Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

الخريت بن راشد واظهاره الخلاف على على

الخريت بن راشد واظهاره الخلاف على على

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

2 books · 3 entries
Research data and provenancethin dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
thin
Source entries
3
Strong identity entries
0
Chronology hints
0
Attribute hints
0
Relation hints
0
Assessment hints
0
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

2 books · 3 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

3 exact linked passages0 legacy full passages0 assessment hints0 assessment snippets

ابن جرير الطبري - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 2574, entry [536]32,781 chars
    الخريت بن راشد واظهاره الخلاف على على ومما كَانَ فِي هَذِهِ السنة- أعني سنة ثمان وثلاثين- إظهار الخريت بن راشد فِي بني ناجية الخلاف عَلَى علي وفراقه إِيَّاهُ، كالذي ذكر هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف، عن الْحَارِث الأَزْدِيّ، عن عمه عَبْد اللَّهِ بن فقيم، قَالَ: جَاءَ الخريت بن راشد الى على- وكان …
    ▸ expand full passage (32,781 chars)
    الخريت بن راشد واظهاره الخلاف على على ومما كَانَ فِي هَذِهِ السنة- أعني سنة ثمان وثلاثين- إظهار الخريت بن راشد فِي بني ناجية الخلاف عَلَى علي وفراقه إِيَّاهُ، كالذي ذكر هِشَام بن مُحَمَّدٍ، عن أبي مخنف، عن الْحَارِث الأَزْدِيّ، عن عمه عَبْد اللَّهِ بن فقيم، قَالَ: جَاءَ الخريت بن راشد الى على- وكان مع الخريت ثلاثمائة رجل من بني ناجية مقيمين مع علي بالكوفة، قدموا مَعَهُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وكانوا قَدْ خرجوا إِلَيْهِ يوم الجمل، وشهدوا مَعَهُ صفين والنهروان- فَجَاءَ إِلَى علي فِي ثَلاثِينَ راكبا من أَصْحَابه يسير بينهم حَتَّى قام بين يدي علي، فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا علي لا أطيع أمرك، وَلا أصلي خلفك، وإني غدا لمفارقك وَذَلِكَ بعدتحكيم الحكمين [فَقَالَ لَهُ علي: ثكلتك أمك! إذا تعصي ربك، وتنكث عهدك، وَلا تضر إلا نفسك خبرني لم تفعل ذَلِكَ؟ قَالَ: لأنك حكمت فِي الكتاب، وضعفت عن الحق إذ جد الجد، وركنت إِلَى القوم الَّذِينَ ظلموا أنفسهم، فأنا عَلَيْك زار، وعليهم ناقم، ولكم جميعا مباين. فَقَالَ لَهُ علي: هلم أدارسك الكتاب، وأناظرك فِي السنن، وأفاتحك أمورا من الحق أنا أعلم بِهَا مِنْكَ، فلعلك تعرف مَا أنت لَهُ الآن منكر، وتستبصر مَا أنت عنه الآن جاهل قَالَ: فإني عائد إليك، قَالَ: لا يستهوينك الشَّيْطَان، وَلا يستخفنك الجهل، وو الله لَئِنِ استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني لأهدينك سبيل الرشاد] . فخرج من عنده منصرفا إِلَى أهله، فعجلت فِي أثره مسرعا وَكَانَ لي من بني عمه صديق، فأردت أن ألقى ابن عمه ذَلِكَ فأعلمه بشأنه، ويأمره بطاعة أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ومناصحته، ويخبره أن ذَلِكَ خير لَهُ فِي عاجل الدُّنْيَا وآجل الآخرة فخرجت حَتَّى انتهيت إِلَى منزله وَقَدْ سبقني، فقمت عِنْدَ باب داره، وفي داره رجال من أَصْحَابه لم يكونوا شهدوا مَعَهُ دخوله عَلَى علي. قال: فو الله مَا جزم شَيْئًا مما قَالَ، ومما رد عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: يَا هَؤُلاءِ، إني قَدْ رأيت أن أفارق هَذَا الرجل، وَقَدْ فارقته عَلَى أن أرجع إِلَيْهِ من غد، وَلا أراني إلا مفارقه من غد فَقَالَ لَهُ أكثر أَصْحَابه: لا تفعل حَتَّى تأتيه، فإن أتاك بأمر تعرفه قبلت مِنْهُ، وإن كَانَتِ الأخرى فما أقدرك عَلَى فراقه. فَقَالَ لَهُمْ: فنعم مَا رأيتم قَالَ: ثُمَّ إني استأذنت عَلَيْهِ، فأذنوا لي، فدخلت فقلت: أنشدك اللَّه أن تفارق أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، وجماعة الْمُسْلِمِينَ، وأن تجعل عَلَى نفسك سبيلا، وأن تقتل من أَرَى من عشيرتك! أن عَلِيًّا لعلى الحق. قَالَ: فأنا أغدو إِلَيْهِ فأسمع مِنْهُ حجته، وأنظر مَا يعرض علي بِهِ ويذكر، فإن رأيت حقا ورشدا قبلت، وإن رأيت غيا وجورا تركت قَالَ: فخلوت بابن عمه ذَلِكَ- قَالَ: وَكَانَ أحد نفره الأدنين، وَهُوَ مدرك بن الريان، وَكَانَ من رجال العرب- فقلت لَهُ: إن لك علي حقا لإخائك وودك ذَلِكَ عليبعد حق المسلم عَلَى المسلم إن ابن عمك كَانَ مِنْهُ مَا قَدْ ذكر لك، فأجد بِهِ، فاردد عَلَيْهِ رأيه، وعظم عَلَيْهِ مَا أتى، فإني خائف إن فارق أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أن يقتله نفسه وعشيرته فَقَالَ: جزاك اللَّه خيرا من أخ! فقد نصحت وأشفقت، إن أراد صاحبي فراق أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فارقته وخالفته، وكنت أشد الناس عَلَيْهِ. وأنا بعد فإني خال بِهِ، ومشير عَلَيْهِ بطاعة أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ومناصحته والإقامة مَعَهُ، وفي ذَلِكَ حظه ورشده. فقمت من عنده، وأردت الرجوع إِلَى أَمِير المؤمنين لا علمه بِالَّذِي كَانَ، ثُمَّ اطمأننت إِلَى قول صاحبي، فرجعت إِلَى منزلي فبت بِهِ ثُمَّ أصبحت، فلما ارتفع الضحى أتيت أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، فجلست عنده ساعة وأنا أريد أن أحدثه بِالَّذِي كَانَ من قوله لي عَلَى خلوة، فأطلت الجلوس، فلم يزدد الناس إلا كثرة، فدنوت منه، فجلست وراءه، فاصغى الى باذنيه، فخبرته بِمَا سمعت من الخريت بن راشد، وبما قلت لَهُ، وبما رد علي، وبما كَانَ من مقالتي لابن عمه، وبما رد علي، فَقَالَ: دعه، فإن عرف الحق واقبل إِلَيْهِ عرفنا ذَلِكَ وقبلنا مِنْهُ، وإن أبى طلبناه فقلت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ولم لا تأخذه الآن وتستوثق مِنْهُ وتحبسه؟ فَقَالَ: إنا لو فعلنا هَذَا بكل من نتهمه مِنَ النَّاسِ ملأنا سجننا مِنْهُمْ، وَلا أراه- يعني الوثوب عَلَى الناس والحبس والعقوبة- حَتَّى يظهروا لنا الخلاف قَالَ: فسكت عنه، وتنحيت، فجلست مع القوم. ثُمَّ مكث مَا شاء اللَّه ثُمَّ إنه قَالَ: ادن مني، فدنوت مِنْهُ، فَقَالَ لي مسرا: اذهب إِلَى منزل الرجل فاعلم لي مَا فعل، فإنه كل يوم لَمْ يَكُنْ يأتيني فِيهِ إلا قبل هَذِهِ الساعة فأتيت منزله، فإذا ليس فِي منزله مِنْهُمْ ديار، فدعوت عَلَى أبواب دور أخرى كَانَ فِيهَا طائفة من أَصْحَابه، فإذا ليس فِيهَا داع وَلا مجيب، فرجعت فَقَالَ لي حين رآني: وطنوا فأمنوا، أم جنبوا فظعنوا! [فقلت: بل ظعنوا فأعلنوا، فَقَالَ: قَدْ فعلوها! بعدا لَهُمْ كما بعدت ثمود! أما لو قَدْ أشرعت لَهُمُ الأسنة وصببت عَلَى هامهم السيوف،لقد ندموا أن الشَّيْطَان الْيَوْم قَدِ استهواهم وأضلهم، وهو غدا متبرئ منهم، ومخل عَنْهُمْ] . فقام إِلَيْهِ زياد بن خصفة، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنه لو لَمْ يَكُنْ من مضرة هَؤُلاءِ إلا فراقهم إيانا لم يعظم فقدهم فنأسى عَلَيْهِم، فإنهم قلما يزيدون فِي عددنا لو أقاموا معنا، وقلما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا، ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عَلَيْهِ من أهل طاعتك، فأذن لي فِي اتباعهم حَتَّى أردهم عَلَيْك إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ علي: وهل تدري أين توجه القوم؟ فَقَالَ: لا، ولكني أخرج فأسأل وأتبع الأثر. فَقَالَ لَهُ: اخرج رحمك اللَّه حَتَّى تنزل دير أبي مُوسَى، ثم لا تتوجه حَتَّى يأتيك أمري، فإنهم إن كَانُوا خرجوا ظاهرين لِلنَّاسِ فِي جماعة، فإن عمالي ستكتب إلي بِذَلِكَ، وإن كَانُوا متفرقين مستخفين فذلك أخفى لَهُمْ، وسأكتب إِلَى عمالي فِيهِمْ فكتب نسخة واحدة فأخرجها إِلَى العمال: أَمَّا بَعْدُ، فإن رجالا خرجوا هرابا ونظنهم وجهوا نحو بلاد الْبَصْرَة، فسل عَنْهُمْ أهل بلادك، واجعل عَلَيْهِم العيون فِي كل ناحية من أرضك، واكتب إلي بِمَا ينتهي إليك عَنْهُمْ، والسلام. فخرج زياد بن خصفة حَتَّى أتى داره، وجمع أَصْحَابه، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا معشر بكر بن وائل، فإن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ندبني لأمر من أمره مهم لَهُ، وأمرني بالانكماش فِيهِ، وَأَنْتُمْ شيعته وأنصاره، وأوثق حي من الأحياء فِي نفسه، فانتدبوا معى الساعة، واعجلوا. قال: فو الله مَا كَانَ إلا ساعة حَتَّى اجتمع لَهُ مِنْهُمْ مائة وعشرون رجلا أو ثلاثون، فَقَالَ: اكتفينا، لا نريد أكثر من هَذَا، فخرجوا حَتَّى قطعوا الجسر، ثُمَّ دير أبي مُوسَى، فنزله، فأقام فِيهِ بقية يومه ذَلِكَ ينتظر أمر أَمِير الْمُؤْمِنِينَقَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي أَبُو الصلت الأعور التيمي، عن أبي سَعِيد العقيلي، عن عَبْد اللَّهِ بن وأل التيمي، قَالَ: وَاللَّهِ إني لعند أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إذ جاءه فيج، كتاب بيديه، من قبل قرظة بن كعب الأَنْصَارِيّ: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني أخبر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أن خيلا مرت بنا من قبل الْكُوفَة متوجهة نحو نفر، وإن رجلا من دهاقين أسفل الفرات قَدْ صلى يقال لَهُ: زاذان فروخ، أقبل من قبل أخواله بناحية نفر، فعرضوا لَهُ، فَقَالُوا: أمسلم أنت أم كافر؟ فَقَالَ: بل أنا مسلم، قَالُوا: فما قولك فِي علي؟ قَالَ: أقول فِيهِ خيرا، أقول: إنه أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، وسيد البشر، فَقَالُوا لَهُ: كفرت يَا عدو اللَّه! ثُمَّ حملت عَلَيْهِ عصابة مِنْهُمْ فقطعوه، ووجدوا معه رجلا من أهل الذمة، فَقَالُوا: مَا أنت؟ قَالَ: رجل من أهل الذمة، قَالُوا: أما هَذَا فلا سبيل عَلَيْهِ، فأقبل إلينا ذَلِكَ الذمي فأخبرنا هَذَا الخبر، وَقَدْ سألت عَنْهُمْ فلم يخبرني أحد عَنْهُمْ بشيء، فليكتب إلي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ برأيه فِيهِمْ أنته إِلَيْهِ والسلام. فكتب إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فقد فهمت مَا ذكرت من العصابة الَّتِي مرت بك فقتلت البر المسلم، وأمن عندهم المخالف الكافر، وإن أُولَئِكَ قوم استهواهم الشَّيْطَان فضلوا وكانوا كالذين حسبوا الا تكون فتنة فعموا وصموا، فأسمع بهم وأبصر يوم تخبر أعمالهم والزم عملك، وأقبل عَلَى خراجك فإنك كما ذكرت فِي طاعتك ونصيحتك، والسلام قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي أَبُو الصلت الأعور التيمي عن أبي سَعِيد العقيلي، عن عَبْد اللَّهِ بن وأل، قَالَ: كتب علي ع معي كتابا إِلَى زياد بن خصفة، وأنا يَوْمَئِذٍ شاب حدث: أَمَّا بَعْدُ، فإني كنت أمرتك أن تنزل دير أبي مُوسَى حَتَّى يأتيك أمري وَذَلِكَ لأني لم أكن علمت إِلَى أي وجه توجه القوم، وَقَدْ بلغني أَنَّهُمْ أخذوا نحو قرية يقال لها نفر، فاتبع آثارهم، وسل عَنْهُمْ، فإنهم قَدْ قتلوا رجلا من أهلالسواد مصليا، فإذا أنت لحقتهم فارددهم إلي، فإن أبوا فناجزهم، واستعن بِاللَّهِ عَلَيْهِم، فإنهم قَدْ فارقوا الحق، وسفكوا الدم الحرام، وأخافوا السبيل والسلام. [قَالَ: فأخذت الكتاب مِنْهُ، فمضيت بِهِ غير بعيد، ثُمَّ رجعت بِهِ، فقلت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلا أمضي مع زياد بن خصفة إذا دفعت إِلَيْهِ كتابك إِلَى عدوك؟ فقال: يا بن أخي، افعل، فو الله إني أرجو أن تكون من أعواني عَلَى الحق، وأنصاري عَلَى القوم الظالمين، فقلت لَهُ: أنا وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كذلك ومن أُولَئِكَ، وأنا حَيْثُ تحب] . قَالَ ابن وأل: فو الله مَا أحب أن لي بمقالة علي تِلَكَ حمر النعم. قَالَ: ثُمَّ مضيت إِلَى زياد بن خصفة بكتاب علي وأنا عَلَى فرس لي رائع كريم، وعلي السلاح، فَقَالَ لي زياد: يا بن أخي، وَاللَّهِ مَا لي عنك من غناء، وإني لأحب أن تكون معي فِي وجهي هَذَا، فقلت لَهُ: قَدِ استأذنت فِي ذَلِكَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فأذن لي، فسر بِذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ خرجنا حَتَّى أتينا نفر، فسألنا عَنْهُمْ، فقيل لنا: قَدِ ارتفعوا نحو جرجرايا، فأتبعناهم، فقيل لنا: قَدْ أخذوا نحو المذار، فلحقناهم وهم نزول بالمذار، وَقَدْ أقاموا بِهِ يَوْمًا وليلة، وَقَدِ استراحوا وأعلفوا وهم جامون، فأتيناهم وَقَدْ تقطعنا ولغبنا وشقينا ونصبنا، فلما رأونا وثبوا عَلَى خيولهم فاستووا عَلَيْهَا، وجئنا حَتَّى انتهينا إِلَيْهِم، فواقفناهم، ونادانا صاحبهم الخريت بن راشد: يَا عميان القلوب والأبصار، أمع اللَّه أنتم وكتابه وسنة نبيه، أم مع الظالمين؟ فَقَالَ لَهُ زياد بن خصفة: بل نحن مع اللَّه ومن اللَّه وكتابه ورسوله آثر عنده ثوابا من الدُّنْيَا منذ خلقت إِلَى يوم تفنى، أيها العمي الأبصار، الصم القلوب والأسماع فَقَالَ لنا: أخبروني مَا تريدون؟ فَقَالَ لَهُ زياد- وَكَانَ مجربا رفيقا: قَدْ ترى مَا بنا من اللغوب والسغوب، والذي جئنا لَهُ لا يصلحه الكلام علانية عَلَى رءوس أَصْحَابي وأَصْحَابك، ولكن أنزل وتنزل، ثُمَّ نخلو جميعا فنتذاكر أمرنا هَذَا جميعا وننظر، فإنرأيت مَا جئناك فِيهِ حظا لنفسك قبلته، وإن رأيت فِيمَا أسمعه مِنْكَ أمرا أرجو فِيهِ العافية لنا ولك لم أردده عَلَيْك قَالَ: فانزل بنا، قَالَ: فأقبل إلينا زياد فَقَالَ: انزلوا بنا عَلَى هَذَا الماء، قَالَ: فأقبلنا حَتَّى إذا انتهينا إِلَى الماء، نزلناه فما هُوَ إلا أن نزلنا فتفرقنا، ثُمَّ تحلقنا من عشرة وتسعة وثمانية وسبعة، يضعون طعامهم بين أيديهم فيأكلون، ثُمَّ يقومون إِلَى ذَلِكَ الماء فيشربون وَقَالَ لنا زياد: علقوا على خيولكم، فعلقنا عليها مخاليها، ووقف زياد بيننا وبين القوم، وانطلق القوم فتنحوا ناحية، ثُمَّ نزلوا، وأقبل إلينا زياد، فلما رَأَى تفرقنا وتحلقنا قَالَ: سبحان اللَّه، أنتم هل حرب؟ وَاللَّهِ لو أن هَؤُلاءِ جاءوكم الساعة عَلَى هَذِهِ الحال مَا أرادوا من غيركم أفضل من حالكم الَّتِي أنتم عَلَيْهَا. اعجلوا، قوموا إِلَى خيلكم، فأسرعنا، فتحشحشنا فمنا من يتنفض، ثُمَّ يتوضأ، ومنا من يشرب، ومنا من يسقي فرسه، حَتَّى إذا فرغنا من ذَلِكَ كله، أتانا زياد وفي يده عرق ينهشه، فنهش مِنْهُ نهشتين أو ثلاثا، وأتى بإداوة فِيهَا ماء، فشرب مِنْهُ، ثُمَّ ألقى العرق من يده ثُمَّ قَالَ: يَا هَؤُلاءِ، انا قد لقينا القوم، وو الله إن عدتكم كعدتهم، وَلَقَدْ حزرتكم وإياهم فما أظن أحد الفريقين يَزِيد عَلَى الآخر بخمسة نفر، وإني وَاللَّهِ مَا أَرَى أمرهم وأمركم إلا يرجع إِلَى القتال، فإن كَانَ إِلَى ذَلِكَ مَا يصير بكم وبهم الأمور فلا تكونوا أعجز الفريقين ثُمَّ قَالَ لنا: ليأخذ كل امرئ مِنْكُمْ بعنان فرسه حَتَّى أدنو منهم، وادعوا إلي صاحبهم فأكلمه، فإن بايعني عَلَى مَا أريد وإلا فإذا دعوتكم فاستووا عَلَى متون الخيل، ثُمَّ أقبلوا إلي معا غير متفرقين. قَالَ: فاستقدم أمامنا وأنا مَعَهُ، فأسمع رجلا من القوم يقول: جاءكم القوم وهم كالون معيون، وَأَنْتُمْ جامون مستريحون، فتركتموهم حَتَّى نزلوا وأكلوا وشربوا واستراحوا، هَذَا وَاللَّهِ سوء الرأي! وَاللَّهِ لا يرجع الأمر بكم وبهم إلا إِلَى القتال فسكتوا، وانتهينا إِلَيْهِم، فدعا زياد بن خصفة صاحبهم، فَقَالَ: اعتزل بنا فلننظر في امرنا هذا، فو الله لقد أقبل إلي زياد فِي خمسة، فقلت لزياد: ادع ثلاثة من أَصْحَابنا حَتَّى نلقاهم فِي عدتهم، فَقَالَ لي: ادع منأحببت مِنْهُمْ، فدعوت من أَصْحَابنا ثلاثا، فكنا خمسة وخمسة فَقَالَ لَهُ زياد: مَا الَّذِي نقمت عَلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وعلينا إذ فارقتنا؟ فَقَالَ: لم أرض صاحبكم إماما، ولم أرض سيرتكم سيرة، فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إِلَى الشورى مِنَ النَّاسِ، فإذا اجتمع الناس عَلَى رجل لجميع الأمة رضا كنت مع الناس فَقَالَ لَهُ زياد: ويحك! وهل يجتمع الناس عَلَى رجل مِنْهُمْ يداني صاحبك الَّذِي فارقته علما بِاللَّهِ وبسنن اللَّه وكتابه، مع قرابته من الرسول ص وسابقته فِي الإِسْلام! فَقَالَ لَهُ: ذَلِكَ مَا أقول لك، فَقَالَ لَهُ زياد: ففيم قتلت ذَلِكَ الرجل المسلم؟ قَالَ: مَا أنا قتلته، إنما قتلته طائفة من أَصْحَابي، قَالَ: فادفعهم إلينا، قَالَ: مَا إِلَى ذَلِكَ سبيل، قَالَ: كذلك أنت فاعل؟ قَالَ: هُوَ مَا تسمع، قَالَ: فدعونا أَصْحَابنا ودعا أَصْحَابه، ثُمَّ أقبلنا، فو الله مَا رأينا قتالا مثله منذ خلقني ربي، قَالَ: اطّعنَا وَاللَّهِ بالرماح حَتَّى لم يبق فِي أيدينا رمح، ثُمَّ اضطربنا بالسيوف حَتَّى انحنت وعقر عامة خيلنا وخيلهم، وكثرت الجراح فِيمَا بيننا وبينهم، وقتل منا رجلان: مولى زياد كَانَتْ مَعَهُ رايته يدعى سويدا ورجل من الأبناء يدعى وافد بن بكر، وصرعنا مِنْهُمْ خمسة، وجاء الليل يحجز بيننا وبينهم، وَقَدْ وَاللَّهِ كرهونا وكرهناهم، وَقَدْ جرح زياد وجرحت. قَالَ: ثُمَّ إن القوم تنحوا وبتنا فِي جانب، فمكثوا ساعة من الليل، ثُمَّ انهم ذهبوا واتبعناهم حَتَّى أتينا الْبَصْرَة، وبلغنا أَنَّهُمْ أتوا الأهواز، فنزلوا بجانب منها، وتلاحق بهم أناس من أَصْحَابهم نحو من مائتين كَانُوا معهم بالكوفة، ولم يكن لَهُمْ من القوة مَا ينهضهم معهم حَتَّى نهضوا فاتبعوهم فلحقوهم بأرض الأهواز، فأقاموا معهم وكتب زياد بن خصفة إِلَى علي: أَمَّا بَعْدُ، فإنا لقينا عدو اللَّه الناجي بالمذار، فدعوناهم إِلَى الهدى والحق وإلى كلمة السواء، فلم ينزلوا عَلَى الحق، وأخذتهم العزة بالإثم، وزين لَهُمُ الشَّيْطَان أعمالهم فصدهم عن السبيل، فقصدوا لنا، وصمدنا صمدهم، فاقتتلنا قتالا شديدا مَا بين قائم الظهيرة إِلَى دلوك الشمس، فاستشهد منا رجلان صالحان، وأصيب مِنْهُمْ خمسة نفر، وخلوا لنا المعركة،وَقَدْ فشت فينا وفيهم الجراح ثُمَّ إن القوم لما لبسهم الليل خرجوا من تحته متنكبين إِلَى أرض الأهواز، فبلغنا أَنَّهُمْ نزلوا منها جانبا ونحن بِالْبَصْرَةِ نداوي جراحنا، وننتظر أمرك رحمك اللَّه، والسلام عَلَيْك. فلما أتيته بكتابه قرأه عَلَى الناس، فقام إِلَيْهِ معقل بن قيس، فَقَالَ: أصلحك اللَّه يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إنما كَانَ ينبغي أن يكون مع من يطلب هَؤُلاءِ مكان كل رجل مِنْهُمْ عشرة مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فإذا لحقوهم استأصلوهم وقطعوا دابرهم، فأما أن يلقاهم أعدادهم فلعمري ليصبرن لَهُمْ، هم قوم عرب، والعدة تصبر للعدة، وتنتصف منها فَقَالَ: تجهز يَا معقل بن قيس إِلَيْهِم وندب مَعَهُ ألفين من أهل الْكُوفَة مِنْهُمْ يَزِيد بن المغفل الأَزْدِيّ وكتب إِلَى ابن عَبَّاس: أَمَّا بَعْدُ، فابعث رجلا من قبلك صليبا شجاعا معروفا بالصلاح فِي ألفي رجل، فليتبع معقلا، فإذا مر ببلاد الْبَصْرَة فهو أَمِير أَصْحَابه حَتَّى يلقى معقلا، فإذا لقي معقلا فمعقل أَمِير الفريقين، وليسمع من معقل وليطعه، وَلا يخالفه، ومر زياد بن خصفة فليقبل، فنعم المرء زياد، ونعم القبيل قبيله! قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي أَبُو الصلت الأعور، عن أبي سَعِيد العقيلي، قَالَ: كتب علي إِلَى زياد بن خصفة: أَمَّا بَعْدُ، فقد بلغني كتابك، وفهمت مَا ذكرت من أمر الناجي وإخوانه الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، * وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ* فَهُمْ يَعْمَهُونَ، ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، ووصفت مَا بلغ بك وبهم الأمر، فأما أنت وأَصْحَابك فلله سعيكم، وعلى اللَّه تعالى جزاؤكم! فأبشر بثواب اللَّه خير من الدُّنْيَا الَّتِي يقتل الجهال أنفسهم عَلَيْهَا، فإن مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وأما عدوكم الَّذِينَ لقيتموهم فحسبهم بخروجهم من الهدى إِلَى الضلال، وارتكابهم فِيهِ، وردهم الحق، ولجاجهم فِي الْفِتْنَة، فذرهم وما يفترون، ودعهم فِي طغيانهم يعمهون، فتسمع وتبصر، كأنكبهم عن قليل بين أسير وقتيل أقبل إلينا أنت وأَصْحَابك مأجورين، فقد أطعتم وسمعتم، وأحسنتم البلاء، والسلام. ونزل الناجي جانبا من الأهواز، واجتمع إِلَيْهِ علوج من أهلها كثير أرادوا كسر الخراج، ولصوص كثيرة، وطائفة أخرى من العرب ترى رأيه. حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَمَّا قَتَلَ على ع أَهْلَ النَّهْرَوَانِ، خَالَفَهُ قَوْمٌ كَثِيرٌ، وَانْتَقَضَتْ عَلَيْهِ أَطْرَافُهُ، وَخَالَفَهُ بَنُو نَاجِيَةَ، وَقَدِمَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ الْبَصْرَةَ، وَانْتَقَضَ أَهْلُ الأَهْوَازِ، وَطَمِعَ أَهْلُ الْخَرَاجِ فِي كَسْرِهِ، ثُمَّ أَخْرَجُوا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ مِنْ فَارِسَ، وَكَانَ عَامِلَ عَلِيٍّ عَلَيْهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعَلِيٍّ: أَكْفِيكَ فَارِسَ بِزِيَادٍ، فَأَمَرَهُ عَلِيٌّ أَنْ يُوَجِّهَهُ إِلَيْهَا، فَقَدِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْبَصْرَةَ، وَوَجَّهَهُ إِلَى فَارِسَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَوَطِئَ بِهِمْ أَهْلَ فَارِسَ، فَأَدَّوُا الْخَرَاجَ. رجع الحديث إِلَى حديث أبي مخنف قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي الْحَارِث بن كعب، عن عَبْد اللَّهِ بن فقيم الأَزْدِيّ، قَالَ: كنت أنا وأخي كعب فِي ذَلِكَ الجيش مع معقل بن قيس، [فلما أراد الخروج أقبل إِلَى علي فودعه فَقَالَ: يَا معقل، اتق اللَّه مَا استطعت، فإنها وصية اللَّه للمؤمنين، لا تبغ عَلَى أهل القبلة، وَلا تظلم أهل الذمة، ولا تتكبر فإن اللَّه لا يحب المتكبرين فَقَالَ: اللَّه المستعان، فَقَالَ لَهُ علي: خير مستعان،] قَالَ: فخرج وخرجنا مَعَهُ حَتَّى نزلنا الأهواز، فأقمنا ننتظر أهل الْبَصْرَة، وَقَدْ أبطئوا علينا، فقام فينا معقل بن قيس فَقَالَ: يا أيها الناس، إنا قَدِ انتظرنا أهل الْبَصْرَة، وَقَدْ أبطئوا علينا، وليس بحمد اللَّه بنا قلة وَلا وحشة إِلَى النَّاسِ، فسيروا بنا إِلَى هَذَا العدو القليل الذليل، فإني أرجو أن ينصركم اللَّه وأن يهلكهمقَالَ: فقام إِلَيْهِ أخي كعب بن فقيم، فقال: اصبت- ارشدك الله- رأيك! فو الله إني لأرجو أن ينصرنا اللَّه عَلَيْهِم، وإن كَانَتِ الأخرى فإن فِي الموت عَلَى الحق تعزية عن الدُّنْيَا فَقَالَ: سيروا عَلَى بركة الله، قال: فسرنا وو الله مَا زال معقل لي مكرما وادّا، مَا يعدل بي من الجند أحدا، قَالَ وَلا يزال يقول: وكيف قلت: إن فِي الموت على الحق تعزيه عن الدنيا؟ صدقت والله واحسنت ووفقت! فو الله مَا سرنا يَوْمًا حَتَّى أدركنا فيج يشتد بصحيفة فِي يده من عِنْدَ عَبْد اللَّهِ بن عباس: أَمَّا بَعْدُ، فإن أدركك رسولي بالمكان الَّذِي كنت فِيهِ مقيما، أو أدركك وَقَدْ شخصت مِنْهُ، فلا تبرح المكان الَّذِي ينتهي فِيهِ إليك رسولي، واثبت فِيهِ حَتَّى يقدم عَلَيْك بعثنا الَّذِي وجهناه إليك، فإني قَدْ بعثت إليك خَالِد بن مَعْدَانَ الطَّائِيّ، وَهُوَ من أهل الإصلاح والدين والبأس والنجدة، فاسمع مِنْهُ، واعرف ذَلِكَ لَهُ، والسلام. فقرأ معقل الكتاب عَلَى الناس، وحمد اللَّه، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الوجه هالهم. قَالَ: فأقمنا حَتَّى قدم الطَّائِيّ علينا، وجاء حَتَّى دخل عَلَى صاحبنا، فسلم عَلَيْهِ بالإمرة، واجتمعا جميعا فِي عسكر واحد قَالَ: ثُمَّ إنا خرجنا فسرنا إِلَيْهِم، فأخذوا يرتفعون نحو جبال رامهرمز يريدون قلعة بِهَا حصينة وجاءنا أهل البلد فأخبرونا بِذَلِكَ، فخرجنا فِي آثارهم نتبعهم، فلحقناهم وَقَدْ دنوا من الجبل، فصففنا لَهُمْ، ثُمَّ أقبلنا إِلَيْهِم، فجعل معقل عَلَى ميمنته يَزِيد بن المغفل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي من أهل الْبَصْرَة، وصف الخريت بن راشد الناجي من مَعَهُ من العرب، فكانوا ميمنة، وجعل أهل البلد والعلوج ومن أراد كسر الخراج وأتباعهم من الأكراد ميسرة. قَالَ: وسار فينا معقل بن قيس يحرضنا ويقول لنا: عباد اللَّه! لا تعدلوا القوم بأبصاركم، غضوا الأبصار، وأقلوا الكلام، ووطنوا أنفسكم عَلَى الطعن والضرب، وأبشروا فِي قتالهم بالأجر العظيم، إنما تقاتلون مارقة مرقت من الدين، وعلوجا منعوا الخراج وأكرادا، انظروني فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد فمر فِي الصف كله يقول لَهُمْ هَذِهِ المقالة، حَتَّى إذا مر بِالنَّاسِ كلهم أقبل حَتَّى وقف وسط الصف فِي القلب، ونظرنا إِلَيْهِ مَا يصنع!فحرك رايته تحريكتين، فو الله مَا صبروا لنا ساعة حَتَّى ولوا، وشدخنا مِنْهُمْ سبعين عربيا من بني ناجية، ومن بعض من اتبعهم من العرب، وقتلنا نحوا من ثلاثمائة من العلوج والأكراد قَالَ كعب بن فقيم: ونظرت فيمن قتل من العرب، فإذا أنا بصديقي مدرك بن الريان قتيلا، وخرج الخريت ابن راشد وَهُوَ منهزم حَتَّى لحق بأسياف البحر، وبها جماعة من قومه كثير، فما زال بهم يسير فِيهِمْ ويدعوهم إِلَى خلاف علي، ويبين لَهُمْ فراقه، ويخبرهم أن الهدى فِي حربه، حَتَّى اتبعه مِنْهُمْ ناس كثير، وأقام معقل بن قيس بأرض الأهواز، وكتب إِلَى علي معي بالفتح، وكنت أنا الَّذِي قدمت عَلَيْهِ، فكتب إِلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لعبد اللَّه علي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، من معقل بن قيس سلام عَلَيْك، فإني أحمد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فإنا لقينا المارقين، وَقَدِ استظهروا علينا بالمشركين، فقتلناهم قتل عاد وإرم، مع أنا لم نعد فِيهِمْ سيرتك، ولم نقتل من المارقين مدبرا ولا أسيرا، ولم نذفف مِنْهُمْ عَلَى جريح، وَقَدْ نصرك اللَّه والمسلمين، والحمد لِلَّهِ رب العالمين. قَالَ: فقدمت عَلَيْهِ بهذا الكتاب، فقرأه عَلَى أَصْحَابه، واستشارهم فِي الرأي، فاجتمع رأي عامتهم عَلَى قول واحد، فَقَالُوا لَهُ: نرى أن تكتب إِلَى معقل ابن قيس فيتبع أثر الفاسق، فلا يزال فِي طلبه حَتَّى يقتله أو ينفيه، فإنا لا نأمن أن يفسد عَلَيْك الناس قَالَ: فردني إِلَيْهِ، وكتب معي: أَمَّا بَعْدُ، فالحمد لِلَّهِ عَلَى تأييد أوليائه، وخذلان أعدائه، جزاك اللَّه والمسلمين خيرا، فقد أحسنتم البلاء، وقضيتم مَا عَلَيْكُمْ، وسل عن أخي بني ناجية، فإن بلغك أنه قَدِ استقر ببلد من البلدان فسر إِلَيْهِ حَتَّى تقتله أو تنفيه، فإنه لن يزال لِلْمُسْلِمِينَ عدوا، وللقاسطين وليا، مَا بقي، والسلام عَلَيْك. فسأل معقل عن مستقره، والمكان الَّذِي انتهى إِلَيْهِ، فنبئ بمكانه بالأسياف، وأنه قَدْ رد قومه عن طاعة علي، وأفسد من قبله من عبد القيس ومن والاهم من سائر العرب، وَكَانَ قومه قَدْ منعوا الصدقة عام صفين ومنعوهافِي ذَلِكَ العام أَيْضًا، فكان عَلَيْهِم عقالان، فسار إِلَيْهِم معقل بن قيس فِي ذَلِكَ الجيش من أهل الْكُوفَة وأهل الْبَصْرَة، فأخذ عَلَى فارس حَتَّى انتهى إِلَى أسياف البحر، فلما سمع الخريت بن راشد بمسيره إِلَيْهِ أقبل عَلَى من كَانَ مَعَهُ من أَصْحَابه ممن يرى رأي الخوارج، فأسر لَهُمْ: إني أَرَى رأيكم، فإن عَلِيًّا لن ينبغي لَهُ أن يحكم الرجال فِي أمر اللَّه وَقَالَ للآخرين منددا لَهُمْ: إن عَلِيًّا حكم حكما ورضي بِهِ، فخلعه حكمه الَّذِي ارتضاه لنفسه، فقد رضيت أنا من قضائه وحكمه مَا ارتضاه لنفسه، وهذا كَانَ الرأي الَّذِي خرج عَلَيْهِ من الْكُوفَة وَقَالَ سرا لمن يرى رأي عُثْمَان: أنا وَاللَّهِ عَلَى رأيكم، قَدْ وَاللَّهِ قتل عُثْمَان مظلوما، فأرضى كل صنف مِنْهُمْ، وأراهم أنه معهم، وَقَالَ لمن منع الصدقة: شدوا أيديكم عَلَى صدقاتكم، وصلوا بِهَا أرحامكم، وعودوا بِهَا إن شئتم عَلَى فقرائكم، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ نصارى كثير قَدْ أسلموا، فلما اختلف الناس بينهم قَالُوا: وَاللَّهِ لديننا الَّذِي خرجنا مِنْهُ خير وأهدى من دين هَؤُلاءِ الَّذِي هم عَلَيْهِ، مَا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء، وإخافة السبيل، وأخذ الأموال فرجعوا إِلَى دينهم، فلقي الخريت أُولَئِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: ويحكم! أتدرون حكم علي فيمن أسلم من النصارى، ثُمَّ رجع إِلَى نصرانيته؟ لا وَاللَّهِ مَا يسمع لَهُمْ قولا، وَلا يرى لَهُمْ عذرا، وَلا يقبل مِنْهُمْ توبة وَلا يدعوهم إِلَيْهَا، وإن حكمه فِيهِمْ لضرب العنق ساعة يستمكن مِنْهُمْ. فما زال حَتَّى جمعهم وخدعهم، وجاء من كَانَ من بني ناجية ومن كَانَ فِي تِلَكَ الناحية من غيرهم، واجتمع إِلَيْهِم ناس كثير. فَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَابٍ، عَنِ الْحُرِّ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الطُّفَيْلِ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى بَنِي نَاجِيَةَ، فَقَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ، فَوَجَدْنَاهُمْ عَلَى ثَلاثِ فِرَقٍ، فَقَالَ أَمِيرُنَا لِفِرْقَةٍ مِنْهُمْ: مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ نَصَارَى، لَمْ نَرَ دينا افضلمِنْ دِينِنَا، فَثَبُتْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمُ: اعْتَزِلُوا، وَقَالَ لِلْفِرْقَةِ الأُخْرَى: مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ كُنَّا نَصَارَى فَأَسْلَمْنَا، فَثَبُتْنَا عَلَى إِسْلامِنَا، فَقَالَ لَهُمُ: اعْتَزِلُوا، ثُمَّ قَالَ لِلْفِرْقَةِ الأُخْرَى الثَّالِثَةِ: مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ كُنَّا نَصَارَى، فَأَسْلَمْنَا، فَلَمْ نَرَ دِينًا هُوَ أَفْضَلَ مِنْ دِينِنَا الأَوَّلِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَسْلِمُوا، فَأَبَوْا، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: إِذَا مَسَحْتُ رَأْسِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَشُدُّوا عَلَيْهِمْ، فَاقْتُلُوا الْمُقَاتِلَةَ، وَاسْبُوا الذُّرِّيَّةَ فَجِيءَ بِالذُّرِّيَّةِ إِلَى عَلِيٍّ، فَجَاءَ مَصْقَلَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ، فَاشْتَرَاهُمْ بِمِائَتَيْ أَلْفٍ، فَجَاءَ بِمِائَةِ أَلْفٍ فَلَمْ يَقْبَلْهَا عَلِيٌّ، فَانْطَلَقَ بِالدَّرَاهِمِ، وَعَمِدَ إِلَيْهِمْ مَصْقَلَةُ فَأَعْتَقَهُمْ وَلَحِقَ بِمُعَاوِيَةَ، فَقِيلَ لِعَلِيٍّ: أَلا تَأْخُذُ الذُّرِّيَّةَ؟ فَقَالَ: لا، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ. رجع الحديث إِلَى حديث أبي مخنف قَالَ أَبُو مخنف: وحدثنى الحارث ابن كعب، قَالَ: لما رجع إلينا معقل بن قيس قرأ علينا كتابا من علي: بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عَبْد اللَّه علي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِلَى من يقرأ عَلَيْهِ كتابي هَذَا من الْمُؤْمِنِينَ والمسلمين، والنصارى والمرتدين سلام عَلَيْكُمْ وعلى من اتبع الهدى وآمن بِاللَّهِ ورسوله وكتابه والبعث بعد الموت وأوفى بعهد اللَّه ولم يكن من الخائنين أَمَّا بَعْدُ، فإني أدعوكم إِلَى كتاب اللَّه، وسنة نبيه، والعمل بالحق، وبما أمر اللَّه فِي الكتاب، فمن رجع إِلَى أهله مِنْكُمْ وكف يده واعتزل هَذَا الهالك الحارب الَّذِي جَاءَ يحارب اللَّه ورسوله والمسلمين، وسعى فِي الأرض فسادا، فله الأمان عَلَى ماله ودمه، ومن تابعه عَلَى حربنا والخروج من طاعتنا، استعنا بِاللَّهِ عَلَيْهِ، وجعلنا اللَّه بيننا وبينه، وكفى بِاللَّهِ نصيرا! وأخرج معقل راية أمان فنصبها، وَقَالَ: من أتاها مِنَ النَّاسِ فهو آمن. إلا الخريت وأَصْحَابه الَّذِينَ حاربونا وبدءونا أول مرة فتفرق عن الخريت جل من كَانَ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ قومه، وعبأ معقل بن قيس أَصْحَابه، فجعلعَلَى ميمنته يَزِيد بن المغفل الأَزْدِيّ، وعلى ميسرته المنجاب بن راشد الضبي، ثُمَّ زحف بهم نحو الخريت، وحضر مَعَهُ قومه مسلموهم ونصاراهم ومانعة الصدقة مِنْهُمْ. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي الْحَارِث بن كعب، عن أبي الصديق الناجي، أن الخريت يَوْمَئِذٍ كَانَ يقول لقومه: امنعوا حريمكم، وقاتلوا عن نسائكم وأولادكم، فو الله لَئِنْ ظهروا عَلَيْكُمْ ليقتلنكم وليسبنكم. فَقَالَ لَهُ رجل من قومه: هَذَا وَاللَّهِ مَا جنته علينا يداك ولسانك. فَقَالَ: قاتلوا لِلَّهِ أنتم! سبق السيف العذل، إيها وَاللَّهِ لقد أصابت قومي داهية! قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي الْحَارِث بن كعب، عن عَبْد اللَّهِ بن فقيم، قَالَ: سار فينا معقل فحرض الناس فِيمَا بين الميمنة والميسرة يقول: أَيُّهَا النَّاسُ الْمُسْلِمُونَ، مَا تزيدون أفضل مما سيق لكم فِي هَذَا الموقف من الأجر العظيم، إن اللَّه ساقكم إِلَى قوم منعوا الصدقة، وارتدوا عن الإِسْلام، ونكثوا البيعة ظلما وعدوانا، فأشهد لمن قتل مِنْكُمْ بالجنة، ومن عاش فإن اللَّه مقر عينه بالفتح والغنيمة ففعل ذَلِكَ حَتَّى مر بِالنَّاسِ كلهم ثُمَّ إنه جَاءَ حَتَّى وقف فِي القلب برايته، ثُمَّ إنه بعث إِلَى يَزِيد بن المغفل وَهُوَ فِي الميمنة: أن أحمل عَلَيْهِم، فحمل عَلَيْهِم، فثبتوا وقاتلوا قتالا شديدا ثُمَّ إنه انصرف حَتَّى وقف موقفه الَّذِي كَانَ بِهِ فِي الميمنة، ثُمَّ انه بعث الى منجاب ابن راشد الضبي وَهُوَ فِي الميسرة ثُمَّ إن منجابا حمل عَلَيْهِم فثبتوا وقاتلوا قتالا شديدا طويلا، ثُمَّ إنه رجع حَتَّى وقف فِي الميسرة، ثُمَّ إن معقلا بعث إِلَى الميمنة والميسرة: إذا حملت فاحملوا بأجمعكم فحرك رايته وهزها، ثُمَّ إنه حمل وحمل أَصْحَابه جميعا، فصبروا ساعه لهم ثُمَّ إن النُّعْمَان بن صهبان الراسبي من جرم بصر بالخريت بن راشد فحمل عَلَيْهِ، فطعنه فصرعه عن دابته، ثُمَّ نزل وَقَدْ جرحه فأثخنه، فاختلفا ضربتين، فقتله النُّعْمَان بن صهبان، وقتل مَعَهُ فِي المعركة سبعون ومائة، وذهبوا يمينا وشمالا، وبعث معقل بن قيس الخيل إِلَى رحالهم، فسبى من أدرك مِنْهُمْ، فسبى رجالاكثيرا ونساء وصبيانا ثُمَّ نظر فِيهِمْ، فأما من كَانَ مسلما فخلاه وأخذ بيعته وترك لَهُ عياله، وأما من كَانَ ارتد فعرض عَلَيْهِم الإِسْلام فرجعوا وخلى سبيلهم وسبيل عيالهم إلا شيخا مِنْهُمْ نصرانيا يقال لَهُ: الرماحس بن مَنْصُورٍ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا زللت منذ عقلت إلا فِي خروجي من ديني، دين الصدق إِلَى دينكم دين السوء، لا وَاللَّهِ لا أدع ديني، وَلا أقرب دينكم مَا حييت فقدمه فضرب عنقه، وجمع معقل الناس فَقَالَ: أدوا مَا عَلَيْكُمْ فِي هَذِهِ السنين من الصدقة فأخذ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عقالين، وعمد إِلَى النصارى وعيالهم فاحتملهم مقبلا بهم، وأقبل الْمُسْلِمُونَ معهم يشيعونهم، فأمر معقل بردهم، فلما انصرفوا تصافحوا فبكوا، وبكى الرجال والنساء بعضهم إِلَى بعض قَالَ: فأشهد أني رحمتهم رحمة مَا رحمتها أحدا قبلهم وَلا بعدهم قَالَ: وكتب معقل بن قيس إِلَى علي: أَمَّا بَعْدُ، فإني أخبر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عن جنده وعدوه، أنا دفعنا إِلَى عدونا بالأسياف فوجدنا بِهَا قبائل ذات عدة وحدة وجد، وَقَدْ جمعت لنا، وتحزبت علينا، فدعوناهم إِلَى الطاعة والجماعة، وإلى حكم الكتاب والسنة، وقرأنا عَلَيْهِم كتاب أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، ورفعنا لَهُمْ راية أمان، فمالت إلينا مِنْهُمْ طائفة، وبقيت طائفة أخرى منابذة، فقبلنا من الَّتِي أقبلت، وصمدنا صمدا للتي أدبرت، فضرب اللَّه وجوههم ونصرنا عَلَيْهِم، فأما من كَانَ مسلما فإنا مننا عَلَيْهِ وأخذنا بيعته لأمير الْمُؤْمِنِينَ، وأخذنا مِنْهُمُ الصدقة الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم، وأما من ارتد فإنا عرضنا عَلَيْهِ الرجوع إِلَى الإِسْلام وإلا قتلناه فرجعوا غير رجل واحد، فقتلناه، وأما النصارى فإنا سبيناهم، وَقَدْ أقبلنا بهم ليكونوا نكالا لمن بعدهم من أهل الذمة، لكيلا يمنعوا الجزية، ولكيلا يجترئوا عَلَى قتال أهل القبلة، وهم أهل الصغار والذل، رحمك اللَّه يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وأوجب لك جنات النعيم، والسلام عَلَيْك! ثُمَّ أقبل بهم حَتَّى مر بهم عَلَى مصقلة بن هبيرة الشيباني، وَهُوَ عامل على على أردشير خره، وهم خمسمائة إنسان، فبكى النساء والصبيان، وصاحالرجال: يَا أَبَا الفضل، يَا حامي الرجال، وفكاك العناة، أمنن علينا فاشترنا وأعتقنا، فَقَالَ مصقله: اقسم بالله لا تصدقن عَلَيْهِم، إن اللَّه يجزي المتصدقين فبلغها عنه معقل، فَقَالَ: وَاللَّهِ لو أعلم أنه قاله توجعا لهم، وزراء عَلَيْكُمْ، لضربت عنقه، ولو كَانَ فِي ذَلِكَ تفاني تميم وبكر بن وائل ثُمَّ إن مصقلة بعث ذهل بن الْحَارِث الذهلي إِلَى معقل بن قيس فَقَالَ لَهُ: بعني بني ناجية، فَقَالَ: نعم، أبيعكم بألف ألف، ودفعهم إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: عجل بالمال إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أنا باعث الآن بصدر، ثُمَّ أبعث بصدر آخر كذلك، حَتَّى لا يبقى مِنْهُ شَيْء إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى وأقبل معقل بن قيس إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، وأخبره بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: أحسنت وأصبت، وانتظر علي مصقلة أن يبعث إِلَيْهِ بالمال، وبلغ عَلِيًّا أن مصقلة خلى سبيل الأسارى ولم يسألهم أن يعينوه فِي فكاك أنفسهم بشيء، فَقَالَ: مَا أظن مصقلة إلا قَدْ تحمل حمالة، أَلا أراكم سترونه عن قريب ملبدا ثُمَّ إنه كتب إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فإن من أعظم الخيانة خيانة الأمة، وأعظم الغش عَلَى أهل المصر غش الامام، وعندك من حق المسلمين خمسمائة ألف، فابعث بِهَا إلي ساعة يأتيك رسولي، وإلا فأقبل حين تنظر فِي كتابي، فإني قَدْ تقدمت إِلَى رسولي إليك أَلا يدعك أن تقيم ساعة واحدة بعد قدومه عَلَيْك إلا أن تبعث بالمال، والسلام عَلَيْك. وَكَانَ الرسول أَبُو جرة الحنفي، فَقَالَ لَهُ أَبُو جرة: إن يبعث بالمال الساعة وإلا فاشخص إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فلما قرأ كتابه أقبل حَتَّى نزل الْبَصْرَة، فمكث بِهَا أياما ثُمَّ إن ابن عَبَّاس سأله المال، وَكَانَ عمال الْبَصْرَة يحملون من كور الْبَصْرَة إِلَى ابن عَبَّاس، ويكون ابن عَبَّاس هُوَ الَّذِي يبعث بِهِ إِلَى علي، فَقَالَ لَهُ: نعم، أنظرني أياما، ثم اقبل حتى اتى عليا فأقره أياما، ثُمَّ سأله المال، فأدى إِلَيْهِ مائتي ألف، ثُمَّ إنه عجز فلم يقدر عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي أَبُو الصلت الأعور، عن ذهل بن الْحَارِثقَالَ: دعاني مصقلة إِلَى رحله فقدم عشاؤه، فطعمنا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يسألني هَذَا المال، وَلا أقدر عَلَيْهِ، فقلت: وَاللَّهِ لو شئت مَا مضت عَلَيْك جمعة حَتَّى تجمع جميع المال، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كنت لأحملها قومي، وَلا أطلب فِيهَا إِلَى أحد ثُمَّ قَالَ: أما وَاللَّهِ لو أن ابن هند هُوَ طالبني بِهَا أو ابن عفان لتركها لي، ألم تر إِلَى ابن عفان حَيْثُ أطعم الأشعث من خراج أذربيجان مائة ألف فِي كل سنة! فقلت لَهُ: إن هَذَا لا يرى هَذَا الرأي، لا وَاللَّهِ مَا هُوَ بباذل شَيْئًا كنت أخذته، فسكت ساعة، وسكت عنه، [فلا وَاللَّهِ مَا مكث إلا ليلة واحدة بعد هَذَا الكلام حَتَّى لحق بمعاوية وبلغ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: ما له برحه اللَّه، فعل فعل السيد، وفر فرار العبد، وخان خيانة الفاجر! أما وَاللَّهِ لو أنه أقام فعجز مَا زدنا عَلَى حبسه، فإن وجدنا لَهُ شَيْئًا أخذناه، وإن لم نقدر عَلَى مال تركناه] ثُمَّ سار إِلَى داره فنقضها وهدمها، وَكَانَ أخوه نعيم بن هبيرة شيعيا، ولعلي مناصحا، فكتب إِلَيْهِ مصقلة من الشام مع رجل من النصارى من بني تغلب يقال لَهُ حلوان: أَمَّا بَعْدُ، فإني كلمت مُعَاوِيَة فيك، فوعدك الإمارة، ومناك الكرامة، فأقبل إلي ساعة يلقاك رسولي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، والسلام. فأخذه مالك بن كعب الأرحبي، فسرح بِهِ إِلَى علي، فأخذ كتابه فقرأه، فقطع يد النصراني، فمات، وكتب نعيم إِلَى أخيه مصقلة: لا ترمين هداك اللَّه معترضا ... بالظن مِنْكَ فما بالي وحلوانا! ذاك الحريص عَلَى مَا نال من طمع ... وَهْوَ البعيد فلا يحزنك إذ خانا ماذا أردت إِلَى إرساله سفها ... ترجو سقاط امرى لم يلف وسنانا عرضته لعلي إنه أسد ... يمشي العرضنة من آساد خفانا قَدْ كنت فِي منظر عن ذا ومستمع ... تحمي العراق وتدعى خير شيباناحَتَّى تقحمت أمرا كنت تكرهه ... للراكبين لَهُ سرا وإعلانا لو كنت أديت مَا للقوم مصطبرا ... للحق أحييت أحيانا وموتانا لكن لحقت باهل الشام ملتمسا ... فضل ابن هند وذاك الرأي أشجانا فاليوم تقرع سن الغرم من ندم ... ماذا تقول وَقَدْ كَانَ الَّذِي كانا! أصبحت تبغضك الأحياء قاطبة ... لم يرفع اللَّه بالبغضاء إنسانا فلما وقع الكتاب إِلَيْهِ علم أن رسوله قَدْ هلك، ولم يلبث التغلبيون إلا قليلا حَتَّى بلغهم هلاك صاحبهم حلوان، فأتوا مصقلة فَقَالُوا: إنك بعثت صاحبنا فأهلكته، فإما أن تحييه وإما أن تديه، فَقَالَ: أما أن أحييه فلا استطيع، ولكنى ساديه، فواداه. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي عبد الرَّحْمَن بن جندب، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: لما بلغ عَلِيًّا مصاب بني ناجية وقتل صاحبهم قَالَ: هوت أمه! مَا كَانَ أنقص عقله، وأجرأه عَلَى ربه! فإن جائيا جاءني مرة فَقَالَ لي: فِي أَصْحَابك رجال قَدْ خشيت أن يفارقوك، فما ترى فِيهِمْ؟ فقلت لَهُ: إني لا آخذ عَلَى التهمة، وَلا أعاقب عَلَى الظن، وَلا أقاتل إلا من خالفني وناصبني وأظهر لي العداوة، ولست مقاتله حَتَّى أدعوه وأعذر إِلَيْهِ، فإن تاب ورجع إلينا قبلنا مِنْهُ، وَهُوَ أخونا، وإن أبى إلا الاعتزام عَلَى حربنا استعنا عَلَيْهِ اللَّه، وناجزناه فكف عني مَا شاء اللَّه ثُمَّ جاءني مرة أخرى فَقَالَ لي: قَدْ خشيت أن يفسد عَلَيْك عَبْد اللَّهِ بن وهب الراسبي وزَيْد بن حصين، انى سمعتهما يذكر انك بأشياء لو سمعتها لم تفارقهما عَلَيْهَا حَتَّى تقتلهما أو توبقهما، فلا تفارقهما من حبسك أبدا، فقلت: إني مستشيرك فيهما، فماذا تأمرني بِهِ؟ قَالَ: فإني آمرك أن تدعو بهما، فتضرب رقابهما، فعلمت أنه لا ورع وَلا عاقل، فقلت: وَاللَّهِ مَا أظنك ورعا وَلا عاقلانافعا، وَاللَّهِ لقد كَانَ ينبغي لك لو أردت قتلهم أن تقول: اتق اللَّه، لم تستحل قتلهم ولم يقتلوا أحدا، ولم ينابذوك، ولم يخرجوا من طاعتك! وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة قثم بن العباس من قبل على ع. حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَد بن ثَابِت، عن إِسْحَاق بْن عِيسَى، عن أبي معشر. وَكَانَ قثم يَوْمَئِذٍ عامل علي عَلَى مكة، وَكَانَ عَلَى اليمن عُبَيْد اللَّهِ بن العباس، وعلى الْبَصْرَة عَبْد اللَّهِ بن العباس. واختلف فِي عامله عَلَى خُرَاسَان فقيل: كَانَ خليد بن قرة اليربوعي، وقيل: كَانَ ابن أبزى، وأما الشام ومصر فانه كان بهما معاويه وعماله

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري

full-text

— · 2 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 1198, entry [483]272 chars
    الخريت بن راشد وإظهاره الخلاف على علي وحجّ بالناس في هذه السنة قُثَم بن العبّاس من قِبَل عليّ ﵇ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان قُثَم يومئذ عامِلَ عليّ على مكة، وكان على اليمن عبيد الله بن العباس، وعلى البصرة عبد الله بن العباس (١). (٥: ١٣٢).
  • exact linked passagemedium confidencepage 3549, entry [1356]30,468 chars
    الخرّيت بن راشد وإظهاره الخلاف على عليّ ١١٨٤ - ومما كان في هذه السنة - أعني: سنة ثمان وثلاثين - إظهار الخِرّيت بن راشد في بني ناجية الخلاف على عليّ، وفراقُه إياه؛ كالذي ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف، عن الحارث الأزديّ، عن عمّه عبد الله بن فُقَيم، قال: جاء الخِرِّيت بن راشد إلى عليّ - وكان مع الخِرّيت…
    ▸ expand full passage (30,468 chars)
    الخرّيت بن راشد وإظهاره الخلاف على عليّ ١١٨٤ - ومما كان في هذه السنة - أعني: سنة ثمان وثلاثين - إظهار الخِرّيت بن راشد في بني ناجية الخلاف على عليّ، وفراقُه إياه؛ كالذي ذكر هشام بن محمد عن أبي مخنف، عن الحارث الأزديّ، عن عمّه عبد الله بن فُقَيم، قال: جاء الخِرِّيت بن راشد إلى عليّ - وكان مع الخِرّيت ثلاثمئة رجل من بني ناجية مقيمين مع على بالكوفة، قَدِموا معه من البصرة، وكانوا قد خرجوا إليه يومَ الجمل، وشَهِدوا معه صِفّينَ والنهروان - فجاء إلى عليّ في ثلاثين راكبًا من أصحابه يسير بينهم حتى قام بين يَديْ عليّ، فقال له: والله يا عليّ لا أطيع أمرَك، ولا أصلّي خلفك، وإنّي غدَا لمُفارِقك! وذلك بعد تحكيم الحَكَمين، فقال له على: ثكِلتْك أمّك! إذَا تعصي ربّك، وتَنكُث عهدَك، ولا تصرّ إلا نفسك، خبِّرني لِمَ تفعل ذلك؟ ! قال: لأنك حكّمتَ في الكتاب، وضعُفتَ عن الحقّ إذ جدّ الجدّ، وركنتَ إلى القوم الذين ظلموا أنفسَهم، فأنا عليك زارٍ، وعليهم ناقِم، ولكم جميعًا مُبَاين، فقال له عليّ: هلمّ أدارِسْك الكتاب، وأناظِرْك في السنن، وأفاتحْك أمورًا من الحقّ أنا أعلَم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت له الآن مُنكِر، وتَستبصِر ما أنت عنه الآن جاهل. قال: فإني عائد إليك. قال: لا يستهوينّك الشيطان، ولا يستخفنّك الجهل، وواللهِ لئن استرشدْتني،واستنصحتني، وقبلتَ مني؛ لأهدينّك سبيلَ الرشاد. فخرج من عنده منصرفًا إلى أهله، فعجِلْت في أثره مسرِعًا، وكان لي من بني عمّه صديق، فأردت أن ألقى ابنَ عمّه ذلك فأعلمه بشأنه، ويأمره بطاعة أميرِ المؤمنين ومناصحته، ويخبره: أنّ ذلك خير له في عاجل الدنيا وآجلِ الآخرة، فخرجت حتى انتهيت إلى منزله وقد سبقني، فقمت عند باب داره، وفي داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخولَه على عليّ. قال: فوالله ما جزم شيئًا مما قال، ومما ردّ عليه، ثم قال لهم: يا هؤلاء! إني قد رأيت أن أفارقَ هذا الرجل، وقد فارقتُه على أن أرجعَ إليه من غد، ولا أراني إلّا مُفارقه من غد. فقال له أكثر أصحابه: لا تفعل حتى تأتيَه، فإنْ أتاك بأمير تعرفه قبلتَ منه، وإن كانت الأخرى فما أقدَرَك على فراقه، فقال لهم: فنِعم ما رأيتم. قال: ثم إني استأذنت عليه، فأذنوا لي، فدخلتُ فقلت: أنشُدك اللهَ أن تفارق أمير المؤمنين، وجماعةَ المسلمين، وأن تجعل على نفسك سبيلًا، وأن تقتل مَنْ أرى من عشيرتك! إنّ عليّا لَعلَى الحق. قال: فأنا أغدو إليه فأسمع منه حجّته، وأنظر ما يعرض عليَّ به ويذكر، فإن رأيتُ حقًّا ورُشْدًا؛ قبلتُ، وإن رأيتُ غَيًّا وجَورًا؛ تَركتُ. قال: فخلوت بابن عمّه ذلك - قال: وكان أحد نفره الأدنين، وهو مدرك بن الرّيان، وكان من رجال العرب - فقلت له: إنّ لك عليّ حقًّا لإخائك وودّك ذلك عليّ بعد حقّ المسلم على المسلم، إنّ ابنَ عمّك كان منه ما قد ذكر لك، فأجِدَّ به، فاردد عليه رأيَه، وعظّم عليه ما أتَى، فإني خائف إن فارق أمير المؤمنين أن يقتله نفسه وعشيرته، فقال: جزاك الله خيرًا من أخ! فقد نصحتَ وأشفقتَ، إن أراد صاحبي فراقَ أمير المؤمنين فارقتُه وخالفته، وكنتُ أشدّ الناس عليه، وأنا بعدُ فإني خال به، ومشير عليه بطاعة أمير المؤمنين، ومناصحتِه، والإقامةِ معه، وفي ذلك حظّه ورشْدُه. فقمت من عنده، وأردتُ الرُّجوعَ إلى أمير المؤمنين لأعلِمَه بالذي كان، ثم اطمأننت إلى قول صاحبي، فرجعتُ إلى منزلي فبت به ثم أصبحت، فلما ارتفع الضحى أتيتُ أميرَ المؤمنين، فجلستُ عنده ساعةً وأنا أريد أن أحدّثه بالذي كان من قوله لي على خَلوة، فأطلت الجلوس، فلم يزدد الناسُ إلا كثرةً، فدنوت منه، فجلستُ وراءه، فأصغى إليّ بأذنيه، فخبَّرته بما سمعتُ من الخِرّيت بن -راشد، وبما قلتُ له، وبما ردّ علي، وبما كان من مقالتي لابن عمّه، وبما ردّ عليّ، فقال: دَعْه، فإن عَرَف الحقّ وأقبلَ إليه؛ عرفْنا ذلك، وقَبِلْنا منه، وإن أبى؛ طلبناه، فقلت: يا أمير المؤمنين! ولمَ لا تأخذه الآن وتستوثقُ منه وتحبسه؟ فقال: إنا لو فعلنا هذا بكلّ مَنْ نتّهمه من الناس ملأنا سجننَا منهم، ولا أراه - يعني الوثوبَ على الناس والحبس والعقوبة - حتى يُظهروا لنا الخلاف، قال: فسكتّ عنه، وتنحّيت، فجلست مع القوم. ثم مكث ما شاء الله، ثم إنه قال: ادنُ مني؛ فدنوتُ منه، فقال لي مسرًّا: اذهب إلى منزل الرجل فاعلَم لي ما فعل، فإنه كل يوم لم يكن يأتيني فيه إلا قبل هذه الساعة، فأتيتُ منزلَه، فإذا ليس في منزله منهم ديّار، فدعوتُ على أبواب دور أخرى كان فيها طائفة من أصحابه، فإذا ليس فيها داعٍ ولا مجيب، فرجعت. فقال لي حين رآني: وطنوا فأمِنوا، أم جنبوا فظَعَنوا! فقلمت: بل ظعنوا فأعلنوا، فقال: قد فعلوها! بُعدًا لهم كما بَعِدتْ ثمود! أما لو قد أشرِعَتْ لهم الأسنّة، وصبّبَتْ على هامهم السيوف، لقد ندموا. إنّ الشيطان اليومَ قد استهواهم وأضلّهم، وهو غدًا متبرّئ منهم، ومخلٍّ عنهم. فقام إليه زياد بن خَصَفة، فقال: يا أمير المؤمنين! إنه لو لم يكن من مضرّة هؤلاء إلا فراقهم إيّانا لم يعظم فقدُهم فنَأسَى عليهم، فإنّهم قلّما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا، وقلّما ينقصون من عددنا بخروجهم عنّا، ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعةً كثيرة ممن يقدمون عليه من أهل طاعتك، فائْذَنْ لي في اتّباعهم حتى أردّهم عليك إن شاء الله. فقال له عليّ: وهل تدري أين توجّه القوم؟ فقال: لا، ولكني أخرج فأسأل وأتبع الأثر. فقال له: اخرُج رحمك الله حتى تنزل ديرَ أبي موسى، ثم لا تتوجّه حتى ياتيَك أمري، فإنهم إن كانوا خرجوا ظاهرين للناس في جماعة. فإنّ عمّالي ستكتب إليّ بذلك، وإن كانوا متفرّقين مستخفين فذلك أخفى لهم، وسأكتب إلى عمّالي فيهم. فكتب نسخةً واحدةً فأخرجها إلى العمّال: أما بعد، فإنّ رجالًا خرجوا هُرّابًا ونظنّهم وجّهوا نحوَ بلاد البَصرة، فسلْ عنهم أهلَ بلادِك، واجعل عليهم العيون في كلّ ناحية من أرضك، واكتب إليّ بما ينتهى إليك عنهم، والسلام.فخرج زياد بن خَصَفة حتى أتى دارَه، وجمع أصحابه، فحمد الله وأثنى عَليه، ثمّ قال: أمّا بعد يا معشرَ بكر بن وائل، فإن أمير المؤمنين ندَبني لأمر من أمره مُهِمّ له، وأمرني بالانكماش فيه، وأنتم شيعتُه وأنصارُه، وأوثقُ حيٍّ من الأحياء في نفسه، فانتدِبوا معي الساعة، واعجلوا. قال: فوالله ما كان إلا ساعةً حتى اجتمع له منهم مئة وعشرون رجلًا أو ثلاثون؛ فقال: اكتفينا، لا نريد أكثرَ من هذا، فخرجوا حتى قطعوا الجسر، ثم دير أبي موسى، فنزله، فأقام فيه بقيّة يومه ذلك ينتظر أمرَ أمير المؤمنين. رجع الحديث إلى حديث أبي مِخْنف، قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن كعب عن عبد الله بن فُقَيم الأزديّ، قال: كنت أنا وأخي كعب في ذلك الجيش مع مَعْقل بن قيس، فلما أراد الخروج؛ أقبل إلى عليّ فودّعه، فقال: يا معقِل! اتق الله ما استطعت، فإنّها وصية الله للمؤمنين، لا تَبغِ على أهل القبلة، ولا تظلم أهلَ الذّمّة، ولا تتكبّر فإن الله لا يحبّ المتكبّرين. فقال: الله المستعان! فقال له عليّ: خيرُ مستعان؛ قال: فخرج؛ وخرجنا معه حتى نزلنا الأهواز، فأقمنا ننتظر أهلَ البصرة، وقد أبطؤوا علينا، فقام فينا معقلُ بن قيس، فقال: يا أيّها الناس! إنا قد انتظرنا أهلَ البصرة، وقد أبطؤوا علينا، وليس بحمد الله بناقِلةٌ ولا وَحْشة إلى الناس، فسيروا بنا إلى هذا العدوّ القليل الذّليل، فإني أرجو أن ينصركم الله، وأن يهلِكهم. قال: فقام إليه أخي كعب بن فُقَيم، فقال: أصبتَ - أرشَدَك الله - رأيك! فوالله إني لأرجو أن يَنصرَنا الله عليهم، وإن كانت الأخرى فإن في الموت على الحق تعزيةً عن الدنيا، فقال: سيروا على بَرَكة الله؛ قال: فسِرْنا ووالله ما زال معقِل لي مُكرمًا وَادًّا، ما يَعدل بي من الجند أحدًا؛ قال: ولا يزال يقول: وكيف قلت: إن في الموت على الحقّ تعزية عن الدّنيا؟ صدقت واللهِ، وأحسنت، ووُفِّقت! فوالله ما سِرْنا يومًا حتى أدركَنَا فيْج يشتدّ بصحيفة في يده من عند عبد الله بن عباس: أما بعد، فإن أدركك رسوِلي بالمكان الذي كنت فيه مقيمًا، أو أدرَكك وقد شخصْتَ منه، فلا تبرحْ المكان الذي ينتهي فيه إليك رسولي، واثبتْ فيه حتى يقدم عليك بعثُنا الذي وجّهناه إليك، فإني قد بعثتُ إليك خالدَ بن معدان الطائيّ، وهو من أهل الإصلاح والدِّين والبأس والنجدة، فاسمع منه، واعرف ذلك له؛ والسلام.فقرأ معقل الكتاب على الناس، وحَمِد الله، وقد كان ذلك الوجه هالهم. قال: فأقمنا حتى قدم الطائيّ علينا، وجاء حتى دخل على صاحبنا، فسلَّم عليه بالإمْرة، واجتمعا جميعًا في عسكر واحد. قال: ثم إنا خرجْنا فسرنا إليهم، فأخذوا يرتفعون نحو جبال رامَهُرْمُز يريدون قَلعة بها حصينة وجاءنا أهلُ البلد فأخبرونا بذلك، فخرجْنا في آثارهم نُتبعهم، فلحقناهم وقد دنَوا من الجبل، فصففْنا لهم، ثم أقبلْنا إليهم، فجعل معقِل على ميمنته يزيدَ بن المغْفِل، وعلى ميسرته مِنجاب بن راشد الضبِّيّ من أهل البَصرة، وصَفّ الخِرّيت بن راشد الناجى مَنْ معه من العرب، فكانوا ميمنةً، وجعل أهل البلد والعُلوج ومَنْ أراد كسرَ الخراج وأتباعهم من الأكراد ميسَرة. قال: وسار فينا مَعْقل بن قيس يحرّضنا ويقول لنا: عبادَ الله! لا تَعدِلوا القومَ بأبصاركم، غُضّوا الأبصار، وأقلّوا الكلام، ووطّنوا أنفسكم على الطعن والضرب، وأبشِروا في قتالهم بالأجر العظيم، إنما تقاتلون مارقة مرقتْ من الدين، وعُلوجًا منعوا الخَراج؛ وأكرادًا: انظروني فإذا حملتُ؛ فشدّوا شَدّة رجل واحد. فمرّ في الصفّ كله يقول لهم هذه المقالة، حتى إذا مرّ بالناس كلّهم أقبل حتى وقف وسط الصفّ في القلب، ونظرنا إليه ما يصنع! فحرّك رايته تحريكتين، فوالله ما صبروا لنا ساعةً حتى ولَّوا، وشدَخنْا منهم سبعين عربيًّا من بني ناجية، ومن بعض من اتّبعهم من العرب، وقتلْنا نحوًا من ثلاثمئة من العُلوج والأكراد، قال كعب بن فُقَيم: ونظرتُ فيمن قُتِل من العرب، فإذا أنا بصديقي مدرك بن الرّيان قتيلًا، وخرج الخِزيت بن راشد وهو منهزِم حتى لحق بأسياف البحر، وبها جماعة من قومه كثير، فما زال بهم يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف عليّ، ويبيّن لهم فراقَه، ويخبرهم: أنّ الهدى في حربه، حتى اتبعه منهم ناس كثير، وأقام معقِل بن قيس بأرض الأهواز، وكتب إلى عليّ معي بالفتح، وكنت أنا الذي قدمتُ عليه، فكتب إليه: بسم الله الرّحمن الرّحيم، لعبد الله عليّ أمير المؤمنين، من معقِل بن قيس. سلامٌ عليك، فإني أحمد إليكَ الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنا لقِينا المارقين، وقد استظهَروا علينا بالمشركين، فقتَلْناهم قتلَ عاد وإرَم، مع أنا لم نَعْدُ فيهم سيرتَك، ولم نقتل من المارقين مدبرًا ولا أسيرًا، ولم نذفّف منهم علىجريح، وقد نصرك الله والمسلمين، والحمد لله رب العالمين. قال: فقدمتُ عليه بهذا الكتاب، فقرأه على أصحابه، واستشارهم في الرأي، فاجتمع رأيُ عامّتهم على قول واحد، فقالوا له: نرى أن تكتب إلى معقل ابن قيس فيتبع أثرَ الفاسق، فلا يزال في طلبه حتى يَقتلَه أو ينفيَه، فإنا لا نأمن أن يُفسد عليك الناس. قال: فردّني إليه، وكتب معي: أمَّا بعد، فالحمد لله على تأييد أوليائه، وخذلان أعدائه، جزاك الله والمسلمين خيرًا، فقد أحسنتم البلاء، وقضيتم ما عليكم، وسَلْ عن أخي بني ناجية، فإنْ بلغك أنه قد استقرّ ببلد من البُلدان فسرْ إليه حتى تَقتلَه، أو تنفيَه، فإنه لن يزال للمسلمين عدوًّا، وللقاسِطِين وليًّا، ما بقي؛ والسلام عليك. فسأل معقل عن مستقرّه، والمكان الذي انتهَى إليه، فنبِّئَ بمكانه بالأسياف، وأنَّه قد ردّ قومه عن طاعة عليّ، وأفسدَ مَنْ قِبَله منِ عبد القيس ومَن والاهم من سائر العرب، وكان قومُه قد منعوا الصَّدَقة عام صِفين، ومنعوها في ذلك العام أيضًا، فكان عليهم عِقالان، فسار إليهم معقل بن قيس في ذلك الجيش من أهل الكوفة وأهل البصرة، فأخذ على فارسَ حتى انتهى إلى أسياف البحر، فلما سمع الخِرّيت بن راشد بمسيره إليه أقبل على مَنْ كان معه من أصحابه ممن يَرَى رأيَ الخوارج، فأسرَّ لهم: إني أرى رأيَكم، فإن عليًّا لن ينبغي له أن يُحكّم الرجالَ في أمر الله، وقال للآخرين مندّدًا لهم: إنّ عليًّا حَكم حَكَمًا، ورَضِيَ به، فَخلَعه حكَمُه الذي ارتضاه لنفسه، فقد رضيتُ أنا من قضائه وحكمه ما ارتضاه لنفسه، وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة. وقال سرًّا من يرى رأيَ عثمان: أنا والله على رأيكم، قد والله قُتل عثمان مظلومًا، فأرضى كلّ صنف منهم، وأراهم أنه معهم، وقال من منع الصدقة: شدّوا أيديَكم على صدقاتكم، وصِلُوا بها أرحامَكم، وعودوا بها إن شئتم على فقرائكم، وقد كان فيهم نصارى كثير قد أسلموا، فلمّا اختلف الناس بينهم؛ قالوا: والله لَدينُنا الذي خرجْنا منه خيرٌ وأهدى من دين هؤلاء الذي هم عليه؛ ما ينهاهم دينهُم عن سفك الدماء، وإخافةِ السبيل، وأخذ الأموال. فرجعوا إلى دينهم، فلقيَ الخِرّيت أولئك، فقال لهم: وَيْحكم! أتدرون حُكمَ عليّ فيمن أسلم من النصارى، ثم رجع إلى نصرانيته؟ لا والله ما يسمع لهم قولًا، ولا يرى لهم عذرًا، ولا يقبلمنهم توبة ولا يدعوهم إليها، وإنّ حكمه فيهم لضربُ العنق ساعةَ يستمكِن منهم. فما زال حتى جمعهم، وخدَعَهم، وجاء من كان من بني ناجية ومن كان في تلك الناحية من غيرهم، واجتمع إليهم ناسٌ كثير. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف: قال أبو مِخْنف: وحدّثني الحارث بن كعب، قال: لما رجع إلينا معقل بن قيس قرأ علينا كتابًا من عليّ: ﷽ من عبد الله عليٍّ أميرِ المؤمنين إلى من يُقْرَأ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين، والنّصارى والمرتدِّين. سلامٌ عليكم وعلى من اتّبع الهدى وآمَن بالله ورسوله وكتابه والبعثِ بعد الموت وأوفى بعهد الله ولم يكن من الخائنين، أمّا بعد، فإني أدعوكم إلى كتاب الله، وسنّة نبيّه، والعملِ بالحقّ، وبما أمر الله في الكتاب، فمن رجع إلى أهله منكم وكفّ يَده واعتَزَل هذا الهالكَ الحاربَ الذي جاء يحارب الله ورسولَه والمسلمين، وسعَى في الأرض فسادًا، فله الأمان على ماله ودمه، ومَن تابَعَه على حربنا والخروج من طاعتنا، استعنّا بالله عليه، وجعلْنا اللهَ بيننا وبينه، وكفى بالله نصيرًا! وأخرج معقل رايةَ أمانٍ فنصَبَها، وقال: مَن أتاها من الناس فهو آمن، إلا الخِرّيت وأصحابه الذين حاربونا وبدؤونا أوَل مرّة، فتفرّق عن الخِرّيت جُلّ مَن كان معه من غير قومه، وعبّأ معقِل بن قيس أصحابَه، فجعل على ميمنته يزيد بن المُغْفِل الأزديّ، وعلى ميسرته المِنْجاب بن راشد الضبيّ، ثم زحف بهم نحو الخِرّيت، وحضر معه قومُه مسلموهم ونصاراهم ومانعةُ الصدقة منهم (١). (٥: ١١٣/ ١١٤/ ١١٥/ ١١٦ تكملة ١٢٢/ ١٢٣/ ١٢٤/ ١٢٥ تكملة ١٢٦/ ١٢٧). ١١٨٥ - قال أبو مخنف: فحدّثني أبو الصَّلْت الأعوَر التيميّ عن أبي سعيد العُقَيليّ، عن عبد الله بن وأل التيميّ، قال: والله إني لَعندَ أمير المؤمنين إذ جاءه فَيْج، كتابٌ بيديْه، من قِبَل قَرَظة بن كعب الأنصاريّ:﷽ أمّا بعد: فإنّي أخبر أميرَ المؤمنين: أنّ خيلًا مزت بنا من قِبَل الكوفة متوجِّهةً نحوَ نِفّر، وإنّ رجلًا من دَهاقِين أسفل الفرات قد صلّى، يقال له: زاذان فرّوخ، أقبل من قبَل أخواله بناحية نِفّر، فَعَرضوا له، فقالوا: أمسلِم أنت أم كافر؟ فقال: بل أنا مسلم، قالوا: فما قولُك في عليّ؛ قال: أقول فيه خيرًا، أقول: إنه أميرُ المؤمنين، وسيّد البَشَر، فقالوا له: كفرت يا عدوّ الله! ثم حَملتْ عليه عصابةٌ منهم فقطّعوه، ووجدوا معه رجلًا من أهل الذمّة، فقالوا: ما أنت؟ قال: رجل من أهل الذّمة، قالوا: أمّا هذا فلا سبيلَ عليه، فاقبل علينا ذلك الذّميّ فأخبرَنَا هذا الخبر، وقد سألتُ عنهم فلم يخبرْني أحدٌ عنهم بشيء، فليكتب إليّ أميرُ المؤمنين برأيه فيهم أنْتَهِ إليه. والسّلام. فكتب إليه: أما بعد: فقد فهمتُ ما ذكرتَ من العصابة التي مرّت بك، فقتلت البَرَّ المُسلِم، وأمِن عندهم المخالِف الكافرِ، وإنّ أولئك قوم استهواهم الشيطان، فضَلّوا، وكانوا كالذين حسبوا ألّا تكون فتنةٌ، فعَموا، وصَمُّوا، فأسمِع بهم وأبصِر يوم تُخبَر أعمالهم. والزم عملَك، وأقبِل على خَراجِك؛ فإنك كما ذكرتَ في طاعتك ونصيحتك؛ والسلام (١). (٥: ١١٧). ١١٨٦ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبو الصّلت الأعور التيْميّ عن أبي سعيد العُقَيْليّ، عن عبد الله بن وأل، قال: كتب عليٌّ ﵇ معي كتابًا إلى زياد بن خَصَفة؛ وأنا يومئذ شابّ حَدَث: أما بعد: فإنّي كنت أمرتك أن تنزل ديرَ أبي موسى حتى يأتيَك أمري، وذلك لأنّي لم أكن علمت إلى أيّ وجه توجّه القوم، وقد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية يقال لها: نِفّر، فاتّبع آثارَهم، وسلْ عنهم، فإنهم قد قتلوا رجلًا من أهل السواد مصلّيًا، فإذا أنت لحقتَهم؛ فارددْهم إليّ، فإن أبوْا؛ فناجِزْهم، واستعِن باللهعليهم، فإنهم قد فارقوا الحقّ، وسَفَكوا الدم الحرام، وأخافوا السبيل! والسلام. قال: فأخذتُ الكتاب منه، فمضيتُ به غيرَ بعيد، ثم رجعتُ به، فقلت: يا أميرَ المؤمنين! ألا أمضي مع زياد بن خَصَفة إذا دفعتُ إليه كتابك إلى عدوّك؟ فقال: يا بنَ أخي! افعل، فوالله إني أرجو أن تكون من أعواني على الحق، وأنصاري على القوم الظالمين! فقلت له: أنا والله يا أميرَ المؤمنين كذلك، ومن أولئك، وإنا حيث تحبّ! قال ابن وأل: فوالله ما أحبّ أنّ لي بمقالة علي تلك حُمْر النَعَم. قال: ثمّ مضيت إلى زياد بن خَصَفة بكتاب عليٍّ؛ وأنا على فرس لي رائع كريم، وعليَّ السلاح، فقال لي زياد: يا بن أخي! والله مالي عنك من غَناء! وإنّي لأحبّ أن تكون معي في وجهي هذا؛ فقلت له: قد استأذنتُ في ذلك أميرَ المؤمنين فأذِن لي، فسرّ بذلك. قال: ثمّ خرجنا حتى أتينا نِفّر، فسألنا عنهم، فقيل لنا: قد ارتفعوا نحو جَرْجَرايا، فاتّبعناهم، فقيل لنا: قد أخذوا نحو المذار، فلحقناهم؛ وهم نزول بالمذار، وقد أقاموا به يومًا وليلة، وقد استراحوا، وأعلفوا؛ وهم جامّون، فأتيناهم؛ وقد تقطّعنا، ولَغِبنا، وشَقِينا، ونَصِبنا، فلما رأونا؛ وثبوا على خيولهم فاستوَوْا عليها، وجئنا حتى انتهينا إليهم، فواقَفْناهم، ونادانا صاحبهم الخِرّيتُ بن راشد: يا عميانَ القلوب والأبصار! أمع اللهِ أنتم وكتابه وسنّة نبيه، أم مع الظالمين؟ فقال له زياد بن خَصَفة: بل نحن مع الله ومَنِ اللهُ وكتابه ورسوله آثرُ عندَه ثوابا من الدّنيا منذ خلقت إلى يوم تفنى، أيّها العُمْي الأبصار، الصُّمُّ القلوب، والأسماع! فقال لنا: أخبروني ما تريدون؟ فقال له زياد - وكان مجرّبًا رفيقًا: قد ترى ما بنا من اللُّغوب والسغوب، والذي جئنا له لا يُصلِحه الكلامُ علانيةً على رؤوس أصحابي وأصحابك، ولكن أنزل وتنزل، ثم نخلو جميعًا فنتذاكر أمرَنا هذا جميعًا وننظر، فإن رأيتَ ما جئناك فيه حظًّا لنفسك قبلتَه، وإن رأيتَ فيما أسمعه منك أمرًا أرجو فيه العافية لنا ولك لم أردُدْه عليك. قال: فانزل بنا، قال: فأقبل إلينا زياد فقال: انزلوا بنا على هذا الماء؛ قال: فأقبلْنا حتى إذا انتهينا إلى الماء، نزلناه فما هو إلا أن نزلْنا فتفرّقنا، ثم تحلّقنا من عشرة وتسعةوثمانية وسبعة، يضعون طعامَهم بين أيديهم فيأكلون، ثم يقومون إلى ذلك الماء، فيشربون. وقال لنا زياد: علّقوا على خيولكم، فعلّقنا عليها مَخاليَها، ووقف زياد بيننا وبين القوم، وانطلق القوم فتنحَّوا ناحية، ثم نزلوا، وأقبل إلينا زياد، فلما رأى تفرّقنا وتحلُّقَنا قال: سُبحان الله، أنتم أهلُ حرب؟ ! والله لو أن هؤلاء جاؤوكم الساعةَ على هذه الحال ما أرادوا من غيركم أفضل من حالكم التي أنتم عليها. اعجَلوا، قوموا إلى خيلكم، فأسرعْنا، فتحشحشنا فمنا من يتنفض، ثم يتوضّأ، ومنّا من يشرب، ومنا من يسقي فرسَه، حتى إذا فرغنا من ذلك كله؛ أتانا زياد؛ وفي يده عرق ينهشه، فنهش منه نهشتيْن أو ثلاثًا، وأتى بأداوة فيها ماءٌ، فشرب منه، ثم ألقى العَرْق من يده، ثم قال: يا هؤلاء! إنا قد لقينا القومَ، ووالله إن عدّتكم كعدّتهم، ولقد حَزرْتكم وإيّاهم، فما أظنّ أحدَ الفريقين يزيدُ على الآخر بخمسة نفر، وإنّي والله ما أرى أمرَهم وأمرَكم إلا يرجع إلى القتال، فإن كان إلى ذلك ما يصيِّر بكم وبهم الأمور فلا تكونوا أعجزَ الفريقين. ثم قال لنا: ليأخذْ كلّ امرئ منكم بعنان فرسِه حتى أدنوَ منهم، وادعوا إليّ صاحبَهم فأكلّمه، فإن بايعَني على ما أريد؛ وإلا فإذا دعوتكم؛ فاستَوُوا على متون الخيل، ثم أقبِلوا إليَّ معًا غيرَ متفرِّقين. قال: فاستقدم أمامنا؛ وأنا معه، فأسمع رجلًا من القوم يقول: جاءكم القوم وهم كالُّون معيُون، وأنت جامُّون مستريحون، فتركتموهم حتى نزلوا وأكلوا وشربوا واستراحوا؛ هذا والله سوءُ الرأي! والله لا يرجع الأمرُ بكم وبهمْ إلا إلى القتال، فسكتوا، وانتهينا إليهم، فدعا زياد بن خَصفة صاحبهم، فقال: اعتزل بنا فلننظرْ في أمرنا هذا، فوالله لقد أقبل إليّ زياد في خمسة، فقلت لزياد: ادع ثلاثةً من أصحابنا حتى نلقاهم في عدّتهم؛ فقال لي: اُدع مَن أحببت منهم، فدعوت من أصحابنا ثلاثًا، فكّنا خمسةً وخمسةً، فقال له زياد: ما الذي نقصْتَ على أمير المؤمنين وعلينا؛ إذ فارقْتَنا؟ فقال: لم أرضَ صاحبكم إمامًا، ولم أرضَ سيرتَكم سيرة، فرأيتُ أن أعتزِل وأكونَ مع مَن يدعو إلى الشورى من الناس، فإذا اجتمع الناسُ على رجل لجميع الأمة رضًا كنت مع الناس، فقال له زياد: وَيْحك! وهل يجتمع الناسُ على رجل منهم يداني صاحبَك الذي فارقته علمًا بالله، وبسُنن الله وكتابه، مع قرابته من الرّسول ﷺ وسابقته في الإسلام!فقال له: ذلك ما أقول لك، فقال له زياد: ففيم قتلتَ ذلك الرجل المسلم؟ قال: ما أنا قتلتُه، إنما قتلتْه طائفةٌ من أصحابي، قال: فادفعهم إلينا؛ قال: ما إلى ذلك سبيل؛ قال: كذلك أنت فاعل؟ قال: هو ما تسمع! قال: فدعَوْنا أصحابَنا، ودعا أصحابه، ثم أقبلنا؛ فوالله ما رأينا قتالًا مثلَه منذ خلقني ربّي، قال: اطّعنّا والله بالرماح حتى لم يبقَ في أيدينا رُمح! ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنتْ وعقِر عامّه خيلِنا وخيلهم، وكثرت الجراح فيما بيننا وبينهم، وقُتل منّا رجلان: مولَى زياد كانت معه رايتُه يدعى سُوَيدًا، ورجل من الأبناء يدعَى وافد بن بكر، وصرَعْنا منهم خمسةً، وجاء الليل يحجز بيننا وبينهم، وقد والله كرهونا وكرِهناهم، وقد جرح زياد، وجرحت. قال: ثمّ إنّ القوم تنحّوا، وبتْنا في جانب، فمكثوا ساعةً من الليل، ثم إنهم ذهبوا، واتّبعناهم حتى أتينا البصرة، وبلَغَنا أنهم أتوا الأهواز، فنزلوا بجانب منها، وتلاحق بهم أناس من أصحابهم نحو من مئتين كانوا معهم يالكوفة، ولى يكن لهم من القوّة ما يُنهضهم معهم حتى نهضوا، فاتبعوهم فلحقوهم بأرض الأهواز، فأقاموا معهم، وكتب زياد بن خَصَفة إلى علي: أمّا بعد، فإنا لقينا عدو الله الناجيّ بالمذار، فدعَوْناهم إلى الهدى والحقّ وإلى كلمة السَّواء، فلم ينزلوا على الحقّ، وأخذتْهم العزّة بالإثم، وزَيّن لهم الشيطان أعمالَهم فصدّهم عن السبيل، فقَصَدوا لنا، وصَمدْنا صمدَهم، فاقتتلْنا قتالًا شديدًا ما بين قائم الظَّهيرةِ إلى دُلُوك الشمس، فاستشهِد منّا رجلان صالحان، وأصيب منهم خمسةُ نفر، وخلّوا لنا المعركة، وقد فشت فينا وفيهم الجراح. ثم إنّ القوم لما لبسهم الليل خرجوا من تحته متنكّبين إلى أرض الأهواز، فبلَغَنا أنهم نزلوا منها جانبًا ونَحن بالبصرة نُداوِي جراحَنا، ونَنتظر أمرَك رحمك الله؛ والسّلام عليك. فلما أتيتُه بكتابه قرأه على الناس، فقام إليه معقل بن قيس، فقال: أصلَحك الله يا أميرَ المؤمنين! إنما كان ينبغي أن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كلّ رجل منهم عشرة من المسلمين، فإذا لَحِقوهم استأصَلوهم وقطعوا دابرَهم، فأمّا أن يلقاهم أعدادُهم فلعَمري ليصبرُنَّ لهم، هم قومٌ عرب، والعدّة تصبر للعدّة، وتنتصف منها، فقال: تجهّز يا معقلَ بنَ قيس إليهم، وندب معه ألفين من أهلالكُوفة منهم يزيد بن المغفّل الأزديّ، وكتب إلى ابن عباس: أما بعد، فابعث رجلًا من قِبَلك صليبًا شجاعًا معروفًا بالصّلاح في ألفي رجل، فليتبع معقِلًا، فإذا مرّ ببلاد البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقِلًا، فإذا لقي معقلًا فمعقلٌ أميرُ الفريقين، وليسمع من معقل وليُطِعه، ولا يخالفه، ومُر زيادَ بن خَصَفة فليُقبل، فنعم المرءُ زياد، ونعم القبيل قبيله (١)! (٥: ١١٧/ ١١٨/ ١١٩/ ١٢٠/ ١٢١). ١١٨٧ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبو الصَّلت الأعور عن أبي سعيد العُقيليّ، قال: كتب عليّ إلى زياد بن خَصَفة: أما بعد: فقد بلغني كتابك، وفهمتُ ما ذكرت من أمر الناجيّ وإخوانه الذين طبع الله على قلوبهم، وزيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم فهم يعمَهون، وَيحسبون أنهم يُحسنون صُنْعًا، ووصفتَ ما بلغ بك وبهم الأمر، فأمّا أنت وأصحابك فللَّه سعيُكم، وعلى الله تعالى جَزاؤكم! فأبشر بثواب الله خيرٌ من الدنيا التي يقتل الجهّال أنفسَهم عليها، فإنّ ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]. وأما عدوّكم الذين لقيِتموهم فحسْبهم بخروجهم من الهدى إلى الضّلال، وارتكابهم فيه، وردّهم الحق، ولجاجهم في الفتنة، ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]، ودَعْهم في طغيانهم يَعمَهون، فتسمّع وتبصّر، كأنك بهم عن قليل بين أسير وقتيل. أقبِل إلينا أنت وأصحابك مأجورين، فقد أطعتم وسمعتم، وأحسنتم البلاء؛ والسلام. ونزل الناجيّ جانبًا من الأهواز، واجتمع إليه عُلوجٌ من أهلها كثير أرادوا كسر الخَراج، ولصوصٌ كثيرة، وطائفة أخرى من العرب تَرَى رأيَه (٢). (٥: ١٢١/ ١٢٢). ١١٨٨ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن عن عليِّ بن مجاهد، قال: قال الشعبيّ: لما قتل عليٌّ ﵇ أهلَ النّهروان، خالَفَه قوم كثير،وانتقضت عليه أطرافه، وخالَفَه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرميّ البصرة، وانتقض أهلُ الأهواز، وطَمِع أهلُ الخراج في كسرِه، ثم أخرجوا سهل بن حُنَيف من فارس، وكان عامل عليٍّ عليها، فقال ابن عبّاس لعلي: أكفيك فارسَ بزياد، فأمره عليٌّ أن يوجّهه إليها، فقدِم ابن عباس البَصرةَ، ووجّهه إلى فارسَ في جمع كثير، فوطئ بهم أهل فارس، فأدَّوا الخراج (١). (٥: ١٢٢). ١١٨٩ - فحدّثني عليّ بن الحسن الأزديّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن عبد الملك بن سعيد بن حاب، عن الحرّ، عن عمار الدّهنيّ، قال: حدّثني أَبو الطُّفَيل، قال: كنت في الجيش الذي بعثهم عليّ بن أبي طالب إلى بني نَاجِية، فقال: فانتهينا إليهم، فوجدناهم على ثلاثِ فِرَق، فقال أميرنا لفرقة منهم: ما أنتم؟ قالوا: نحن قومٌ نصارى، لم نر دينًا أفضلَ من ديننا، فثبتْنا عليه، فقال لهم: اعتزِلوا، وقال للفرقة الأخرى: ما أنتم؟ قالوا: نحن كنّا نصارى، فأسلَمْنا، فثبتْنا على إسلامنا، فقال لهم: اعتزِلوا؛ ثم قال للفرقة الأخرى الثالثة: ما أنتم؟ قالوا: نحن قومٌ كنّا نصارى، فأسلمنَا، فلم نَرَ دينًا هو أفضلُ من ديننا الأوّل؛ فقال لهم: أسلِموا. فأبَوا؛ فقال لأصحابه: إذا مسحتُ رأسي ثلاثَ مرّات؛ فشدّوا عليهم، فاقتلوا المُقاتِلة، واسبُوا الذّرّية، فجيء بالذرّية إلى عليّ، فجاء مَصقَلة بن هُبيرة، فاشتراهم بمئتي ألف، فجاء بمئةِ ألف فلم يقبلها عليّ، فانطلق بالدراهم، وعمَد إليهم مصقلة فاعتقَهم ولحق بمعاوية، فقيل لعليّ: ألا تأخذ الذرّية؟ فقال: لا، فلم يَعرِض لهم (٢). (٥: ١٢٥/ ١٢٦). ١١٩٠ - قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن كعب عن أبي الصّديق النّاجيّ: أن الخِرّيت يومئذ كان يقول لقومه: امنعوا حريمَكم، وقاتِلوا عن نسائكم وأولادكم، فوالله لئن ظهروا عليكم؛ ليقتلُنّكم، وليسبُنّكم. فقال له رجل من قومه: هذا والله ما جَنتْه علينا يَداك ولسانُك، فقال: قاتِلوالله أنتم! سَبَق السيفُ العَذَل، إيهًا والله لقد أصابت قومي داهيه" (١)! (٥: ١٢٧). ١١٩١ - قال أبو مخنف: وحدّثني الحارث بن كعب عن عبد الله بن فُقَيْم، قال: سار فينا معقِل فحرّض الناسَ فيما بين الميمنة والميسرة يقول: أيُّها الناس المسلمون! ما تزيدون أفضلَ مما سِيق لكم في هذا الموقف من الأجر العظيم؛ إنّ الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة، وارتدّوا عن الإسلامِ، ونَكَثوا البيعة ظُلمًا وعدوانًا، فأشهد من قُتل منكم بالجنة، ومَنْ عاش فإن الله مُقِرّ عينَه بالفتح والغنيمة! ففعل ذلك حتى مرّ بالناس كلِّهم، ثم إنه جاء حتى وقف في القلْب برايته، ثم إنه بعث إلى يزيد بن المغفل وهو في الميمنة: أنِ احملْ عليهم، فَحمَل عليهم، فثبَتوا وقاتلوا قتالًا شديدًا، ثم إنه انصرف حتى وقف موقِفه الذي كان به في الميمنة، ثم إنه بعث إلى مِنْجاب بن راشد الضّبيّ وهو في الميسرة، ثم إنّ مِنجابًا حَمَل عليهم، فثَبَتُوا، وقاتَلوا قتالًا شديدًا طويلًا، ثم إنه رجع حتى وقف في الميسرة، ثم إن معقلًا بعث إلى الميمنة والميسرة: إذا حملتُ؛ فاحملوا بأجمعكم، فحرّك رايتَه وهَزّها، ثم إنه حمل وحمل أصحابُه جميعًا، فصبروا ساعةً لهم، ثم إنّ النعمان بن صُهْبان الراسبيّ من جَزم بصُرَ بالخِرّيت بن راشد فحَمَل عليه، فطَعَنه فصرعه عن دابّته، ثم نزل وقد جَرَحه فأثْخنه، فاختَلَفا ضربتين، فقتله النعمان بن صُهْبان، وقُتِل معه في المعركة سبعون ومئة، وذهبوا يمينًا وشمالًا، وبعث معقل بن قيس الخيلَ إلى رحالهم، فسبَى مَن أدرك منهم، فسبى رجالًا كثيرًا ونساءً وصبيانًا، ثم نظر فيهم؛ فأمّا من كان مسلمًا؛ فخلّاه، وأخذ بيعته، وترك له عيالَه، وأما من كان ارتدّ فعرض عليه الإسلام، فرجعوا، وخلّى سبيلهم، وسبيلَ عيالهم إلّا شيخًا منهم نصرانيًّا يقال له: الرُّمَاحس بن منصور؛ قال: والله ما زَللْتُ منذ عقلتُ إلا في خروجي من ديني، دينِ الصّدق إلى دينكم دين السوء، لا والله لا أدع دِيني، ولا أقرب دينكم ما حييت! فقدّمه فضَرَب عنقَه، وجمع معقل الناسَ، فقال: أدُّوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة، فأخذ من المسلمين عِقالَين، وعمَد إلى النصارى، وعيالِهم فاحتملهم مقبلًا بهم، وأقبل المسلمون معهم يشيّعونهم، فأمر معقل بردّهم، فلما انصرفوا تصافحوا فبكوا، وبكى الرجالُ والنساء بعضهم إلىبعض. قال: فأشهد أنّي رحمتُهم رحمةً ما رحمتُها أحدًا قبلَهم ولا بعدَهم. قال: وكتب معقل بن قيس إلى عليّ: أما بعد، فإنِّي أخبر أميرَ المؤمنين عن جُنْده وعدوّه؛ إنا دفعنا إلى عدونا بالأسياف فوجدنا بها قبائلَ ذات عِدّة، وحِدّة، وجِدّ، وقد جُمعت لنا، وتحزّبتْ علينا، فدعَوْناهم إلى الطاعة والجماعة، وإلى حُكم الكتاب والسنة، وقرأنا عليهم كتابَ أمير المؤمنين، ورفعنا لهم رايةَ أمان، فمالَتْ إلينا منهم طائفة، وبقيتْ طائفة أخرى مُنابِذة، فقبلنا من التي أقبلت، وصَمدْنا للتي أدبرتْ، فضرب الله وجوهَهم، ونُصِرنا عليهم؛ فأمّا من كان مسلمًا؛ فإنا مننّا عليه، وأخذنا بيعتَه لأمير المؤمنين، وأخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم، وأما من ارتدّ؛ فإنا عرضنا عليه الرجوع إلى الإسلام، وإلا؛ قتلناه، فرجعوا غير رجل واحد، فقتلناه، وأما النصارى، فإنا سبيْناهم، وقد أقبلْنا بهم ليكونوا نكالًا من بعدهم من أهل الذمة، لكيلا يمنعوا الجزية، ولكيلا يجترئوا على قتال أهلِ القبلة، وهم أهل الصّغار والذلّ، رحمك الله يا أميرَ المؤمنين، وأوجَبَ لك جنّات النعيم! والسلام عليك. ثم أقبل بهم حتى مرّ بهم على مصقلة بن هبيرة الشيبانيّ، وهو عاملُ عليّ على أردَشِير خُرّه، وهم خمسمئة إنسان، فبكى النساء والصبيانُ، وصاحَ الرجال: يا أبا الفضل، يا حاميَ الرجال، وفَكّاك العُناة، امنن علينا فاشترِنا، وأعتِقنا! فقال مصقَلة: أقسم بالله لأتصدّقنَ عليهم، إنّ الله يَجزِي المتصدّقين! فبُلِّغها عنه معقِل، فقال: والله لو أعلم أنه قاله توجُّعًا لهم، وزراءً عليكم؛ لضربتُ عنقَه، ولو كان في ذلك تفانِي تميم وبكْر بن وائل! ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذّهليّ إلى معقِل بن قيس فقال له: بِعني بني ناجية. فقال: نعم، أبيعك بألف ألف، ودفَعَهم إليه، وقال له: عجّل بالمال إلى أمير المؤمنين، فقال: أنا باعث الآن بصدر، ثم أبعثُ بصدر آخر كذلك، حتى لا يبقى منه شيء إن شاء الله تعالى. وأقبل معقل بن قيس إلى أمير المؤمنين وأخبره بما كان منه في ذلك، فقال له: أحسنتَ وأصبتَ، وانتظَرَ عليٌّ مصقلة أن يبعث إليه بالمال، وبلغ عليًّا: أنّ مصقلة خلَّى سبيلَ الأسارى ولم يسألهم أن يُعينوه في فكاك أنفسهم بشيء، فقال: ما أظنّ مصقلة إلا قد تحمّل حَمالةً؛ ألا أراكم سترَوْنه عن قريب ملبّدًا، ثم إنه كتب إليه: أمّا بعد، فإن من أعظم الخيانة خيانةالأمة، وأعظم الغِشّ على أهل المصر غشّ الإمام، وعندك من حق المسلمين خمسمئة ألف، فابعث بها إليّ ساعةَ يأتيك رسولي، وإلا فاقبِل حين تنظرُ في كتابي، فإني قد تقدّمت إلى رسولي إليك ألّا يَدَعَك أن تقيمَ ساعة واحدة بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال! والسلام عليك. وكان الرسول أبو جُرّة الحنفيّ، فقال له أبو جُرّة: إن يبعث بالمال الساعة وإلا فاشْخَصْ إلى أمير المؤمنين. فلما قرأ كتابه؛ أقبل حتى نزل البَصرة، فمكث بها أيامًا، ثم إنّ ابن عباس سأله المال، وكان عمّال البصرة يحملون من كُوَر البصرة إلى ابن عباس، ويكون ابنُ عباس هو الذي يبعث به إلى عليّ؛ فقال له: نعم، أنظِرني أيامًا، ثم أقبل حتى أتى عليًّا فأقرّه أيامًا، ثم سأله المال، فأدّى إليه مئتي ألف، ثم إنه عجز فلم تقدِر عليه (١). (٥: ١٢٧/ ١٢٨/ ١٢٩). ١١٩٢ - قال أبو مخنف: وحدّثني أبو الصّلت الأعور عن ذُهل بن الحارث، قال: دعاني مَصْقلة إلى رَحْلِه، فقُدّم عشاؤه، فطَعِمْنا منه، ثم قال: والله إن أميرَ المؤمنين يسألني هذا المال، ولا أقدِر عليه! فقلت: والله لو شئتَ ما مضت عليك جمعة حتى تجمع جميعَ المال؛ فقال: والله ما كنت لأحمّلهَا قومي، ولا أطلب فيها إلى أحد. ثم قال: أما والله لو أن ابنَ هند هو طالبني بها، أو ابن عفان لتركها لي؛ ألم تر إلى ابن عفان حيث أطعَم الأشعثَ من خراج أذْرَبيجان مئة ألف في كلّ سنة! فقلت له: إنّ هذا لا يرى هذا الرأي، لا والله ما هو بباذل شيئًا كنتَ أخذته، فسكت ساعةً، وسكت عنه، فلا والله ما مكث إلا ليلةً واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية. وبلغ ذلك عليًّا، فقال: ماله برّحه اللهَ؛ فعَل فِعلَ السيِّد، وفرّ فِرارَ العبد، وخان خيانة الفاجر! أما والله لو أنه أقام فعجز ما زدنا على حبسه، فإن وجدْنا له شيئًا أخذناه، وإن لم نقدر على مال تركناه. ثم سار إلى داره فنقضها وهدّمها، وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعتًا، ولعليٍّ مناصحًا، فكتب إليه مصقلة من الشأم مع رجل من النصارى من بني تَغلِب يقال له حُلْوان: أما بعد: فإني كلّمتُ معاويةَ فيك، فوعَدَك الإمارة، ومنّاك الكرامة، فأقبِل إليَّ ساعةَ يلقاك رسولي إن شاء الله؛ والسلام.فأخذه مالك بن كعب الأرحبيّ، فسرّح به إلى عليّ، فأخذ كتابه فقرأه، فقطع يَد النصرانيّ، فمات، وكتب نُعيم إلى أخيه مَصْقَلة: لا ترْمِيَنَّ هَداكَ اللهُ مُعْتَرِضًا ... بالظَّنِّ مِنْك فما بالي وحُلوانا! ذاك الحَريصُ على ما نالَ مِن طَمَع ... وهْوَ البَعيدُ فلا يُحْزِنْكَ إذْ خانا ماذا أَردْتَ إلى إرْسالِهِ سَفَهًا ... ترْجو سِقَاطَ امْرِئٍ لمْ يُلْفَ وَسْنانا عَرَّضْتَهُ لِعَليٍّ إنَّهُ أَسَدٌ ... يمشي العِرَضْنَةَ مِنْ آسادِ خَفّانا قد كنْتَ في مَنْظَرٍ عن ذا ومُسْتَمَعٍ ... تحْمِي العراقَ وتُدْعى خَيْرَ شيْبانا حَتَّى تَقَحَّمْتَ أَمْرًا كنْتَ تَكْرَهُهُ ... للرّاكبين لَهُ سِرًّا وإِعلانا لو كنْتَ أَدَّيْتَ ما للقَوْم مُصْطَبِرًا ... للْحَقِّ أَحْييْتَ أَحيانَا ومَوْتانا لكن لَحِقْتَ بأَهْلِ الشأمِ مُلتمِسًا ... فضل ابن هِنْدٍ وذاك الرأيُ أَشجانا فاليَوْمَ تَقْرَعُ سِنَّ الغُرْمِ من ندَمٍ ... ماذا تَقولُ وقَدْ كان الذي كانا! أَصْبحْتَ تُبْغِضكَ الأَحياءُ قاطِبةً ... لم يَرْفَع اللهُ بالبَغْضاء إنسانا فلما وَقَع الكتاب إليه عَلِم: أنّ رسوله قد هلك، ولم يلبث التغلبيّون إلا قليلًا حتى بلغهم هلاكُ صاحبهم حُلوان، فأتوا مصقلةَ فقالوا: إنك بعثتَ صاحبَنا فأهْلَكتَه، فإما أن تُحييَه وإما أن تَدِيَه، فقال: أمّا أن أحِييَه فلا أستطيع، ولكنّي سأدِيه؛ فوَداه (١). (٥: ١٢٩/ ١٣٠/ ١٣١). ١١٩٣ - قال أبو مخنف: وحدّثني عبد الرحمن بن جندَب، قال: حدّثني أبي، قال: لما بلِغ عليًّا مصابُ بني ناجية، وقتلَ صاحبهم، قال: هوتْ أمّه! ما كان أنقَصَ عقله، وأجرَأه على ربّه! فإنّ جائيًا جاءني مرّة، فقال لي: في أصحابك رجالٌ قد خشيتُ أن يفارقوك، فما ترى فيهم؟ فقلت له: إنّي لا آخذ على التّهمة، ولا أعاقب على الظنّ، ولا أقاتل إلا من خالفَني، وناصَبَني، وأظهر لي العداوة، ولست مُقاتِلَه حتى أدعوَه وأعذرَ إليه، فإن تاب ورجع إلينا؛ قبلْنا منه، وهو أخونا، وإن أبى إلا الاعتزامَ على حربنا، استعنّا عليه اللهَ، وناجَزْناه. فكفّ عني ما شاء الله. ثم جاءني مرّة أخرى فقال لي: قد خشيت أن يَفسد عليك عبدُ الله بنُ وهب الراسبيّ وزيدُ بن حصين، إني سمعتُهما يَذكرانكبأشياء لو سمعتَها؛ لم تُفارِقْهما عليها حتى تقتلهما، أو توبِقهما، فلا تفارقْهما من حبسِك أبدًا، فقلت: إنّي مستشيرك فيهما، فماذا تأمرني به؟ قال: فإنّي آمرك أن تدعوَ بهما، فتضربَ رِقابهما. فعلمت: أنه لَا ورعٌ ولا عاقل، فقلت: واللهِ ما أظنّك وَرِعًا ولا عاقِلًا نافعًا، واللهِ لقد كان ينبغي لك لو أردت قتلَهم أن تقول: اتّق اللهِ، لِم تستحلّ قتلَهم ولم يقتلوا أحدًا، ولم ينابذوك، ولم يخرجوا من طاعتك (١)! (٥: ١٣١/ ١٣٢). واختُلف في عامله على خُراسان فقيل: كان خليد بن قرّة اليربوعيّ، وقيل: كان ابن أبزَى؛ وأما الشأم ومصرَ فإنه كان بهما معاوية وعمّاله (٢). (٥: ١٣٢).