ابن جرير الطبري - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 2701, entry [578]12,230 chars
ذكر هرب الفرزدق من زياد وفي هَذِهِ السنة طلب زياد الفرزدق، واستعدت عَلَيْهِ بنو نهشل وفقيم، فهرب مِنْهُ إِلَى سَعِيد بن الْعَاصِ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ والي الْمَدِينَة من قبل مُعَاوِيَة- مستجيرا بِهِ، فأجاره. ذكر الخبر عن ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عبيدة وأبو الْحَس…
▸ expand full passage (12,230 chars)ذكر هرب الفرزدق من زياد وفي هَذِهِ السنة طلب زياد الفرزدق، واستعدت عَلَيْهِ بنو نهشل وفقيم، فهرب مِنْهُ إِلَى سَعِيد بن الْعَاصِ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ والي الْمَدِينَة من قبل مُعَاوِيَة- مستجيرا بِهِ، فأجاره. ذكر الخبر عن ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عبيدة وأبو الْحَسَن المدائني وغيرهما، أن الفرزدق لما هجا بني نهشل وبني فقيم لم يزد أَبُو زَيْد فِي إسناد خبره عَلَى مَا ذكرت، وأما مُحَمَّد بن علي فإنه حَدَّثَنِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سعد، عن أبي عبيدة، قَالَ: حَدَّثَنِي أعين بن لبطة بن الفرزدق، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لما هاجيت الأشهب بن رميلة والبعيث فسقطا، استعدت علي بنو نهشل وبنو فقيم زياد بن أَبِي سُفْيَانَ وزعم غيره أن يَزِيد بن مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل استعدى أَيْضًا عَلَيْهِ فَقَالَ أعين: فلم يعرفه زياد حَتَّى قيل لَهُ: الغلام الأعرابي الَّذِي أنهب ورقه وألقى ثيابه، فعرفه. قَالَ أَبُو عبيدة: أَخْبَرَنِي أعين بن لبطة، قَالَ: أَخْبَرَنِي أبي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بعثني أبي غالب فِي عير لَهُ وجلب ابيعه وامتار له واشترى لأهله كسا، فقدمت البصره، فبعث الجلب، فأخذت ثمنه فجعلته فِي ثوبي أزاوله، إذ عرض لي رجل أراه كأنه شيطان، فَقَالَ: لشد مَا تستوثق منها! فقلت: وما يمنعني! قَالَ: أما لو كَانَ مكانك رجل أعرفه مَا صبر عَلَيْهَا، فقلت: ومن هُوَ؟ قَالَ: غالب بن صعصعة، قَالَ: فدعوت أهل المربدفقلت: دونكموها- ونثرتها عَلَيْهِم- فَقَالَ لي قائل: الق رداءك يا بن غالب، فألقيته وَقَالَ آخر: ألق قميصك، فألقيته، وقال آخر: الق عمامتك فألقيتها حَتَّى بقيت فِي إزار، فَقَالُوا: ألق إزارك، فقلت: لن ألقيه وأمشي مجردا، إني لست بمجنون فبلغ الخبر زيادا، فأرسل خيلا إِلَى المربد ليأتوه بي، فَجَاءَ رجل من بني الهجيم عَلَى فرس، قَالَ: أتيت فالنجاء! وأردفني خلفه، وركض حَتَّى تغيب، وجاءت الخيل وَقَدْ سبقت، فأخذ زياد عمين لي: ذهيلا والزحاف ابني صعصعة- وكانا فِي الديوان عَلَى ألفين ألفين، وكانا مَعَهُ- فحبسهما فأرسلت إليهما: إن شئتما أتيتكما، فبعثا إلي: لا تقربنا، إنه زياد! وما عسى أن يصنع بنا، ولم نذنب ذنبا! فمكثا أياما ثُمَّ كلم زياد فيهما، فَقَالُوا: شيخان سامعان مطيعان، ليس لهما ذنب مما صنع غلام أعرابي من أهل البادية، فخلي عنهما، فقالا لي: أَخْبَرَنَا بجميع مَا أمرك أبوك من ميرة أو كسوة، فخبرتهما بِهِ أجمع، فاشترياه وانطلقت حَتَّى لحقت بغالب، وحملت ذَلِكَ معي أجمع، فأتيته وَقَدْ بلغه خبري، فسألني: كيف صنعت؟ فأخبرته بِمَا كَانَ، قَالَ: وإنك لتحسن مثل هَذَا! ومسح رأسي ولم يكن يَوْمَئِذٍ يقول الشعر، وإنما قَالَ الشعر بعد ذَلِكَ، فكانت فِي نفس زياد عَلَيْهِ. ثُمَّ وفد الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة، من بني رَبِيعَة بن كعب ابن سَعْد والجون بن قَتَادَة العبشمي والحتات بن يَزِيدَ أَبُو منازل، أحد بني حوي بن سُفْيَان بن مجاشع إِلَى مُعَاوِيَةَ بن أَبِي سُفْيَانَ، فأعطى كل رجل مِنْهُمْ مائة ألف، وأعطى الحتات سبعين ألفا، فلما كَانُوا فِي الطريق سأل بعضهم بعضا، فأخبروه بجوائزهم، فكان الحتات أخذ سبعين ألفا، فرجع إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: مَا ردك يَا أَبَا منازل؟ قَالَ: فضحتني فِي بني تميم،أما حسبي بصحيح! أوَلست ذا سن! أوَلست مطاعا فِي عشيرتي! فَقَالَ مُعَاوِيَة: بلى، قَالَ: فما بالك خسست بي دون القوم! فَقَالَ: إني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إِلَى دينك ورأيك فِي عُثْمَان بن عَفَّانَ- وَكَانَ عثمانيا- فَقَالَ: وأنا فاشتر مني ديني، فأمر لَهُ بتمام جائزة القوم. وطعن فِي جائزته، فحبسها مُعَاوِيَة، فَقَالَ الفرزدق فِي ذَلِكَ: أبوك وعمي يَا معاوي أورثا ... تراثا فيحتاز التراث أقاربه فما بال ميراث الحتات أخذته ... وميراث حرب جامد لك ذائبه! فلو كَانَ هَذَا الأمر فِي جاهلية ... علمت من المرء القليل حلائبه ولو كَانَ فِي دين سوى ذا شنئتم ... لنا حقنا أو غص بالماء شاربه ولو كَانَ إذ كنا وفي الكف بسطة ... لصمم عضب فيك ماض مضاربه - وأنشد مُحَمَّد بن علي وفي الكف مبسط- وَقَدْ رمت شَيْئًا يَا معاوي دونه ... خياطف علود صعاب مراتبه وما كنت أعطى النصف مِنْ غَيْرِ قدرة ... سواك، ولو مالت علي كتائبه ألست أعز الناس قوما وأسرة ... وأمنعهم جارا إذا ضيم جانبه وما ولدت بعد النَّبِيّ وآله ... كمثلي حصان فِي الرجال يقاربه أبي غالب والمرء ناجية الَّذِي ... إِلَى صعصع ينمي، فمن ذا يناسبه! وبيتي إِلَى جنب الثريا فناؤه ... ومن دونه البدر المضيء كواكبه أنا ابن الجبال الصم فِي عدد الحصى ... وعرق الثرى عرقي، فمن ذا يحاسبه!أنا ابن الَّذِي أحيا الوئيد وضامن ... عَلَى الدهر إذ عزت لدهر مكاسبه وكم من أب لي يَا معاوي لم يزل ... أغر يباري الريح مَا ازور جانبه نمته فروع المالكين ولم يكن ... أبوك الَّذِي من عبد شمس يقاربه تراه كنصل السيف يهتز للندى ... كريما يلاقي المجد مَا طر شاربه طويل نجاد السيف مذ كَانَ لَمْ يَكُنْ ... قصي وعبد الشمس ممن يخاطبه فرد ثَلاثِينَ ألفا عَلَى أهله، وكانت أَيْضًا قَدْ أغضبت زيادا عَلَيْهِ. قَالَ: فلما استعدت عَلَيْهِ نهشل وفقيم ازداد عَلَيْهِ غضبا، فطلبه فهرب، فأتى عِيسَى بن خصيلة بن معتب بن نصر بن خَالِد البهزي، ثُمَّ أحد بني سليم، والحجاج بن علاط بن خَالِد السلمي. قَالَ ابن سعد: قَالَ أَبُو عبيدة: فَحَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الفضل بن موسى ابن خصيلة، قَالَ: لما طرد زياد الفرزدق جَاءَ الى عمى عيسى بن خصيله ليلا فَقَالَ: يَا أَبَا خصيلة، إن هَذَا الرجل قَدْ أخافني، وإن صديقي وجميع من كنت أرجو قَدْ لفظوني، وإني قَدْ أتيتك لتغيبني عندك، قَالَ: مرحبا بك! فكان عنده ثلاث ليال، ثُمَّ قَالَ: إنه قَدْ بدا لي أن ألحق بِالشَّامِ، فَقَالَ: مَا أحببت، أن أقمت معي ففي الرحب والسعة، وإن شخصت فهذه ناقة أرحبية أمتعك بِهَا قَالَ: فركب بعد ليل، وبعث عِيسَى مَعَهُ حَتَّى جاوز البيوت، فأصبح وَقَدْ جاوز مسيرة ثلاث ليال، فَقَالَ الفرزدق فِي ذَلِكَ: حباني بِهَا البهزي حملان من أبى ... مِنَ النَّاسِ والجاني تخاف جرائمه ومن كَانَ يَا عِيسَى يونب ضيفه ... فضيفك محبور هني مطاعمه وَقَالَ تعلم أنها أرحبية ... وأن لها الليل الَّذِي أنت جاشمه فأصبحت والملقى ورائي وحنبل ... وما صدرت حَتَّى علا النجم عاتمهتزاور عن أهل الحفير كأنها ... ظليم تباري جنح ليل نعائمه رأت بين عينيها دوية وانجلى ... لها الصبح عن صعل أسيل مخاطمه كأن شراعا فِيهِ مجرى زمامها ... بدجلة إلا خطمه وملاغمه إذا أنت جاوزت الغريين فاسلمي ... وأعرض من فلج ورائي مخارمه وَقَالَ أَيْضًا: تداركني أسباب عِيسَى من الردى ... ومن يك مولاه فليس بواحد وَهِيَ قصيدة طويلة. قَالَ: وبلغ زيادا أنه قَدْ شخص، فأرسل عَلِيّ بن زهدم، أحد بني نولة بن فقيم فِي طلبه. قَالَ أعين: فطلبه فِي بيت نصرانية يقال لها ابنة مرار، من بني قيس ابن ثعلبه تنزل قصيمه كاظمه، قال: فسلته من كسر بيتها، فلم يقدر عَلَيْهِ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ الفرزدق: أتيت ابنة المرار أهبلت تبتغي ... وما يبتغى تحت السوية أمثالي ولكن بغائي لو أردت لقاءنا ... فضاء الصحاري لا ابتغاء بأدغال وقيل: إنها رَبِيعَة بنت المرار بن سلامة العجلي أم أبي النجم الراجز. قَالَ أَبُو عبيدة: قَالَ مسمع بن عَبْد الْمَلِكِ: فأتى الروحاء، فنزل فِي بكر بن وائل، فأمن، فَقَالَ يمدحهم: وَقَدْ مثلت أين المسير فلم تجد ... لفورتها كالحي بكر بن وائل أعف وأوفى ذمة يعقدونها ... إذا وازنت شم الذرا بالكواهلوهي قصيده طويله ومدحهم بقصائد اخر غيرها. قَالَ: فكان الفرزدق إذا نزل زياد الْبَصْرَة نزل الْكُوفَة، وإذا نزل زياد الْكُوفَة نزل الفرزدق الْبَصْرَة، وَكَانَ زياد ينزل الْبَصْرَة ستة أشهر والكوفة ستة أشهر، فبلغ زيادا اما صنع الفرزدق، فكتب إِلَى عامله عَلَى الْكُوفَة عبد الرحمن ابن عبيد: إنما الفرزدق فحل الوحوش يرعى القفار، فإذا ورد عَلَيْهِ الناس ذعر ففارقهم إِلَى أرض أخرى فرتع، فاطلبه حَتَّى تظفر بِهِ قَالَ الفرزدق: فطلبت أشد طلب، حَتَّى جعل من كَانَ يؤويني يخرجني من عنده، فضاقت علي الأرض، فبينا أنا ملفف رأسي فِي كسائي عَلَى ظهر الطريق، إذ مر بي الَّذِي جَاءَ فِي طلبي، فلما كَانَ الليل أتيت بعض أخوالي من بني ضبة وعندهم عرس- ولم أكن طعمت قبل ذَلِكَ طعاما، فقلت: آتيهم فأصيب من الطعام- قَالَ: فبينا أنا قاعد إذ نظرت إِلَى هادي فرس وصدر رمح قَدْ جاوز باب الدار داخلا إلينا، فقاموا إِلَى حائط قصب فرفعوه، فخرجت مِنْهُ، وألقوا الحائط فعاد مكانه، ثُمَّ قَالُوا: مَا رأيناه، وبحثوا ساعة ثُمَّ خرجوا، فلما أصبحنا جاءوني فَقَالُوا: أخرج إِلَى الحجاز عن جوار زياد لا يظفر بك، فلو ظفر بك البارحة أهلكتنا، وجمعوا ثمن راحلتين، وكلموا لي مقاعسا احد بنى تيم الله ابن ثعلبة- وَكَانَ دليلا يسافر للتجار- قَالَ: فخرجنا إِلَى بانقيا حَتَّى انتهينا إِلَى بعض القصور الَّتِي تنزل، فلم يفتح لنا الباب، فألقينا رحالنا إِلَى جنب الحائط والليلة مقمرة، فقلت: يَا مقاعس، أرأيت إن بعث زياد بعد مَا نصبح إِلَى العتيق رجالا، أيقدرون علينا؟ قَالَ: نعم، يرصدوننا- ولم يكونوا جاوزوا العتيق وَهُوَ خندق كَانَ للعجم- قَالَ: فقلت: مَا تقول العرب؟ قَالَ: يقولون: أمهله يَوْمًا وليلة ثُمَّ خذه فارتحل، فَقَالَ إني أخاف السباع، فقلت: السباع أهون من زياد، فارتحلنا لا نرى شَيْئًا إلا خلفناه، ولزمنا شخص لا يفارقنا، فقلت: يَا مقاعس، أترى هَذَا الشخص! لم نمرربشيء إلا جاوزناه غيره، فإنه يسايرنا منذ الليلة قَالَ: هَذَا السبع، قَالَ: فكأنه فهم كلامنا، فتقدم حَتَّى ربض عَلَى متن الطريق، فلما رأينا ذَلِكَ نزلنا فشددنا أيدي ناقتينا بثنايين وأخذت قوسي وَقَالَ مقاعس: يَا ثعلب، أتدري ممن فررنا إليك؟ من زياد، فأحصب بذنبه حَتَّى غشينا غباره وغشي ناقتينا، قَالَ: فقلت: أرميه، فَقَالَ: لا تهجه، فإنه إذا أصبح ذهب، قَالَ: فجعل يرعد ويبرق ويزئر، ومقاعس يتوعده حَتَّى انشق الصبح، فلما رآه ولى، وأنشأ الفرزدق يقول: مَا كنت أحسبني جبانا بعد مَا ... لاقيت ليلة جانب الأنهار ليثا كأن عَلَى يديه رحالة ... شثن البراثن مؤجد الأظفار لما سمعت لَهُ زمازم أجهشت ... نفسي إلي وقلت أين فراري! وربطت جروتها وقلت لها اصبري ... وشددت فِي ضيق المقام إزاري فلأنت أهون من زياد جانبا ... إذهب إليك مخرم الأسفار قَالَ ابن سعد: قَالَ أَبُو عبيدة: فَحَدَّثَنِي أعين بن لبطة، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عن شبث بن ربعي الرياحي، قَالَ: فأنشدت زيادا هَذِهِ الأبيات فكأنه رق لَهُ، وَقَالَ: لو أتاني لآمنته وأعطيته، فبلغ ذَلِكَ الفرزدق، فَقَالَ: تذكر هَذَا القلب من شوقه ذكرا ... تذكر شوقا ليس ناسيه عصرا تذكر ظمياء الَّتِي ليس ناسيا ... وإن كَانَ أدنى عهدها حججا عشرا وما مغزل بالغور غور تهامة ... ترعى أراكا فِي منابته نضرا من الادم حواء المدامع ترعوى ... الى رشاء طفل تخال بِهِ فتراأصابت بوادي الولولان حبالة ... فما استمسكت حَتَّى حسبن بِهَا نفرا بأحسن من ظمياء يوم تعرضت ... وَلا مزنة راحت غمامتها قصرا وكم دونها من عاطف فِي صريمة ... وأعداء قوم ينذرون دمي نذرا! إذا أوعدوني عِنْدَ ظمياء ساءها ... وعيدي وقالت لا تقولوا لَهُ هجرا دعاني زياد للعطاء ولم أكن ... لآتيه مَا ساق ذو حسب وفرا وعند زياد لو يريد عطاءهم ... رجال كثير قَدْ يري بهم فقرا قعود لدى الأبواب طلاب حاجة ... غوان من الحاجات أو حاجة بكرا فلما خشيت أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا نميت إِلَى حرف أضر بنيها ... سرى الليل واستعراضها البلد القفرا تنفس فِي بهو من الجوف واسع ... إذا مد حيزوما شراسيفها الضفرا تراها إذا صام النهار كأنما ... تسامي فنيقا أو تخالسه خطرا تخوض إذا صاح الصدى بعد هجعة ... من الليل ملتجا غياطله خضرا فإن أعرضت زوراء أو شمرت بِهَا ... فلاة ترى منها مخارمها غبرا تعادين عن صهب الحصى وكأنما ... طحن بِهِ من كل رضراضة جمرا وكم من عدو كاشح قَدْ تجاوزت ... مخافته حتى تكون لها جسرا يوم بِهَا الموماة من لا يرى لَهُ ... إِلَى ابن أبي سُفْيَان جاها وَلا عذرا وَلا تعجلاني صاحبي فربما ... سبقت بورد الماء غادية كدرا وحضنين من ظلماء ليل سريته ... بأغيد قَدْ كَانَ النعاس لَهُ سكرا رماه الكرى فِي الرأس حَتَّى كأنه ... أميم جلاميد تركن بِهِ وقرا من السير والإدلاج تحسب أنما ... سقاه الكرى فِي كل منزلة خمرا جررنا وفديناه حَتَّى كأنما ... يرى بهوادي الصبح قنبلة شقراقال: فمضينا وقد منا الْمَدِينَة وسعيد بن الْعَاصِ بن أُمَيَّة عَلَيْهَا، فكان فِي جنازة، فتبعته فوجدته قاعدا والميت يدفن حَتَّى قمت بين يديه، فقلت: هَذَا مقام العائذ من رجل لم يصب دما وَلا مالا! فَقَالَ: قَدْ أجرت إن لم تكن أصبت دما وَلا مالا، وَقَالَ: من أنت؟ قلت: أنا همام بن غالب بن صعصعة، وَقَدْ أثنيت عَلَى الأمير، فإن رَأَى أن يأذن لي فأسمعه فليفعل، قَالَ: هات، فأنشدته: وكوم تنعم الأضياف عينا ... وتصبح فِي مباركها ثقالا حَتَّى أتيت إِلَى آخرها، قَالَ: فَقَالَ مَرْوَان: قعودا ينظرون إِلَى سَعِيد. قلت: وَاللَّهِ إنك لقائم يَا أَبَا عَبْد الْمَلِكِ. قَالَ: وَقَالَ كعب بن جعيل: هَذِهِ وَاللَّهِ الرؤيا الَّتِي رأيت البارحة، قَالَ سَعِيد: وما رأيت؟ قَالَ: رأيت كأني أمشي فِي سكة من سكك المدينة، فإذا انا بابن قتره فِي جحر، فكأنه أراد أن يتناولني، فاتقيته، قَالَ: فقام الحطيئة فشق مَا بين رجلين حَتَّى تجاوز إلي، فَقَالَ: قل مَا شئت فقد أدركت من مضى، وَلا يدركك من بقي وَقَالَ لسعيد: هَذَا وَاللَّهِ الشعر، لا يعلل بِهِ منذ الْيَوْم قَالَ: فلم نزل بِالْمَدِينَةِ مرة وبمكة مرة وَقَالَ الفرزدق فِي ذَلِكَ: أَلا من مبلغ عني زيادا ... مغلغلة يخب بِهَا البريد بأني قَدْ فررت إِلَى سَعِيد ... وَلا يسطاع مَا يحمي سَعِيد فررت اليه من ليث هزبر ... تفادى عن فريسته الأسود فإن شئت انتسبت إِلَى النصارى ... وان شئت انتسبت الى اليهودوإن شئت انتسبت إِلَى فقيم ... وناسبني وناسبت القرود ويروى: وناسبنى وناسبت اليهود. ... وأبغضهم إلي بنو فقيم ولكن سوف آتي مَا تريد وَقَالَ أَيْضًا: أتاني وعيد من زياد فلم أنم ... وسيل اللوى دوني فهضب التهائم فبت كأني مشعر خيبرية ... سرت فِي عظامي او سمام الاراقم زياد بن حرب لن أظنك تاركي ... وذا الضغن قَدْ خشمته غير ظالم قَالَ: وأنشدنيه عَمْرو: وبالضغن قَدْ خشمتني غير ظالم. ... وَقَدْ كافحت مني العراق قصيدة رجوم مع الماضي رءوس المخارم ... خفيفة أفواه الرواة ثقيلة عَلَى قرنها نزالة بالمواسم وَهِيَ طويلة فلم نزل بين مكة والمدينة حَتَّى هلك زياد. وفي هَذِهِ السنة كَانَتْ وفاة الحكم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ بمرو منصرفه من غزوة أهل جبل الأشل .