَا سرني من ذَلِكَ فما هداك اللَّه لَهُ، وأما مَا ساءني فإن أمرنا لم يستحكم بعد فأدخله إِلَيْهِ، فأخذ مِنْهُ المال وبايعه، ورجع إِلَى عُبَيْد اللَّهِ فأخبره. فتحول مسلم حين قدم عُبَيْد اللَّهِ بن زياد من الدار الَّتِي كَانَ فِيهَا إِلَى منزل هانئ بن عروة المرادي، وكتب مسلم بن عقيل إِلَى الحسين بن على ع يخبره ببيعة اثني عشر ألفا من أهل الْكُوفَة، ويأمره بالقدوم. وَقَالَ عُبَيْد اللَّهِ لوجوه أهل الْكُوفَة: ما لي أَرَى هانئ بن عروة لم يأتني فيمن أتاني! قَالَ: فخرج إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الأشعث فِي ناس من قومه وَهُوَ عَلَى بابداره، فَقَالُوا: إن الأمير قَدْ ذكرك واستبطأك، فانطلق إِلَيْهِ، فلم يزالوا بِهِ حَتَّى ركب معهم وسار حَتَّى دخل عَلَى عُبَيْد اللَّهِ وعنده شريح القاضي، فلما نظر إِلَيْهِ قَالَ لشريح: أتتك بحائن رجلاه، فلما سلم عَلَيْهِ قَالَ: يَا هانئ، أين مسلم؟ قَالَ: مَا أدري، فأمر عُبَيْد اللَّهِ مولاه صاحب الدراهم فخرج إِلَيْهِ، فلما رآه قطع بِهِ، فَقَالَ: أصلح اللَّه الأمير! وَاللَّهِ مَا دعوته إِلَى منزلي ولكنه جَاءَ فطرح نفسه علي، قَالَ: ائتني بِهِ، قَالَ: وَاللَّهِ لو كَانَ تحت قدمي مَا رفعتهما عنه، قَالَ: أدنوه إلي، فأدني فضربه عَلَى حاجبه فشجه، قَالَ: وأهوى هانئ إِلَى سيف شرطي ليسله، فدفع عن ذَلِكَ، وَقَالَ: قَدْ أحل اللَّه دمك، فأمر بِهِ فحبس فِي جانب القصر. وَقَالَ غير ابى جعفر: الذى جاء بهانىء بن عروة إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد عَمْرو بن الحجاج الزبيدي: ذكر من قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابو قتيبة، قال: حدثنا يونس ابن أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ، قَالَ: حدثنا عماره بن عقبه ابن أَبِي مُعَيْطٍ، فَجَلَسَ فِي مَجْلِسِ ابْنِ زِيَادٍ فَحَدَّثَ، قَالَ: طَرَدْتُ الْيَوْمَ حُمُرًا فَأَصَبْتُ مِنْهَا حِمَارًا فَعَقَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيُّ: إِنَّ حِمَارًا تَعْقِرُهُ أَنْتَ لَحِمَارٌ حَائِنٌ، فَقَالَ: أَلا أُخْبِرُكَ بِأَحْيَنَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ! رَجُلٌ جِيءَ بِأَبِيهِ كَافِرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فَمَنْ لِلصِّبْيَةِ؟ قَالَ: النَّارُ، فَأَنْتَ مِنَ الصِّبْيَةِ، وَأَنْتَ فِي النَّارِ، قَالَ: فَضَحِكَ ابْنُ زِيَادٍ رجع الحديث إِلَى حديث عمار الدهني، عن أبي جَعْفَر قَالَ: فبينا هُوَكذلك إذ خرج الخبر إِلَى مذحج، فإذا عَلَى باب القصر جلبة سمعها عُبَيْد اللَّهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: مذحج، فَقَالَ لشريح: اخرج إِلَيْهِم فأعلمهم أني إنما حبسته لأسائله، وبعث عينا عَلَيْهِ من مواليه يسمع مَا يقول، فمر بهانىء بن عروة، فَقَالَ لَهُ هانئ: اتق اللَّه يَا شريح، فإنه قاتلي، فخرج شريح حَتَّى قام عَلَى باب القصر، فَقَالَ: لا بأس عَلَيْهِ، إنما حبسه الأمير ليسائله، فَقَالُوا: صدق، ليس عَلَى صاحبكم بأس، فتفرقوا، فأتى مسلما الخبر، فنادى بشعاره، فاجتمع إِلَيْهِ أربعة آلاف من أهل الْكُوفَة، فقدم مقدمته، وعبى ميمنته وميسرته، وسار فِي القلب إِلَى عُبَيْد اللَّهِ، وبعث عُبَيْد اللَّهِ إِلَى وجوه أهل الْكُوفَة فجمعهم عنده فِي القصر، فلما سار إِلَيْهِ مسلم فانتهى إِلَى باب القصر أشرفوا عَلَى عشائرهم فجعلوا يكلمونهم ويردونهم، فجعل أَصْحَاب مسلم يتسللون حتى امسى في خمسمائة، فلما اختلط الظلام ذهب أُولَئِكَ أَيْضًا. فلما رَأَى مسلم أنه قَدْ بقي وحده يتردد في الطرق أتى بابا فنزل عَلَيْهِ، فخرجت إِلَيْهِ امرأة، فَقَالَ لها: اسقيني، فسقته، ثُمَّ دخلت فمكثت مَا شاء اللَّه، ثُمَّ خرجت فإذا هُوَ عَلَى الباب، قالت: يَا عَبْد اللَّهِ، إن مجلسك مجلس ريبة، فقم، قَالَ: إني أنا مسلم بن عقيل، فهل عندك مأوى؟ قالت: نعم، ادخل، وَكَانَ ابنها مولى لمُحَمَّد بن الأشعث، فلما علم بِهِ الغلام انطلق إِلَى مُحَمَّد فأخبره، فانطلق مُحَمَّد إِلَى عُبَيْد اللَّهِ فأخبره، فبعث عُبَيْد اللَّهِ عَمْرو بن حريث المخزومي- وَكَانَ صاحب شرطه- إِلَيْهِ، وَمَعَهُ عبد الرحمن ابن مُحَمَّدِ بْنِ الأشعث، فلم يعلم مسلم حَتَّى أحيط بالدار، فلما رَأَى ذَلِكَ مسلم خرج إِلَيْهِم بسيفه فقاتلهم، فأعطاه عبد الرَّحْمَن الأمان، فأمكن من يده، فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُبَيْد اللَّهِ، فأمر بِهِ فأصعد إِلَى أعلى القصر فضربت عنقه، وألقى جثته إِلَى النَّاسِ، وأمر بهانىء فسحب إِلَى الكناسة، فصلب هنالك، وَقَالَ شاعرهم فِي ذَلِكَ: فإن كنت لا تدرين مَا الموت فانظري ... إِلَى هانئ فِي السوق وابن عقيلأصابهما أمر الإمام فأصبحا ... أحاديث من يسعى بكل سبيل أيركب أسماء الهماليج آمنا ... وَقَدْ طلبته مذحج بذحول! وأما أَبُو مخنف فإنه ذكر من قصة مسلم بن عقيل وشخوصه إِلَى الْكُوفَةِ ومقتله قصة هي أشبع وأتم من خبر عمار الدهني عن أبي جَعْفَر الَّذِي ذكرناه، مَا حدثت عن هِشَام بن مُحَمَّد، عنه، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الرَّحْمَن بن جندب، قَالَ: حَدَّثَنِي عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرئ القيس الكلبية امرأة حُسَيْن- وكانت مع سكينة ابنة حُسَيْن، وَهُوَ مولى لأبيها، وَهِيَ إذ ذاك صغيرة- قَالَ: خرجنا فلزمنا الطريق الأعظم، [فَقَالَ للحسين أهل بيته: لو تنكبت الطريق الأعظم كما فعل ابن الزُّبَيْر لا يلحقك الطلب، قَالَ: لا، وَاللَّهِ لا أفارقه حَتَّى يقضي اللَّه مَا هُوَ أحب إِلَيْهِ، قَالَ: فاستقبلنا عَبْد اللَّهِ بن مطيع فَقَالَ للحسين: جعلت فداك! أين تريد؟ قَالَ: أما الآن فإني أريد مكة، وأما بعدها فانى أستخير اللَّه،] قَالَ: خار اللَّه لك، وجعلنا فداك، فإذا أنت أتيت مكة فإياك أن تقرب الْكُوفَة، فإنها بلدة مشئومة، بِهَا قتل أبوك، وخذل أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتي عَلَى نفسه، الزم الحرم، فإنك سيد العرب، لا يعدل بك وَاللَّهِ أهل الحجاز أحدا، ويتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق الحرم فداك عمى وخالي، فو الله لَئِنْ هلكت لنسترقن بعدك فأقبل حَتَّى نزل مكة، فأقبل أهلها يختلفون إِلَيْهِ ويأتونه ومن كَانَ بِهَا من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزُّبَيْر بِهَا قَدْ لزم الكعبة، فهو قائم يصلي عندها عامة النهار ويطوف، ويأتي حسينا فيمن يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليين، ويأتيه بين كل يومين مرة، وَلا يزال يشير عَلَيْهِ بالرأي وَهُوَ أثقل خلق اللَّه عَلَى ابن الزُّبَيْر، قَدْ عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه وَلا يتابعونه أبدا مَا دام حُسَيْن بالبلد، وإن حسينا أعظم فِي أعينهم وأنفسهم مِنْهُ،. وأطوع فِي الناس مِنْهُ. فلما بلغ أهل الْكُوفَة هلاك مُعَاوِيَة أرجف أهل العراق بيزيد، وَقَالُوا: قَدِ امتنع حُسَيْن وابن الزُّبَيْر، ولحقا بمكة، فكتب أهلالْكُوفَة إِلَى حُسَيْن، وعليهم النُّعْمَان بن بشير. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي الحجاج بن علي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بشر الهمداني، قَالَ: اجتمعت الشيعة فِي منزل سُلَيْمَان بن صرد، فذكرنا هلاك مُعَاوِيَة، فحمدنا اللَّه عَلَيْهِ، فَقَالَ لنا سُلَيْمَان بن صرد: إن مُعَاوِيَة قَدْ هلك، وإن حسينا قَدْ تقبض عَلَى القوم ببيعته، وَقَدْ خرج إِلَى مكة، وَأَنْتُمْ شيعته وشيعة أَبِيهِ، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إِلَيْهِ، وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه، قَالُوا: لا، بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه، قَالَ: فاكتبوا إِلَيْهِ، فكتبوا إِلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لحسين بن علي من سُلَيْمَان بن صرد والمسيب ابن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وشيعته من الْمُؤْمِنِينَ والمسلمين من أهل الْكُوفَة سلام عَلَيْك، فإنا نحمد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فالحمد لِلَّهِ الَّذِي قصم عدوك الجبار العنيد الَّذِي انتزى عَلَى هَذِهِ الأمة فابتزها أمرها، وغصبها فيئها، وتأمر عَلَيْهَا بغير رضا منها، ثُمَّ قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال اللَّه دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعدا لَهُ كما بعدت ثمود! إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل اللَّه أن يجمعنا بك عَلَى الحق والنعمان ابن بشير فِي قصر الإمارة لسنا نجتمع مَعَهُ فِي جمعة، وَلا نخرج مَعَهُ إِلَى عيد، ولو قَدْ بلغنا أنك قَدْ أقبلت إلينا أخرجناه حَتَّى نلحقه بِالشَّامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، والسلام ورحمة اللَّه عَلَيْك. قَالَ: ثُمَّ سرحنا بالكتاب مع عَبْد اللَّهِ بن سبع الهمداني وعبد اللَّه بن وال، وأمرناهما بالنجاء، فخرج الرجلان مسرعين حَتَّى قدما عَلَى حُسَيْن لعشر مضين من شهر رمضان بمكة، ثُمَّ لبثنا يومين، ثم سرحنا اليه قيس ابن مسهر الصيداوي وعبد الرَّحْمَن بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الكدن الأرحبي وعمارة بن عبيد السلولي، فحملوا معهم نحوا من ثلاثة وخمسين صحيفة، الصحيفة من الرجل والاثنين والأربعةقَالَ: ثُمَّ لبثنا يومين آخرين، ثُمَّ سرحنا إِلَيْهِ هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحتفى، وكتبنا مَعَهُمَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لحسين بن علي من شيعته من الْمُؤْمِنِينَ والمسلمين، اما بعد، فحيهلا، فإن الناس ينتظرونك، وَلا رأي لَهُمْ فِي غيرك، فالعجل العجل، والسلام عَلَيْك. وكتب شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومُحَمَّد بن عمير التميمي: أَمَّا بَعْدُ، فقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار، وطمت الجمام، فإذا شئت فاقدم عَلَى جند لك مجند، والسلام عَلَيْك. وتلاقت الرسل كلها عنده، فقرأ الكتب، وسأل الرسل عن أمر الناس، ثُمَّ كتب مع هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عَبْدِ اللَّهِ الحنفي، وكانا آخر الرسل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من حُسَيْن بن علي إِلَى الملإ من الْمُؤْمِنِينَ والمسلمين، أَمَّا بَعْدُ، فإن هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وَقَدْ فهمت كل الَّذِي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلكم: إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل اللَّه أن يجمعنا بك عَلَى الهدى والحق وقد بعثت إليكم أخي وابن عمى وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي أنه قَدْ أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى مِنْكُمْ عَلَى مثل مَا قدمت علي بِهِ رسلكم، وقرأت فِي كتبكم، أقدم عَلَيْكُمْ وشيكا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فلعمري مَا الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه عَلَى ذات اللَّه والسلام. قَالَ أَبُو مخنف: وذكر أَبُو المخارق الراسبي، قَالَ: اجتمع ناس من الشيعة بِالْبَصْرَةِ فِي منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ابنة سعد- أو منقذ- أياما، وكانت تشيع، وَكَانَ منزلها لَهُمْ مألفا يتحدثون فِيهِ، وَقَدْ بلغ ابن زياد إقبال الْحُسَيْن، فكتب إِلَى عامله بالبصرة ان يضع المناظر ويأخذقَالَ: فأجمع يَزِيد بن نبيط الخروج- وَهُوَ من عبد القيس- إِلَى الْحُسَيْن، وَكَانَ لَهُ بنون عشرة، فَقَالَ: أيكم يخرج معي؟ فانتدب مَعَهُ ابنان لَهُ: عَبْد اللَّهِ وعبيد اللَّه، فَقَالَ لأَصْحَابه فِي بيت تِلَكَ المرأة: إني قَدْ أزمعت عَلَى الخروج، وأنا خارج، فَقَالُوا لَهُ: إنا نخاف عَلَيْك أَصْحَاب ابن زياد، فقال: انى والله لو قد استوت اخفافهما بالجدد لهان علي طلب من طلبني. قَالَ: ثم خرج فتقدى في الطريق حتى انتهى الى حسين ع، فدخل فِي رحله بالأبطح، وبلغ الْحُسَيْن مجيئه، فجعل يطلبه، وجاء الرجل إِلَى رحل الْحُسَيْن، فقيل لَهُ: قَدْ خرج إِلَى منزلك، فأقبل فِي أثره، ولما لم يجده الْحُسَيْن جلس فِي رحله ينتظره، وجاء البصري فوجده فِي رحله جالسا، فَقَالَ: «بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا» قَالَ: فسلم عَلَيْهِ، وجلس إِلَيْهِ، فخبره بِالَّذِي جَاءَ لَهُ، فدعا لَهُ بخير، ثُمَّ أقبل مَعَهُ حَتَّى أتى فقاتل مَعَهُ، فقتل مَعَهُ هُوَ وابناه ثُمَّ دعا مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبيد السلولي وعبد الرَّحْمَن بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الكدن الأرحبي، فأمره بتقوى اللَّه وكتمان أمره، واللطف، فإن رَأَى الناس مجتمعين مستوسقين عجل إِلَيْهِ بِذَلِكَ. فأقبل مسلم حَتَّى أتى الْمَدِينَة فصلى فِي مسجد رَسُول اللَّهِ ص، وودع من أحب من أهله، ثُمَّ استأجر دليلين من قيس، فأقبلا بِهِ، فضلا الطريق وجارا، وأصابهم عطش شديد، وَقَالَ الدليلان: هَذَا الطريق حتى تنتهي إِلَى الماء، وَقَدْ كادوا أن يموتوا عطشا فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إِلَى حُسَيْن، وَذَلِكَ بالمضيق من بطن الخبيت: أَمَّا بَعْدُ، فإني أقبلت مِنَ الْمَدِينَةِ معي دليلان لي، فجارا عن الطريق وضلا، واشتد علينا العطش، فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حَتَّى انتهينا إِلَى الماء، فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا، وَذَلِكَ الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت، وَقَدْ تطيرت من وجهي هَذَا، فإن رأيت أعفيتني مِنْهُ، وبعثت غيري، والسلامفكتب إِلَيْهِ حُسَيْن: أَمَّا بَعْدُ، فقد خشيت أَلا يكون حملك عَلَى الكتاب إلي فِي الاستعفاء من الوجه الَّذِي وجهتك لَهُ إلا الجبن، فامض لوجهك الَّذِي وجهتك لَهُ، والسلام عَلَيْك. فَقَالَ مسلم لمن قرأ الكتاب: هَذَا مَا لست أتخوفه عَلَى نفسي، فأقبل كما هُوَ حَتَّى مر بماء لطيئ، فنزل بهم، ثُمَّ ارتحل مِنْهُ، فإذا رجل يرمي الصيد، فنظر إِلَيْهِ قَدْ رمى ظبيا حين أشرف لَهُ، فصرعه، فَقَالَ مسلم: يقتل عدونا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أقبل مسلم حَتَّى دخل الكوفه، فنزل دار المختار ابن أبي عبيد- وَهِيَ الَّتِي تدعى الْيَوْم دار مسلم بن المسيب- وأقبلت الشيعة تختلف إِلَيْهِ، فلما اجتمعت إِلَيْهِ جماعة مِنْهُمْ قرأ عَلَيْهِم كتاب حُسَيْن، فأخذوا يبكون. فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإني لا أخبرك عن الناس، وَلا أعلم مَا فِي أنفسهم، وما أغرك مِنْهُمْ، وَاللَّهِ لأحدثنك عما أنا موطن نفسي عَلَيْهِ، وَاللَّهِ لأجيبنكم إذا دعوتم، ولأقاتلن معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حَتَّى ألقى اللَّه، لا أريد بِذَلِكَ إلا مَا عند الله. فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي، فَقَالَ: رحمك اللَّه! قَدْ قضيت مَا فِي نفسك، بواجز من قولك، ثُمَّ قَالَ: وأنا وَاللَّهِ الَّذِي لا إله إلا هُوَ عَلَى مثل مَا هَذَا عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ الحنفي مثل ذَلِكَ فَقَالَ الحجاج بن علي: فقلت لمُحَمَّد بن بشر: فهل كان منك أنت قول؟ فقال: إن كنت لأحب أن يعز اللَّه أَصْحَابي بالظفر، وما كنت لأحب أن أقتل، وكرهت أن أكذب. واختلفت الشيعة إِلَيْهِ حَتَّى علم مكانه، فبلغ ذَلِكَ النُّعْمَان بن بشير. قَالَ أبو مخنف: حدثني نمير بن وعلة، عن أبي الوداك، قَالَ: خرج إلينا النُّعْمَان بن بشير فصعد الْمِنْبَر، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فاتقوا اللَّه عباد اللَّه وَلا تسارعوا إِلَى الْفِتْنَة والفرقة، فإن فيهما يهلكالرجال، وتسفك الدماء، وتغصب الأموال- وَكَانَ حليما ناسكا يحب العافية- قَالَ: إني لم أقاتل من لم يقاتلني، وَلا أثب عَلَى من لا يثب علي، وَلا أشاتمكم، وَلا أتحرش بكم، وَلا أخذ بالقرف وَلا الظنة وَلا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم امامكم، فو الله الَّذِي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي مَا ثبت قائمه فِي يدي، ولو لَمْ يَكُنْ لي مِنْكُمْ ناصر أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق مِنْكُمْ أكثر ممن يرديه الباطل. قَالَ: فقام إِلَيْهِ عَبْد اللَّهِ بن مسلم بن سَعِيد الحضرمي حليف بني أُمَيَّة فَقَالَ: إنه لا يصلح مَا ترى إلا الغشم، إن هَذَا الَّذِي أنت عَلَيْهِ فِيمَا بينك وبين عدوك رأي المستضعفين، فَقَالَ: أن أكون من المستضعفين فِي طاعة اللَّه أحب إلي من أن أكون من الأعزين فِي معصية اللَّه، ثُمَّ نزل. وخرج عَبْد اللَّهِ بن مسلم، وكتب إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة: أَمَّا بَعْدُ، فإن مسلم بن عقيل قَدْ قدم الْكُوفَة فبايعته الشيعة للحسين بن علي فإن كَانَ لك بالكوفة حاجة فابعث إِلَيْهَا رجلا قويا ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك فِي عدوك، فإن النُّعْمَان بن بشير رجل ضعيف، أو هُوَ يتضعف فكان أول من كتب إِلَيْهِ. ثُمَّ كتب إِلَيْهِ عمارة بن عُقْبَةَ بنحو من كتابه، ثُمَّ كتب اليه عمر بن سعد ابن أَبِي وَقَّاص بمثل ذَلِكَ. قَالَ هِشَام: قَالَ عوانة: فلما اجتمعت الكتب عِنْدَ يَزِيد ليس بين كتبهم إلا يومان، دعا يَزِيد بن مُعَاوِيَة سرجون مولى مُعَاوِيَة فَقَالَ: مَا رأيك؟ فإن حسينا قَدْ توجه نحو الْكُوفَة، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين، وَقَدْ بلغني عن النُّعْمَان ضعف وقول سيئ- وأقرأه كتبهم- فما ترى من أستعمل عَلَى الْكُوفَة؟ وَكَانَ يَزِيد عاتبا عَلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فَقَالَ سرجون: أرأيت مُعَاوِيَة لو نشر لك، أكنت آخذا برأيه؟ قَالَ: نعم، فأخرج عهد عُبَيْد اللَّهِ عَلَى الْكُوفَة فَقَالَ: هَذَا رأي مُعَاوِيَة، ومات وَقَدْ أمر بهذا الكتاب فأخذ برأيه وضم المصرين إِلَى عُبَيْد اللَّهِ، وبعث إِلَيْهِ بعهده عَلَى الْكُوفَةثُمَّ دعا مسلم بن عَمْرو الباهلي- وَكَانَ عنده- فبعثه إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بعهده إِلَى الْبَصْرَة، وكتب إِلَيْهِ مَعَهُ: أَمَّا بَعْدُ، فإنه كتب إلي شيعتي من أهل الْكُوفَة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين، فسر حين قرأ كتابي هَذَا حَتَّى تأتي أهل الْكُوفَة فتطلب ابن عقيل كطلب الحرزه حَتَّى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه، والسلام. فأقبل مسلم بن عَمْرو حَتَّى قدم عَلَى عُبَيْد اللَّهِ بِالْبَصْرَةِ، فأمر عُبَيْد اللَّهِ بالجهاز والتهيؤ والمسير إِلَى الْكُوفَةِ من الغد. وَقَدْ كَانَ حُسَيْن كتب إِلَى أهل الْبَصْرَة كتابا، قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الصقعب بن زهير، عن أبي عُثْمَان النهدي، قَالَ: كتب حُسَيْن مع مولى لَهُمْ يقال لَهُ: سُلَيْمَان، وكتب بنسخة إِلَى رءوس الأخماس بِالْبَصْرَةِ وإلى الأشراف، فكتب إِلَى مالك بن مسمع البكري، وإلى الأحنف بن قيس، وإلى المنذر بن الجارود، وإلى مسعود بن عَمْرو، والى قيس ابن الهيثم، والى عمرو بن عُبَيْد اللَّهِ بن معمر، فجاءت مِنْهُ نسخة واحدة إِلَى جميع أشرافها: أَمَّا بَعْدُ، فان الله اصطفى محمدا ص عَلَى خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثُمَّ قبضه اللَّه إِلَيْهِ وَقَدْ نصح لعباده، وبلغ ما ارسل به ص، وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه فِي الناس، فاستأثر علينا قومنا بِذَلِكَ، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بِذَلِكَ الحق المستحق علينا ممن تولاه، وَقَدْ أحسنوا وأصلحوا، وتحروا الحق، فرحمهم اللَّه، وغفر لنا ولهم. وَقَدْ بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إِلَى كتاب الله وسنه نبيه ص، فإن السنة قَدْ أميتت، وإن البدعة قَدْ أحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عَلَيْكُمْ ورحمة اللَّه. فكل من قرأ ذَلِكَ الكتاب من أشراف الناس كتمه، غير المنذر بن الجارود، فإنه خشي بزعمه أن يكون دسيسا من قبل عُبَيْد اللَّهِ، فجاءه بالرسول من العشيةالَّتِي يريد صبيحتها أن يسبق إِلَى الْكُوفَةِ، وأقرأه كتابه، فقدم الرسول فضرب عنقه وصعد عُبَيْد اللَّهِ منبر الْبَصْرَة فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فو الله مَا تقرن بي الصعبة، وَلا يقعقع لي بالشنان، وإني لنكل لمن عاداني، وسم لمن حاربني، أنصف القارة من راماها يَا أهل البصره، ان امير المؤمنين ولانى الكوفه وأنا غاد إِلَيْهَا الغداة، وَقَدِ استخلفت عَلَيْكُمْ عُثْمَان بن زياد بن أَبِي سُفْيَانَ، وإياكم والخلاف والارجاف، فو الذى لا إله غيره لَئِنْ بلغني عن رجل مِنْكُمْ خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى حَتَّى تستمعوا لي، وَلا يكون فيكم مخالف وَلا مشاق، أنا ابن زياد، أشبهته من بين من وطيء الحصى ولم ينتزعني شبه خال وَلا ابن عم. ثُمَّ خرج مِنَ الْبَصْرَةِ واستخلف أخاه عُثْمَان بن زياد، وأقبل إِلَى الْكُوفَةِ وَمَعَهُ مسلم بن عَمْرو الباهلي، وشريك بن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته، حَتَّى دخل الْكُوفَة وعليه عمامة سوداء، وَهُوَ متلثم والناس قَدْ بلغهم إقبال حُسَيْن إِلَيْهِم، فهم ينتظرون قدومه، فظنوا حين قدم عُبَيْد اللَّهِ أنه الْحُسَيْن، فأخذ لا يمر عَلَى جماعة مِنَ النَّاسِ الا سلموا عليه، وقالوا: مرحبا بك يا بن رَسُول اللَّهِ! قدمت خير مقدم، فرأى من تباشيرهم بالحسين ع مَا ساءه، فَقَالَ مسلم بن عَمْرو لما أكثروا: تأخروا، هَذَا الأمير عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فاخذ حين أقبل عَلَى الظهر، وإنما مَعَهُ بضعة عشر رجلا، فلما دخل القصر وعلم الناس أنه عُبَيْد اللَّهِ بن زياد دخلهم من ذَلِكَ كآبة وحزن شديد، وغاظ عُبَيْد اللَّهِ مَا سمع مِنْهُمْ، وَقَالَ: أَلا أَرَى هَؤُلاءِ كما أَرَى. قَالَ هِشَام: قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي المعلى بن كليب، عن أبي وداك، قَالَ: لما نزل القصر نودي: الصَّلاة جامعة، قَالَ: فاجتمع الناس، فخرج إلينا فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أصلحه اللَّه ولاني مصركم وثغركم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إِلَى سامعكم ومطيعكم، وبالشدة عَلَى مريبكم وعاصيكم، وانامتبع فيكم أمره، ومنفذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البر، وسوطي وسيفي عَلَى من ترك أمري، وخالف عهدي، فليبق امرؤ على نفسه. الصدق ينبئ عنك لا الوعيد، ثُمَّ نزل فأخذ العرفاء والناس أخذا شديدا، فَقَالَ: اكتبوا إلي الغرباء، ومن فيكم من طلبة أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الَّذِينَ رأيهم الخلاف والشقاق، فمن كتبهم لنا فبرئ، ومن لم يكتب لنا أحدا، فيضمن لنا ما في عرافته الا يخالفنا مِنْهُمْ مخالف، وَلا يبغي علينا مِنْهُمْ باغ، فمن لم يفعل برئت مِنْهُ الذمة، وحلال لنا ماله وسفك دمه، وأيما عريف وجد فِي عرافته من بغية أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أحد لم يرفعه إلينا صلب عَلَى باب داره، والقيت تِلَكَ العرافة من العطاء، وسير إِلَى موضع بعمان الزارة. وأما عِيسَى بن يَزِيدَ الكناني فإنه قَالَ- فِيمَا ذكر عُمَر بن شَبَّةَ، عن هَارُون بن مسلم، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صالح، عنه- قَالَ: لما جَاءَ كتاب يَزِيد إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، انتخب من اهل البصره خمسمائة، فِيهِمْ عَبْد اللَّهِ بن الْحَارِث بن نوفل، وشريك بن الأعور- وَكَانَ شيعة لعلي، فكان أول من سقط بِالنَّاسِ شريك، فيقال: إنه تساقط غمرة وَمَعَهُ ناس- ثُمَّ سقط عَبْد الله ابن الْحَارِث وسقط مَعَهُ ناس، ورجوا أن يلوي عَلَيْهِم عُبَيْد اللَّهِ ويسبقه الْحُسَيْن إِلَى الْكُوفَةِ، فجعل لا يلتفت إِلَى من سقط، ويمضي حَتَّى ورد القادسية، وسقط مهران مولاه، فَقَالَ: أيا مهران، عَلَى هَذِهِ الحال، إن أمسكت عنك حَتَّى تنظر إِلَى القصر فلك مائة ألف، قَالَ: لا، وَاللَّهِ مَا أستطيع فنزل عُبَيْد اللَّهِ فأخرج ثيابا مقطعة من مقطعات اليمن، ثُمَّ اعتجر بمعجرة يمانية، فركب بغلته، ثُمَّ انحدر راجلا وحده، فجعل يمر بالمحارس فكلما نظروا إِلَيْهِ لم يشكوا أنه الْحُسَيْن، فيقولون: مرحبا بك يا بن رَسُول اللَّهِ! وجعل لا يكلمهم، وخرج إِلَيْهِ الناس من دورهم وبيوتهم، وسمع بهم النُّعْمَان بن بشير فغلق عَلَيْهِ وعلى خاصته، وانتهى إِلَيْهِ عُبَيْد اللَّهِ وَهُوَ لا يشك أنه الْحُسَيْن، وَمَعَهُ الخلق يضجون، فكلمه النُّعْمَان، فَقَالَ: أنشدكاللَّه ألا تنحيت عني! مَا أنا بمسلم إليك أمانتي، وما لي فِي قتلك من أرب، فجعل لا يكلمه ثُمَّ إنه دنا وتدلى الآخر بين شرفين، فجعل يكلمه فَقَالَ: افتح لا فتحت، فقد طال ليلك، فسمعها إنسان خلفه، فتكفى إِلَى القوم، فَقَالَ: أي قوم، ابن مرجانة، والذي لا إله غيره! فَقَالُوا: ويحك! إنما هُوَ الْحُسَيْن، ففتح لَهُ النُّعْمَان، فدخل، وضربوا الباب فِي وجوه الناس، فانفضوا، وأصبح فجلس عَلَى الْمِنْبَر فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إني لأعلم أنه قَدْ سار معي، وأظهر الطاعة لي من هُوَ عدو للحسين حين ظن أن الْحُسَيْن قد دخل البلد وغلب عليه، والله مَا عرفت مِنْكُمْ أحدا، ثُمَّ نزل وأخبر أن مسلم بن عقيل قدم قبله بليلة، وأنه بناحية الْكُوفَة، فدعا مولى لبني تميم فأعطاه مالا، وَقَالَ: انتحل هَذَا الأمر، وأعنهم بالمال، واقصد لهانئ ومسلم وانزل عَلَيْهِ، فَجَاءَ هانئا فأخبره أنه شيعة، وأن مَعَهُ مالا وقدم شريك بن الأعور شاكيا، فَقَالَ لهانئ: مر مسلما يكن عندي، فإن عُبَيْد اللَّهِ يعودني، وَقَالَ شريك لمسلم: أرأيتك إن أمكنتك من عُبَيْد اللَّهِ أضاربه أنت بالسيف؟ قَالَ: نعم وَاللَّهِ وجاء عُبَيْد اللَّهِ شريكا يعوده فِي منزل هانئ- وَقَدْ قَالَ شريك لمسلم: إذا سمعتني أقول: اسقوني ماء فاخرج عَلَيْهِ فاضربه- وجلس عُبَيْد اللَّهِ عَلَى فراش شريك، وقام عَلَى رأسه مهران، فَقَالَ: اسقوني ماء، فخرجت جارية بقدح، فرأت مسلما، فزالت، فَقَالَ شريك: اسقوني ماء، ثُمَّ قَالَ الثالثة: ويلكم تحموني الماء! اسقونيه ولو كَانَتْ فِيهِ نفسي، ففطن مهران فغمز عُبَيْد اللَّهِ، فوثب، فَقَالَ شريك: أيها الأمير، إني أريد أن أوصي إليك، قَالَ: أعود إليك، فجعل مهران يطرد بِهِ، وَقَالَ: أراد وَاللَّهِ قتلك، قَالَ: وكيف مع إكرامي شريكا وفي بيت هانئ ويد أبي عنده يد! فرجع فأرسل إِلَى أسماء بن خارجة ومُحَمَّد بن الأشعث فَقَالَ: ائتياني بهانىء، فقالا لَهُ: إنه لا يأتي إلا بالأمان، قَالَ: وما لَهُ وللأمان! وهل أحدث حدثا! انطلقا فإن لم يأت إلا بأمان فآمناه، فأتياه فدعواه، فَقَالَ: إنه إن أخذني قتلني، فلم يزالا بِهِ حَتَّى جاءا بِهِ وعبيد اللَّه يخطب يوم الجمعة، فجلس فِي المسجد، وَقَدْ رجل هانئغديرتيه، فلما صلى عُبَيْد اللَّهِ، قَالَ: يَا هانئ، فتبعه، ودخل فسلم، فَقَالَ عُبَيْد اللَّهِ: يَا هانئ، أما تعلم أن أبي قدم هَذَا البلد فلم يترك أحدا من هَذِهِ الشيعة إلا قتله غير أبيك وغير حجر، وَكَانَ من حجر مَا قَدْ علمت، ثُمَّ لم يزل يحسن صحبتك، ثُمَّ كتب إِلَى أَمِير الْكُوفَة: إن حاجتي قبلك هانئ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فكان جزائي أن خبأت فِي بيتك رجلا ليقتلني! قَالَ: مَا فعلت، فأخرج التميمي الَّذِي كَانَ عينا عَلَيْهِم، فلما رآه هانئ علم أن قَدْ أخبره الخبر، فَقَالَ: أيها الأمير، قَدْ كَانَ الَّذِي بلغك، ولن أضيع يدك عني، فأنت آمن وأهلك، فسر حَيْثُ شئت. فكبا عُبَيْد اللَّهِ عندها، ومهران قائم عَلَى رأسه فِي يده معكزة، فَقَالَ: وا ذلاه! هَذَا العبد الحائك يؤمنك فِي سلطانك! فَقَالَ: خذه، فطرح المعكزة، وأخذ بضفيرتي هانئ، ثُمَّ أقنع بوجهه، ثُمَّ أخذ عُبَيْد اللَّهِ المعكزة فضرب بِهَا وجه هانئ، وندر الزج، فارتز فِي الجدار، ثُمَّ ضرب وجهه حَتَّى كسر أنفه وجبينه، وسمع الناس الهيعة، وبلغ الخبر مذحج، فأقبلوا، فأطافوا بالدار، وأمر عُبَيْد اللَّهِ بهانىء فألقي فِي بيت، وصيح المذحجيون، وأمر عُبَيْد اللَّهِ مهران أن يدخل عَلَيْهِ شريحا، فخرج، فأدخله عَلَيْهِ، ودخلت الشرط مَعَهُ، فَقَالَ: يَا شريح، قَدْ ترى مَا يصنع بي! قَالَ: أراك حيا، قَالَ: وحي أنا مع مَا ترى! أخبر قومي أَنَّهُمْ إن انصرفوا قتلني، فخرج إِلَى عُبَيْد اللَّهِ فَقَالَ: قَدْ رأيته حيا، ورأيت أثرا سيئا، قَالَ: وتنكر أن يعاقب الوالي رعيته! اخرج إِلَى هَؤُلاءِ فأخبرهم، فخرج، وأمر عُبَيْد اللَّهِ الرجل فخرج مَعَهُ، فَقَالَ لَهُمْ شريح: مَا هَذِهِ الرعة السيئة! الرجل حي، وَقَدْ عاتبه سلطانه بضرب لم يبلغ نفسه، فانصرفوا وَلا تحلوا بأنفسكم وَلا بصاحبكم. فانصرفوا. وذكر هِشَام، عن أبي مخنف، عن المعلى بن كليب، عن أبي الوداك، قَالَ: نزل شريك بن الأعور عَلَى هانئ بن عروة المرادي، وَكَانَ شريك شيعيا، وَقَدْ شهد صفين مع عماروسمع مسلم بن عقيل بمجيء عُبَيْد اللَّهِ ومقالته الَّتِي قالها، وما أخذ بِهِ العرفاء والناس، فخرج من دار المختار- وَقَدْ علم بِهِ- حَتَّى انتهى إِلَى دار هانئ بن عروة المرادي، فدخل بابه، وأرسل إِلَيْهِ أن اخرج، فخرج إِلَيْهِ هانئ، فكره هانئ مكانه حين رآه، فَقَالَ لَهُ مسلم: أتيتك لتجيرني وتضيفني، فَقَالَ: رحمك اللَّه! لقد كلفتني شططا، ولولا دخولك داري وثقتك لأحببت ولسألتك أن تخرج عني، غير أنه يأخذني من ذَلِكَ ذمام، وليس مردود مثلي عَلَى مثلك عن جهل، أدخل. فآواه، وأخذت الشيعة تختلف إِلَيْهِ فِي دار هانئ بن عروة، ودعا ابن زياد مولى لَهُ يقال لَهُ معقل، فَقَالَ لَهُ: خذ ثلاثة آلاف درهم، ثُمَّ اطلب مسلم ابن عقيل، واطلب لنا أَصْحَابه، ثُمَّ أعطهم هَذِهِ الثلاثة آلاف، فقل لَهُمُ: استعينوا بِهَا عَلَى حرب عدوكم، وأعلمهم أنك مِنْهُمْ، فإنك لو قَدْ أعطيتها إياهم اطمأنوا إليك، ووثقوا بك، ولم يكتموك شَيْئًا من أخبارهم، ثُمَّ اغد عَلَيْهِم ورح ففعل ذَلِكَ، فَجَاءَ حَتَّى أتى إِلَى مسلم بن عوسجة الأسدي من بني سعد بن ثعلبة فِي المسجد الأعظم وَهُوَ يصلي، وسمع الناس يقولون: إن هَذَا يبايع للحسين، فَجَاءَ فجلس حَتَّى فرغ من صلاته ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْد اللَّهِ، إني امرؤ من أهل الشام، مولى لذي الكلاع، أنعم اللَّه علي بحب أهل هَذَا البيت وحب من أحبهم، فهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بِهَا لقاء رجل مِنْهُمْ بلغني أنه قدم الكوفه يبايع لابن بنت رسول الله ص، وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحدا يدلني عَلَيْهِ وَلا يعرف مكانه، فإني لجالس آنفا فِي المسجد إذ سمعت نفرا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يقولون: هَذَا رجل لَهُ علم بأهل هَذَا البيت، وإني أتيتك لتقبض هَذَا المال وتدخلني عَلَى صاحبك فأبايعه، وإن شئت أخذت بيعتي لَهُ قبل لقائه، فَقَالَ: أحمد اللَّه عَلَى لقائك إياي، فقد سرني ذَلِكَ لتنال مَا تحب، ولينصر اللَّه بك أهل بيت نبيه، وَلَقَدْ ساءني معرفتك إياي بهذا الأمر من قبل أن ينمى مخافة هَذَا الطاغية وسطوته. فأخذ بيعته قبل أن يبرح، وأخذ عَلَيْهِ المواثيق المغلظة ليناصحوليكتمن، فأعطاه من ذَلِكَ مَا رضي بِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اختلف إلي أياما فِي منزلي، فأنا طالب لك الإذن عَلَى صاحبك فأخذ يختلف مع الناس، فطلب لَهُ الإذن فمرض هانئ بن عروة، فَجَاءَ عُبَيْد اللَّهِ عائدا لَهُ، فَقَالَ لَهُ عمارة بن عبيد السلولي: إنما جماعتنا وكيدنا قتل هَذَا الطاغية، فقد أمكنك اللَّه مِنْهُ فاقتله، قَالَ هانئ: مَا أحب أن يقتل فِي داري، فخرج فما مكث إلا جمعة حَتَّى مرض شريك بن الأعور- وَكَانَ كريما عَلَى ابن زياد وعلى غيره من الأمراء، وَكَانَ شديد التشيع- فأرسل إِلَيْهِ عُبَيْد اللَّهِ: أني رائح إليك العشية، فَقَالَ لمسلم: إن هَذَا الفاجر عائدي العشية، فإذا جلس فاخرج إِلَيْهِ فاقتله، ثُمَّ اقعد فِي القصر، ليس أحد يحول بينك وبينه، فإن برئت من وجعي هَذَا أيامي هَذِهِ سرت إِلَى الْبَصْرَة وكفيتك أمرها. فلما كَانَ من العشي أقبل عُبَيْد اللَّهِ لعيادة شريك، فقام مسلم بن عقيل ليدخل، وَقَالَ لَهُ شريك: لا يفوتنك إذا جلس، فقام هانئ بن عروة إِلَيْهِ فَقَالَ: إني لا أحب أن يقتل فِي داري- كأنه استقبح ذلك- فجاء عبيد الله ابن زياد فدخل فجلس، فسأل شريكا عن وجعه، وَقَالَ: مَا الَّذِي تجد؟ ومتى أشكيت؟ فلما طال سؤاله إِيَّاهُ، ورأى أن الآخر لا يخرج، خشي أن يفوته، فأخذ يقول: مَا تنتظرون بسلمى أن تحيوها أسقنيها وإن كَانَتْ فِيهَا نفسي، فَقَالَ ذَلِكَ مرتين أو ثلاثا، فَقَالَ عُبَيْد اللَّهِ، وَلا يفطن مَا شأنه: أترونه يهجر؟ فَقَالَ لَهُ هانئ: نعم أصلحك اللَّه! مَا زال هَذَا ديدنه قبيل عماية الصبح حَتَّى ساعته هَذِهِ ثُمَّ إنه قام فانصرف، فخرج مسلم، فَقَالَ لَهُ شريك: مَا منعك من قتله؟ فَقَالَ: خصلتان: أما إحداهما فكراهة هانئ أن يقتل فِي داره، [وأما الأخرى فحديث حدثه الناس عن النبي ص: أن الإيمان قيد الفتك، وَلا يفتك مؤمن،] فَقَالَ هانئ: أما وَاللَّهِ لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا، ولكن كرهت أن يقتل فِي داري ولبث شريك بن الأعور بعدذَلِكَ ثلاثا ثُمَّ مات، فخرج ابن زياد فصلى عَلَيْهِ، وبلغ عُبَيْد اللَّهِ بعد مَا قتل مسلما وهانئا أن ذَلِكَ الَّذِي كنت سمعت من شريك فِي مرضه إنما كَانَ يحرض مسلما، ويأمره بالخروج إليك ليقتلك، فَقَالَ عُبَيْد اللَّهِ: وَاللَّهِ لا أصلي عَلَى جنازة رجل من اهل العراق ابدا، وو الله لولا أن قبر زياد فِيهِمْ لنبشت شريكا. ثُمَّ إن معقلا مولى ابن زياد الَّذِي دسه بالمال إِلَى ابن عقيل وأَصْحَابه، اختلف إِلَى مسلم بن عوسجة أياما ليدخله عَلَى ابن عقيل، فأقبل بِهِ حَتَّى أدخله عَلَيْهِ بعد موت شريك بن الأعور، فأخبره خبره كله، فأخذ ابن عقيل بيعته، وأمر أبا ثمامة الصائدي، فقبض ماله الَّذِي جَاءَ بِهِ- وَهُوَ الَّذِي كَانَ يقبض أموالهم، وما يعين بِهِ بعضهم بعضا، يشتري لَهُمُ السلاح، وَكَانَ بِهِ بصيرا، وَكَانَ من فرسان العرب ووجوه الشيعة- وأقبل ذَلِكَ الرجل يختلف إِلَيْهِم، فهو أول داخل وآخر خارج، يسمع أخبارهم، ويعلم أسرارهم، ثُمَّ ينطلق بِهَا حَتَّى يقرها فِي أذن ابن زياد قَالَ: وَكَانَ هانئ يغدو ويروح إِلَى عُبَيْد اللَّهِ، فلما نزل بِهِ مسلم انقطع من الاختلاف وتمارض، فجعل لا يخرج، فَقَالَ ابن زياد لجلسائه: ما لي لا أَرَى هانئا! فَقَالُوا: هُوَ شاك، فَقَالَ: لو علمت بمرضه لعدته! قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي الْمُجَالِد بن سَعِيدٍ، قَالَ: دعا عُبَيْد اللَّهِ مُحَمَّد بن الأشعث وأسماء بن خارجة. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الْحَسَن بن عُقْبَةَ المرادي أنه بعث مَعَهُمَا عَمْرو بن الحجاج الزبيدي. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي نمير بن وعلة، عن أبي الوداك، قَالَ: كَانَتْ روعة أخت عَمْرو بن الحجاج تحت هانئ بن عروة، وَهِيَ أم يَحْيَى بن هانئ فَقَالَ لَهُمْ: مَا يمنع هانئ بن عروة من إتياننا؟ قَالُوا: مَا ندري أصلحك اللَّه!وإنه ليتشكى، قَالَ: قَدْ بلغني أنه قَدْ برأ، وَهُوَ يجلس عَلَى باب داره، فالقوه، فمروه الا يدع مَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ من الحق، فإني لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب فأتوه حَتَّى وقفوا عَلَيْهِ عشية وَهُوَ جالس عَلَى بابه، فَقَالُوا: مَا يمنعك من لقاء الأمير، فإنه قَدْ ذكرك، وَقَدْ قَالَ: لو أعلم أنه شاك لعدته؟ فَقَالَ لَهُمُ: الشكوى تمنعني، فَقَالُوا لَهُ: يبلغه أنك تجلس كل عشية عَلَى باب دارك، وَقَدِ استبطأك، والإبطاء والجفاء لا يحتمله السلطان، أقسمنا عَلَيْك لما ركبت معنا! فدعا بثيابه فلبسها، ثُمَّ دعا ببغلة فركبها حَتَّى إذا دنا من القصر، كأن نفسه أحست ببعض الذى كان، فقال لحسان ابن أسماء بن خارجه: يا بن أخي، إني وَاللَّهِ لهذا الرجل لخائف، فما ترى؟ قَالَ: أي عم، وَاللَّهِ مَا أتخوف عَلَيْك شَيْئًا، ولم تجعل عَلَى نفسك سبيلا وأنت بريء؟ وزعموا أن أسماء لم يعلم فِي أي شَيْء بعث إِلَيْهِ عُبَيْد اللَّهِ، فأما مُحَمَّد فقد علم بِهِ، فدخل القوم عَلَى ابن زياد، ودخل معهم، فلما طلع قَالَ عُبَيْد اللَّهِ: أتتك بحائن رجلاه! وَقَدْ عرس عُبَيْد اللَّهِ إذ ذاك بأم نافع ابنة عمارة بن عُقْبَةَ، فلما دنا من ابن زياد وعنده شريح القاضي التفت نحوه، فَقَالَ: أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد وَقَدْ كَانَ لَهُ أول مَا قدم مكرما ملطفا، فَقَالَ لَهُ هانئ: وما ذاك أيها الأمير؟ قَالَ: إيه يَا هانئ بن عروة! مَا هَذِهِ الأمور الَّتِي تربص فِي دورك لأمير الْمُؤْمِنِينَ وعامة الْمُسْلِمِينَ! جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك، وجمعت لَهُ السلاح والرجال فِي الدور حولك، وظننت أن ذَلِكَ يخفى علي لك! قَالَ: مَا فعلت، وما مسلم عندي، قَالَ: بلى قَدْ فعلت، قَالَ: مَا فعلت، قَالَ: بلى، فلما كثر ذَلِكَ بينهما، وأبى هانئ إلا مجاحدته ومناكرته، دعا ابن زياد معقلا ذَلِكَ العين، فَجَاءَ حَتَّى وقف بين يديه فَقَالَ: أتعرف هَذَا؟ قَالَ: نعم، وعلم هانئ عِنْدَ ذَلِكَ أنه كَانَ عينا عَلَيْهِم، وأنه قَدْ أتاه باخبارهم،فسقط فِي خلده ساعة ثُمَّ إن نفسه راجعته، فَقَالَ لَهُ: اسمع مني، وصدق مقالتي، فو الله لا أكذبك، وَاللَّهِ الَّذِي لا إله غيره مَا دعوته إِلَى منزلي، وَلا علمت بشيء من أمره، حَتَّى رأيته جالسا عَلَى بابي، فسألني النزول علي، فاستحييت من رده، ودخلني من ذَلِكَ ذمام، فأدخلته داري وضفته وآويته، وَقَدْ كَانَ من أمره الَّذِي بلغك، فإن شئت أعطيت الآن موثقا مغلظا وما تطمئن اليه الا أبغيك سوءا، وإن شئت أعطيتك رهينة تكون فِي يدك حَتَّى آتيك، وأنطلق إِلَيْهِ فأمره أن يخرج من داري إِلَى حَيْثُ شاء من الأرض، فأخرج من ذمامه وجواره، فَقَالَ: لا وَاللَّهِ لا تفارقني أبدا حَتَّى تأتيني به، فقال: لا، والله لا أجيئك أبدا، أنا أجيئك بضيفي تقتله! قَالَ: وَاللَّهِ لتأتيني بِهِ، قَالَ: وَاللَّهِ لا آتيك بِهِ. فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عَمْرو الباهلي- وليس بالكوفة شامي وَلا بصري غيره- فَقَالَ: أصلح اللَّه الأمير! خلني وإياه حَتَّى أكلمه، لما رَأَى لجاجته وتأبيه عَلَى ابن زياد أن يدفع إِلَيْهِ مسلما، فَقَالَ لهانئ: قم الى هاهنا حَتَّى أكلمك، فقام فخلا بِهِ ناحية من ابن زياد، وهما مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ قريب حَيْثُ يراهما، إذا رفعا أصواتهما سمع مَا يقولان، وإذا خفضا خفي عَلَيْهِ مَا يقولان، فَقَالَ لَهُ مسلم: يَا هانئ، إني أنشدك اللَّه أن تقتل نفسك، وتدخل البلاء عَلَى قومك وعشيرتك! فو الله إني لأنفس بك عن القتل، وَهُوَ يرى أن عشيرته ستحرك فِي شأنه أن هَذَا الرجل ابن عم القوم، وليسوا قاتليه وَلا ضائريه، فادفعه إِلَيْهِ فإنه ليس عَلَيْك بِذَلِكَ مخزاة وَلا منقصة، إنما تدفعه إِلَى السلطان، قَالَ: بلى، وَاللَّهِ إن علي فِي ذَلِكَ للخزي والعار، أنا أدفع جاري وضيفي وأنا حي صحيح أسمع وأرى، شديد الساعد، كثير الأعوان! وَاللَّهِ لو لم أكن إلا واحدا ليس لي ناصر لم أدفعه حَتَّى أموت دونه. فأخذ يناشده وَهُوَ يقول: وَاللَّهِ لا أدفعه إِلَيْهِ أبدا، فسمع ابن زياد ذَلِكَ، فَقَالَ: أدنوه مني، فأدنوه مِنْهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لتأتيني بِهِ أو لأضربن عنقك،قَالَ: إذا تكثر البارقة حول دارك، فَقَالَ: والهفا عليك! أبا لبارقه تخوفني! وَهُوَ يظن أن عشيرته سيمنعونه، فَقَالَ ابن زياد: أدنوه مني، فأدني، فاستعرض وجهه بالقضيب، فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حَتَّى كسر أنفه، وسيل الدماء عَلَى ثيابه، ونثر لحم خديه وجبينه عَلَى لحيته حَتَّى كسر القضيب، وضرب هانئ بيده إِلَى قائم سيف شرطي من تِلَكَ الرجال، وجابذه الرجل ومنع، فقال عبيد الله: احروري سائر الْيَوْم! أحللت بنفسك، قَدْ حل لنا قتلك، خذوه فألقوه فِي بيت من بيوت الدار، وأغلقوا عَلَيْهِ بابه، واجعلوا عَلَيْهِ حرسا، ففعل ذلك به، فقام اليه أسماء ابن خارجة فَقَالَ: أرسل غدر سائر الْيَوْم! أمرتنا أن نجيئك بالرجل حَتَّى إذا جئناك بِهِ وأدخلناه عَلَيْك هشمت وجهه، وسيلت دمه عَلَى لحيته، وزعمت أنك تقتله! فَقَالَ لَهُ عُبَيْد الله: وانك لهاهنا! فأمر بِهِ فلهز وتعتع بِهِ، ثُمَّ ترك فحبس. وأما مُحَمَّد بن الأشعث فَقَالَ: قَدْ رضينا بِمَا رَأَى الأمير، لنا كَانَ أم علينا، إنما الأمير مؤدب وبلغ عَمْرو بن الحجاج أن هانئا قَدْ قتل، فأقبل فِي مذحج حَتَّى أحاط بالقصر وَمَعَهُ جمع عظيم، ثُمَّ نادى: أنا عَمْرو بن الحجاج، هَذِهِ فرسان مذحج ووجوهها، لم تخلع طاعه، ولم تفارق جماعة، وَقَدْ بلغهم أن صاحبهم يقتل، فأعظموا ذَلِكَ، فقيل لعبيد اللَّه: هَذِهِ مذحج بالباب، فَقَالَ لشريح القاضي: ادخل عَلَى صاحبهم فانظر إِلَيْهِ، ثُمَّ اخرج فأعلمهم أنه حي لم يقتل، وأنك قَدْ رأيته، فدخل إِلَيْهِ شريح فنظر إِلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي الصَّقْعَبُ بْنُ زُهَيْرٍ، عَنْ عبد الرَّحْمَن بن شريح، قَالَ: سمعته يحدث إِسْمَاعِيل بن طَلْحَة، قَالَ: دخلت عَلَى هانئ، فلما رآني قَالَ: يَا لله يا للمسلمين! اهلكت عشيرتي؟ فأين أهل الدين! وأين أهل المصر! تفاقدوا! يخلوني، وعدوهم وابن عدوهم! والدماءتسيل عَلَى لحيته، إذ سمع الرجة عَلَى باب القصر، وخرجت واتبعني، فَقَالَ: يَا شريح، إني لأظنها أصوات مذحج وشيعتي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني، قَالَ: فخرجت إِلَيْهِم ومعي حميد بن بكير الأحمري- أرسله معي ابن زياد، وَكَانَ من شرطه ممن يقوم عَلَى رأسه- وايم اللَّه لولا مكانه معي لكنت أبلغت أَصْحَابه مَا أمرني بِهِ، فلما خرجت إِلَيْهِم قلت: إن الأمير لما بلغه مكانكم ومقالتكم فِي صاحبكم أمرني بالدخول إِلَيْهِ، فأتيته فنظرت إِلَيْهِ، فأمرني أن ألقاكم، وأن أعلمكم أنه حي، وأن الَّذِي بلغكم من قتله كَانَ باطلا فَقَالَ عَمْرو واصحابه: فاما إذ لم يقتل فالحمد لِلَّهِ، ثُمَّ انصرفوا. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الحجاج بن علي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بشر الهمداني، قَالَ: لما ضرب عُبَيْد اللَّهِ هانئا وحبسه خشي أن يثب الناس بِهِ، فخرج فصعد الْمِنْبَر وَمَعَهُ أشراف الناس وشرطه وحشمه، فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فاعتصموا بطاعة اللَّه وطاعة أئمتكم، وَلا تختلفوا وَلا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا وتجفوا وتحرموا، إن أخاك من صدقك، وَقَدْ أعذر من أنذر قَالَ: ثُمَّ ذهب لينزل، فما نزل عن الْمِنْبَر حَتَّى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدون ويقولون: قَدْ جَاءَ ابن عقيل! قَدْ جَاءَ ابن عقيل! فدخل عُبَيْد اللَّهِ القصر مسرعا، وأغلق أبوابه. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي يُوسُف بن يَزِيدَ، عن عَبْد اللَّهِ بن خازم، قَالَ: أنا وَاللَّهِ رسول ابن عقيل إِلَى القصر لأنظر إِلَى مَا صار أمر هانئ، قَالَ: فلما ضرب وحبس ركبت فرسي وكنت أول أهل الدار دخل عَلَى مسلم بن عقيل بالخبر، وإذا نسوة لمراد مجتمعات ينادين: يَا عثرتاه! يَا ثكلاه! فدخلت عَلَى مسلم بن عقيل بالخبر، فأمرني أن أنادي فِي أَصْحَابه وَقَدْ ملأ مِنْهُمُ الدور حوله، وَقَدْ بايعه ثمانية عشر ألفا، وفي الدور أربعة آلاف رجل، فَقَالَ لي: ناد: يَا منصور أمت، فناديت: يَا منصور أمت، وتنادى أهل الْكُوفَةفاجتمعوا إِلَيْهِ، فعقد مسلم لعبيد اللَّه بن عمرو بن عزيز الكندي عَلَى ربع كندة وربيعة، وَقَالَ: سر أمامي فِي الخيل، ثُمَّ عقد لمسلم بن عوسجة الأسدي عَلَى ربع مذحج وأسد، وَقَالَ: انزل فِي الرجال فأنت عَلَيْهِم، وعقد لأبي ثمامة الصائدي عَلَى ربع تميم وهمدان، وعقد لعباس بن جعدة الجدلي عَلَى ربع الْمَدِينَة، ثُمَّ أقبل نحو القصر، فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرز فِي القصر، وغلق الأبواب قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي يونس بن أبي إِسْحَاق، عن عباس الجدلي قَالَ: خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف، فما بلغنا القصر الا ونحن ثلاثمائة. قَالَ: وأقبل مسلم يسير فِي الناس من مراد حَتَّى أحاط بالقصر، ثُمَّ إن الناس تداعوا إلينا واجتمعوا، فو الله مَا لبثنا إلا قليلا حَتَّى امتلأ المسجد مِنَ النَّاسِ والسوق، وما زالوا يثوبون حَتَّى المساء، فضاق بعبيد اللَّه ذرعه، وَكَانَ كبر أمره أن يتمسك بباب القصر، وليس مَعَهُ إلا ثلاثون رجلا من الشرط وعشرون رجلا من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه، وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الَّذِي يلي دار الروميين، وجعل من بالقصر مع ابن زياد يشرفون عَلَيْهِم، فينظرون إِلَيْهِم فيتقون أن يرموهم بالحجارة، وأن يشتموهم وهم لا يفترون عَلَى عُبَيْد اللَّهِ وعلى أَبِيهِ ودعا عُبَيْد اللَّهِ كثير بن شهاب ابن الحصين الحارثي فأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج، فيسير بالكوفة، ويخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم الحرب، ويحذرهم عقوبة السلطان، وأمر مُحَمَّد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت، فيرفع راية أمان لمن جاءه مِنَ النَّاسِ، وَقَالَ مثل ذَلِكَ للقعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي الجوشن العامري، وحبس سائر وجوه الناس عنده استيحاشا إِلَيْهِم لقلة عدد من مَعَهُ مِنَ النَّاسِ، وخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن ابن عقيل. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي أَبُو جناب الكلبي أن كثيرا ألفى رجلا منكلب يقال لَهُ عبد الأعلى بن يَزِيدَ، قَدْ لبس سلاحه يريد ابن عقيل فِي بني فتيان، فأخذه حَتَّى أدخله عَلَى ابن زياد، فأخبره خبره، فَقَالَ لابن زياد: إنما أردتك، قَالَ: وكنت وعدتني ذَلِكَ من نفسك، فأمر بِهِ فحبس، وخرج مُحَمَّد بن الأشعث حَتَّى وقف عِنْدَ دور بني عمارة، وجاءه عمارة بن صلخب الأَزْدِيّ وَهُوَ يريد ابن عقيل، عَلَيْهِ سلاحه، فأخذه فبعث بِهِ إِلَى ابن زياد فحبسه، فبعث ابن عقيل إِلَى مُحَمَّد بن الأشعث من المسجد عبد الرَّحْمَن ابن شريح الشبامي، فلما رَأَى مُحَمَّد بن الأشعث كثرة من أتاه، أخذ يتنحى ويتأخر، وأرسل القعقاع بن شور الذهلي إِلَى مُحَمَّد بن الأشعث: قَدْ جلت عَلَى ابن عقيل من العرار، فتأخر عن موقفه، فأقبل حَتَّى دخل عَلَى ابن زياد من قبل دار الروميين، فلما اجتمع عِنْدَ عُبَيْد اللَّهِ كثير بن شهاب ومُحَمَّد والقعقاع فيمن أطاعهم من قومهم، قال لَهُ كثير- وكانوا مناصحين لابن زياد: أصلح اللَّه الأمير! معك فِي القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك، فاخرج بنا إِلَيْهِم، فأبى عُبَيْد اللَّهِ، وعقد لشبث بن ربعي لواء، فأخرجه، وأقام الناس مع ابن عقيل يكبرون ويثوبون حَتَّى المساء، وأمرهم شديد، فبعث عُبَيْد اللَّهِ إِلَى الأشراف فجمعهم إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أشرفوا عَلَى الناس فمنوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، وأعلموهم فصول الجنود من الشام إِلَيْهِم. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن عَبْد اللَّهِ بن خازم الكثيري من الأزد، من بني كثير، قَالَ: أشرف علينا الأشراف، فتكلم كثير بن شهاب أول الناس حَتَّى كادت الشمس أن تجب، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، الحقوا بأهاليكم، وَلا تعجلوا الشر، وَلا تعرضوا أنفسكم للقتل، فإن هَذِهِ جنود أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يَزِيد قَدْ أقبلت، وَقَدْ أعطى اللَّه الأمير عهدا: لَئِنْ أتممتم عَلَى حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتلتكم فِي مغازي أهل الشام عَلَى غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حَتَّى لا يبقى لَهُ فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبالمَا جرت أيديها، وتكلم الأشراف بنحو من كلام هَذَا، فلما سمع مقالتهم الناس أخذوا يتفرقون، وأخذوا ينصرفون. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي الْمُجَالِد بن سَعِيد، أن المرأة كَانَتْ تأتي ابنها أو أخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك، ويجيء الرجل إِلَى ابنه أو أخيه فيقول: غدا يأتيك أهل الشام، فما تصنع بالحرب والشر! انصرف فيذهب بِهِ، فما زالوا يتفرقون ويتصدعون حَتَّى أمسى ابن عقيل وما مَعَهُ ثلاثون نفسا فلما رَأَى إنه قَدْ أمسى وليس مَعَهُ إلا أُولَئِكَ النفر خرج متوجها نحو أبواب كندة، وبلغ الأبواب وَمَعَهُ مِنْهُمْ عشرة، ثُمَّ خرج من الباب وإذا ليس مَعَهُ إنسان، والتفت فإذا هُوَ لا يحس أحدا يدله عَلَى الطريق، وَلا يدله عَلَى منزل وَلا يواسيه بنفسه إن عرض لَهُ عدو، فمضى عَلَى وجهه يتلدد فِي أزقة الْكُوفَة لا يدري أين يذهب! حَتَّى خرج إِلَى دور بني جبلة من كندة، فمشى حَتَّى انتهى إِلَى باب امرأة يقال لها طوعة- أم ولد كَانَتْ للأشعث بن قيس، فأعتقها، فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت لَهُ بلالا، وَكَانَ بلال، قَدْ خرج مع الناس وأمه قائمة تنتظره- فسلم عَلَيْهَا ابن عقيل، فردت عَلَيْهِ، فَقَالَ لها: يَا أمة اللَّه، اسقيني ماء، فدخلت فسقته، فجلس وأدخلت الإناء، ثُمَّ خرجت فَقَالَتْ: يَا عَبْد اللَّهِ ألم تشرب! قَالَ: بلى، قالت: فاذهب إِلَى أهلك، فسكت، ثُمَّ عادت فَقَالَتْ مثل ذَلِكَ، فسكت، ثُمَّ قالت له: في الله، سبحان اللَّه يَا عَبْد اللَّهِ! فمر إِلَى أهلك عافاك اللَّه، فإنه لا يصلح لك الجلوس عَلَى بابي، وَلا أحله لك، فقام فَقَالَ: يَا أمة اللَّه، مَا لي فِي هَذَا المصر منزل وَلا عشيرة، فهل لك إِلَى أجر ومعروف، ولعلي مكافئك بِهِ بعد الْيَوْم! فَقَالَتْ: يَا عَبْد اللَّهِ، وما ذاك؟ قَالَ: أنا مسلم بن عقيل، كذبني هَؤُلاءِ القوم وغروني، قالت: أنت مسلم! قَالَ: نعم قالت: ادخل، فأدخلته بيتا فِي دارها غير البيت الَّذِي تكون فِيهِ، وفرشت لَهُ، وعرضت عَلَيْهِ العشاء فلم يتعش، ولم يكن بأسرع من أن جَاءَ ابنها فرآها تكثر الدخول فِي البيت والخروج مِنْهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إنهليريبني كثرة دخولك هَذَا البيت منذ الليلة وخروجك مِنْهُ! إن لك لشأنا، قالت: يَا بني، اله عن هَذَا، قَالَ لها: وَاللَّهِ لتخبرني: قالت: أقبل عَلَى شأنك وَلا تسألني عن شَيْء، فألح عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا بني، لا تحدثن أحدا مِنَ النَّاسِ بِمَا أخبرك بِهِ، وأخذت عَلَيْهِ الأيمان، فحلف لها، فأخبرته، فاضطجع وسكت- وزعموا أنه قَدْ كَانَ شريدا مِنَ النَّاسِ وَقَالَ بعضهم: كَانَ يشرب مع أَصْحَاب لَهُ- ولما طال عَلَى ابن زياد، وأخذ لا يسمع لأَصْحَاب ابن عقيل صوتا كما كَانَ يسمعه قبل ذَلِكَ قَالَ لأَصْحَابه: أشرفوا فانظروا هل ترون مِنْهُمْ أحدا! فأشرفوا فلم يروا أحدا، قَالَ: فانظروا لعلهم تحت الظلال قَدْ كمنوا لكم، ففرعوا بحابح المسجد، وجعلوا يخفضون شعل النار فِي أيديهم، ثُمَّ ينظرون: هل فِي الظلال أحد؟ وكانت أحيانا تضيء لَهُمْ، وأحيانا لا تضيء لَهُمْ كما يريدون، فدلوا القناديل وأنصاف الطنان تشد بالحبال، ثُمَّ تجعل فِيهَا النيران، ثُمَّ تدلى، حَتَّى تنتهي إِلَى الأرض ففعلوا ذَلِكَ فِي أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حَتَّى فعلوا ذَلِكَ بالظلة الَّتِي فِيهَا الْمِنْبَر، فلما لم يروا شَيْئًا أعلموا ابن زياد، ففتح باب السدة الَّتِي فِي المسجد ثُمَّ خرج فصعد الْمِنْبَر، وخرج أَصْحَابه مَعَهُ، فأمرهم فجلسوا حوله قبيل العتمة، وأمر عَمْرو بن نافع فنادى: أَلا برئت الذمة من رجل من الشرطة والعرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلى العتمة إلا فِي المسجد، فلم يكن لَهُ إلا ساعة حَتَّى امتلأ المسجد مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ أمر مناديه فأقام الصَّلاة، فَقَالَ الحصين بن تميم: إن شئت صليت بِالنَّاسِ، أو يصلي بهم غيرك، ودخلت أنت فصليت فِي القصر، فإني لا آمن أن يغتالك بعض أعدائك! فَقَالَ: مر حرسي فليقوموا ورائي كما كَانُوا يقفون، ودر فِيهِمْ فإني لست بداخل إذا. فصلى بِالنَّاسِ، ثُمَّ قام فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإن ابن عقيل السفيه الجاهل، قَدْ أتى مَا قَدْ رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمة اللَّه من رجل وجدناه فِي داره، ومن جَاءَ بِهِ فله ديته اتقوا اللَّه عباد اللَّه، والزموا طاعتكم وبيعتكم، وَلا تجعلوا عَلَى أنفسكم سبيلا يَا حصينابن تميم، ثكلتك أمك إن صاح باب سكة من سكك الْكُوفَة، أو خرج هَذَا الرجل ولم تأتني بِهِ، وَقَدْ سلطتك عَلَى دور أهل الْكُوفَة، فابعث مراصدة عَلَى أفواه السكك، وأصبح غدا واستبر الدور وجس خلالها حَتَّى تأتيني بهذا الرجل- وَكَانَ الحصين عَلَى شرطه، وَهُوَ من بني تميم- ثُمَّ نزل ابن زياد فدخل وَقَدْ عقد لعمرو بن حريث راية وأمره عَلَى الناس، فلما أصبح جلس مجلسه وأذن لِلنَّاسِ فدخلوا عَلَيْهِ، وأقبل مُحَمَّد بن الأشعث فَقَالَ: مرحبا بمن لا يستغش ولايتهم! ثُمَّ أقعده إِلَى جنبه، وأصبح ابن تِلَكَ العجوز وَهُوَ بلال بن أسيد الَّذِي آوت أمه ابن عقيل، فغدا إِلَى عبد الرَّحْمَن بن محمد ابن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عِنْدَ أمه، قَالَ: فأقبل عبد الرَّحْمَن حَتَّى أتى أباه وَهُوَ عِنْدَ ابن زياد، فساره، فَقَالَ لَهُ ابن زياد: مَا قَالَ لك؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي أن ابن عقيل فِي دار من دورنا، فنخس بالقضيب فِي جنبه ثُمَّ قَالَ: قم فأتني بِهِ الساعة. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي قدامة بن سَعِيد بن زائدة بن قدامة الثقفي، أن ابن الأشعث حين قام ليأتيه بابن عقيل بعث إِلَى عَمْرو بن حريث وَهُوَ فِي المسجد خليفته عَلَى الناس، أن ابعث مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلا كلهم من قيس- وإنما كره أن يبعث مَعَهُ قومه لأنه قَدْ علم أن كل قوم يكرهون أن يصادف فِيهِمْ مثل ابن عقيل- فبعث مَعَهُ عَمْرو بن عُبَيْد اللَّهِ بن عباس السلمي فِي ستين أو سبعين من قيس، حَتَّى أتوا الدار الَّتِي فِيهَا ابن عقيل، فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال عرف أنه قَدْ أتي، فخرج إِلَيْهِم بسيفه، واقتحموا عَلَيْهِ الدار، فشد عَلَيْهِم يضربهم بسيفه حَتَّى أخرجهم من الدار، ثُمَّ عادوا إِلَيْهِ، فشد عَلَيْهِم كذلك، فاختلف هُوَ وبكير بن حمران الأحمري ضربتين، فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا، وأشرع السيف فِي السفلى، ونصلت لها ثنيتاه، فضربه مسلم ضربة فِي رأسه منكرة، وثنى بأخرى عَلَى حبل العاتق كادت تطلع عَلَى جوفه فلما رأوا ذَلِكَ أشرفوا عَلَيْهِ من فوق ظهر البيت، فأخذوا يرمونه بالحجارة، ويلهبون النار فِي أطنان القصب، ثُمَّ يقلبونها عَلَيْهِ من فوقالبيت، فلما رَأَى ذَلِكَ خرج عَلَيْهِم مصلتا بسيفه فِي السكة فقاتلهم، فأقبل عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الأشعث فَقَالَ: يَا فتى، لك الأمان، لا تقتل نفسك، فأقبل يقاتلهم، وَهُوَ يقول: أقسمت لا أقتل إلا حرا ... وإن رأيت الموت شَيْئًا نكرا كل امرئ يَوْمًا ملاق شرا ... ويخلط البارد سخنا مرا رد شعاع الشمس فاستقر ... أخاف أن أكذب أو أغرا فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن الأشعث: إنك لا تكذب وَلا تخدع وَلا تغر، إن القوم بنو عمك، وليسوا بقاتليك وَلا ضاربيك، وَقَدْ أثخن بالحجارة، وعجز عن القتال وانبهر، فأسند ظهره إِلَى جنب تلك الدار، فدنا محمد ابن الأشعث فَقَالَ: لك الأمان، فَقَالَ: آمن أنا؟ قَالَ: نعم، وَقَالَ القوم: أنت آمن، غير عَمْرو بن عُبَيْد اللَّهِ بن العباس السلمي فإنه قَالَ: لا ناقة لي فِي هَذَا وَلا جمل، وتنحى. وَقَالَ ابن عقيل: أما لو لم تؤمنوني مَا وضعت يدي فِي أيديكم وأتي ببغلة فحمل عَلَيْهَا، واجتمعوا حوله، وانتزعوا سيفه من عنقه، فكأنه عِنْدَ ذَلِكَ آيس من نفسه، فدمعت عيناه، ثُمَّ قَالَ: هذا أول الغدر، قال محمد ابن الاشعث: أرجو الا يكون عَلَيْك بأس، قَالَ: مَا هُوَ إلا الرجاء، أين أمانكم! إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! وبكى، فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن عُبَيْد اللَّهِ بن عباس: إن من يطلب مثل الَّذِي تطلب إذا نزل بِهِ مثل الَّذِي نزل بك لم يبك، قَالَ: إني وَاللَّهِ مَا لنفسي أبكي، وَلا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إلي، أبكي لحسين وآل حُسَيْن! ثُمَّ أقبل عَلَى مُحَمَّد بن الأشعث فَقَالَ: يَا عَبْد اللَّهِ، إني أراك وَاللَّهِ ستعجز عن أماني، فهل عندك خير! تستطيع أن تبعث من عندك رجلا عَلَى لساني يبلغ حسينا، فإني لا أراه إلا قَدْ خرج إليكم الْيَوْم مقبلا، او هو خرج غدا هُوَ وأهل بيته، وإن مَا ترى من جزعي لذلك،فيقول: إن ابن عقيل بعثني إليك، وَهُوَ فِي أيدي القوم أسير لا يرى أن تمشي حَتَّى تقتل، وَهُوَ يقول: ارجع بأهل بيتك، وَلا يغرك أهل الْكُوفَة فإنهم أَصْحَاب أبيك الَّذِي كَانَ يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الْكُوفَة قَدْ كذبوك وكذبوني، وليس لمكذب رأي، فَقَالَ ابن الأشعث: وَاللَّهِ لأفعلن، ولأعلمن ابن زياد أني قَدْ أمنتك قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي جَعْفَر بن حُذَيْفَة الطائي- وقد عرف سعيد ابن شيبان الحديث- قَالَ: دعا مُحَمَّد بن الأشعث إياس بن العثل الطَّائِيّ من بني مالك ابن عَمْرو بن ثمامة، وَكَانَ شاعرا، وَكَانَ لمُحَمَّد زوارا، فَقَالَ لَهُ: الق حسينا فأبلغه هَذَا الكتاب، وكتب فِيهِ الَّذِي أمره ابن عقيل، وَقَالَ لَهُ: هَذَا زادك وجهازك، ومتعة لعيالك، فَقَالَ: من أين لي براحلة، فإن راحلتي قَدْ أنضيتها؟ قَالَ: هَذِهِ راحلة فاركبها برحلها ثُمَّ خرج فاستقبله بزبالة لأربع ليال، فأخبره الخبر، وبلغه الرسالة، [فَقَالَ لَهُ حُسَيْن: كل مَا حم نازل، وعند اللَّه نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا] . وَقَدْ كَانَ مسلم بن عقيل حَيْثُ تحول إِلَى دار هانئ بن عروة وبايعه ثمانية عشر ألفا، قدم كتابا إِلَى حُسَيْن مع عابس بن أبي شبيب الشاكري: أَمَّا بَعْدُ، فإن الرائد لا يكذب أهله، وَقَدْ بايعني من أهل الْكُوفَة ثمانية عشر ألفا، فعجل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإن الناس كلهم معك، ليس لَهُمْ فِي آل مُعَاوِيَة رأي وَلا هوى، والسلام. وأقبل مُحَمَّد بن الأشعث بابن عقيل إِلَى باب القصر، فاستأذن فأذن لَهُ، فأخبر عُبَيْد اللَّهِ خبر ابن عقيل وضرب بكير إِيَّاهُ، فَقَالَ: بعدا لَهُ! فأخبره مُحَمَّد بن الأشعث بِمَا كَانَ مِنْهُ وما كَانَ من أمانه إِيَّاهُ، فَقَالَ عُبَيْد اللَّهِ: مَا أنت والأمان! كأنا أرسلناك تؤمنه! انما أرسلناك لتأتينا بِهِ، فسكت وانتهى ابن عقيل إِلَى باب القصر وَهُوَ عطشان، وعلى باب القصر ناس جلوس ينتظرون الإذن، مِنْهُمْ عمارة بن عُقْبَةَ بن أبي معيط، وعمرو بن حريث، ومسلم بن عمرو، وكثير بن شهاب. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي قدامة بن سَعْد أن مسلم بن عقيل حينانتهى إِلَى باب القصر فإذا قلة باردة موضوعة عَلَى الباب، فَقَالَ ابن عقيل: اسقوني من هَذَا الماء، فَقَالَ لَهُ مسلم بن عَمْرو: أتراها مَا أبردها! لا وَاللَّهِ لا تذوق منها قطرة أبدا حَتَّى تذوق الحميم فِي نار جهنم! قَالَ لَهُ ابن عقيل: ويحك! من أنت؟ قَالَ: أنا ابن من عرف الحق إذ أنكرته، ونصح لإمامه إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيته وخالفت، أنا مسلم بن عَمْرو الباهلي، فَقَالَ ابن عقيل: لأمك الثكل! مَا أجفاك، وما أفظك، وأقسى قلبك واغلظك! أنت يا بن باهلة أولى بالحميم والخلود فِي نار جهنم مني، ثُمَّ جلس متساندا إِلَى حائط. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي قدامة بن سَعْد أن عَمْرو بن حريث بعث غلاما يدعى سُلَيْمَان، فجاءه بماء فِي قلة فسقاه. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي سَعِيد بن مدرك بن عمارة، أن عمارة بن عُقْبَةَ بعث غلاما لَهُ يدعى قيسا، فجاءه بقلة عَلَيْهَا منديل وَمَعَهُ قدح فصب فِيهِ ماء، ثُمَّ سقاه، فأخذ كلما شرب امتلأ القدح دما، فلما ملأ القدح المرة الثالثة ذهب ليشرب فسقطت ثنيتاه فِيهِ، فَقَالَ: الحمد لِلَّهِ! لو كَانَ لي من الرزق المقسوم شربته وأدخل مسلم عَلَى ابن زياد فلم يسلم عَلَيْهِ بالإمرة، فَقَالَ لَهُ الحرسي: أَلا تسلم عَلَى الأمير! فَقَالَ لَهُ: إن كَانَ يريد قتلي فما سلامي عَلَيْهِ! وإن كَانَ لا يريد قتلي فلعمري ليكثرن سلامي عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ ابن زياد: لعمري لتقتلن، قَالَ: كذلك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فدعني أوص إِلَى بعض قومي، فنظر إِلَى جلساء عُبَيْد اللَّهِ وفيهم عُمَر بن سَعْدٍ، فقال: يا عمر، ان بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة، وَقَدْ يجب لي عَلَيْك نجح حاجتي، وَهُوَ سر، فأبى أن يمكنه من ذكرها، فَقَالَ لَهُ عبيد اللَّهِ: لا تمتنع أن تنظر فِي حاجة ابن عمك، فقام مَعَهُ فجلس حَيْثُ ينظر إِلَيْهِ ابن زياد، فَقَالَ لَهُ: إن علي بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الْكُوفَة، سبعمائة درهم، فاقضها عني، وانظر جثتي فاستوهبها من ابن زياد، فوارها، وابعث إِلَى حُسَيْن من يرده، فإني قَدْ كتبت إِلَيْهِ أعلمه أن الناس مَعَهُ، وَلاأراه إلا مقبلا، فَقَالَ عمر لابن زياد: أتدري مَا قَالَ لي؟ إنه ذكر كذا وكذا، قَالَ لَهُ ابن زياد: إنه لا يخونك الأمين، ولكن قَدْ يؤتمن الخائن، أما مالك فهو لك، ولسنا نمنعك أن تصنع فِيهِ مَا أحببت، وأما حُسَيْن فإنه إن لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه، وأما جثته فإنا لن نشفعك فِيهَا، إنه ليس بأهل منا لذلك، قَدْ جاهدنا وخالفنا، وجهد عَلَى هلاكنا. وزعموا أنه قال: اما جثته فانا لا نبالى إذ قتلناه مَا صنع بِهَا ثُمَّ إن ابن زياد قال: ايه يا بن عقيل! أتيت الناس وأمرهم جميع، وكلمتهم واحدة، لتشتتهم، وتفرق كلمتهم، وتحمل بعضهم عَلَى بعض! قَالَ: كلا، لست أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وعمل فِيهِمْ أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إِلَى حكم الكتاب، قَالَ: وما أنت وذاك يا فاسق! او لم نكن نعمل بذاك فِيهِمْ إذ أنت بِالْمَدِينَةِ تشرب الخمر! قَالَ: أنا أشرب الخمر! وَاللَّهِ إن اللَّه ليعلم أنك غير صادق، وأنك قلت بغير علم، وأني لست كما ذكرت وان أحق بشرب الخمر مني وأولى بِهَا من يلغ فِي دماء الْمُسْلِمِينَ ولغا، فيقتل النفس الَّتِي حرم اللَّه قتلها، ويقتل النفس بغير النفس، ويسفك الدم الحرام، ويقتل عَلَى الغضب والعداوة وسوء الظن، وَهُوَ يلهو ويلعب كأن لم يصنع شَيْئًا فَقَالَ لَهُ ابن زياد: يَا فاسق، إن نفسك تمنيك مَا حال اللَّه دونه، ولم يرك أهله، قَالَ: فمن اهله يا بن زياد؟ قَالَ: أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يَزِيد فَقَالَ: الحمد لِلَّهِ عَلَى كل حال، رضينا بِاللَّهِ حكما بيننا وبينكم، قَالَ: كأنك تظن أن لكم فِي الأمر شَيْئًا! قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ بالظن، ولكنه اليقين، قَالَ: قتلني اللَّه إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد فِي الإِسْلام! قَالَ: أما إنك أحق من أحدث فِي الإِسْلام مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، أما إنك لا تدع سوء القتلة، وقبح المثلة، وخبث السيرة، ولؤم الغلبة، وَلا أحد مِنَ النَّاسِ أحق بِهَا مِنْكَ وأقبل ابن سمية يشتمه ويشتم حسينا وعليا وعقيلا، وأخذ مسلم لا يكلمه وزعم أهل العلم أن عُبَيْد اللَّهِ أمر لَهُ بماء فسقي بخزفة، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إنه لم يمنعنا أن نسقيك فِيهَا إلا كراهة أن تحرم بالشرب فِيهَا،ثُمَّ نقتلك، ولذلك سقيناك فِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: اصعدوا بِهِ فوق القصر فاضربوا عنقه، ثم اتبعوا جسده راسه، فقال: يا بن الأشعث، أما وَاللَّهِ لولا أنك آمنتني مَا استسلمت، قم بسيفك دوني فقد أخفرت ذمتك، ثم قال: يا بن زياد، أما وَاللَّهِ لو كَانَتْ بيني وبينك قرابة مَا قتلتني، ثُمَّ قَالَ ابن زياد: أين هَذَا الَّذِي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف وعاتقه؟ فدعي، فَقَالَ: اصعد فكن أنت الَّذِي تضرب عنقه، فصعد بِهِ وَهُوَ يكبر ويستغفر ويصلي عَلَى ملائكة اللَّه ورسله وَهُوَ يقول: اللَّهُمَّ احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وأذلونا وأشرف بِهِ عَلَى موضع الجزارين الْيَوْم، فضربت عنقه، وأتبع جسده رأسه. قَالَ أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عون بن أبي جحيفة قَالَ: نزل الأحمري بكير بن حمران الَّذِي قتل مسلما، فَقَالَ لَهُ ابن زياد: قتله؟ قال: نعم، قَالَ: نعم، قَالَ: فما كَانَ يقول وَأَنْتُمْ تصعدون بِهِ؟ قَالَ: كَانَ يكبر ويسبح ويستغفر، فلما أدنيته لأقتله قَالَ: اللَّهُمَّ احكم بيننا وبين قوم كذبونا وغرونا وخذلونا وقتلونا، فقلت له: ادن منى، الحمد لله الَّذِي أقادني مِنْكَ، فضربته ضربة لم تغن شَيْئًا، فَقَالَ أما ترى فِي خدش تخدشنيه وفاء من دمك أيها العبد! فَقَالَ ابن زياد: او فخرا عِنْدَ الموت! قَالَ: ثُمَّ ضربته الثانية فقتلته. قَالَ: وقام مُحَمَّد بن الأشعث إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد فكلمه فِي هانئ بن عروة، وَقَالَ: إنك قَدْ عرفت منزلة هانئ بن عروة فِي المصر، وبيته فِي العشيرة، وَقَدْ علم قومه أني وصاحبي سقناه إليك، فأنشدك اللَّه لما وهبته لي، فإني أكره عداوة قومه، هم أعز أهل المصر، وعدد أهل اليمن! قَالَ: فوعده أن يفعل، فلما كَانَ من أمر مسلم بن عقيل مَا كَانَ، بدا لَهُ فِيهِ، وأبى أن يفي له بما قال. قال: فامر بهانىء بن عروة حين قتل مسلم بن عقيل فقال: اخرجوا الى السوق فاضربوا عنقه، قال: فاخرج بهانىء حَتَّى انتهى إِلَى مكان منالسوق كَانَ يباع فِيهِ الغنم وَهُوَ مكتوف، فجعل يقول: وا مذحجاه! ولا مذحج لي اليوم! وا مذحجاه، وأين مني مذحج! فلما رَأَى أن أحدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف، ثُمَّ قَالَ: أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يجاحش بِهِ رجل عن نفسه! قَالَ: ووثبوا إِلَيْهِ فشدوه وثاقا، ثُمَّ قيل لَهُ: امدد عنقك، فَقَالَ: مَا أنا بِهَا مجد سخي، وما أنا بمعينكم عَلَى نفسي. قَالَ: فضربه مولى لعبيد اللَّه بن زياد- تركي يقال لَهُ رشيد- بالسيف، فلم يصنع سيفه شَيْئًا، فَقَالَ هانئ: إِلَى اللَّهِ المعاد! اللَّهُمَّ إِلَى رحمتك ورضوانك! ثُمَّ ضربه أخرى فقتله. قَالَ: فبصر بِهِ عبد الرَّحْمَن بن الحصين المرادي بخازر، وَهُوَ مع عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فَقَالَ الناس: هَذَا قاتل هانئ بن عروة، فَقَالَ ابن الحصين: قتلني اللَّه إن لم أقتله أو أقتل دونه! فحمل عَلَيْهِ بالرمح فطعنه فقتله ثُمَّ إن عُبَيْد اللَّهِ بن زياد لما قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة دعا بعبد الأعلى الكلبي الَّذِي كَانَ أخذه كثير بن شهاب فِي بني فتيان، فأتي بِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَخْبَرَنِي بأمرك، فَقَالَ: أصلحك اللَّه! خرجت لأنظر مَا يصنع الناس، فأخذني كثير بن شهاب، فَقَالَ لَهُ: فعليك وعليك، من الأيمان المغلظة، إن كَانَ أخرجك إلا مَا زعمت! فأبى أن يحلف، فَقَالَ عُبَيْد اللَّهِ: انطلقوا بهذا إِلَى جبانة السبيع فاضربوا عنقه بِهَا، قَالَ: فانطلق بِهِ فضربت عنقه، قَالَ: وأخرج عمارة بن صلخب الأَزْدِيّ- وَكَانَ ممن يريد أن يأتي مسلم بن عقيل بالنصرة لينصره- فأتي بِهِ أَيْضًا عُبَيْد اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: ممن أنت؟ قَالَ: من الأزد. قَالَ: انطلقوا بِهِ إِلَى قومه، فضربت عنقه فِيهِمْ، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ الأسدي فِي قتلة مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة المرادى- ويقال: قاله الفرزدق: ان كنت لا تدرين مَا الموت فانظري ... إِلَى هانئ فِي السوق وابن عقيلإِلَى بطل قَدْ هشم السيف وجهه ... وآخر يهوي من طمار قتيل أصابهما أمر الأمير فأصبحا ... أحاديث من يسري بكل سبيل ترى جسدا قَدْ غير الموت لونه ... ونضح دم قَدْ سال كل مسيل فتى هُوَ أحيا من فتاة حيية ... وأقطع من ذي شفرتين صقيل أيركب أسماء الهماليج آمنا ... وَقَدْ طلبته مذحج بذحول! تطيف حواليه مراد وكلهم ... عَلَى رقبه من سائل ومسول فان أنتم لم تثأروا بأخيكمُ ... فكونوا بغايا أرضيت بقليل قَالَ أَبُو مخنف: عن أبي جناب يَحْيَى بن أبي حية الكلبي، قَالَ: ثُمَّ إن عُبَيْد اللَّهِ بن زياد لما قتل مسلما وهانئا بعث برءوسهما مع هانئ بن أبي حية الوادعي وَالزُّبَيْر بن الأروح التميمي إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، وأمر كاتبه عَمْرو بن نافع أن يكتب إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة بِمَا كَانَ من مسلم وهانئ، فكتب إِلَيْهِ كتابا أطال فِيهِ- وَكَانَ أول من أطال فِي الكتب- فلما نظر فِيهِ عُبَيْد اللَّهِ بن زياد كرهه، وَقَالَ: مَا هَذَا التطويل وهذه الفضول؟ اكتب: أَمَّا بَعْدُ، فالحمد لِلَّهِ الَّذِي أخذ لأمير الْمُؤْمِنِينَ بحقه، وكفاه مؤنة عدوه أخبر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أكرمه اللَّه أن مسلم بن عقيل لجأ إِلَى دار هانئ بن عروة المرادي، وأني جعلت عليهما العيون، ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حَتَّى استخرجتهما، وأمكن اللَّه منهما، فقدمتهما فضربت أعناقهما، وَقَدْ بعثت إليك برءوسهما مع هانئ بن أبي حية الهمداني وَالزُّبَيْر بن الأروح التميمي- وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة- فليسألهما أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عما أحب من أمر، فإن عندهما علما وصدقا، وفهما وورعا، والسلام. فكتب إِلَيْهِ يَزِيد: أَمَّا بَعْدُ، فإنك لم تعد أن كنت كما أحب، عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، فقد أغنيت وكفيت، وصدقت ظني بك، ورأيي فيك، وَقَدْ دعوت رسوليك فسألتهما، وناجيتهمافوجدتهما فِي رأيهما وفضلهما كما ذكرت، فاستوص بهما خيرا، وإنه قَدْ بلغني أن الْحُسَيْن بن علي قَدْ توجه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس عَلَى الظن، وخذ عَلَى التهمه، غير الا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إلي فِي كل مَا يحدث من الخبر، والسلام عَلَيْك ورحمة اللَّه. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الصقعب بن زهير، عن عون بن أبي جحيفة، قَالَ: كَانَ مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذي الحجة سنة ستين- ويقال يوم الأربعاء لسبع مضين سنة ستين من يوم عرفة بعد مخرج الْحُسَيْن مِنْ مَكَّةَ مقبلا إِلَى الْكُوفَةِ بيوم- قَالَ: وَكَانَ مخرج الْحُسَيْن مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مكة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان، فأقام بمكة شعبان وشهر رمضان وشوالا وذا القعدة، ثُمَّ خرج منها لثمان مضين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية فِي الْيَوْم الَّذِي خرج فِيهِ مسلم بن عقيل. وذكر هَارُون بن مسلم، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صالح، عن عِيسَى بن يَزِيدَ، أن المختار بن أبي عبيد وعبد اللَّه بن الْحَارِث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم، خرج المختار براية خضراء، وخرج عَبْد اللَّهِ براية حمراء، وعليه ثياب حمر، وجاء المختار برايته فركزها عَلَى باب عَمْرو بن حريث، وَقَالَ: إنما خرجت لأمنع عمرا، وإن ابن الأشعث والقعقاع بن شور وشبث بن ربعي قاتلوا مسلما وأَصْحَابه عشية سار مسلم إِلَى قصر ابن زياد قتالا شديدا، وأن شبثا جعل يقول: انتظروا بهم الليل يتفرقوا، فَقَالَ لَهُ القعقاع: إنك قَدْ سددت عَلَى الناس وجه مصيرهم، فافرج لَهُمْ ينسربوا، وإن عُبَيْد اللَّهِ أمر أن يطلب المختار وعبد اللَّه بن الْحَارِث، وجعل فيهما جعلا، فاتى بهما فحبسا.
  • reviewable assessment hintmatrukneeds reviewmedium confidencepage 2807, entry [618]343 chars
    لَى هلاكنا. وزعموا أنه قال: اما جثته فانا لا نبالى إذ قتلناه مَا صنع بِهَا ثُمَّ إن ابن زياد قال: ايه يا بن عقيل! أتيت الناس وأمرهم جميع، وكلمتهم واحدة، لتشتتهم، وتفرق كلمتهم، وتحمل بعضهم عَلَى بعض! قَالَ: كلا، لست أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وعمل فِيهِمْ أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إِلَى حكم
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 2807, entry [618]344 chars
    ثنا عشر ألفا قَالَ: فقام رجل ممن يهوى يَزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى النُّعْمَان بن بشير، فَقَالَ لَهُ: إنك ضعيف أو متضعف، قَدْ فسد البلاد! فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان: أن أكون ضعيفا وأنا فِي طاعة اللَّه أحب إلي من أن أكون قويا فِي معصية اللَّه، وما كنت لأهتك سترا ستره اللَّه. فكتب بقول النُّعْمَان إِلَى يَزِيد، فدعا مولى لَهُ يقال لَهُ: سرجون، - وَ
  • reviewable assessment hintmatrukneeds reviewmedium confidencepage 2807, entry [618]344 chars
    ْمِنِينَ أكرمه اللَّه أن مسلم بن عقيل لجأ إِلَى دار هانئ بن عروة المرادي، وأني جعلت عليهما العيون، ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حَتَّى استخرجتهما، وأمكن اللَّه منهما، فقدمتهما فضربت أعناقهما، وَقَدْ بعثت إليك برءوسهما مع هانئ بن أبي حية الهمداني وَالزُّبَيْر بن الأروح التميمي- وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة- فليسألهما أَمِير الْمُؤْمِنِين
  • reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 2807, entry [618]344 chars
    ي من أهل الْكُوفَة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين، فسر حين قرأ كتابي هَذَا حَتَّى تأتي أهل الْكُوفَة فتطلب ابن عقيل كطلب الحرزه حَتَّى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه، والسلام. فأقبل مسلم بن عَمْرو حَتَّى قدم عَلَى عُبَيْد اللَّهِ بِالْبَصْرَةِ، فأمر عُبَيْد اللَّهِ بالجهاز والتهيؤ والمسير إِلَى الْكُوفَةِ من الغد. و
  • reviewable assessment hintmatrukneeds reviewmedium confidencepage 2807, entry [618]342 chars
    قَدْ جاهدنا وخالفنا، وجهد عَلَى هلاكنا. وزعموا أنه قال: اما جثته فانا لا نبالى إذ قتلناه مَا صنع بِهَا ثُمَّ إن ابن زياد قال: ايه يا بن عقيل! أتيت الناس وأمرهم جميع، وكلمتهم واحدة، لتشتتهم، وتفرق كلمتهم، وتحمل بعضهم عَلَى بعض! قَالَ: كلا، لست أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وعمل فِيهِمْ أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم
  • reviewable assessment hintmajhulneeds reviewmedium confidencepage 2807, entry [618]346 chars
    َذَا البيت وحب من أحبهم، فهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بِهَا لقاء رجل مِنْهُمْ بلغني أنه قدم الكوفه يبايع لابن بنت رسول الله ص، وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحدا يدلني عَلَيْهِ وَلا يعرف مكانه، فإني لجالس آنفا فِي المسجد إذ سمعت نفرا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يقولون: هَذَا رجل لَهُ علم بأهل هَذَا البيت، وإني أتيتك لتقبض هَذَا المال وتدخلني عَلَى صاحبك فأبايعه
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 2807, entry [618]343 chars
    عقيل قَدْ قدم الْكُوفَة فبايعته الشيعة للحسين بن علي فإن كَانَ لك بالكوفة حاجة فابعث إِلَيْهَا رجلا قويا ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك فِي عدوك، فإن النُّعْمَان بن بشير رجل ضعيف، أو هُوَ يتضعف فكان أول من كتب إِلَيْهِ. ثُمَّ كتب إِلَيْهِ عمارة بن عُقْبَةَ بنحو من كتابه، ثُمَّ كتب اليه عمر بن سعد ابن أَبِي وَقَّاص بمثل ذَلِكَ. قَالَ هِشَام: قَالَ
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 2807, entry [618]343 chars
    تحدث أهل الْكُوفَة بمقدمه دبوا إِلَيْهِ فبايعوه، فبايعه مِنْهُمُاثنا عشر ألفا قَالَ: فقام رجل ممن يهوى يَزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى النُّعْمَان بن بشير، فَقَالَ لَهُ: إنك ضعيف أو متضعف، قَدْ فسد البلاد! فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان: أن أكون ضعيفا وأنا فِي طاعة اللَّه أحب إلي من أن أكون قويا فِي معصية اللَّه، وما كنت لأهتك سترا ستره اللَّه. فكتب بق

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري

full-text

— · 6 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 3751, entry [1442]55,415 chars
    ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيِّين الحُسين ﵇ للمصير إلى ما قبلهم وأمْر مسلم بن عقيل ﵁ حدّثني زكريّا بن يحيى الضرير، قال: حدّثنا أحمد بن جناب المَصِّيصيّ -ويكنَى أبا الوليد- قال: حدّثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القَسْريّ، قال: حدّثنا عمار الدُّهنيّ، قال: قلت لأبي جعفر: حدّثْنِي بمقتَل الحسين حتّى …
    ▸ expand full passage (55,415 chars)
    ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيِّين الحُسين ﵇ للمصير إلى ما قبلهم وأمْر مسلم بن عقيل ﵁ حدّثني زكريّا بن يحيى الضرير، قال: حدّثنا أحمد بن جناب المَصِّيصيّ -ويكنَى أبا الوليد- قال: حدّثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القَسْريّ، قال: حدّثنا عمار الدُّهنيّ، قال: قلت لأبي جعفر: حدّثْنِي بمقتَل الحسين حتّى كأنّي حضرتُه؛ قال: مات معاويةُ والوليدُ بن عُتبة بن أبي سُفيان على المدينة، فأرسل إلى الحسين بن عليّ ليأخذ بيعته، فقال له: أخِّرني وارفُق، فأخّره، فخرج إلى مكة، فأتاه أهلُ الكوفة ورُسُلهم: إنا قد حبسنا أنفسَنا عليك، ولسنا نحضر الجُمُعة مع الوالي، فأقدم علينا- وكان النعمان بن بَشير الأنصاريّ على الكوفة؛ قال: فبعث الحسين إلى مسلم بن عَقِيل بن أبي طالب ابن عمّه فقال له: سِرْ إلى الكوفة فانظر ما كَتبوا به إليّ، فإنْ كان حقًّا؛ خرجْنا إليهم. فخرج مسلم حتى أتى المدينة، فأخذ منها دليلين، فمرّا به في البرّيّة، فأصابهم عطَشٌ، فمات أحدُ الدَّليلين، وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه، فكتب إليه الحسين: أن امض إلى الكوفة، فخرج حتى قَدِمها، ونزل على رجل من أهلها يقال له: ابن عَوْسجة؛ قال: فلمّا تحدّث أهل الكوفة بمَقدَمه دبّوا إليه فبايعوه، فبايعه منهم اثنا عشرَ ألفًا. قال: فقام رجل ممن يَهوَى يزيد بن معاوية إلى النّعمان بن بَشير، فقال له: إنك ضعيف أو متضعِّف؛ قد فسدَت البلاد! فقال له النعمان: أن أكون ضعيفًا وأنا في طاعة الله أحبّ إلي من أن أكون قويًّا في معصية الله، وما كنتُ لأهتك سترًا ستَرَهُ الله. فكتب بقول النعمان إلى يزيد، فدعا مولىً له يقال له: سَرْجون؛ -وكان يستشيره- فأخْبرَه الخبر، فقال له: أكنتَ قابلًا من معاوية لو كان حيًّا؟ قال: نعم. قال: فاقبل منّي، فإنه ليس للكوفة إلّا عُبيد الله بن زياد، فولِّها إيّاه -وكان يزيد عليه ساخطًا، وكان همّ بعزله عن البصْرة- فكتب إليه برضائه، وأنه قد ولّاه الكوفة مع البصرة، وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عَقِيل فيقتلَه إنْ وجده. قال: فأقبل عُبيد الله في وجوه أهل البَصْرة حتى قدم الكوفة متلثِّمًا، ولا يمرّعلى مجلس من مجالسهم فيسلِّم إلّا قالوا: عليك السلام يا بن بنتِ رسول الله -وهم يظنون أنه الحسين بن عليّ ﵇ حتى نزل القصر، فدعا مولىً له فأعطاه ثلاثةَ آلاف، وقال له: اذهبْ حتى تسأل عن الرجل الذي يبايع له أهلُ الكوفة فأعلمه أنك رجل من أهل حِمْصَ جئتَ لهذا الأمر، وهذا مالٌ تدفعه إليه ليتقوّى، فلم يزل يتلطّف ويَرفُق به حتى دُلّ على شيخ من أهل الكوفة يلي البيعة، فلقيَه فأخبره، فقال له الشيخ: لقد سَرَّني لقاؤك إيَّاي، وقد ساءني؛ فأما ما سرّني من ذلك فما هداك الله له، وأما ما ساءني فإنّ أمرَنا لم يستحكم بعدُ، فأدخَلَه إليه، فأخذ منه المال وبايعه، ورجع إلى عبيد الله فأخبَرَه. فتحوّل مسلم حين قدم عُبيد الله بن زياد من الدّار التي كان فيها إلى منزل هانئ بن عُروة المُراديّ، وكتب مسلم بن عَقيل إلى الحسين بن عليّ ﵇ يخبره ببيعة اثني عشر ألفًا من أهل الكُوفة، ويأمره بالقدوم، وقال عبيد الله لوجوه أهل الكوفة: ما لي أرى هانئَ بنَ عروةَ لم يأتني فيمن أتاني! قال: فخرج إليه محمّد بن الأشعث في ناس من قومه وهو على باب داره، فقالوا: إنّ الأمير قد ذكَرَك واستبطأك، فانطلق إليه، فلم يزالوا به حتى ركب معهم وسار حتّى دخل على عُبيد الله وعنده شُريح القاضي، فلما نظر إليه قال لشريح: "أتتْك بحائنٍ رِجْلاه"؛ فلمّا سلّم عليه قال: يا هانئ، أين مسلم؟ قال: ما أدري؛ فأمر عبيد الله مولاه صاحب الدراهم، فخرج إليه، فلما رآه قُطع به، فقال: أصلح الله الأمير! والله ما دعوتُه إلى منزلي ولكنه جاء فطرح نفسه عليّ؛ قال: ائتني به؛ قال: والله لو كان تحت قدمَيَّ ما رفعتهما عنه؛ قال: أدنُوه إليّ، فأدنِيَ فضربه على حاجبه فشجّه، قال: وأهوَى هانئٌ إلى سيفِ شُرَطيّ ليسلّه، فدُفع عن ذلك، وقال: قد أحلّ الله دمك، فأمر به فحُبِس في جانب القصر (١). (٥: ٣٤٧ - ٣٤٩).رجع الحديث إلى حديث عمّار الدُّهنيّ: عن أبي جعفر، قال: فبينا هو كذلك إذ خرج الخبر إلى مذْحِج، فإذا على باب القصر جَلَبَة سمعها عبيد الله، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مَذحج، فقال لشُريح: اخرج إليهم فأعلِمهم أني إنما حبسته لأسائله، وبعتَ عَينًا عليه من مواليه يسمع ما يقول، فمرّ بهانئ بن عروة، فقال له هانئ: اتّق الله يا شُريح، فإنه قاتلي، فخرج شريح حتى قام على باب القصر، فقال: لا بأس عليه، إنما حبسه الأمير ليسائله، فقالوا: صدق، ليس على صاحبكم بأس، فتفرّقوا، فأتى مسلِمًا الخبرُ، فنادى بشعاره، فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة، فقدّم مقدّمته، وعَبَّى ميَمنَته ومَيْسَرته، وسار في القلب إلى عُبيد الله، وبعث عُبيد الله إلى وجوه أهل الكوفة فجمعهم عنده في القصر، فلما سار إليه مسلم فانتهى إلى باب القصر أشرَفوا على عشائرهم فجعلوا يكلمونهم ويردّونهم، فجعل أصحاب مسلم يتسلَّلون حتى أمسى في خَمسمئة، فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضًا. فلما رأى مسلم أنه قد بقي وحده يتردّد في الطُّرق أتى بابًا فنزل عليه، فخرجت إليه امرأة، فقال لها: اسقيني، فسقتْه، ثمّ دخلتْ فمكثتْ ما شاء الله، ثم خرجت فإذا هو على الباب؛ قالت: يا عبدَ الله! إنّ مجلسك مجلسُ ريبة، فقمُ؛ قال: إني أنا مسلم بن عَقِيل، فهل عندكِ مأوىً؟ قالت: نعم، ادخل، وكان ابنها مولىً لمحمد بن الأشعث، فلما علم به الغلام انطلق إلى محمد فأخبره، فانطلق محمد إلى عبيد الله فأخبره، فبعث عُبيد الله عمرو بن حريث المخزومي -كان صاحبَ شُرَطه- إليه ومعه عبد الرحمن بن محمد بنالأشعث، فلم يَعلم مُسلم حتى أحيط بالدار، فلما رأى ذلك مسلمٌ خرج إليهم بسيفه فقاتَلَهم، فأعطاه عبد الرحمن الأمان، فأمكن من يده، فجاء به إلى عبيد الله، فأمر به فأصعِد إلى أعلى القصر فضُربت عنقُه، وألقَى جُثَّتَه إلى الناس، وأمر بهانئ فسُحب إلى الكُناسة، فصُلب هنالك، وقال شاعرُهم في ذلك: فإنْ كنتِ لا تدرينَ ما الموتُ فانظري ... إلى هانئ في السُّوقِ وابنِ عقِيلِ أصابَهُمَا أَمْرُ الإمام فأَصبحا ... أحاديثَ منْ يَسْعى بكلِّ سبيل أيرْكبُ أسماءُ الهمَالِيج آمنًا ... وقد طَلَبتْهُ مَذْحِجٌ بِذُحول! (٥: ٣٤٩ - ٣٥١). وأما أبو مِخْنف فإنه ذكر من قصّة مسلم بن عَقيل وشخوصِه إلى الكُوفة ومقتله قصةً هي أبشع وأتمّ من خبر عمَّار الدّهنيّ عن أبي جعفر الذي ذكرناه ما حُدِّثت عن هشام بن محمد، عنه، قال: حدثني عبد الرحمن بنُ جُندَب، قال: حدّثني عُقبة بن سَمْعان مولى الرِّباب ابنة امرئ القيس الكلبيَّة امرأة حسين -وكانت مع سُكينة ابنة حسين، وهو مولَى لأبيها، وهي إذ ذاك صغيرة- قال: خرجْنا فلزمنا الطريقَ الأعظم، فقال للحسين أهلُ بيته: لو تنكَّبتَ الطريقَ الأعظم كما فعل ابن الزبير لا يلحقك الطلب؛ قال: لا، والله لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو أحبّ إليه، قال: فاستقبَلَنا عبْدُ الله بن مُطيع فقال للحسين: جُعلت فِداك! أين تريد؟ قال: أما الآن فإني أريد مكة، وأما بعدها فإني أستخير الله، قال: خار الله لك، وجَعَلَنا فداك؛ فإذا أنت أتيت مكَّة فإياك أن تَقرُب الكوفة، فإنها بلدةٌ مشؤومة، بها قُتل أبوك، وخُذِل أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه؛ الزَم الحَرَم؛ فإنَّك سيِّد العرب، لا يَعدِل بك والله أهلُ الحجاز أحدًا، ويتداعَى إليك الناسُ من كلّ جانب، لا تفارق الحرَم فِدَاك عمّي وخالي! فوالله لئن هلكتَ لنُستَرقَّنَ بعدك! . فأقبل حتى نزل مكة، فأقبل أهلُها يختلفون إليه ويأتونه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزبير قد لزم الكَعبة، فهو قائم يصلِّي عندها عامَّة النهار ويطوف، ويأتي حُسَينًا فيمن يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليَيْن، ويأتيه بين كلّ يومين مرّة، ولا يزال يشير عليه بالزأي وهو أثقل خلْق الله على ابن الزُّبير، قد عرف أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه أبدًا ما دام حسين بالبلد، وأنّحسينًا أعظم في أعينهم وأنفسهم منه، وأطوَعُ في الناس منه. فلما بلغ أهلَ الكوفة هلاكُ معاوية أرجف أهلُ العراق بيزيد، وقالوا: قد امتنع حسين وابن الزبير، ولَحِقا بمكة، فكتب أهل الكوفة إلى حسين، وعليهم النعمان بن بَشير (١). (٥: ٣٥١ - ٣٥٢). قال أبو مخنف: فحدّثني الحجّاج بنِ عليّ عن محمد بن بشر الهَمْدانيّ، قال: اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صُرد، فذكرْنا هلاكَ معاوية، فحمِدنْا الله عليه، فقال لنا سليمان بن صُرَد: إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسينًا قد تقتضَ على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإنْ كنتمِ تعلَمون: أنكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهَلَ والفشَل فلا تغرُّوا الرَّجلَ من نفسه، قالوا: لا، بل نقاتل عدوَّه ونقتل أنفسنا دونه؛ قال: فاكتبوا إليه، فكَتَبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، لحسين بن عليّ من سُليمان بن صُرَد، والمسيّب بن نَجبَة، ورفاعة بن شدّاد، وحبيب بن مُظاهر، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة، سلامٌ عليك، فإنا نحمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي قَصَم عدوَّك الجبَّار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزّها أمرَها، وغصَبَها فَيْئَهَا وتأمّر عَلَيْها بغير رضًا منها، ثم قتل خيارَها، واستبقَى شِرارَها، وجعل مال الله دُولةً بين جبابرتها وأغنيائها، فبُعْدًا له كما بَعِدتْ ثمود! إنه ليس علينا إمام، فأقبِلْ لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جُمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغَنا أنك قد أقبلتَ إلينا أخرجْناه حتى نلحقه بالشأم إن شاء الله؛ والسلام ورحمةُ الله عليك. قال: ثم سرّحنا بالكتاب مع عبد الله بن سَبُع الهَمْدانيّ وعبد الله بن وال، وأمرناهما بالنَّجاء؛ فخرج الرجلان مسرِعَيْن حتى قَدِما على حسين لعشر مضين من شهر رمضانَ بمكة، ثم لبثْنا يومين، ثم سرّحنا إليه قيسَ بن مُسْهر الصَّيداويّ وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبيّ وعُمارة بن عبيد السَّلوليّ، فحملوامعهم نحوًا من ثلاثة وخمسين صحيفةً؛ [الصحيفة] من الرجل والاثنين والأربعة. قال: ثمّ لبثنا يومين آخرَين، ثم سرّحنا إليه هانئَ بن هانئ السَّبيعيّ وسعيد بن عبد الله الحنفيّ، وكتبْنا معهما: بسم الله الرّحمن الرّحيم، لحسين بن عليّ من شيعته من المؤمنين والمسلمين، أمّا بعدة فحيَّهلا، فإنْ الناس ينتظرونك، ولا رأيَ لهم في غيرك، فالعجَل العجَل، والسلام عليك. وكتب شبَث بن رِبُعي وحجّار بن أبْجَر ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رُويم وعَزْرة بن قيس وعمرو بن الحجّاج الزُّبيديّ ومحمد بن عُمير التميميّ: أما بعد: فقد اخضرّ الجنَاب، وأينعَت الثمار، وطَمَّت الجِمام، فاذا شئت فاقدَم على جندٍ لك مجنَّد؛ والسلام عليك. وتلاقت الرسُل كلها عنده، فقرأ الكتب وسأل الرسل عن أمر الناس، ثم كتب مع هانئ بن هانئ السَّبيعيّ وسعيد بن عبد الله الحنفيّ، وكانا آخر الرسل: بسم الله الرحمن الرحيم، من حسين بن على إلى الملإ من المؤمنين والمسلمين؛ أما بعد: فإن هانئًا وسعيدًا قدِمَا عليّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جُلِّكم: إنه ليس علينا إمام، فأقبِل لعلّ الله أن يجمعَنَا بك على الهدى والحقّ، وقد بعثتُ إليكم أخي وابن عمتي وثقتي من أهل بيتي، وأمرتُه أن يكتب إليّ بحالكم وأمرِكم ورأيكم، فإن كتب إليّ أنه قد أجمع رأي مَلئِكم وذوي الفضل والحِجَى منكم على مثل ما قدمتْ عليَّ به رُسُلكم، وقرأتُ في كُتُبكم؛ أقدم عليكم وشيكًا إن شاء الله؛ فلَعَمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسَه على ذات الله، والسلام (١). (٥: ٣٥٢ - ٣٥٣). قال أبو مخنف: وذكر أبو المخارق الراسبيّ، قال: اجتمع ناس من الشيعة بالبَصْرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها: مارية ابنة سعْد -أو منقذ- أيامًا وكانت تَشيَّع، وكان منزلُها لهم مألَفًا يتحدّثون فيه، وقد بلغ ابنَ زياد إقبالُالحسين، فكتب إلى عامله بالبَصرة أن يضع المناظر ويأخذ بالطريق. قال: فأجِمع يزيد بن نُبَيط الخروج -وهو من عبد القيس- إلى الحسين، وكان له بَنون عشرة، فقال: أيُّكم يخرج معي؟ فانتدب معه ابنان له: عبد الله وعبيد الله، فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة: إني قد أزمعتُ على الخروج، وأنا خارج، فقالوا له: إنا نخاف عليك أصحابَ ابن زياد؛ فقال: إنّي والله لو قد استوت أخفافهما بالجَدَد لَهَان عليّ طلب من طلبني. قال: ثم خرج فتقدَّى في الطريق حتَّى انتْهى إلى حسين ﵇، فدخل في رحله بالأبطح، وبلغ الحسينَ مجيئُه، فجعل يطلبه، وجاء الرجل إلى رَحْل الحسين، فقيل له: قد خرج إلى منزلك، فأقبل في أثرِه، ولما لم يجده جلس في رحله ينتظره، وجاء البصري فوجَدَه في رَحْله جالسًا، فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ قال: فسلَّم عليه، وجلس إليه، فخبّره بالذي جاء له، فدعا له بخير، ثم أقبل معه حتى أتى فقاتل معه، فقتِل معه هو وابناه، ثم دعا مسلم بن عقيل فسرّحه مع قيس بن مُسهر الصيداويّ، وعمارة بن عبيد السَّلوليّ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبيّ، فأمره بتقوى الله وكتمانِ أمرِه، واللطفِ، فإن رأى الناسَ مجتمعين مستوسِقين عجّل إليه بذلك. فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلّى في مسجدِ رسول الله ﷺ، وودّع من أحبّ من أهله، ثم استأجر دليلين من قيس، فأقبلَا به، فضلا الطريق وجارا، وأصابهم عطش شديد، وقال الدّليلان: هذا الطريقَ حتى تنتهي إلى الماء، وقد كادوا أن يموتوا عطشًا، فكتب مسلم بن عَقِيل مع قيس بن مسهر الصيداويَ إلى حسين، وذلك بالمَضيق من بطن الخُبيت: أما بعد: فإني أقبلتُ من المدينة معي دليلان لي، فجارا عن الطريق وضلّا، واشتدّ علينا العطش، فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء، فلم ننجُ إلا بُحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يُدعَى المَضيق من بطن الخُبيت؛ وقد تطيّرت من وجهي هذا، فإن رأيتَ أعفيتني منه، وبعثتَ غيري، والسلام. فكتب إليه حسين: أمّا بعد: فقد خشيت ألّا يكون حَمَلك على الكتاب إليّ في الاستعفاء منالوجه الذي وجهتك له إلا الجُبْن، فامض لوجهك الذي وجهتُك له؛ والسلام عليك. فقال مسلم لمن قرأ الكتاب: هذا ما لستُ أتخوّفه على نفسي؛ فأقبَل كما هو حتى مرّ بماء لطيِّئ، فنزل بهم، ثمّ ارتحل منه، فإذا رجل يرمي الصَيْد، فنظرْ إليه قد رَمَى ظَبْيًا حين أشرف له، فصرعه، فقال مُسلِم: يُقتل عدوُّنا إن شاء الله، ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة، فنزل دارَ المختار بن أبي عبيد -وهي التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيّب- وأقبلتْ الشيعة تختلف إليه فلما اجتمعت إليه جماعةٌ منهم قرأ عليهم كتابَ حسين، فأخذوا يبكون. فقام عابس بن أبي شَبيب الشاكريمّما، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثم قال: أما بعد، فإني لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرُّك منهم، والله لأحدّثنك عما أنا موطِّن نفسي عليه، واللهِ لأجيبنكم إذا دعوتم، ولأقاتلنّ معكم عدؤكم، ولأضربنّ بسيفي دونَكم حتى ألقَى الله، لا أريد بذلك إلا ما عند الله. فقام حبيب بن مظاهِر الفَقْعسيّ؛ فقال: رحمك الله! قد قضيتَ ما في نفسك، بواجز مِنْ قولك، ثم قال: وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه. ثم قال الحنفيّ مِثلَ ذلك. فقال الحجاج بن علي: فقلت لمحمد بن بشر: فهل كان منك أنت قولٌ؟ فقال: إن كنتُ لأحبّ أن يعِزّ الله أصحابي بالظَّفَر، وما كنتُ لأحبّ أن أقتل، وكرهتُ أن أكذب. واختلفت الشيعة إليه حتى عُلِم مكانه، فبلغ ذلك النعمان بن بَشير (١). (٣٥٣: ٥ - ٣٥٥). قال أبو مِخْنف: حدّثني نُمير بن وَعلة، عن أبي الودّاك، قال: خرج إلينا النعمان بن بَشير فصعِد المنبر، فحمدِ الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فاتقوا الله عبادَ الله، ولا تُسارِعوا إلى الفتنة والفُرْقة، فإنَّ فيهما يَهلِك الرجال وتُسفَك الدماء، وتُغصَب الأموال -وكان حليمًا ناسكًا يحبّ العافية- قال: إنّي لم أقاتل من لم يقاتلني، ولا أثِب على مَن لا يَثب عليّ، ولا أشاتمكم، ولا أتحرَّش بكم، ولا آخذ بالقَرْف ولا الظِّنة ولا التُّهمة، ولكنكم إن أبْديتمْ صفحتكم لي،ونكثْتُم بَيْعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمهُ في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر، أمَا إنّي أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر مما يُرْديه الباطل. قال: فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرميّ حليف بني أميّة فقال: إنه لا يصلح ما ترى إلّا الغَشْم، إنَّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوّك رأيُ المستضعَفين؛ فقال: أنْ أكون من المستضعَفين في طاعة الله أحبُّ إليّ من أن أكون من الأعزِّين في معصية الله؛ ثم نزل. وخرج عبد الله بن مسلم، وكتب إلى يزيد بن معاوية: أما بعد، فإن مسلم بن عَقيل قد قدم الكُوفة فبايعتْه الشيعةُ للحُسَين بن عليّ، فإن كان لك بالكوفة حاجةٌ فابعث إليها رجلًا قويًّا ينفّذ أمرَك، ويعمَل مثلَ عملك في عدوّك، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف؛ أو هو يتضعّف. فكان أوّل من كتب إليه. ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه، ثم كتب إليه عمر بنُ سعد بن أبي وقّاص بمثل ذلك (١). (٥: ٣٥٥ - ٣٥٦). قال هشام: قال عَوانة: فلما اجتمعت الكتب عند يزيدَ ليس بين كتبهم إلا يومان، دعا يزيد بن معاوية سَرْجون مولى معاوية فقال: ما رأيك؟ فإنّ حسينًا قد توجّه نحو الكوفة، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين، وقد بلغني عن النعمان ضعْفٌ وقوْلٌ سيئ -وأقرأه كتبهم- فما ترى من أستعمل على الكوفة؟ وكان يزيد عاتبًا على عُبيد الله بن زياد؛ فقال: سرجون: أرأيتَ معاويةَ لو نُشِر لك، أكنتَ آخذًا برأيه؟ قال: نعم؛ فأخرج عهدَ عبيد الله على الكوفة فقال: هذا رأيُ معاوية، ومات وقد أمر بهذا الكتاب، فأخذ برأيه وضّم المصرَين إلى عبيد الله، وبعث إليه بعهده على الكوفة. ثم دعا مسلم بن عمرو الباهليّ -وكان عنده- فبعثه إلى عبيد الله بعهده إلى البصرة، وكتب إليه معه: أما بعد، فإنه كتب إليّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أنّ ابن عَقِيل بالكوفة يجمع الجموعَ لشقّ عصا المسلمين؛ فسِرْ حينتقرأ كتابي هذا حتى تأتيَ أهلَ الكوفة فتطلبَ ابنَ عَقيل كطلب الخرزَة حتى تَثْقَفَه فتُوثقِه، أو تقتلَه، أو تنفيه؛ والسلام. فأقبل مسلم بن عمرو حتى قدم على عُبيد الله بالبصرة، فأمر عُبيد الله بالجهاز والتَّهيؤ والمسير إلى الكوفة من الغد. وقد كان حسين كتبَ إلى أهل البصرة كتابًا؛ قال هشام: قال أبو مخنف: حدّثني الصقعب بن زهير عن أبي عثمان النَّهديّ، قال: كتب حسين مع مولى لهم يقال له: سليمان، وكتب بنُسخة إلى رؤوس الأخماس بالبصرة وإلى الأشراف؛ فكتب إلى مالك بن مِسمعَ البكريّ، وإلى الأحنف بن قيس، وإلى المنذر بن الجارود، وإلى مسعود بن عمرو، وإلى قيس بن الهيثم، وإلى عمرو بن عبيد الله بن معمَر، فجاءت منه نسخة واحدة إلى جميع أشرافها: أمّا بعد، فإنّ الله اصطفى محمدًا ﷺ خلقه، وأكرَمه بنبوّته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعباده، وبلَّغ ما أرسِل به ﷺ، وكنا أهلَه وأولياءَه وأوصياءَه وورثتَه وأحقَّ الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرَضينا وكرهْنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أن أحقّ بذلك الحقّ المستحَقّ علينا ممن تولّاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحرَّوُا الحقّ، فرحمهم الله، وغفر لنا ولهم. وقد بعثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ، فإنّ السنّة قد أميتت، وإن البدعة قد أحيِيت، وإن تَسمَعوا قولي وتطيعوا أمري أهدِكُمْ سبيلَ الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله. فكلُّ من قرأ ذلك الكتاب من أشراف الناس كتمَه، غيرُ المنذر بن الجارود، فإنَّه خشيَ بزعمه أن يكون دَسيسًا من قبَل عبيد الله، فجاءه بالرسول من العشيَّة التي يريد صبيحتَها أن يسبق إلى الكوفة، وأقرأه كتابَه. فقدَّم الرسولَ فضرب عنقه. وصعد عبيد الله منبرَ البصرة فحمد الله وأثنَى عليه، ثم قال: أما بعد: فوالله ما تُقْرَن بي الصّعْبة، ولا يُقعقع لي بالشِّنان، وإنّي لَنِكلٌ لمن عاداني، وسَمٌّ لمن حاربني، أنصف القارةَ مَنْ راماها، يا أهلَ البصرة، إنّ أمير المؤمنين ولّاني الكوفة وأنا غاب إليها الغداة، وقد استخلفتُ عليكمُ عثمان بن زياد بن أبي سُفيان، وإيّاكم والخلاف والإرجاف، فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلافٌ لأقتلنّه وعريفه ووليّه، ولآخذنّ الأدنى بالأقصى حتىتستمعوا لي، ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاقّ، أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى ولم ينتزعني شبَه خال ولا ابن عمّ. ثم خرج من البَصرة واستخلف أخاه عثمانَ بن زياد، وأقبل إلى الكوفة ومعه مسلم بن عمرو الباهليّ، وشريك بن الأعور الحارثيّ وحشمه وأهل بيته، حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء، وهو متلثّم والناس قد بلغهم إقبال حسين إليهم، فهم ينتظرون قدومَه، فظنُّوا حين قدم عبيد الله أنه الحسين، فأخذ لا يمرّ على جماعة من الناس إلّا سلّموا عليه، وقالوا: مرحبًا بك يا بنَ رسول الله! قدمتَ خيرَ مَقْدَم، فرأى من تباشيرهم بالحسين ﵇ ما ساءه، فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا: تأخّروا، هذا الأميرُ عُبيد الله بن زياد، فأخذ حين أقبل على الظهر؛ وإنما معه بضعة عشر رجلًا، فلما دخل القصرَ وعلم الناسُ أنه عبيد الله بن زياد دَخلَهم من ذلك كآبة وحُزن شديد، وغاظ عبيدَ الله ما سمع منهم، وقال: ألا أرى هؤلاء كما أرى. (٥: ٣٥٦ - ٣٥٨) (١). قال هشام: قال أبو مخنف: فحدّثني المعلَّى بن كليب، عن أبي ودَّاك، قال: لما نزل القصر نودي: الصلاة جامعة، قال: فاجتمع الناس، فخرج إلينا، فحمِد الله وأثنَى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين أصلحه الله ولاني مصرَكم وثغرَكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاءِ محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم رمطيعكم، وبالشدّة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متّبع فيكم أمرَه، ومنفّذ فيكم عهدَه، فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البرّ، وسوطي وسيفي على مَنْ ترك أمري، وخالفَ عهدي، فليُبقِ امرؤٌ على نفسه. الصدق ينبئ عنكَ لا الوعيد؛ ثم نزل. فأخذ العُرفاء والناس أخذًا شديدًا، فقال: اكتبوا إليّ الغرباءَ، ومن فيكم من طِلْبة أمير المؤمنين، ومَن فيكم من الحروريّة، وأهلِ الرّيَب الذين رأيُهم الخلاف والشقاق، فَمن كَتبهم لنا فبرئ، ومن لم يكتب لنا أحدًا، فيضمن لنا ما في عرافته ألّا يخالفنا منهم مخالِف، ولا يبغي علينا منهم باغٍ، فمن لم يفعل برئتْ منه الذمّة، وحلال لنا مالُه وسفكُ دمه، وأيُّما عريفٍ وجِد في عرافته منبُغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صُلب على باب داره، وألقِيت تلك العرافة من العطاء، وسُيِّر إلى موضع بعُمانَ الزّارة. وأما عيسى بن يزيدَ الكنانيّ فإنه قال -فيما ذكر عمر بن شبّة، عن هارون بن مسلم، عن عليّ بن صالح، عنه- قال: لمّا جاء كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد؛ انتخب من أهل البَصرة خمسمئة، فيهم عبد الله بن الحارث بن نوفل، وشريك بن الأعور -وكان شيعةً لعليّ، فكان أوّل من سقط بالناس شريك، فيقال: إنه تساقط غَمْرةً ومعه ناس- ثم سقط عبد الله بن الحارث وسقط معه ناس، ورجَوْا أن يلوي عليهم عُبيد الله ويسبقه الحسين إلى الكوفة، فجعل لا يلتفت إلى مَن سقط، ويمضي حتى ورَد القادسيّة، وسقط مِهْران مولاه، فقال: أيا مِهران، على هذه الحال، إن أمسكت عنك حتى تنظر إلى القصر فلك مئة ألف، قال: لا، والله ما أستطيع، فنزل عُبيد الله فأخرج ثيابًا مقطَّعة من مقطّعات اليَمَن، ثم اعتجر بمعجَرة يمانية، فركب بغلته، ثم انحدر راجلًا وحده، فجعل يمرّ بالمحَارس فكلّما نظروا إليه لم يشكّوا أنه الحسين، فيقولون: مرحبًا بك يا بن رسولِ الله! وجَعَل لا يكلّمهم، وخرج إليه الناس من دُورهم وبيُوتهم، وسمع بهم النعمان بن بشير فغلّق عليه وعلى خاصّته، وانتَهى إليه عبيد الله وهو لا يشك أنه الحسين، ومعه الخلق يضجّون، فكلّمه النعمان، فقال: أنشدُك اللهَ إلا تنحَّيتَ عني! ما أنا بمسلمِ إليك أمَانتي، وما لي في قَتْلك من أرب؛ فجعل لا يكلمه، ثم إنه دنا وتدلّى الآخر بين شُرْفتينِ، فجعل يكلّمه فقال: افتح لا فتحتَ، فقد طال ليْلُك، فسمعها إنسان خلفه، فتكفّى إلى القوم، فقال: أيْ قومُ، ابن مَرجانة، والذي لا إله غيره! فقالوا: وَيْحك! إنما هوِ الحسين، ففتح له النعمان، فدخل، وضربوا الباب في وجوه الناس، فانَفضّوا، وأصبح فجلس على المنبر فقال: أيُّها الناس! إني لأعلم أن قد سار معي، وأظهر الطاعةَ لي من هو عدوّ للحسين حين ظنّ أنّ الحسين قد دخل البلد وغلب عليه، واللهِ ما عرفتُ منكم أحدًا؛ ثم نزل. وأخبِر أن مسلم بن عَقيل قدم قبله بلِيلة، وأنه بناحية الكوفة، فدعى مولىً لبني تميم، فأعطاه مالًا، وقال: انتحلْ هذا الأمرَ، وأعنْهم بالمال، واقصد لهانئ ومسلم وانزل عليه؛ فجاء هانئًا فأخبره أنه شيعة، وأنّ معه مالًا، وقدمشريك بن الأعور شاكيًا، فقال لهانئ: مُرْ مسلمًا يكن عندي، فإنّ عبيد الله يعودني؛ وقال شريك لمسلم: أرأيتَك إن أمكنتُك من عُبيد الله أضارِبه أنت بالسيف؟ قال: نعم والله. وجاء عبيدُ الله شريكًا يعوده في منزل هانئ -وقد قال شريك لمسلم: إذا سمعتني أقول: اسقُوني ماءً فاخرجْ عليه فاضرْبه- وجلس عبيد الله على فراش شريك، وقام على رأسه مِهْران، فقال: اسقوني ماء، فخرجتْ جاريةً بقدح، فرأت مسلمًا، فزالت، فقال شريك: اسقونِي ماءً؛ ثم قال الثالثة: ويلَكم تحموني الماء! أسقُونيه ولو كانت فيه نفسي؛ ففطن مِهران فغمز عبيدَ الله، فوثب، فقال شريك: أيّها الأمير، إنّي أريد أن أوصي إليك؛ قال: أعود إليك، فجعل مِهران يطَّرد به؛ وقال: أراد والله قتلك؛ قال: وكيف مع إكرامي شريكًا وفي بيت هانئ ويد أبي عنده يده! فرجع فأرسل إلى أسماءَ بن خارجة ومحمَّد بن الأشعث فقال: ائتياني بهانئ، فقالا له: إنه لا يأتي إلا بالأمان؛ قال: وما لَه وللأمان! وهل أحدثَ حدَثًا! انطلقا فإن لم يأتِ إلا بأمان فآمناه، فأتياه فدعَواه، فقال: إنه إن أخذني قتَلَني، فلم يزالا به حتى جاءا به وعبيد الله يخطب يومَ الجمعة، فجلس في المسجد، وقد رجَّل هانئ غدَيرتَيْه، فلمَّا صلَّى عُبيد الله، قال: يا هانئ، فتَبِعه، ودخل فسلَّم، فقال عبيد الله: يا هانئ، أما تعلم أن أبي قَدِم هذا البلد فلم يترك أحدًا من هذه الشيعة إلا قتله غير أبيك وغير حُجر، وكان من حُجْر ما قد علمتَ، ثمّ لم يزل يُحسنُ صُحْبتَك، ثم كتب إلى أمير الكوفة: إن حاجتي قبلَك هانئ؟ قال: نعم، قال: فكان جزائي أن خبأتَ في بيتك رجلًا ليقتلني! قال: ما فعلت، فأخرج المميميَّ الذي كان عينًا عليهم، فلمَّا رآه هانئ علم أن قد أخبره الخبر، فقال: أيّها الأمير، قد كان الذي بلغك، ولن أضيّع يدك عنِّي، فأنت آمنٌ وأهلك، فسرْ حيثُ شئت. فكَبَا عبيد الله عندها، ومهْران قائم على رأسه في يده معْكَزة، فقال: واذلّاه! هذا العبد الحائك يؤمِّنك في سلطانك! فقال: خذه؛ فطرح المعكزة، وأخذ بضفيرتيْ هانئ، ثم أقنع بوجهه، ثم أخذ عبيد الله المعكزة فضرب بها وجهَ هانئ، وندرَ الزُّجّ، فارتزّ في الجدار، ثم ضرب وجهَه حتى كسر أنفه وجبينَه، وسمع الناسُ الهيْعة، وبلغ الخبر مَذْحج، فأقبلوا فأطافوا بالدار، وأمر عبيد الله بهانئ فألقي في بيت، وصيَّح المذحِجيّون، وأمر عبيد الله مِهران أن يُدخل عليهشُريْحًا، فخرج فأدخله عليه، ودخلت الشُّرَط معه، فقال: يا شريح! قد ترى ما يصنع بي! قال: أراك حيًّا؛ قال: وحيٌّ أنا مع ما ترى! أخبرْ قومي: أنهم إن انصرفوا قتلني؛ فخرج إلى عبيد الله فقال: قد رأيتُه حيًّا، ورأيت أثرًا سيّئًا؛ قال: وتُنكر أن يعاقب الوالي رعيَّته! اخرج إلى هؤلاء فأخبرهم، فخرج وأمر عبيد الله الرجلَ فخرج معه، فقال لهم شريح: ما هذه الرّعة السيّئة! الرجل حيٌّ، وقد عاتبه سلطانُه بضرب لم يبلغ نفسه، فانصرفوا ولا تُحِلُّوا بأنفسكم ولا بصاحبكم. فانصرفوا. (١). (٥: ٣٥٨ - ٣٦١). وذكر هشام عن أبي مخنف، عن المعلَّى بن كليب، عن أبي الودّاك، قال: نزل شريك بن الأعور على هانئ بن عُرْوة المراديّ، وكان شريك شيعيًّا، وقد شهد صفين مع عمَّار. وسمع مسلم بن عَقيل بمجيء عبيد الله ومقالته التي قالها، وما أخذ به العُرَفاء والناس، فخرج من دار المختار -وقد عُلِم به- حتى انتهى إلى دار هانئ بن عُروة المراديّ، فدخل بابه، وأرسل إليه أن اخرج، فخرج إليه هانئ، فكره هانئ مكانه حين رآه، فقال له مسلم: أتيتك لتجيرَني وتُضِيفني؛ فقال: رحمك الله! لقد كلفْتَنِي شطَطا، ولولا دخولُك داري وثقتُك لأحببتُ ولسألتُك أن تخرج عني، غير أنه يأخذني من ذلك زِمامٌ، وليس مردود مثلي على مثلك عن جهَل ادخُل. فآواه، وأخذتِ الشيعةُ تختلف إليه في دار هانئ بن عروة، ودعا ابن زياد مولىً له يقال له: معقل، فقال له: خذ ثلاثةَ آلاف درهم، ثم اطلب مسلم بن عَقيل، واطلب لنا أصحابه، ثم أعطهم هذه الثلاثة آلاف، فقل لهم: استعينوا بها على حرب عدوّكم، وأعلِمهم أنك منهم، فإنّك لو قد أعطيتَها إياهم اطمأنوا إليك، ووثقوا بك، ولم يكتموك شيئًا من أخبارهم؛ ثم اغدُ عليهم ورُحْ، ففعل ذلك، فجاء حتى أتى إلى مسلم بن عَوْسجة الأسديّ من بني سعد بن ثعلبة في المسجد الأعظم وهو يصلّي، وسمع الناسَ يقولون: إنّ هذا يبايع للحسين، فجاء فجلس حتى فرغ من صلاته ثم قال: يا عبدَ الله، إني امرؤ من أهل الشأم، مولى لذي الكَلاع، أنعَم الله عليّ بحُبّ أهل هذا البيت وحبِّ مَن أحبَّهم، فهذهثلاثة آلاف دِرهم أردتُ بها لقاءَ رجلٍ منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله ﷺ، وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحدًا يدلّني عليه ولا يعرف مكانه، فإنِّي لجالسٌ آنفًا في المسجد إذ سمعتُ نفرًا من المسلمين يقولون: هذا رجلٌ له علْم بأهل هذا البيت؛ وإنّي أتيتك لتقبض هذا المال وتدخلَني على صاحبك فأبايعه، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه، فقال: احمد الله على لقائك إيّاي، فقد سرّني ذلك لتنال ما تحبّ، ولينصر الله بك أهلَ بيت نبيِّه، ولقد ساءَني معرفتك إيّاي بهذا الأمر من قبل أن يَنْمى مَخافة هذا الطاغية وسَطوته. فأخذ بيعته قبل أن يبرح، وأخذ عليه المواثيقَ المغلَّظة ليناصحنّ، وليكتُمنّ، فأعطاه مِن ذلك ما رَضِيَ به، ثم قال له: اختلِف إليّ أيّامًا في منزلي، فأنا طالبٌ لك الإذن على صاحبك. فأخذ يختلف مع الناس، فطلب له الإذن، فمرض هانئ بن عروة، فجاء عبيد الله عائدًا له، فقال له عُمارة بن عُبيد السَّلوليّ: إنّما جماعتنا وكيدُنا قتل هذا الطاغية، فقد أمكَنَك الله منه فاقتله؛ قال هانئ: ما أحبّ أن يُقتلَ في داري، فخرج فما مكث إلا جمعةً حتى مرض شريك بن الأعورَ -وكان كريمًا على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء، وكان شديد التشيُّع- فأرسل إليه عُبيد الله: إني رائحٌ إليك العشيّة؛ فقال لمسلم: إن هذا الفاجر عائدي العشيّة، فإذا جلس فاخرج إليه فاقتله، ثم اقعد في القصر، ليس أحدٌ يحُول بينك وبينه، فإن برئتُ من وَجَعي هذا أيامي هذه سرْتُ إلى البصرة وكفَيتُك أمرَها. فلما كان من العشيِّ أقبل عُبيد الله لعيادة شريك، فقام مسلم بن عَقِيل ليَدخل، وقال له شريك: لا يفوتّنك إذا جلس؛ فقام هانئ بنُ عروة إليه فقال: إني لا أحبّ أن يُقتَل في داري -كأنه استَقبح ذلك- فجاء عبيد الله بن زياد فدخل فجلس، فسأل شريكًا عن وجعه، وقال: ما الذي تجدُ؟ ومتى أشكَيت؟ فلمّا طال سؤاله إياه، ورأى أن الآخَر لا يَخرج، خشيَ أن يفوته، فأخذ يقول: ما تنتظرون بسَلمَى أن تُحيُّوها اسقنيها وإن كانت فيها نفسي، فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا؛ فقال عبيد الله، ولا يَفطن ما شأنُه: أتروْنه يهجُر؟ فقال له هانئ: نعم أصلحك الله! ما زال هذا دَيدنَه قبيل عَماية الصبح حتى ساعته هذه، ثم إنه قام فانصرف، فخرج مسلم،فقال له شريك: ما منعك من قتله؟ فقال: خَصْلتان: أما إحداهما فكراهة هانئ أن يُقتَلِ في داره، وأما الأخرى فحديثٌ حدّثه الناسُ عن النبيّ ﷺ: "إنّ الإيمان قيد الفتْك، ولا يفتك مؤمن"؛ فقال هانئ: أما والله لو قتلتَه لقتلتَ فاسقًا فاجرًا كافرًا غادرًا، ولكن كرهتُ أن يُقتَل في داري، ولبث شريك بن الأعور بعد ذلك ثلاثًا ثم مات، فخرج ابن زياد فصلّى عليه، وبلغ عُبيد الله بَعد ما قَتَل مسلمًا وهانئًا: أن ذلك الذي كنتَ سمعت من شريك في مرضه إنما كان يُحرّضُ مسلمًا، ويأمره بالخروج إليك ليقتلَك؛ فقال عبيد الله: والله لا أصلّي على جنازة رجل من أهلِ العراق أبدًا، ووالله لولا أن قبر زياد فيهم لنَبَشْتُ شريكًا. ثم إن مَعقلًا مولى ابن زياد الذي دسّه بالمال إلى ابن عَقِيل وأصحابه اختلف إلى مسلم بن عَوْسجة أيامًا ليدخله على ابن عَقِيل، فأقبل به حتى أدخله عليه بعد موت شريك بن الأعور، فأخبَره خبره كلَّه، فأخذ ابن عَقِيل بيعته، وأمَرَ أَبَا ثُمامة الصائديّ، فقبض مالَه الَّذي جاء به -وهو الذي كان يقبض أموالهم، وما يعين به بعضهم بعضًا، يشتري لهم السلاح، وكان به بصيرًا، وكان من فُرسان العرب ووجوهِ الشيعة- وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم، فهو أول داخل وآخر خارج، يَسمَع أخبارهم، ويَعلم أسرارَهم، ثم ينطلِق بها حتّى يُقرّها في أذن ابن زياد. قال: وكان هانئ يغدو ويَروح إلى عُبيد الله، فلما نزل به مسلم انقطع من الاختلاف وتَمارَض، فجعل لا يَخرُج، فقال ابن زياد لجلسائه: ما لي لا أرى هانئًا! فقالوا: هو شاكٍ، فقال: لو علمتُ بمرضه لعدْتُه! (٥: ٣٦١ - ٣٦٤). قال أبو مخنف: فحدّثني المجالد بن سعيد، قال: دعا عبيد الله محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة. (٥: ٣٦٤) (١). قال أبو مخنف: حدثني الحسن بن عُقبة المراديّ: أنه بعث معهما عمرو بن الحجّاج الزّبيدي (٢). (٣: ٣٦٤). قال أبو مخنف: وحدّثني نُمَير بن وعلة، عن أبي الودّاك، قال: كانت رَوْعةأخت عمرو بن الحجاج تحت هانئ بن عروة، وهي أمّ يحيى بن هانئ، فقال لهم: ما يمنع هانئ بن عروة من إتياننا؟ قالوا: وما ندري أصلحك الله! وإنه ليَتشكّى؛ قال: قد بلغني أنه قد برأ، وهو يجلس على باب دارِه، فالقَوه، فمُروه ألّا يدَعَ ما عليه في ذلك من الحقّ، فإنّي لا أحبّ أن يَفسُد عندي مِثلُه من أشراف العَرب. فأتَوه حتى وقفوا عليه عشيّةً وهو جالسٌ على بابه، فقالوا: ما يمنعك من لقاء الأمير؛ فإنه ذكرك، وقد قال: لو أعلمُ أنه شاكٍ لعُدْته؟ فقال لهم: الشكَوى تَمنعُني، فقالوا له: يبلُغه أنك تجلس كلّ عشيَّة على باب دارك، وقد استبطأك والإبطاء والجفاء لا يحتملُه السلطان، أقسَمْنا عليك لمّا ركبتَ معنا! فدعا بثيابه فلبسها، ثم دعا ببغلة فركِبها حتى إذا دنا من القصر؛ كأنّ نفسه أحسَّت ببعض الذي كان، فقال لحسَّان بن أسماء بن خارجة: يا بنَ أخي! إنّي والله لِهذا الرجل لخَائف، فما ترى؟ قال: أيْ عمّ، والله ما أتخوّف عليك شيئًا، ولِمَ تجعل على نفسك سبيلًا وأنت بريءٌ! وزعموا أن أسماءَ لم يَعلَم في أيّ شيء بَعث إليه عُبيد الله؛ فأسا محمد فقد عَلِم به؛ فدخل القوم على ابن زياد، ودخل معهم، فلما طلع قال عُبيد الله: أتتْك بحائنٍ رِجْلاه! وقد عرَّس عُبيد الله إذ ذاك بأمِّ نافع ابنة عُمارة بن عُقبة؛ فلما دنا من ابن زياد وعنده شُريح القاضي التَفت نحوَه، فقال: أريدُ حِباءَهُ ويريدُ قَتْلي ... عذِيرَكَ من خليلك من مُرادِ وقد كان له أوّل ما قدم مُكْرِمًا مُلْطِفًا، فقال له هانئ: وما ذاك أيها الأمير؟ قال: إيهٍ يا هانئ بن عروة! ما هذه الأمور التي تَرَبَّصُ في دُورك لأمير المؤمنين وعامهَ المسلمين! جئتَ بمسلم بن عَقِيل فأدخِلتَه دارك، وجمعتَ له السلاح والرجال في الدّور حولك، وظننتَ أنّ ذلك يخفى عليّ لك! قال: ما فعلت، وما مسلم عندي، قال: بلى قد فعلت؛ قال: ما فعلت؛ قال: بلى، فلما كثُر ذلك بينهما، وأبى هانئٌ إلا مجاحدَتَه ومناكَرته، دعا ابنُ زياد معقلًا ذلك العين، فجاء حتى وقف بين يديه فقال: أتعرِف هذا؟ قال: نعم، وعَلِم هانئٌ عند ذلك أنه كان عينًا عليهم، وأنه قد أتاه بأخبارهم، فسُقط في خَلَده ساعةً، ثم إنّ نفسَه راجعتْه، فقال له: اسمع مني، وصدّق مقالتي، فوالله لا أكذِبك، واللهِ الذي لا إله غيرُه ما دعوتُه إلى منزلي، ولا علمتُ بشيءمن أمره، حتى رأيته جالسًا على بأبي، فسألني النزولَ علي، فاستحييتُ من ردّه، ودَخلَني من ذلك ذِمام، فأدخلتُه داري وضفتُه وآويته، وقد كان من أمره الذي بلغك، فإن شئتَ أعطيتُ الآن موثقًا مغلَّظًا وما تطمئنّ إليه ألّا أبغيك سوءًا، وإن شئت أعطيتُك رهينةً تكون في يدك حتى آتيَك، وأنطلق إليه فآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض، فأخرج من ذمامه وجواره؛ فقال: لا والله لا تفارقني أبدًا حتى تأتيَني به؛ فقال: لا، والله لا أجيئك أبدًا، أنا أجيئك بضيفي تَقتلُه! قال: والله لتأتينّي به، قال: والله لا آتيك به. فلما كثُر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهليّ -وليس بالكوفة شأميّ ولا بَصْريّ غيره- فقال: أصلح الله الأمير! خفَني وإياه حتى أكلّمه -لمّا رأى لجَاجته وتأبِّيَه على ابن زياد أن يدفع إليه مسلمًا- فقال لهانئ: قم إليّ هاهنا حتى أكلمك؛ فقام فخلا به ناحيةً من ابن زياد، وهما منه على ذلك قريب حيث يراهما؛ إذا رَفَعا أصواتهما سمع ما يقولان، وإذا خَفَضا خفيَ عليه ما يقولان؛ فقال له مسلم: يا هانئ، إني أنشدُك الله أن تقتلَ نفسَك، وتُدخل البلاءَ على قومك وعشيرتك! فوالله إني لأنفس بك عن القتل، وهو يرى أنّ عشيرته ستحرّك في شأنه أنّ هذا الرجل ابن عمّ القوم، وليسوا قاتليه ولا ضائريه، فادفعه إليه فإنه ليس عليك بذلك مَخزاة ولا مَنقصة، إنما تدفعه إلى السلطان، قال: بلى، والله إنّ عليَّ في ذلك للخِزْيُ والعارُ، أنا أدفع جاري وضيفي وأنا حيٌّ صحيح أسمَعُ وأرى، شديد الساعد، كثير الأعوان! والله لو لم أكن إلا واحدًا ليس لي ناصرٌ لم أدفعْه حتى أموت دونَه، فأخذ يناشده وهو يقول: والله لا أدفَعه إليه أبدًا، فسمع ابن زياد ذلك، فقال: أدنُوه منّي، فأدنَوْه منه، فقال: والله لتأتينِّي به أو لأضربنّ عنقك؛ قال: إذًا تكثر البارقة حولَ دارك، فقال: والهفا عليك! أبالبارقة تخوّفني! وهو يظنُ أنّ عشيرته سيمنعونه، فقال ابن زياد: أدنُوه مني، فأدنِي، فاستَعرض وجهَه بالقضيب، فلم يزل يضرب أنفه وجبينَه وخدَّه حتى كسر أنفه، وسيّل الدماءَ على ثيابه، ونثر لحمَ خدّيه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب، وضرب هانئ بيده إلى قائم سيف شُرطيّ من تلك الرّجال، وجابَذه الرجلُ ومنِع فقال عبيد الله: أحَروريّ سائر اليوم! أحللتَ بنفسك، قد حلّ لنا قتلُك، خذوه فألقوهُ في بيت من بيوت الدار، وأغلقوا عليه بابه، واجعلوا عليه حَرسًا، ففُعِلَذلك به، فقام إليه أسماء بن خارجة فقال: أرُسُل غَدْر سائر اليوم! أمرْتنَا أن نجيئك بالرّجل حتى إذا جئناك به، وأدخلناه عليك هشمْتَ وجهَه، وسيّلت دمَه على لحيته، وزعمَت أنك تقتله! فقال له عبيد الله! وإنك لهاهنا! فأمر به فَلُهِزَ وتُعْتعَ به، ثم تُرِكَ فحبِس. وأما محمد بن الأشعث فقال: قد رضينا بما رأى الأمير؛ لنا كان أم علينا، إنما الأمير مؤدّب، وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئًا قد قُتل، فأقبَل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمعٌ عظيم، ثمّ نادى: أنا عمرو بن الحجّاج، هذه فُرْسان مَذحِج ووُجوهُها، لم تخلع طاعةً، ولم تفارق جماعة، وقد بلغهم أنّ صاحبهم يُقتل، فأعظَموا ذلك، فقيل لعبيد الله: هذه مذحِج بالباب. فقال لشُريح القاضي: ادخُل على صاحبهم فانظر إليه، ثم اخرج فاعلمْهم أنه حيّ لم يُقتل، وأنك قد رأيتَه، فدخل إليه شريح فنَظَر إليه (١). (٥: ٣٦٤ - ٣٦٧). فقال أبو مخنف: فحدّثني الصّقْعب بن زهير، عن عبد الرحمن بن شرَيح، قال: سمعته يحدّث إسماعيل بن طلحة، قال: دخلت على هانئ، فلما رآني قال: يا الله! يا للمْسلمين! أهَلكتْ عشيرتي؟ فأين أهل الدين؟ ! وأين أهل المِصْر؟ ! تفاقدوا! يُخلُّوني وعدوّهم وابنَ عدوّهم! والدماء تسيل على لحيته، إذ سمع الرّجة على باب القصر، وخرجت واتّبعني، فقال: يا شريح! إني لأظنُّها أصواتُ مذحِج وشيعتي من المسلمين، إن دخل عليّ عشرة نفر أنقذوني؛ قال: فخرجتُ إليهم ومعي حُميد بن بكير الأحمريّ -أرسله معي ابن زياد، وكان من شُرَطه ممّن يقوم على رأسه- وايمُ الله لولا مكانُه معي لكنتُ أبلغتُ أصحابَه ما أمَرَني به؛ فلما خرجتُ إليهم قلت: إنّ الأمير لما بلغه مكانُكم ومقالتُكم في صاحبكم أمرَني بالدخول إليه، فأتيتُه فنظرتُ إليه، فأمرني أن ألقاكم، وأن أعلِمكم أنه حيّ، وأن الذي بلغكم من قتله كان باطلًا. فقال عمرو وأصحابه: فأمّا إذْ لم يُقتَل فالحمدُ لله، ثم انصرفوا (٢). (٥: ٣٦٧ - ٣٦٨). قال أبو مخنف: حدّثني الحجاج بن عليّ، عن محمد بن بشر الهمْدانيّ،قال: لما ضرب عُبيد الله هانئًا وحَبَسه خشيَ أن يَثبَ الناسُ به، فخرج فصَعِد المنبَر ومعه أشراف الناس وشُرَطُه وحشمه، فحَمِد الله وأثنَى عليه، ثم قال: أمّا بعد، أيها الناس، فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تختلفوا ولا تفرّقوا؛ فتَهلكوا وتَذِلّوا وتقتلوا وتُجْفوا وتحرموا، إنّ أخاك من صدَقك، وقد أعْذَر مَنْ أنذر. قال: ثم ذهب لينزل، فما نزل عن المنبَر حتى دخلت النّظارة المسجد من قبل التَّمّارين يشتدّون ويقولون: قد جاء ابن عقيل! قد جاء ابن عقيل! فدخل عُبيد الله القصرَ مسرعًا، وأغلق أبوابه (١). (٥: ٣٦٨). قال أبو مخنف: حدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن خازم، قال: أنا والله رسول ابن عَقيل إلى القصر لأنظر إلى ما صار أمرُ هانئ، قال: فلما ضُرب وحُبس ركبتُ فرسي، وكنت أول أهل الدار دخل على مسلم بن عَقيل بالخبر، وإذا نسوةٌ لمراد مجتمعات ينادين: يا عَثْرتاه! يا ثُكلاه! فدخلت على مسلم بن عَقِيل بالخبر، فأمرني أن أناديَ في أصحابه وقد ملأ منهم الدُّور حوله، وقد بايعه ثمانية عشر ألفًا، وفي الدور أربعة آلاف رجل، فقال لي: نادِ: يا منصور أمتْ؛ فناديتُ: يا منصورُ أمتْ؛ وتنادَى أهلُ الكوفة فاجتمعوا إليه، فعقد مسلم لعبيد الله بن عمرو بن عزير الكندىِّ على رُبْع كندة وربيعة، قال: سرْ أمامي في الخيل، ثم عقد لمسلم بن عَوْسجة الأسديّ على رُبْع مَذْحج، وأسَد، وقال: انزِل في الرّجال فأنت عليهم؛ وقعد لأبي ثُمامة الصائديَ على رُبع تميم وهَمْدان، وعقد لعباس بن جَعْدة الجدليّ على رُبْع المدينة، ثم أقبل نحو القصر، فلما بلغ ابنَ زياد إقبالُه تحرّز في القصر، وغَلَّقَ الأبواب (٢). (٥: ٣٦٨ - ٣٦٩) قال أبو مخنف: وحدّثني يونس بن أبي إسحاق، عن عبّاس الجَدليّ قال: خرجنا مع ابن عَقيل أربعة آلاف، فما بلغنا القصرَ إلا ونحن ثلاثمئة. قال: وأقبل مسلم يسيرُ في الناس من مراد حتى أحاط بالقصر، ثم إنّ الناس تداعَوْا إلينا واجتَمعوا، فوالله ما لبثْنا إلا قليلًا حتى امتلأ المسجد من الناسوالسوق، وما زالوا يثَوِّبون حتى المساء، فضاق بعبيد الله ذَرْعه، وكان كُبْر أمرِه أن يتمسَّك بباب القصر، وليس معه إلا ثلاثون رجلًا من الشُّرَط وعشرون رجلًا من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه، وأقبل أشراف الناس يأتون ابنَ زياد من قبَل الباب الذي يلي دارَ الروميِّين، وجعل مَن بالقصر مع ابن زياد يشُرِفون عليهم، فينظرون إليهم فيتَّقون أن يرمُوهم بالحجارة، وأن يشتموهم وهم لا يَفترون على عبيد الله وعلى أبيه، ودعا عبيدُ الله كثيرَ بن شهاب بن الحصين الحارثيّ فأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحِج، فيسير بالكوفة؛ ويخذّل الناس عن ابن عَقِيل ويخوّفهم الحرب، ويحذّرهم عقوبةَ السلطان، وأمر محمّد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كنْدة وحَضْرَموْت. فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس وقال مثلَ ذلك للقعقاع بن شَوْر الذهليّ وشَبَث بن رِبْعي التميميّ وحَجّار بن أبجر العجْليّ وشَمر بن ذي الجَوْشن العامريّ، وحبس سائرَ وجوه الناس عنده استيحاشًا إليهم لقلّة عدد مَن معه من الناس، وخرج كَثير بن شهاب يُخذِّل الناس عن ابن عَقيل (١). (٥: ٣٦٩). قال أبو مخنف: فحدّثني أبو جناب الكلبيّ: أن كثيرًا ألفَى رجلًا من كلب يقال له عبد الأعلى بن يزيد، قد لبس سلاحه يريد ابنَ عقيل في بني فِتْيان، فأخَذَه حتى أدخله على ابن زياد، فأخبره خبرَه، فقال لابن زياد: إنما أردتك؛ قال: وكنتَ وعدتَني ذلك من نفسك؛ فأمر به فحبِس، وخرج محمد بن الأشعث حتى وقف عند دُورِ بني عمارة، وجاءه عمارة بن صَلْخَب الأزْديّ وهو يريد ابن عَقيل، عليه سلاحه، فأخذه فبعث به إلى ابن زياد فحبسه، فبعث ابن عقيل إلى محمد بن الأشعث من المسجد عبد الرحمن بن شُريح الشبَّاميّ، فلما رأى محمد بن الأشعث كثرةَ من أتاهُ، أخذ يتنحى ويتأخر، وأرسل القعقاع بن شور الذّهليّ إلى محمد بن الأشعث: قد جُلْتُ على ابن عقيل من العرارِ، فتأخرْ عن موقفهِ، فأقبل حتى دخل على ابن زياد من قبَل دار الروميين، فلما اجتمعَ عند عبيد الله كثير بن شهاب ومحمد والقعقاع فيمن أطاعهم من قومهم، قال له كثير -وكانوا مناصحين لابن زياد-: أصلَحَ اللهُ الأمير! معكَ في القصرِ ناسٌ كثير من أشراف الناس ومن شُرَطك وأهل بيتك ومَواليكَ، فاخرج بنا إليهم، فأبى عُبيد الله،وعقد لشبَث بن رِبْعيّ لواءً، فأخرجه، وأقامَ الناسُ مع ابن عقيل يكبّرون ويثوّبون حتى المساء، وأمرُهم شديد، فبعث عبيد الله إلى الأشراف فجمعهم إليه، ثم قال: أشرِفوا على الناسِ فمنُّوا أهل الطاعة الزّيادةَ والكرامة، وخوّفوا أهلَ المعصية الحرمان والعقوبةَ، وأعلموهم فُصولَ (١) الجنود من الشأم إليهم. قال أبو مخنف: حدّثني سُليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن خازم الكثيريّ من الأزْد، من بني كثير، قال: أشرف علينا الأشرافُ، فتكلم كثير ابن شهاب أوّل الناس حتى كادت الشمس أن تَجِب، فقال: أيّها الناس، الحقوا بأهاليكم، ولا تعجّلوا الشرّ، ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل، فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيدُ قد أقبلتْ، وقد أعطى الله الأميرُ عهدًا: لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيَتكم أن يحرم ذرّيتكم العطاء، ويفرّقَ مُقاتِلِيكم في مَغازِي أهلِ الشام على غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى لهُ فيكم بقيَّة من أهل المعصية إلا أذاقها وبالَ ما جرَّت أيديها، وتكلَّمَ الأشراف بنحو من كلامِ هذا؛ فلما سمعَ مقالتَهم الناسُ أخذوا يتفرّقون وأخذوا ينصرفون. قال أبو مخنف: فحدّثني المجالد بن سعيد؛ أن المرأة كانت تأتي ابنَها أو أخاها فتقول: انصرِفْ؛ الناسُ يكفُونك، ويجيء الرّجلُ إلى ابنه أو أخيه فيقول: غدًا يأتيكَ أهلُ الشام، فما تصنع بالحرب والشرّ! انصرف. فيذهب به؛ فما زالوا يتفرّقون ويتصدّعون حتى أمسى ابن عقيل وما معهُ ثلاثون نفسًا في المسجد، حتى صُلِّيَتِ المغرب، فما صلّى مع ابن عقيل إلا ثلاثون نفسًا. فلما رأى أنه قد أمسى وليسَ معهُ إلا أولئكَ النَّفر خرج متوجّهًا نحو أبواب كنْدة، وبلغ الأبواب ومعهُ منهم عشرة، ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسانٌ، والتفتَ فإذا هو لا يحسّ أحدًا يدلّه على الطريق، ولا يدُلّه على منزل ولا يواسيهِ بنفسهِ إنْ عرض له عدوٌّ، فمضى على وجههِ يتلدّد في أزقَّةِ الكُوفة لا يَدْري أينَ يَذهب! حتى خرج إلى دُورِ بني جَبَلة من كندة، فمشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقالُ لها: طَوْعة أمّ ولد -كانت للأشعث بن قيس، فأعتقها فتزوّجها أسيد الحضرميّ فولدتْ له بلالًا، وكان بلالٌ قد خرج من الناس وأمه قائمة تنتظره- فسلَّم عليها ابن عَقيل، فردّت عليه، فقال لها: يا أمة الله، اسقيني ماءً، فدخلت فسقته، فجلس وأدخلتالإناء، ثم خرجت فقالت: يا عبد الله ألم تشرب! قال؛ بلَى، قالت: اذهب إلى أهلك؛ فسكت؛ ثم عادت فقالت مثلَ ذلك، فسكت؛ ثم قالت له: فيّ الله، سبحان الله يا عبد الله! فمرّ إلى أهلك عافاك الله؛ فإنه لا يَصلح لك الجلوس على بابي، ولا أحلّه لك؛ فقام فقال: يا أمَة الله، ما لي في هذا المصر منزلٌ ولا عشيرة؛ فهل لك إلى أجر ومعروف، ولعلّي مكافئك به بعد اليوم! فقالت: يا عبد الله، وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عَقيل، كَذَبني هؤلاء القوم وغَرّوني؛ قالت: أنت مسلم! قال: نعم، قالت: ادخُل، فأدخلتْه بيتًا في دارها غير البيت الذي تكون فيه، وفرشتْ له، وعرضتْ عليه العَشاء فلم يتعشَّ، ولم يكن بأسرعَ من أن جاء ابنها فرآها تُكثر الدخولَ في البيت والخروجَ منه، فقال: والله إنه ليَريبني كثرةُ دخولِك هذا البيتَ منذ الليلة وخروجك منه! إن لك لشأنًا؛ قالت: يا بنيّ، الْهُ عن هذا، قال لها: والله لتخبرنّي: قالت: أقبلْ على شأنك ولا تسألني عن شيء، فألحّ عليها، فقالت: يا بنيّ، لا تحدّثن أحدًا من الناس بما أخبرك به؛ وأخذتْ عليه الأيمان، فحلف لها، فأخبرتْه، فاضطجع وسكت -وزعَموا أنه قد كان شريدًا من الناس، وقال بعضهم: كان يشرب مع أصحاب له- ولما طال على ابن زياد، وأخذ لا يسمع لأصحاب ابن عَقيل صوتًا كما كان يسمعه قبل ذلك قال لأصحابه: أشرفوا فانظروا هَلْ تَروْن منهم أحدًا! فاشرَفوا فلم يَرْوا أحدًا؛ قال: فانظروا لعلَّهم تحت الظلال قد كَمَنوا لكم؛ ففرَعوا بحابحَ المسجد، وجعلوا يخفضون شُعَلَ النار في أيديهم، ثم ينظرون: هل في الظلال أحدٌ؟ وكانت أحيانًا تُضيء لهم، وأحيانًا لا تُضيء لهم كما يريدون، فدلّوا القناديل وأنصاف الطِّنان تشَدّ بالحبال، ثم تُجعل فيهم النيران، ثم تُدَلَّى، حتى تنتهي إلى الأرض، ففعلوا ذلك في أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حتى فعلوا ذلك بالظُّلّة التي فيها المنبر، فلما لم يروْا شيئًا أعلموا ابنَ زياد، ففتح باب السُّدّة التي في المسجد، ثم خرج فصعد المنبرَ، وخرج أصحابهُ معه، فأمرهم فجلسوا حوله قبيْل العَتَمة، وأمر عمرو بن نافع فنادى: ألا بَرِئت الذّمة من رجل من الشّرْطة والعُرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلَّى العَتَمة إلا في المسجد؛ فلم يكن له إلا ساعة حتى امتلأ المسجد من الناس، ثم أمر مناديَه فأقام الصلاةَ، فقال الحُصَين بن تميم: إن شئتَ صليتَ بالناس، أو يصلِّي بهم غيرُك، ودخلتَ أنت فصلَّيتَ في القصر، فإني لا آمن أن يغتالَك بعضُ أعدائك! فقال: مُرْ حَرَسيفلْيقوموا ورائي كما كانوا يقفون، ودُرْ فيهم فإني لست بداخل إذًا. فصلَّى بالناس، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنّ ابن عَقِيل السفيه الجاهل، قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرِئت ذمّة الله من رجل وجدْناه في داره، ومن جاء به فله دِيتُهُ، اتقوا الله عباد الله، والزَموا طاعتكم وبَيعَتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلًا. يا حُصين بن تميم، ثكلتْك أمّك إنْ صاح بابُ سكّةٍ من سكك الكُوفة، أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلَّطتُك على دُور أهل الكوفة، فابعث مُراصِدة على أفواه السكَك، وأصْبح غدًا واستَبْرِ الدُّور وجُسْ خلالَها حتى تأتيَني بهذا الرجل -وكان الحصين على شُرَطه، وهو من بني تميم- ثم نزل ابن زياد فدخل وقد عقد لعَمرو بن حُرَيْث رايةً وأمَّره على الناس، فلما أصبح جلس مجلسه وأذن للناس فدخلوا عليه، وأقبل محمد بن الأشعث فقال: مَرْحبًا بمن لا يُسْتَغَشّ ولا يُتَّهَم! ثم أقعده إلى جنبه، وأصبح ابن تلك العجوز وهو بلال بن أسيد الذي آوت أمه ابنَ عقيل، فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبَرَه بمكان ابن عَقِيل عند أمه؛ قال: فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد، فسارّه، فقال له ابن زياد: ما قال لك؟ قال: أخبرني أن ابن عَقِيل في دار من دورنا، فنَخَسَ بالقضيب في جَنْبه ثم قال: قم فائتني به الساعة (١). (٥: ٣٧١ - ٣٧٣) قال أبو مخنف: فحدّثني قُدامة بن سعيد بن زائدة بن قدامة الثقفيّ: أنّ ابن الأشعث حين قام ليأتيه بابن عَقيل بعث إلى عمرو بن حُرَيْث وهو في المسجد خليفته على الناس، أن ابعَثْ مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلًا كلهم من قَيْس -وإنما كره أن يبعث معه قومه لأنه قد علم أنّ كلّ قوم يكرَهون أن يُصادَف فيهم مثل ابن عَقيل- فبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عبَّاس السُلَميّ في ستين أو سبعين من قَيْس، حتى أتوا الدارَ التي فيها ابن عَقِيل، فلما سمع وقعَ حَوافر الخيل وأصواتَ الرجال عَرَف أنه قد أتِيَ، فخرج إليهم بسيفه، واقتحموا عليه الدار، فشدّ عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه، فشدّ عليهم كذلك، فاختلف هو وبُكيْر بن حُفران الأحْمَريّ ضربتين، فضرب بُكيْر فمَ مسلم فقطع شفَتَه العُلْيا، وأشْرَعَ السيف في السّفْلى، ونصلتْ له ثنيَّتاه، فضربه مسلمضربةً في رأسه مُنكرةَ، وثَنى بأخرى على حبل العاتق كادت تَطلُع على جَوْفه، فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق ظهر البيت، فأخذوا يرمُونه بالحجارة، ويُلْهبون النارَ في أطنان القصب، ثمّ يَقْلبونها عليه من فوق البيت، فلما رأى ذلك خرج عليهم مصْلتًا بسيفه في السكة فقاتلهم، فأقبل عليه محمد بن الأشعث فقال: يا فتى، لك الأمان، لا تَقْتُلْ نفسَك؛ فأقبَل يقاتلُهم، وهو يقول: أَقْسَمْتُ لا أُقْتَلُ إلَّا حُرَّا ... وإن رأَيتُ المَوت شيئًا نُكْرَا كُلُّ امرئً يومًا مُلاقٍ شَرَّا ... ويُخلط البارد سُخْنًا مُرَّا رُد شُعاع الشمس فاستقرا ... أَخافُ أَن أُكْذَبَ أو أُغَرا فقال له محمد بن الأشعث: إنك لا تُكْذَب ولا تُخْدَع ولا تُغرّ، إنّ القوم بنو عمِّك، وليسوا بقاتليك ولا ضارِبيك، وقد أثْخِن بالحجارة، وعجز عن القتال وانْبَهَر، فأسند ظهره إلى جنب تلك الدار؛ فدنا محمد بن الأشعث، فقال: لك الأمان، فقال: آمنٌ آنا؟ قال: نعم؛ وقال القوم: أنت آمنٌ؛ غير عمرو بن عبيد الله بن العباس السلَميّ فإنه قال: لا ناقةَ لي في هذا ولا جَمَل، وتنحَّى. وقال ابن عَقِيل: أما لو لمِ تؤمّنوني ما وضعتُ يدي في أيديكم، وأتِيَ ببغلة فحُمِل عليها، واجتمعوا حولَه، وانتزعوا سيفَه من عنقه، فكأنه عند ذلك آيسٌ من نفسه، فدمَعَت عيناه، ثم قال: هذا أوّل الغدر؛ قال محمد بن الأشعث: أرجو ألّا يكون عليك بأس؛ قال: ما هو إلا الرّجاء؛ أين أمانُكم! إنا لله وإنا إليه راجعون! وبكى؛ فقال له عمرو بن عُبيد الله بن عباس: إنْ من يطلب مثلَ الذي تطلب إذا نزل به مثْلُ الذي نزل بك لم يَبكِ، قال: إنّي والله ما لنفسي أبكي، ولا لها من القتل أرْثي، وإن كنت لم أحبّ لها طُرْفة عين تلفًا، ولكن أبكي لأهل المُقْبلين إليّ، أبكي لحسين وآلِ حسين! ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال: يا عبدَ الله! إني أراك والله ستعجز عن أماني، فهل عندك خير؟ ! تستطيع أن تبعث من عندك رجلًا على لساني يبلغ حسينًا، فإني لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم مقبلًا، أو هو خرج غدًا هو وأهلُ بيته، وإنّ ما ترى من جزعي لذلك، فتقول: إنّ ابن عَقِيل بعثني إليك، وهو في أيدي القوم أسير لا يَرَى أن تمشيَ حتى تُقتل، وهو يقول: ارجعْ بأهل بيتك، ولا يغرّك أهلُ الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقَهم بالموت أو القتل؛ إنّ أهلَ الكوفة قد كذّبوك وكذّبوني، وليسلمكذّب رأي؛ فقال ابن الأشعث: والله لأفعلنّ؛ ولأعلمنّ ابنَ زياد أني قد أمَّنتُك (١). (٥: ٣٧٣ - ٣٧٥). قال أبو مخنف: فحدّثني جعفر بن حذيفة الطائيّ -وقد عرف سعيد بن شيبان الحديث- قال: دعا محمد بن الأشعث إياس بن العثل الطائيّ من بني مالك بن عَمرو بن ثمامة، وكان شاعرًا، وكان لمحمد زَوّارًا، فقال له: إِلْقَ حسينًا فأبلغه هذا الكتاب، وكتب فيه الذي أمره ابن عَقِيل، وقال له: هذا زادُك وجَهازُكَ، ومُتْعة لعيالك؛ فقال: من أين لي براحلة، فإنّ راحلتي قد أنضيْتُها؟ قال: هذه راحلة فاركْبها برَحلها، ثم خرج فاستقبله بزُبالةَ لأربع ليال، فأخبره الخبر، وبلَّغه الرسالة، فقال له حسين: كلُّ ما حُمَّ نازل، وعند الله نحتسب أنفسَنا، وفساد أمَّتنا. وقد كان مسلم بن عَقِيل حيث تحوَّل إلى دار هانئ بن عروة وبايَعه ثمانية عشر ألفًا، قدّم كتابًا إلى حسين مع عابس بن أبي شبيب الشاكريّ: أما بعد، فإن الرائد لا يَكْذِب أهلَه، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفًا، فعجّل الإقبالَ حين يأتيك كتابي، فإنّ الناس كلهم معك، ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوَىً؛ والسلام. وأقبل محمد بن الأشعث بابن عَقِيل إلى باب القصر، فاستأذن فأذِن له، فأخبر عبيد الله خبرَ ابن عَقِيل وضرب بُكيْر إياه، فقال: بُعْدًا له! فأخبره محمد بن الأشعث بما كان منه وما كان من أمانه إيَّاه، فقال عبيد الله: ما أنت والأمان! كأنا أرسلْناك تؤمِّنُه! إنما أرسلناك لتأتيَنا به؛ فسكت. وانتهى ابن عِقيل إلى باب القصر وهو عطشان، وعلى باب القصر ناسٌ جلوس ينتظرون الإذن، منهم عمارة بن عُقبة بن أبي مُعَيْط، وعمرو بن حُريث، ومسلم بن عمرو، وكثير بن شهاب. (٥: ٣٧٥) (٢). قال أبو مخنف: فحدّثني قُدامة بن سعد: أنّ مسلم بن عَقيل حين انتهى إلى باب القصر فإذا قُلَّة باردة موضوعة على الباب، فقال ابن عَقِيل: اسقُوني من هذاالماء، فقال له مسلم بن عَمرو: أتراها ما أبرَدها! لا والله لا تذوق منها قطرةً أبدًا حتى تذوقَ الحميم في نار جهنَّم! قال له ابن عَقيِل: وَيْحك! مَنْ أنت؟ قال: أنا ابن مَن عرفَ الحقّ إذ أنكرتَه، ونصحَ لإمامه إذْ غششتَه، وسمع وأطاع إذ عصيتَه وخالفتَ، أنا مسلم بن عمرو الباهليّ؛ فقال ابن عَقِيل: لأمّك الثكْلُ! ما أجفاك، وما أفظَّك؛ وأقسَى قلبَك وأغلَظك! أنت يا بن باهلة أوْلى بالحميم والخلود في نار جهنم مني؛ ثم جلس متساندًا إلى حائط. (٥: ٣٧٥ - ٣٧٦) (١). قال أبو مخنف: فحدّثني قُدامة بن سعد: أنّ عمرو بن حُريث بعث غلامًا يُدعَى سليمان. فجاءَه بماء في قُلَّة فسقاه (٢). (٣٧٦: ٥). قال أبو مخنف: وحدّثني سعيد بن مدرك بن عُمارة: أن عُمارة بن عُقبة بعث غلامًا له يُدعى قيْسًا، فجاءه بقُلَّة عليها منديل ومعه قَدَح فصبّ فيه ماءً، ثم سقاه، فأخذ كلَّما شرب امتلأ القدح دمًا، فلما ملأ القدحَ المرّة الثالثة ذهب ليشرب فسقطتْ ثنيَّتاه فيه، فقال: الحمد لله! لو كان لي من الرزق المقسوم شربتُه. وأدخِل مسلمٌ على ابن زياد فلم يسلِّم عليه بالإمْرة، فقال له الحَرَسيّ: ألا تسلّم على الأمير! فقال له: إن كان يريد قتلي فما سَلامي عليه! وإن كان لا يريد قتلي فلَعَمري ليَكثُرنّ سلامي عليه؛ فقال له ابن زياد: لعَمري لتُقْتلنّ؛ قال: كذلك؟ قال: نعم؛ قال: فدَعني أوصِ إلى بعض قومي، فنظر إلى جلساءِ عبيد الله وفيهم عمر بن سعد، فقال: يا عمر، إنّ بيني وبينك قرابةً، ولي إليك حاجة، وقد يجب لي عليك نُجْحُ حاجتي، وهو سرّ، فأبى أن يمكّنه من ذكرها، فقال له عبيد الله: لا تمتنع أنْ تنظر في حاجة ابن عمّك، فقام معه فجلس حيث ينظر إليه ابن زياد، فقال له: إنّ عليّ بالكوفة دَيْنًا استدنتُه منذ قدمتُ الكوفةَ، سبعمئة درهم، فاقضها عني، وانظر جُثّتي فاستوهبْها من ابن زياد، فوارِها، وابعثْ إلى حسين مَنْ يردّه، فإني قد كتبتُ إليه أعلمه: أن الناس معه، ولا أراه إلا مقبلًا. فقال عمر لابن زياد: أتدري ما قال لي؟ إنه ذَكر كذا وكذا؛ قال له ابن زياد: إنه لا يخونُك الأمينُ، ولكن قد يوتَمن الخائن، أمَّا مالُكَ فهو لك، ولسنا نمنعك أن تصنع فيه ما أحببتَ؛ وأما حسين؛ فإنه إن لم يُردْنا لمنُرِدْه، وإن أرادنا؛ لم نكفَّ عنه، وأما جُثَّته فإنا لن نشفّعك فيها، إنه ليس بأهل منَّا لذلك، قد جاهَدنَا وخالفَنا، وجهَد على هلاكنا. وزعموا أنه قال: أما جُثَّته فإنّا لا نبالي إذ قتلناه ما صُنع بها. ثم إنّ ابن زياد قال: إيه يا بنَ عَقيل! أتيتَ الناس وأمرُهم جميع، وكَلِمتُهم واحدة، لتُشتِّتَهم، وتُفرّق كلمتَهم، وتَحمل بعضهم على بعض! قال: كلَّا، لستُ أتيتُ، ولكنّ أهل المِصْر زعموا: أنّ أباك قَتَل خيارَهم، وسفك دماءَهم، وعمل فيهم أعمالَ كسرَى وقيصَر، فأتيناهم لنأمُر بالعدل وندعوَ إلى حكم الكتاب، قال: وما أنت وذاك يا فاسقُ! أوَلم نكن نعمل بذاك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر! قال: أنا أشرب الخمر! واللهِ إنّ الله ليعلم أنك غيرُ صادق، وأنك قلتَ بغير علم، وأني لستُ كما ذكرتَ، وإنّ أحقّ بشرب الخمر مني وأوْلى بها من يَلَغُ في دماء المسلمين ولْغًا فيقتل النفس التي حرّم الله قتلَها، ويَقتُل النفسَ بغير النفس، ويسفك الدَم الحرام، ويَقتل على الغضَب والعداوة وسوء الظنّ، وهو يلهو ويلعب كأنْ لم يصنع شيئًا. فقال له ابن زياد: يا فاسق! إنّ نفسك تمنِّيك ما حالَ اللهُ دونه، ولم يرَك أهلَه؛ قال: فمن أهلُه يا بن زياد! قال: أمير المؤمنين يزيد. فقال: الحمد لله على كلّ حال، رضِينا بالله حَكَمًا بيننا وبينكم؛ قال: كأنك تظنّ أنّ لكم في الأمر شيئًا! قال: والله ما هو بالظنّ، ولكنه اليقين؛ قال: قتلني اللهُ إن لم أقتْلك قِتلةً لم يُقْتَلها أحدٌ في الإسلام! قال: أما إنك أحقّ مَنْ أحدث في الإسلام ما لم يكن فيه، أما إنك لا تَدَعُ سوءَ القِتْلة، وقبح المُثْلة، وخُبثَ السيرة، ولؤم الغلبة، ولا أَحَدَ من الناس أحقّ بها منك، وأقبل ابن سُمية يشَتمه، ويَشتم حسينًا، وعليًّا، وعَقيلًا، وأخذ مسلم لا يكلّمه، وزعم أهلُ العلم أنّ عبيد الله أمر له بماء فسُقيَ بخَزقةٍ، ثم قال له: إنه لم يمنعنا أن نسقيَك فيها إلا كراهة أن تحرم بالشرب فيها. ثم نقتلك ولذلك سقيناك في هذا، ثم قال: اصْعَدوا به فوق القصر فاضربوا عنقَه، ثم أتبعوا جسدَه رأسَه، فقال: يا بن الأشعث، أما والله لولا أنك آمنتَني ما استسلمت؛ قمْ بسيفك دوني فقد أخفِرَتْ ذمِّتُك، ثم قال: يا بن زياد! أما والله لو كانت بيني وبينك قرابة ما قتلتَني؛ ثم قال ابن زياد: أين هذا الذي ضرب ابنُ عقيل رأسَه بالسيف وعاتقَه؟ فدُعيَ، فقال: اصْعَدْ فكن أنت الذي تضرب عنقَه، فصُعِد به وهو يكبِّر ويستغفر ويصلّي على ملائكة الله ورسله وهو يقول:اللهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكَذَبونا وأذَلّونا، وأشرف به على موضع الجزّارين اليوم، فضربت عُنقهُ، وأتبع جسده رأسه. (٥: ٣٧٦ - ٣٧٨) (١). قال أبو مخنف: حدّثني الصقعب بن زهير، عن عون بن أبي جُحَيْفة قال: نزل الأحمريّ بُكَيْر بن حُمران الذي قتل مسلمًا، فقال له ابن زياد: قتلتَه؟ قال: نعم، قال: فما كان يقول وأنتم تصعدون به؟ قال: كان يكثر ويسِبّح ويستغفر، فلمَّا أدنيتُه لأقتُله قال: اللهمّ احكم بيننا وبين قوم كذَبونا وغرّونا وخَذلونا وقتلونا، فقلت له: ادنُ منّي، الحمد لله الذي أقادني منك! فضربته ضربة لم تغن شيئًا؛ فقال: أما ترى في خدش تَخدِشُنيه وفاءً من دمك أيها العبد! فقال ابن زياد: أوَ فخرًا عند الموت! قال: ثمّ ضربتُه الثانية فقتلتُه. قال: وقام محمَّد بن الأشعث إلى عبيد الله بن زياد فكلّمه في هانئ بن عُروة، وقال: إنك قد عرفتَ منزلةَ هانئ بن عروة في المصْر، وبيْتَه في العشيرة، وقد علم قومُه أني وصاحبي سُقناه إليك، فأنشدك اللهَ لمّا وهبتَه لي، فإنّي أكره عداوةَ قومه، هم أعزّ أهل المِصْر، وعُدَدُ أهل اليَمَن! . قال: فوعده أن يفعل، فلما كان من أمر مسلم بن عَقيل ما كان، بدا له فيه، وأبَى أن يفيَ له بما قال. قال: فأمر بهانئ بن عروة حين قُتِل مسلم بن عَقيل فقال: أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقَه، قال: فأخرِج بهانئ حتى انتهى إلى مكان من السوق كان يُباع فيه الغَنَم وهو مكتوف، فجعل يقول؛ وامَذْحِجاه! ولا مَذحجَ لي اليوم! وامَذْحجاه، وأين مني مَذْحج! فلما رأى أنّ أحدًا لا ينصره جذَبَ يدَه فنزعها من الكتاف، ثم قال: أما من عصًا أو سكّين أو حجر أو عظم يُجاحش به رجلٌ عن نفسه! قال: ووثبوا إليه فشدُّوه وثَاقًا، ثم قيل له: امْدُد عنقَك، فقال: ما أنا بها مُجْدٍ سَخيّ، وما أنا بمعينِكم على نفسي. قال: فضربه مولىً لعُبيد الله بن زياد -تركيّ يقال له: رشيد- بالسيف، فلَميصنع سيفهُ شيئًا، فقال هانئ: إلى الله المَعاد! اللهمّ إلى رحمتك ورضوانِك! ثم ضربه أخرى فقَتلَه. قال: فبصُر به عبد الرحمن بن الحصين المراديّ بخازِرَ، وهو مع عُبيد الله بن زياد؛ فقال الناس: هذا قاتلُ هانئ بن عُروة؛ فقال ابن الحصين: قتلني الله إنْ لم أقتلْه أو أقتلَ دونَه! فحَمَل عليه بالرُّمح فطعنه فقتَله. ثم إن عُبيد الله بن زياد لما قتل مسلم بن عَقِيل وهانئ بن عُروة دعا بعبد الأعلى الكلبيّ الذي كان أخذه كَثِير بن شهاب في بني فِتْيان، فأتِيَ به، فقال له: أخبرني بأمرك؛ فقال: أصلَحَك الله! خرجتُ لأنظرَ ما يصنع الناس، فأخذني كثير بن شهاب. فقال له: فعليك وعليك، من الأيمان المغلّظة، إن كان أخرجك إلا ما زعمت! فأبَى أن يَحلِف، فقال عُبيد الله: انطلِقوا بهذا إلى جبّانة السَّبيع فاضربوا عنقه بها؛ قال: فانطلِقَ به فضُربت عنقه. قال: وأخرج عمارة بن صلخب الأزديّ -وكان ممن يريد أن يأتي مسلم بن عَقِيل بالنصرة لينصرَه- فأتي به أيضًا عبيد الله فقال له: ممّن أنت؟ قال: من الأزد. قال: انطلقوا به إلى قومه، فضُربتْ عنقُه فيهم، فقال عبد الله بن الزبير الأسديّ في قِتلةِ مُسلمِ بن عَقيل وهانئ بن عُروة المراديّ - ويقال: قاله الفرزدق: إن كنت لا تدرينَ ما الموتُ فانظري ... إلى هانئ في السُّوقِ وابن عقيل إلى بطَل قد هشَّمَ السيفُ وجْهَهُ ... وآخر يهْوِي من طَمار قَتِيلِ أَصابَهما أمْرُ الأَميرِ فأَصبحا ... أَحاديثَ من يَسْرِي بكلِّ سبيل تريْ جسدًا قد غيَّر الموتُ لوْنَهُ ... ونَضْحَ دمٍ قد سال كلَّ مسِيلِ فتىً هو أحْيا من فَتاةٍ حَييّة ... وأقطعُ من ذي شَفرتَين صقيل أيرْكَبُ أَسماءُ الهمالِيج آمَنًا ... وقد طلبتْه مَذْحِجٌ بِذُحول! تُطِيفُ حواليْه مُرادٌ وكلهُم ... على رِقْبة من سائل ومَسُول فإنْ أنتمُ لم تَثأَرُوا بأَخيكُمُ ... فكونوا بغايَا أُرْضِيَتْ بقليل (٥: ٣٧٨ - ٣٨٠) (١). قال أبو مخنف: عن أبي جناب يحيى بن أبي حيّة الكلبّي، قال: ثم إنعبيد الله بن زياد لما قتل مسلمًا وهانئًا بعث برؤوسهما مع هانئ بن أبي حيّة الوادعيّ والزبير بن الأروح التميميّ إلى يزيدَ بن معاوية، وأمرَ كاتبَه عمرو بن نافع أن يكتب إلى يزيدَ بن معاوية بما كان من مسلم وهانئ، فكتب إليه كتابًا أطال فيه -وكان أولَ من أطال في الكتب- فلما نظر فيه عُبيد الله بن زياد كرهه وقال: ما هذا التطويل وهذه الفضول؟ اكتُب: أمّا بعد، فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه، وكفاه مؤنة عدوّه. أخبر أمير المؤمنين أكرَمه الله: أن مسلم بن عَقِيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المُراديّ، وأنّي جعلت عليهما العيون، ودسستُ إليهما الرجال، وكِدْتُهما حتى استخرجتُهما، وأمكن الله منهما، فقدّمتهما فضربتُ أعناقهما، وقد بعثتُ إليك برؤوسهما مع هانئ بن أبي حيّة الهَمْدانيّ والزبير بن الأرْوَاح التميمي - وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة - فليسألهما أميرُ المؤمنين عما أحبّ من أمر، فإن عندهما عِلمًا وصدقًا، وفَهمًا ووَرعًا، والسلام. فكتب إليه يزيد: أما بعد، فإنك لم تَعْدُ أن كنت كما أحبّ، عملتَ عملَ الحازم، وصُلتَ صَوْلة الشجاع الرابِط الجأش، فقد أغنيتَ وكفيتَ، وصدّقتَ ظنّي بك، ورأيي فيك، وقد دعوتُ رسولَيك فسألتُهما، وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت؛ فاستَوصِ بهما خيرًا، وإنه قد بلغني أن الحسين بن عليٍّ قد توجّه نحو العراق؛ فضَعِ المنَاظر والمَسالح، واحترس على الظنّ، وخُذ على التهمة، غير ألا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إليّ في كل ما يَحدُث من الخبر؛ والسلام عليك ورحمة الله. (٥: ٣٨٠ - ٣٨١) (١). قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عون بن أبي جُحَيفة، قال: كان مُخرج مسلم بن عَقِيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمانِ ليال مضَين من ذي الحجّة سنة ستين، ويقال يوم الأربعاء لسبع مضَيْن سنة ستين من يوم عرفة بعد مُخَرج الحسين من مكة مقبلًا إلى الكوفة بيوم - قال: وكان مُخرَج الحسين من المدينة إلى مكة يومَ الأحد لليْلتين بقيَتَا من رجب سنة ستّين، ودخل مكة ليلَة الجمعة لثلاث مضَين من شعبان، فأقام بمكة شعبان وشهر رمضان وشوّالًا وذا القعدة،ثم خرج منها لثمانٍ مضَين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم الترْوَية في اليوم الذي خرج فيه مسلم بن عَقِيل. وذكر هارون بن مسلم عن عليّ بن صالح، عن عيسى بن يزيد، أن المختار بن أبي عُبيد وعبد الله بن الحارث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم، خرج المختار براية خضراء، وخرج عبد الله براية حمراء، وعليه ثياب حُمْر، وجاء المختار برايته فركزها على باب عمرو بن حُريث، وقال: إنما خرجتُ لأمنع عمرًا، وإن ابن الأشعث والقعقاع بن شَوْر وشَبَث بن رِبعيّ قاتلوا مسلمًا وأصحابَه عشيّة سار مسلم إلى قصر ابن زياد قِتالًا شديدًا، وأن شَبَثًا جعل يقول: انتظروا بهم الليل يتفرقوا؛ فقال له القعقاع: إنك قد سددتَ على الناس وجَه مصيرهم، فافرُج لهم يَنسرِبوا، وإن عُبيد الله أمر أن يطلب المختار وعبد الله بن الحارث، وجعل فيهما جُعْلًا، فأتيَ بهما فحُبِسا. (٣٨١: ٥) (١). * * *
  • reviewable assessment hintmatrukneeds reviewmedium confidencepage 3751, entry [1442]344 chars
    منين أكرَمه الله: أن مسلم بن عَقِيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المُراديّ، وأنّي جعلت عليهما العيون، ودسستُ إليهما الرجال، وكِدْتُهما حتى استخرجتُهما، وأمكن الله منهما، فقدّمتهما فضربتُ أعناقهما، وقد بعثتُ إليك برؤوسهما مع هانئ بن أبي حيّة الهَمْدانيّ والزبير بن الأرْوَاح التميمي - وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة - فليسألهما أميرُ المؤمنين عم
  • reviewable assessment hintmajhulneeds reviewmedium confidencepage 3751, entry [1442]346 chars
    ل هذا البيت وحبِّ مَن أحبَّهم، فهذهثلاثة آلاف دِرهم أردتُ بها لقاءَ رجلٍ منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله ﷺ، وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحدًا يدلّني عليه ولا يعرف مكانه، فإنِّي لجالسٌ آنفًا في المسجد إذ سمعتُ نفرًا من المسلمين يقولون: هذا رجلٌ له علْم بأهل هذا البيت؛ وإنّي أتيتك لتقبض هذا المال وتدخلَني على صاحبك فأبايعه، وإن شئت
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 3751, entry [1442]344 chars
    َقيل قد قدم الكُوفة فبايعتْه الشيعةُ للحُسَين بن عليّ، فإن كان لك بالكوفة حاجةٌ فابعث إليها رجلًا قويًّا ينفّذ أمرَك، ويعمَل مثلَ عملك في عدوّك، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف؛ أو هو يتضعّف. فكان أوّل من كتب إليه. ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه، ثم كتب إليه عمر بنُ سعد بن أبي وقّاص بمثل ذلك (١). (٥: ٣٥٥ - ٣٥٦). قال هشام: قال عَوانة: ف
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 3751, entry [1442]344 chars
    يعوه، فبايعه منهم اثنا عشرَ ألفًا. قال: فقام رجل ممن يَهوَى يزيد بن معاوية إلى النّعمان بن بَشير، فقال له: إنك ضعيف أو متضعِّف؛ قد فسدَت البلاد! فقال له النعمان: أن أكون ضعيفًا وأنا في طاعة الله أحبّ إلي من أن أكون قويًّا في معصية الله، وما كنتُ لأهتك سترًا ستَرَهُ الله. فكتب بقول النعمان إلى يزيد، فدعا مولىً له يقال له: سَرْجون؛ -وكان يستشير
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 3751, entry [1442]344 chars
    َوْسجة؛ قال: فلمّا تحدّث أهل الكوفة بمَقدَمه دبّوا إليه فبايعوه، فبايعه منهم اثنا عشرَ ألفًا. قال: فقام رجل ممن يَهوَى يزيد بن معاوية إلى النّعمان بن بَشير، فقال له: إنك ضعيف أو متضعِّف؛ قد فسدَت البلاد! فقال له النعمان: أن أكون ضعيفًا وأنا في طاعة الله أحبّ إلي من أن أكون قويًّا في معصية الله، وما كنتُ لأهتك سترًا ستَرَهُ الله. فكتب بقول الن