Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

تكتيب الكتائب وتعبئة الناس للقتال

تكتيب الكتائب وتعبئة الناس للقتال

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

2 books · 2 entries
Research data and provenancethin dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
thin
Source entries
2
Strong identity entries
0
Chronology hints
0
Attribute hints
0
Relation hints
0
Assessment hints
0
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

2 books · 2 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

2 exact linked passages0 legacy full passages0 assessment hints0 assessment snippets

ابن جرير الطبري - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 2471, entry [523]11,868 chars
    تكتيب الكتائب وتعبئة الناس للقتال [قَالَ: ومكث الناس حَتَّى إذا دنا انسلاخ المحرم أمر علي مرثد بن الْحَارِث الجشمي فنادى أهل الشام عِنْدَ غروب الشمس: أَلا إن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يقول لكم: إني قَدِ استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إِلَيْهِ، واحتججت عَلَيْكُمْ بكتاب اللَّه ﷿، فدعوتكم إِلَيْهِ، فلم تنا…
    ▸ expand full passage (11,868 chars)
    تكتيب الكتائب وتعبئة الناس للقتال [قَالَ: ومكث الناس حَتَّى إذا دنا انسلاخ المحرم أمر علي مرثد بن الْحَارِث الجشمي فنادى أهل الشام عِنْدَ غروب الشمس: أَلا إن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يقول لكم: إني قَدِ استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إِلَيْهِ، واحتججت عَلَيْكُمْ بكتاب اللَّه ﷿، فدعوتكم إِلَيْهِ، فلم تناهوا عن طغيان، ولم تجيبوا إِلَى حق، وإني قَدْ نبذت إليكم عَلَى سواء، إن اللَّه لا يحب الخائنين] . ففزع أهل الشام إِلَى أمرائهم ورؤسائهم، وخرج مُعَاوِيَة وعمرو بن الْعَاصِ فِي الناس يكتبان الكتائب ويعبيان الناس، وأوقدوا النيران، وبات علي ليلته كلها يعبي الناس، ويكتب الكتائب، ويدور فِي الناس يحرضهم. قَالَ أَبُو مخنف: [حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُرُنَا فِي كل موطن لقينا فيه معه عدوا فيقول: لا تُقَاتِلُوا الْقَوْمَحَتَّى يَبْدَءُوكُمْ، فَأَنْتُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ ﷿ على حجه، وترككم إياهم حتى يبدؤكم حُجَّةً أُخْرَى لَكُمْ، فَإِذَا قَاتَلْتُمُوهُمْ فَهَزَمْتُمُوهُمْ فَلا تَقْتُلُوا مُدْبِرًا، وَلا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلا تَكْشِفُوا عَوْرَةً، وَلا تُمَثِّلُوا بِقَتِيلٍ، فَإِذَا وَصَلْتُمْ إِلَى رِحَالِ الْقَوْمِ فَلا تَهْتِكُوا سِتْرًا وَلا تَدْخُلُوا دَارًا إِلا بِإِذْنٍ، وَلا تَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلا مَا وَجَدْتُمْ فِي عَسْكَرِهِمْ، وَلا تُهَيِّجُوا امْرَأَةً بِأَذًى، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ وَصُلَحَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضِعَافُ الْقُوَى وَالأَنْفُسِ] . قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: وَحدثني إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي صَادِقٍ، عَنِ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: [سَمِعْتُ عَلِيًّا يُحَرِّضُ النَّاسَ فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ: يُحَرِّضُ النَّاسَ يَوْمَ صِفِّينَ، وَيَوْمَ الْجَمَلِ، وَيَوْمَ النَّهْرِ، يَقُولُ: عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ، وَغُضُّوا الأَبْصَارَ، وَاخْفِضُوا الأَصْوَاتِ، وَأَقِلُّوا الْكَلامَ، وَوَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى المنازله والمجاولة والمبارزه والمناضلة والمجالدة وَالْمُعَانَقَةِ وَالْمُكَادَمَةِ وَالْمُلازَمَةِ، فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُمُ الصَّبْرَ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمُ النَّصْرَ، وَأَعْظِمْ لَهُمُ الأَجْرَ] . فأصبح علي من الغد، فبعث عَلَى الميمنة والميسرة والرجالة والخيل قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي فضيل بن خديج الكندي أن عَلِيًّا بعث عَلَى خيل أهل الْكُوفَة الأَشْتَر، وعلى خيل أهل الْبَصْرَة سَهْل بن حنيف، وعلى رجالة أهل الْكُوفَة عمار بن ياسر، وعلى رجالة اهل البصره قيس بن سعد وهاشم ابن عتبة وَمَعَهُ رايته، ومسعر بن فدكي التميمي عَلَى قراء أهل الْبَصْرَة، وصار أهل الْكُوفَة إِلَى عَبْد اللَّهِ بن بديل وعمار بن ياسر. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بن جابر الأَزْدِيّ، عَنِ الْقَاسِمِ مولى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، أن مُعَاوِيَة بعث عَلَى ميمنته ابن ذي الكلاع الحميري،، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري، وعلى مقدمته يوم أقبل من دمشقأبا الأعور السلمي- وَكَانَ عَلَى خيل أهل دمشق- وعمرو بن الْعَاصِ عَلَى خيول أهل الشام كلها، ومسلم بن عُقْبَةَ المري عَلَى رجالة أهل دمشق، والضحاك بن قيس عَلَى رجالة الناس كلها وبايع رجال من أهل الشام عَلَى الموت، فعقلوا أنفسهم بالعمائم فكان المعقلون خمسة صفوف، وكانوا يخرجون ويصفون عشرة صفوف، وخرج أهل العراق أحد عشر صفا فخرجوا أول يوم من صفين فاقتتلوا وعلى من خرج يَوْمَئِذٍ من أهل الْكُوفَة الأَشْتَر، وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة، وَذَلِكَ يوم الأربعاء، فاقتتلوا قتالا شديدا جل النهار، ثُمَّ تراجعوا وَقَدِ انتصف بعضهم من بعض، ثُمَّ خرج هاشم بن عتبة فِي خيل ورجال حسن عددها وعدتها، وخرج إِلَيْهِ أَبُو الأعور، فاقتتلوا يومهم ذَلِكَ، يحمل الخيل عَلَى الخيل، والرجال عَلَى الرجال، ثُمَّ انصرفوا وَقَدْ كَانَ القوم صبر بعضهم لبعض وخرج الْيَوْم الثالث عمار بن ياسر، وخرج إِلَيْهِ عَمْرو بن الْعَاصِ، فاقتتل الناس كأشد القتال، وأخذ عمار يقول: يَا أهل العراق، أتريدون أن تنظروا إِلَى من عادى اللَّه ورسوله وجاهدهما، وبغى عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وظاهر المشركين، فلما رَأَى اللَّه ﷿ يعز دينه ويظهر رسوله أتى النَّبِيّ ص فأسلم، وَهُوَ فِيمَا نرى راهب غير راغب، ثم قبض الله ﷿ رسوله ص! فو الله إن زال بعده معروفا بعداوة المسلم، وهوادة المجرم فاثبتوا لَهُ وقاتلوه فإنه يطفئ نور اللَّه، ويظاهر أعداء اللَّه ﷿. فكان مع عمار زياد بن النضر عَلَى الخيل، فأمره أن يحمل فِي الخيل، فحمل، وقاتله الناس وصبروا لَهُ، وشد عمار فِي الرجال، فأزال عَمْرو بن الْعَاصِ عن موقفه وبارز يَوْمَئِذٍ زياد بن النضر أخا لَهُ لأمه يقال لَهُ عَمْرو بن مُعَاوِيَة بن المنتفق بن عَامِر بن عقيل- وكانت أمهما امرأة من بني يَزِيد- فلما التقيا تعارفا فتواقفا، ثُمَّ انصرف كل واحد منهما عن صاحبه، وتراجع الناس. فلما كَانَ من الغد خرج مُحَمَّد بن علي وعبيد اللَّه بن عُمَرَ فِي جمعين عظيمين، فاقتتلوا كأشد القتال ثُمَّ إن عُبَيْد اللَّهِ بن عُمَرَ أرسل إِلَى ابن الحنفيه:أن اخرج إلي، فَقَالَ: نعم، ثُمَّ خرج يمشي، فبصر بِهِ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: من هَذَانِ المتبارزان؟ فقيل: ابن الحنفية وعبيد اللَّه بن عُمَرَ، فحرك دابته ثُمَّ نادى مُحَمَّدا، فوقف لَهُ، فَقَالَ: أمسك دابتي، فأمسكها، ثُمَّ مشى إِلَيْهِ علي فَقَالَ: أبرز لك، هلم إلي، فَقَالَ: ليست لي فِي مبارزتك حاجة، فَقَالَ: بلى، فَقَالَ: لا، فرجع ابن عمر فأخذ ابن الحنفية يقول لأبيه: يَا أبت، لم منعتني من مبارزته؟ فو الله لو تركتني لرجوت أن أقتله، فَقَالَ: لو بارزته لرجوت أن تقتله، وما كنت آمن أن يقتلك، فَقَالَ: يَا أبت أو تبرز لهذا الفاسق! وَاللَّهِ لو أبوه سألك المبارزة لرغبت بك عنه، [فَقَالَ علي: يَا بني، لا تقل فِي أَبِيهِ إلا خيرا] ثُمَّ إن الناس تحاجزوا وتراجعوا. قَالَ: فلما كَانَ الْيَوْم الخامس خرج عَبْد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ والوليد بن عُقْبَةَ فاقتتلوا قتالا شديدا، ودنا ابن عَبَّاس من الْوَلِيد بن عُقْبَةَ، فأخذ الْوَلِيد يسب بني عبد المطلب، وأخذ يقول: يا بن عَبَّاس، قطعتم أرحامكم، وقتلتم إمامكم، فكيف رأيتم اللَّه صنع بكم؟! لم تعطوا مَا طلبتم، ولم تدركوا مَا أملتم، وَاللَّهِ إن شاء مهلككم وناصر عَلَيْكُمْ فأرسل إِلَيْهِ ابن عَبَّاس: أن ابرز لي، فأبى. وقاتل ابن عَبَّاس يَوْمَئِذٍ قتالا شديدا، وغشي الناس بنفسه. ثُمَّ خرج قيس بن سَعْد الأَنْصَارِيّ وابن ذي الكلاع الحميري فاقتتلوا قتالا شديدا، ثُمَّ انصرفا، وذلك في الْيَوْم السادس. ثُمَّ خرج الأَشْتَر، وعاد إِلَيْهِ حبيب بن مسلمة الْيَوْم السابع، فاقتتلا قتالا شديدا، ثُمَّ انصرفا عِنْدَ الظهر، وكل غير غالب، وَذَلِكَ يوم الثلاثاء. قَالَ أَبُو مخنف: حدثني مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب، أن عَلِيًّا قَالَ: حَتَّى متى لا نناهض هَؤُلاءِ القوم بأجمعنا! فقام فِي الناس عشية الثلاثاء، ليلة الأربعاء بعد العصر، فقال: الحمد لله الَّذِي لا يبرم مَا نقض، وما أبرم لا ينقضه الناقضون، لو شاء مَا اختلف اثنان من خلقه، وَلا تنازعت الأمة فِي شَيْءٍ من أمره، وَلا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وَقَدْ ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار، فلفت بيننا فِي هَذَا المكان، فنحن من ربنا بمرأى ومسمع، فلو شاء عجل النقمة، وَكَانَ مِنْهُ التغيير، حَتَّىيكذب اللَّه الظالم، ويعلم الحق أين مصيره، ولكنه جعل الدُّنْيَا دار الأعمال، وجعل الآخرة عنده هي دار القرار، ليجزي الَّذِينَ أساءوا بِمَا عملوا ويجزي الَّذِينَ أحسنوا بالحسنى أَلا انكم لاقو القوم غدا، فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلوا اللَّه ﷿ النصر والصبر، والقوهم بالجد والحزم، وكونوا صادقين ثُمَّ انصرف، ووثب الناس إِلَى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها، ومر بهم كعب بن جعيل التغلبي وَهُوَ يقول: أصبحت الأمة فِي أمر عجب ... والملك مجموع غدا لمن غلب فقلت قولا صادقا غير كذب ... إن غدا تهلك أعلام العرب. [قَالَ: فلما كَانَ من الليل خرج علي فعبى الناس ليلته كلها، حَتَّى إذا أصبح زحف بِالنَّاسِ، وخرج إِلَيْهِ مُعَاوِيَة فِي أهل الشام، فأخذ علي يقول: من هَذِهِ القبيلة؟ ومن هَذِهِ القبيلة؟ فنسبت لَهُ قبائل أهل الشام، حَتَّى إذا عرفهم ورأى مراكزهم قَالَ للأزد: اكفوني الأزد، وَقَالَ لخثعم: اكفوني خثعم] وأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام إلا أن تكون قبيلة ليس منها بِالشَّامِ أحد فيصرفها إِلَى قبيلة أخرى تكون بِالشَّامِ، ليس مِنْهُمْ بِالْعِرَاقِ واحد، مثل بجيلة لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ بِالشَّامِ إلا عدد قليل، فصرفهم إِلَى لخم ثُمَّ تناهض الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا نهارهم كله، ثُمَّ انصرفوا عِنْدَ المساء وكل غير غالب، حَتَّى إذا كَانَ غداة الخميس صلى علي بغلس قَالَ أَبُو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أَبِيهِ، قَالَ: مَا رأيت عَلِيًّا غلس بالصلاة أشد من تغليسه يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ خرج بِالنَّاسِ الى اهل الشام فزحف اليهم، فكان يبدوهم فيسير إِلَيْهِم، فإذا رأوه قَدْ زحف إِلَيْهِم استقبلوه بوجوههم. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي مالك بن أعين، عن زَيْد بن وهب الجهني، أن عَلِيًّا خرج إِلَيْهِم غداة الأربعاء فاستقبلهم فَقَالَ: اللَّهُمَّ رب السقف المرفوع، المحفوظ المكفوف، الَّذِي جعلته مغيضا لليل والنهار، وجعلتفِيهِ مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم، وجعلت سكانه سبطا من الملائكة، لا يسأمون العبادة ورب هَذِهِ الأرض الَّتِي جعلتها قرارا للأنام، والهوام والأنعام، وما لا يحصى مما لا يرى ومما يرى من خلقك العظيم ورب الفلك التي تجري فِي البحر بِمَا ينفع الناس، ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض، ورب البحر المسجور المحيط بالعالم، ورب الجبال الرواسي الَّتِي جعلتها للأرض أوتادا، وللخلق متاعا، إن أظهرتنا عَلَى عدونا فجنبنا البغي، وسددنا للحق، وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة، واعصم بقية أَصْحَابي من الْفِتْنَة. قَالَ: وازدلف الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا كأشد القتال يومهم حَتَّى الليل، لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا للصلاة، وكثرت القتلى بينهم، وتحاجزوا عِنْدَ الليل وكل غير غالب، فأصبحوا من الغد، فصلى بهم علي غداة الخميس، فغلس بالصلاة أشد التغليس، ثُمَّ بدأ أهل الشام بالخروج، فلما رأوه قَدْ أقبل إِلَيْهِم خرجوا إِلَيْهِ بوجوههم، وعلى ميمنته عَبْد اللَّهِ بن بديل، وعلى ميسرته عَبْد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ، وقراء أهل العراق مع ثلاثة نفر: مع عمار ابن ياسر، ومع قيس بن سَعْدٍ، ومع عَبْد اللَّهِ بن بديل، والناس عَلَى راياتهم ومراكزهم، وعلي فِي القلب فِي أهل الْمَدِينَة بين أهل الْكُوفَة وأهل الْبَصْرَة، وعظم من مَعَهُ من أهل الْمَدِينَة الأنصار، وَمَعَهُ من خزاعة عدد حسن، ومن كنانة وغيرهم من أهل الْمَدِينَة. ثُمَّ زحف إِلَيْهِم بِالنَّاسِ، ورفع مُعَاوِيَة قبة عظيمة قَدْ ألقى عَلَيْهَا الكرابيس وبايعه عظم الناس من أهل الشام عَلَى الموت، وبعث خيل أهل دمشق فاحتاطت بقبته، وزحف عَبْد اللَّهِ بن بديل فِي الميمنة نحو حبيب بن مسلمة، فلم يزل يحوزه، ويكشف خيله من الميسرة حَتَّى اضطرهم إِلَى قبة مُعَاوِيَة عِنْدَ الظهرقَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي مالك بن أعين، عن زَيْد بن وهب الجهني، أن ابن بديل قام فِي أَصْحَابه فَقَالَ: أَلا إن مُعَاوِيَة ادعى مَا ليس أهله، ونازع هَذَا الأمر من ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض بِهِ الحق، وصال عَلَيْكُمْ بالأعراب والأحزاب، قَدْ زين لَهُمُ الضلالة، وزرع فِي قلوبهم حب الْفِتْنَة، ولبس عَلَيْهِم الأمر، وزادهم رجسا إِلَى رجسهم، وَأَنْتُمْ عَلَى نور من ربكم، وبرهان مبين فقاتلوا الطغاة الجفاة، وَلا تخشوهم، فكيف تخشونهم وفي أيديكم كتاب اللَّه ﷿ طاهرا مبرورا! «أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» ، وقد قاتلناهم مع النبي ص مرة، وهذه ثانية، وَاللَّهِ مَا هم فِي هَذِهِ بأتقى وَلا أزكى وَلا أرشد، قوموا إِلَى عدوكم بارك اللَّه عَلَيْكُمْ! فقاتل قتالا شديدا هُوَ وأَصْحَابه. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي عبد الرَّحْمَن بن أبي عمرة الأَنْصَارِيّ، عَنْ أَبِيهِ ومولى لَهُ، [أن عَلِيًّا حرض الناس يوم صفين، فَقَالَ: إن اللَّه ﷿ قَدْ دلكم عَلَى تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تشفى بكم عَلَى الخير: الإيمان بِاللَّهِ ﷿ وبرسوله ص، والجهاد فِي سبيل اللَّه تعالى ذكره، وجعل ثوابه مغفرة الذنب، ومساكن طيبة فِي جنات عدن ثُمَّ أخبركم أنه يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بنيان مرصوص، فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وعضوا عَلَى الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، والتووافِي أطراف الرماح، فإنه أصون للأسنة وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش، وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل، وأولى بالوقار راياتكم فلا تميلوها وَلا تزيلوها، وَلا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، فإن المانع للذمار، والصابر عِنْدَ نزول الحقائق، هم أهل الحفاظ الَّذِينَ يحفون براياتهم ويكنفونها، يضربون حفافيها خلفها وأمامها، وَلا يضعونها أجزأ امرؤ وقذ قرنه- رحمكم اللَّه- وآسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إِلَى أخيه، فيكسب بِذَلِكَ لائمة، ويأتي بِهِ دناءة وأني لا يكون هَذَا هكذا! وهذا يقاتل اثنين، وهذا ممسك بيده يدخل قرنه عَلَى أخيه هاربا مِنْهُ، أو قائما ينظر إِلَيْهِ! من يفعل هَذَا يمقته اللَّه ﷿، فلا تعرضوا لمقت اللَّه سُبْحَانَهُ فإنما مردكم إِلَى اللَّهِ، قَالَ اللَّه عز من قائل لقوم: «لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا» وايم اللَّه لَئِنْ سلمتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة واستعينوا بالصدق والصبر، فإن بعد الصبر ينزل اللَّه النصر] .

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 3458, entry [1342]11,223 chars
    تكتيب الكتائب وتعبئة الناس للقتال قال: ومكث الناس حتى إذا دنا انسلاخ المحرَّم أمر عليّ مَرْثَد بن الحارث الجُشَميّ فنادى أهل الشام عند غروب الشمس: ألَا إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: إنّي قد استدمتكم لتراجعوا الحقّ وتُنيبوا إليه، واحتججت عليكم بكتاب الله ﷿، فدعوْتكم إليه، فلم تَنَاهَوْا عن طغيان، ولم ت…
    ▸ expand full passage (11,223 chars)
    تكتيب الكتائب وتعبئة الناس للقتال قال: ومكث الناس حتى إذا دنا انسلاخ المحرَّم أمر عليّ مَرْثَد بن الحارث الجُشَميّ فنادى أهل الشام عند غروب الشمس: ألَا إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: إنّي قد استدمتكم لتراجعوا الحقّ وتُنيبوا إليه، واحتججت عليكم بكتاب الله ﷿، فدعوْتكم إليه، فلم تَنَاهَوْا عن طغيان، ولم تجيبوا إلى حقّ، وإنّي قد نبذت إليكم على سواء، إنّ الله لا يحبّ الخائنين. ففزع أهل الشام إلى أمرائهم ورؤسائهم، وخرج معاوية وعمرو بن العاص في الناس يكتّبان الكتائب ويعبّيانالناس، وأوقدوا النيران، وبات عليٌّ ليلتَه كلَّها يعبِّئ الناس، ويكتِّب الكتائب، ويدور في الناس يحرِّضهم. ١٠٩٠ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندب الأزديّ عن أبيه، أنّ عليًّا كان يأمرنا في كلّ موطن لقينا فيه معه عدوًّا فيقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم، فأنتم بحمد الله ﷿ على حجّة، وتركُكم إيّاهم حتى يبدؤوكم حجّة أخرى لكم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبِرًا، ولا تُجهِزوا على جريح، ولا تكشفوا عورةً، ولا تمثّلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتِكوا سترًا، ولا تدخلوا دارًا إلا بإذن، ولا تأخذوا شيئًا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تُهيِّجوا امرأةً بأذىً، وإن شتمن أعراضَكم، وسبَبن أمراءكم وصلحاءَكم، فإنهنّ ضعاف القُوَى والأنفس (١). (٥: ١٠ - ١١). ١٠٩١ - قال أبو مِخْنف: وحدّثني إسماعيل بن يزيد عن أبي صادق، عن الحضرميّ، قال: سمعت عليًّا يحرّض الناس في ثلاثة مواطن: يحرّض الناس يومَ صِفّين، ويومَ الجمل، ويوم النَّهر، يقول: عباد الله! اتقوا الله، وغُضّوا الأبصار، واخفضوا الأصوات، وأقلُّوا الكلام، ووطِّنوا أنفسكم على المنازلة، والمجاوَلة، والمبارَزة، والمناضَلة، والمُجالَدة، والمعانَقة، والمكادَمة، والملازمة، ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، اللهم ألهمهم الصبر، وأنزل عليهم النصر، وأعظم لهم الأجر. فأصبح عليّ من الغد، فبعث على الميمنة والميسرة والرجّالة والخيل، قال أبو مخنف: فحدّثني فضيل بن خَديج الكنِديّ: أن عليًّا بعث على خيل أهل الكوفة الأشتر، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حُنَيف، وعلى رجّالة أهل الكوفة عمّار بن ياسر، وعلى رجّالة أهل البصرة قيس بن سعد، وهاشم بنعُتبة، ومعه رايته، ومِسعر بن فَدَكيّ التميميّ على قرّاء أهل البصرة، وصار أهل الكوفة إلى عبد الله بن بُدَيل، وعمّار بن ياسر. قال أبو مخنف: وحدّثني عبد الله بن يزيد بن جابر الأزديّ عن القاسم مولى يزيد بن معاوية: أنّ معاوية بعث على ميمنته ابن ذي الكَلاع الحِمْيَرِيّ، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهريّ، وعلى مقدّمته يوم أقبل من دمشق أبا الأعور السُّلَميّ -وكان على خيل أهل دمشق- وعمرو بن العاص على خيول أهل الشام كلها، ومسلم بن عقبة المرِّيّ على رجّالة أهل دمشق، والضحّاك بن قيس على رجّالة الناس كلها، وبايع رجال من أهل الشام على الموت، فعقّلوا أنفسهم بالعمائم، فكان المعقّلون خمسة صفوف، وكانوا يخرجون ويصُفّون عشرة صفوف، ويخرج أهل العراق أحد عشر صفًّا، فخرجوا أوّل يوم من صفِّين فاقتتلوا وعلى مَن خرج يومئذ من أهل الكوفة الأشتر، وعلى أهل الشام حبيبُ بن مسلمة، وذلك يوم الأربعاء، فاقتتلوا قتالًا شديدًا جُلَّ النهار، ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض، ثم خرج هاشم بن عُتبة في خيل ورجال حَسَنٍ عددُها وعُدّتها، وخرج إليه أبو الأعور، فاقتتلوا يومَهم ذلك، يحمل الخيل على الخيل، والرجال على الرجال، ثمّ انصرفوا وقد كان القوم صَبر بعضُهم لبعض، وخرج اليومَ الثالث عمّارُ بن ياسر، وخرج إليه عمرو بن العاص، فاقتتل الناس كأشدّ القتال، وأخذ عمّار يقول: يا أهلَ العراق! أتريدون أن تنظروا إلى من عادَى الله ورسوله وجاهدَهما، وبغى على المسلمين، وظاهَرَ المشركين، فلما رأى الله ﷿ يعزُّ دينَه، ويُظهر رسوله أتى النبيَّ ﷺ فأسلم، وهو فيما نرَى راهب غير راغب؛ ثم قبض الله ﷿ رسوله ﷺ! فوالله إنْ زال بعدَه معروفًا بعداوة المسلم، وهَوادة المجرم، فاثبُتوا له، وقاتِلوه فإنه يطفئ نورَ الله، ويظاهر أعداءَ الله ﷿. فكان مع عمّار زياد بن النّضْر على الخيل، فأمره أن يحمل في الخيل، فحمل، وقاتله الناس وصبروا له، وشدّ عمّار في الرجال، فأزال عمرو بن العاص عن موقفه، وبارز يومئذ زياد بن النّضر أخًا له لأمّه، يقال له: عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عُقَيل -وكانت أمّهما امرأة من بني يزيد- فلما التقيا تعارَفا فتواقفا، ثم انصرف كلّ واحد منهما عن صاحبه، وتراجع الناس.فلمّا كان من الغد خرج محمد بن عليّ وعبيدالله بن عمر في جمعيْن عظيمين، فاقتتلوا كأشدّ القتال، ثم إن عبيد الله بن عمرَ أرسل إلى ابن الحنفيّة: أن اخرج إليّ؛ فقال: نعم، ثم خرج يمشي، فبصُر به أمير المؤمنين فقال: مَنْ هذان المتبارِزان؟ فقيل: ابن الحنفيّة وعُبيد الله بن عمر؛ فحرّك دابَّته ثم نادى محمّدًا، فوقف له، فقال: أمسِكْ دابّتي، فأمسَكَها، ثم مشى إليه عليّ فقال: أبرز لك، هلّم إليّ؛ فقال: ليست لي في مبارزتك حاجة، فقال: بلى، فقال: لا، فرجع ابن عمر، فأخذ ابن الحنفيَّة يقول لأبيه: يا أبتِ، لم منعتَنى من مبارزته؟ فوالله لو تركتَني لرجوتُ أن أقتلَه، فقال: لو بارزتَه لرجوتُ أن تقتله، وما كنتُ آمن أن يقتلَك، فقال: يا أبتِ أوَ تبرز لهذا الفاسق! والله لو أبوه سألك المبارزة لرغبتُ بك عنه؛ فقال عليّ: يا بُنَيّ، لا تَقُلْ في أبيه إلا خيرًا، ثم إنّ الناس تحاجزوا، وتراجعوا. قال: فلما كان اليوم الخامس خرج عبد الله بن عباس والوليد بن عُقْبة فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ودنا ابن عبَّاس من الوليد بن عقبة، فأخذ الوليد يسبّ بني عبد المطّلب، وأخذ يقول: يا بن عباس! قطّعتم أرحامَكم، وقتلتم إمامَكم، فكيف رأيتم الله صنع بكم؟ ! لم تُعطَوْا ما طلبتم، ولم تُدرِكوا ما أمّلتم، واللهُ إن شاء مُهلِككم وناصرٌ عليكم، فأرسل إليه ابن عباس: أن ابرز لي؛ فأبى. وقاتل ابن عباس يومئذ قتالًا شديدًا، وغشيَ الناس بنفسه. ثم خرج قيس بن سعد الأنصاريّ وابن ذي الكَلاع الحِميَريّ فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم انصرَفا، وذلك في اليوم السادس. ثمّ خرج الأشتر، وعاد إليه حبيب بن مَسلمة في اليوم السابع، فاقتتلا قتالًا شديدًا، ثم انصرفا عند الظهر، وكلٌّ غير غالب، وذلك يوم الثلاثاء (١). (٥: ١١/ ١٢/ ١٣).١٠٩٢ - قال أبو مِخْنف: حدّثني مالك بن أعيَن الجُهَنيّ عن زيد بن وهب: أن عليًّا قال: حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا! فقام في النّاس عشيّة الثلاثاء، ليلة الأربعاء بعد العصر، فقال: الحمد لله الذي لا يُبرَم ما نَقَض، وما أبرَم لا ينقضُه الناقضون، لو شاء ما اختلف اثنان من خَلْقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره، ولا جحد المفضولُ ذا الفضل فضلَه، وقد ساقتْنا وهؤلاء القوم الأقدار، فلفّت بيننا فى هذا المكان، فنحن من رَبِّنا بمرأى ومسمع، فلو شاء عجّل النِّقمة، وكان منه التغيير، حتى يكذِّب الله الظالم، ويَعلم الحقُّ أين مصيره؛ ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة عنده هي دار القرار ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، ألا إنكم لاقُوا القومِ غدًا، فأطِيلوا الليلة القيامَ، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلُوا الله ﷿ النّصر والصبر، والقَوْهم بالجدّ والحزم، وكونوا صادقين، ثم انصرف، ووثب الناسُ إلى سيوفهم ورماحِهم ونبالهِم يصلحونها، ومرّ بهم كعب بن جُعَيل التغلبيّ وهو يقول: أصْبَحَتِ الأمَّةُ في أمْرٍ عَجَبْ ... والمُلك مجمْوعٌ غدًا لمن غَلَبْ فقلتُ قولًا صادقًا غيرَ كَذِبْ ... إنَّ غدًا تَهلكُ أعلامُ العربْ قال: فلما كان من الليل خرج عليٌّ فعبّى الناس ليلته كلها، حتى إذا أصبح زحف بالناس، وخرج إليه معاوية في أهل الشام، فأخذ عليٌّ يقول: مَن هذه القبيلة؟ ومَن هذه القبيلة؟ فنُسبت له قبائل أهل الشام، حتى إذا عرفهم ورأى مراكزَهم قال للأزد: اكفُوني الأزد، وقال لخثْعم: اكفوني خَثْعم، وأمر كلَّ قبيلة من أهل العراق أن تكفيَه أختها من أهل الشام إلّا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى تكون بالشام، ليس منهم بالعراق واحد، مثل بَجيلة لم يكن منهم بالشام إلا عدد قليل، فصرفهم إلى لخْم، ثم تناهض الناس يومَ الأربعاء فاقتتلوا قتالًا شديدًا نهارهم كلَّه، ثم انصرفوا عند المساء؛ وكلٌّ غيرغالب، حتى إذا كان غداة الخميس؛ صلى عليُّ بغَلَس (١). (٥: ١٣/ ١٤). ١٠٩٣ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الرحمن بن جندب الأزديّ عن أبيه، قال: ما رأيت عليًّا غلّس بالصلاة أشدّ من تَغْليسه يومئذ، ثم خرج بالناس إلى أهل الشام فزحف إليهم، فكان يبدؤهم فيسير إليهم، فإذا رأوه قد زحف إليهم استقبلوه بوجوههم (٢). (٥: ١٤). ١٠٩٤ - قال أبو مخنف: حدّثني مالك بن أعيَن عن زيد بن وهب الجُهَنيّ: أنّ عليًّا خرج إليهم غَداة الأربعاء فاستقبلهم فقال: اللهمّ ربَّ السقف المرفوع، المحفوظ المكفوف، الذي جعلته مَغيضًا لليل والنهار، وجعلتَ فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم، وجعلت سكّانه سِبْطًا من الملائكة، لا يسأمون العبادة، وربّ هذه الأرض التي جعلتَها قرارًا للأنام، والهوامّ والأنعام، وما لا يُحصى مما لا يُرَى ومما يُرَى من خَلْقك العظيم. وربّ الفلْك التي تجري في البحر بما يَنفع الناس، وربّ السحاب المسخَّر بين السماء والأرض، وربّ البحر المسجور المحيط بالعالم، وربّ الجبال الرّواسي التي جعلتَها للأرض أوتادًا، وللخلق متاعًا؛ إن أظهرتَنا على عدوّنا؛ فجنِّبنا البغيَ، وسدِّدنا للحقّ، وإن أظهرتَهم علينا؛ فارزقني الشهادة، واعصم بقيَّة أصحابي من الفتنة. قال: وازدلف الناس يومَ الأربعاء، فاقتتلوا كأشدّ القتال يومَهم حتى الليل، لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا للصّلاة، وكثرت القتلى بينهم، وتحاجزوا عن الليل؛ وكلٌّ غيرُ غالب، فأصبحوا من الغد، فصلَّى بهم عليٌّ غداة الخميس، فغلّس بالصّلاة أشدّ التَّغليس، ثم بدأ أهل الشام بالخروج، فلما رأوه قد أقبل إليهم؛ خرجوا إليه بوجوههم، وعلى ميمنته عبد الله بن بُديل، وعلى ميسرته عبد الله بن عبّاس، وقرّاء أهل العراق مع ثلاثة نفر: مع عمَّار بن ياسر، ومع قيس بن سعد، ومع عبد الله بن بُدَيل؛ والناس على راياتهم ومراكزهم، وعليٌّ في القلْب في أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة، وعُظْم مَن معه من أهلالمدينة الأنصارُ، ومعه من خُزاعة عدد حَسن، ومن كنانةَ وغيرهم من أهل المدينة. ثم زحف إليهم بالناس، ورفع معاوية قبَّةً عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس، وبايعه عُظْم الناس من أهل الشام على الموت، وبعث خيلَ أهل دمشق، فاحتاطت بقبّته، وزحف عبد الله بن بُدَيل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة، فلم يزل يحوزه؛ ويكشف خيلَه من الميسرة حتى اضطرهم إلى قبّة معاوية عند الظهر (١). (٥: ١٤/ ١٥). ١٠٩٥ - قال أبو مِخْنف: حدّثني مالك بن أعيَن عن زيد بن وهب الجُهَنيّ: أنّ ابن بُدَيل قام في أصحابه فقال: ألَا إنّ معاوية ادَّعى ما ليس أهلَه، ونازع هذا الأمرَ من ليس مثلَه، وجادل بالباطل ليُدحِض به الحقّ، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، قد زيّن لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حبَّ الفتنة، ولبَس عليهم الأمر، وزادهم رِجْسًا إلى رجسهم، وأنتم على نور من ربّكم، وبرهان مبين، فقاتلوا الطغاة الجفاة، ولا تخشَوهم، فكيف تخشوْنهم وفي أيديكم كتاب الله ﷿ طاهرًا مبرورًا! ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ , وقد قاتلناهم مع النبيّ ﷺ مرّة، وهذه ثانية، والله ما هم في هذه بأتقى، ولا أزكى، ولا أرشد! قوموا إلى عدوّكم بارك الله عليكم! فقاتل قتالًا شديدًا هو وأصحابه (٢). (٥: ١٦). ١٠٩٦ - قال أبو مخْنف: حدّثني عبد الرحمن بن أبي عَمْرة الأنصاريّ عن أبيه ومولى له: أنّ عليًّا حرّض الناس يومَ صِفّين، فقال: إنّ الله ﷿ قد دلّكم على تجارة تُنجيِكم من عذاب أليم، تُشفي بكم علىالخير: الإيمان بالله ﷿ وبرسوله ﷺ، والجهاد في سبيل الله تعالى ذكره، وجعل ثوابه مغفرة الذنب، ومساكنَ طيّبة في جناتِ عدن، ثم أخبركم أنه يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص؛ فسوُّوا صفوفَكم كالبنيان المرصوص، وقدِّموا الدارع، وأخّروا الحاسر، وعَضّوا على الأضراس، فإنه أنبَى للسيوف عن الهام، والتَوُوا في أطراف الرماح، فإنّه أصوَن للأسنّة، وغُضّوا الأبصار فإنه أربَط للجأش، وأسكَن للقلوب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرَد للفشل، وأولى بالوقار، راياتِكم فلا تُميلوها، ولا تزيلوها، ولا تجعلوها إلّا بأيدي شجعانكم، فإن المانع للذّمار، والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحفّون براياتهم ويكنفونها، يضربون حِفافيها خَلفها وأمامها، ولا يضعونها، أجزأ امرؤٌ وقذ قِرْنه -رحمكم الله- وآسى أخاه بنفسه، ولم يَكِل قِرنَه إلى أخيه، فيكسب بذلك لائمةً، ويأتِيَ به دناءة. وأنّى لا يكون هذا هكذا! وهذا يقاتل اثنين، وهذا ممسك بيده يُدخل قرنه على أخيه هاربًا منه، أو قائمًا ينظر إليه! من يفعل هذا يمقتْه الله ﷿، فلا تعرّضوا لمقت الله سبحانه فإنما مردّكم إلى الله، قال الله عزّ من قائل لقوم: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وايمُ الله لئن سلمتم من سيف العاجلة لا تَسلمون من سيف الآخرةِ! واستعِينوا بالصدق والصبر، فإنّ بعد الصبر يُنزل الله النصر (١). (٥: ١٦/ ١٧).