البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر
full-text— · 4 entries
- exact linked passagemedium confidencepage 3672, entry [682]18,516 chars
أمر الضحاك بن قيس بن حصين بن عبد الله بن ثعلبة الشيباني من بني ذهل بن شيبان. قالوا: بويع الضحاك بن قيس بعد سعيد بن بهدل، فأراد حين بايعوه أن يأتي الشام فأبى عليه أصحابه، فوجّه حبناء بن عصمة الشيباني إلى تكريت فغلب عليها، ووجّه أبا الدبس أحد بني تيم الله بن شيبان إلى حولايا وأرضها، ورجلا آخر إلى الدّ…
▸ expand full passage (18,516 chars)أمر الضحاك بن قيس بن حصين بن عبد الله بن ثعلبة الشيباني من بني ذهل بن شيبان. قالوا: بويع الضحاك بن قيس بعد سعيد بن بهدل، فأراد حين بايعوه أن يأتي الشام فأبى عليه أصحابه، فوجّه حبناء بن عصمة الشيباني إلى تكريت فغلب عليها، ووجّه أبا الدبس أحد بني تيم الله بن شيبان إلى حولايا وأرضها، ورجلا آخر إلى الدّسكرة فلقي أبو الدبس جميع بن مقرن وحريث بن أبي الجهم الكلبيين، فقتل جميع بن مقرن، وانهزم حريث حتى أتى المدائن، ولقي الرجل الآخر الذي وجهه إلى الدسكرة سعيد التنوخي فقتل وانهزم أصحابه، فوجه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز الأصبغ بن ذؤاله، ويقال ابنه حمزة بن الأصبغ إلى المدائن فقاتل أبا الدبس، وارتجز الأصبغ فقال: أعددت للدبس ورهط الدبس … طعنا ينسّيهم سؤال الحمس وتحاجزوا وجاء حبناء بن عصمة إلى المدائن فلما قدمها حبناء عبر الأصبغ دجلة وقطع الجسر وصار إلى الكوفة. وأقبل الضحاك من شهر زور في ثلاثة آلاف ويقال في أربعة آلافوعلى مقدمته عبيدة بن سوار في أربعمائة فانتهى عبيدة إلى جسر النهروان، وعليه قائد لأهل الشام في ألفين، وقد قطع القائد الجسر فشتموا عبيدة وأصحابه، فقال عبيدة: إنا لم ندع الأموال والأهلين ونحن نبالي ما قلتم فاختاروا واحدة من ثلاث: إما أن تجيبونا إلى أمرنا وتجنحون إلينا، وإما أن تعقدوا الجسر وتعبروا إلينا ونعطيكم موثقا ألاّ يعرض لأحد منكم حتى تتاموا قبلنا فنحاكمكم إلى الله، أو تعطونا عهدا - وما أنتم بثقة - ألا تهيجوا أحدا منا حتى يعبر إليكم عشرة فيقاتلونكم، فإن قتلتموهم عبر إليكم مثلهم حتى تأتوا على آخرنا أو نظفر. فأبوا. وعقد الضحاك بن قيس الجسر وعبر أصحابه إلى المدائن، فكتب إليه القعد الذين بالكوفة مع أصعر بن عبد الرحمن، وكتب إليه عاصم بن الحدثان فسرّه ذلك، وقال: قد آن لهم أن يكتبوا إليّ، وكان كتاب عاصم مع جميل العجلي: «أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله الذي ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (¬١) فإنه قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ (¬٢). واعلم يا أمير المؤمنين أن لكل عمل عند الله جزاء: إن حسنا فحسن، وإن سيّئا فعقوبة، إلا ما عفا الله عنه، واذكر نعمة الله عليك وعلى المسلمين إذ كثّركم بعد القلّة وأعزكم بعد الذلّة، كتبت إليك يا أمير المؤمنين وأنا ومن قبلي من المسلمين في نعم علينا من الله سابغة، نسأل الله تمام ذلك بكمال الإسلام والعون والنصر، وقد وجهت إليك مع حميدعصابة من المسلمين نفروا رغبة في الجهاد، واعلم يا أمير المؤمنين أنك مسؤول عما استرعيت ومحاسب بما كتبت ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ (¬١). فكتب إليه الضحاك: «قد قدم علي حميد العجلي بكتابك وفهمت ما أمرت به من طاعة الله فنسأل الله أن يجعلنا وإياك ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويسارع إلى الخيرات. وقد قدمت العصابة وهم على ما وصفت في الرغبة في الخير إن شاء الله، فجزاهم الله عن أنفسهم وإخوانهم خيرا ما جزى الغازين في سبيله، ونحن ومن قبلنا من المسلمين على أحسن حال، نسأل الله أداء شكره والسلام. وكتب بسطام بن المثنى». وأقام الضحاك بالمدائن أياما فكان رجل من أصحابه ينادي في كل صباح: يا خيل الله اركبي وابشري بالجنة، وكان في أصحابه رجل مريض فإذا سمع النداء قام إلى فرسه فأسرجه. فلما كثر ذلك قال: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة … بعيدا من اسم الله والبركات ثم سار الضحاك من المدائن وقدّم إلى الفرات مسكين بن الحسن المحلّمي، فلقي على الفرات عبيد الله بن العباس بن يزيد بن الأسود بن سلمة بن حجر بن وهب بن ربيعة بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور، وهو كندي، فلما رآه عبيد الله قطع الجسر ورجع إلى الكوفة، فأراد عبد الله بن عمران أن يوجه إليه الأصبغ بن ذؤالة ليمنعه من العبور، فقال لهعبيد الله بن العباس: عبوره أيسر علينا من طلبنا له فدعه فليعبر. فأخذ برأيه. وسرّح مسكين الخارجي خيلا فصعدت بالسفن فعقدوا الجسر وعبروا، وقد خندق أهل الكوفة على أفواه السكك، فاقتحم مسكين الخندق ثم رجع، فسار الخوارج إلى النخيلة فنزلوها في سنة تسع وعشرين ومائة، وابن عمر بن عبد العزيز يومئذ يقاتل النضر بن سعيد الحرشي قبل ذلك أربعة أشهر في العصبية بين أهل اليمن والقيسية: أهل اليمن مع ابن عمر، والقيسية مع النضر بن سعيد، فلما نزل الضحاك النخيلة أرسل ابن عمر إلى النضر: إن هذا المارق يريدني ويريدك فهلّم فلتكن اليدان عليه جميعا ثم ننظر. وسفر بينهما العباس بن عبيد الله بن عبد الله ببّة بن الحارث بن عبد المطلب، فأصابه سهم فقتل، ويقال إنه قتل قبل ذلك، وكان السفير غيره، فصاروا جميعا يدا على الضحاك بن قيس. قالوا: وأصبحوا غداة أربعاء فساروا إلى الخوارج، فالتقوا فقتل من الخوارج يومئذ أربعة عشر رجلا ونسوة، ثم التقوا من الغد فاشتد الأمر بينهم وجعل رجل من الخوارج يرتجز ويقول: يا نفس من طول الحياة ملّي … وعيشك المقطّع المولّي علّي ألقى عاصما لعلّي … في جنة عالية وخلّ وبيهس وكهمس المصلّي فحمل عليه عبيد الله بن العباس بن يزيد فحاد عنه الخارجي فقال له عبيد الله: تتمنى الجنة وتحيد؟ فقال: أحيد لما هو شرّ لك يا عدو الله.وأبلى يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيز فلم يعرض له فارس إلا قتله، فحمل عليه البرذون بن مؤرّق الشيباني فضربه عاصم على رأسه، وحمل رجل من الخوارج على عاصم فاختلفا ضربتين فقتل عاصم الخارجي ووقعت ضربة الخارجي في رأس عاصم فأثقلته، وبقي ثابتا على فرسه، ونظر اليه البرذون بن مؤرق الشيباني فرماه بنفسه فطعنه فأرداه عن فرسه فسقط ميتا، وتناول البرذون عمودا كان على سرجه فإذا عليه مكتوب عاصم بن عمر. واشتد عليهم الحرّ وهم يقاتلون، فوضع جعفر أخو عبيد الله بن العباس بن يزيد بيضته عن رأسه يتنفس ويتروّح وهو على شرطة عبد الله بن عمر، فقال عبد الملك بن علقمة العبدي: إني لأحسب هذا من فراعنتهم، وحمل عليه فطعنه جعفر في فمه فكسر ثنيته وجرحه في طرف لسانه، فوحش ابن علقمة برمحه وانتضى سيفه وحمل عليه فضربه على هامته فاعتنق فرسه، ودعا ابن أخيه وابن عمه: يا هيثم. فأقبل نحوه فعرضه رجل من الخوارج فضربه ففلق جبين هيثم، ثم برأ بعد فكان يقال له ذا الوجهين. واتبع عبد الملك جعفرا فلحقه فعانقه فسقطا الى الأرض فقتله، وانهزم ابن عمر وأهل الشام، فانتهى أهل الشام إلى حصّ قد أضجعته الريح فاقتحمه النضر بن سعيد في فوارس فلم يروا منفذا فقالوا: هلكنا سيحرقونه علينا، ثم وجدوا منفذا فخرجوا منه. ولحق الخوارج هبيرة بن عبد الرحمن بن حسان بن المنذر بن حسان الضبّي، وابنا لأبي سماك فقتلوهما، وجاء الخوارج الخندق فوقفوا مليا ثم رجعوا الى معسكرهم وحمل الناس قتلاهم ودفن آل الأشعث عاصم بن عمر بن عبد العزيز في دورهم.ثم التقوا يوم الجمعة، ولقيهم الأصبغ بن ذؤالة في عشرة آلاف فهزمهم الخوارج حتى دخلوا حيطان الكوفة، فلما أمسوا خرج قواد من قواد ابن عمر من اليمانية: منصور بن جمهور، والأصبغ بن ذوالة، وخرجت القيسية مع النضر بن سعيد إلى واسط، وهو يريد أن يغلب عليها، فأصبح ابن عمر وقد تفرق الناس عنه فحمل الأموال وارتحل فسبقته القيسية إلى واسط، فأرسل إلى النضر بن شبيب بن مالك الغساني، وهو عامل ابن عمر على واسط فقال: افتح لنا باب المدينة لتكون أيدينا واحدة، فأرسل اليه: يا بن السّقاء، يا بن نسعة، قد كنت أحسب أن لك عقلا، كيف أفتح لك باب المدينة وقد عرفت غدرك. الحق بطريق البريد مقعد أبيك فهو أشبه بك. وقدم ابن عمر بأثقاله فدخل المدينة، ومات عامله شبيب بن مالك يوم دخل ابن عمر المدينة فقالت القيسية: لا ندعكم تعبرون به، فسفروا بينهم حتى أذنوا لهم أن يعبروا بالجنازة قوم لا سلاح عليهم ودخل الضحاك الكوفة فوجد في دار المختار قوما من أهل الشام فمنّ عليهم، ووجد قوما في دار بلال بن أبي بردة فقاتلوه فقتلهم وأمن الناس. وبعث أبا الرجال وحبناء بن عصمة وعكرمة فباعوا الغنيمة عند قصر الكوفة، وذلك في أول يوم من شهر رمضان، وكان من رأي أصحاب الضحاك أن يستعرضوا أهل الكوفة، فمنعهم الضحاك ذلك، فلما دخلوا الكوفة تلقّوهم بالأسوقة، فقال الضحاك: ألم أخبركم بأن لكم بها إخوانا يكتمون إيمانهم في دار الكفر، فمر رجل من الخوارج برجل على باب داره وكان عظيم البطن فقال له الخارجي: أصائم أنت؟ قال: نعم. قال:ما بطنك ببطن مؤمن ولولا أني أكره أن أفسد سناني بما في بطنك لأخرجته من ظهرك، وجنح إلى الضحاك عبيد الله بن عباس الكندي. وقال هشام ابن الكلبي: شهد عبيد الله الخوارج بالكوفة وهم يقتتلون بين الحيرة والكوفة أيام الضحاك، مع جعفر بن العباس بن يزيد الكندي أخيه، فقتل جعفر، وجنح عبيد الله إلى الخوارج فقال أبو عطاء السندي: ألا يا عبيد الله لو كان جعفر … هو الحيّ لم يجنح وأنت قتيل ولم يتبع المرّاق والثأر فيهم … وفي كفّه عضب الذباب صقيل جنحت وقد أرادوا أخاك وأكفروا … أباك فماذا بعد ذاك تقول تركت أخا شيبان يسكب بزّه (¬١) … ونجّاك خوّار العنان رجيل فلا وصلتك الرحم من ذي قرابة … وطالب وتر والذليل ذليل فلما أنشده قوله: فماذا بعد ذاك تقول؟ قال: أقول أعضّك الله ببظر أمك. وقال رجل من الخوارج: نحن عبرنا الخندق المقعّرا … يوم لقيناكم وجزنا العسكرا حتى قتلنا عاصما وجعفرا … والفاسق الضبّي لمّا أدبرا واليمنيين ومن تنزّرا … لا تحسبوا ضرب الشراة سكّرا وقال عبد الله بن عمر يرثني أخاه عاصما: لعمري لقد نادى المنادي فأسمعا … بصوت رفيع حين نادى فأوجعا غداة نعى يوم النخيلة عاصما … فأبكى العيون الجامدات وأقطعا في أبيات.وقال خلف بن خليفة يرثي عاصما: ألم يك عاصم ذخري فدلّت … منيّته على ذخري المنونا وكان من المودّة نصب عيني … فأمسى غاب في المتغيّبينا تقدم صابرا وثوى شهيدا … فلست أعدّه في الميّتينا في أبيات. وقال ابن الكلبي: كان ابن بيض الشاعر نديما لعمر بن الغضبان بن القبعثرى الشيباني، وكان مع عبد الله بن عمر على شرطه، ثم صار مع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر حين خرج، ثم أراد الجنوح إلى الضحاك فجاء حمزة بن بيض الحنفي يستشيره، والخوارج يومئذ بالكوفة فأخبر ابن عمر أنه قد عزم على الخروج معهم، فقال ابن بيض: عمر الخير ما ترى يا بن غضبان في الشرا … أترى لي نفسي فداؤك من نازل الردى ترك سردابك المبلّط في طيّب الثرى … وشراب مشعشع جيّد ليس يشترى من فلان ولا فلان ولكن من القرى … وجوار بيض الوجوه دجوجية الذرا أنت خير من أن ترى ذاك يا بن القبعثرى قال عمر: فلم استشرتني يا فاسق إن كان رأيك هذا؟ وقال ابن بيحان لابن بيض حين دخل الضحاك الكوفة: لو لقيته فأخبرته عن أهل بلدك وقومك فإن لك لسانا وبيانا، فقال ابن بيض: ألا لا تلمني يا بن بيحان إنني … أخاف على فخّارتي أن تحطما فلو أنني لو شئت ابتاع مثلها … من السوق ما باليت أن أتقدما قال أبو الكردي: لما غلب الضحاك على الكوفة ولاها ملحان بن معروف الشيباني، فخرج ابن الحرشي يريد الشام، فعارضه ملحان فقتله ابن الحرشي وهو النضر بن سعيد.قالوا: وأقام الضحاك بالكوفة إلى شوال، ثم استخلف عليها ملحان بن معروف التيمي وعداده في بني شيبان، وسار إلى واسط، فلما بلغ النضر بن سعيد الحرشي مسيره شخص يريد مروان بالشام في نحو من ألف من أهل الشام، ومعه أبو أمية الثقفي، وعطية البعلي، وأقام نباته وجماعة من القيسية في الجانب الشرقي، ووادعوا ابن عمر، وأعابوه فعرض ملحان بالقادسية للنضر والقيسية فناشدوه الله وقالوا: إنا لا نريد القتال. وكان مع ملحان قادم الذكواني فقاتلهم فقتل ملحان، ورجع قادم إلى الكوفة فقال بعض الحرورية: سقى الله ملحانا وبيّض وجهه … كما جاهد الأحزاب يوم القوادس ورثاه حبيب بن جدرة، ورثى عبد الملك بن علقمة فقال: كابن ملحان فينا من أخي ثقة … أو كابن علقمة المستشهد الشاري من صادق كنت أصفيه مخالصتي … فباع دارا بأغلى صفقة الدار إخوان صدق أرجيهم وأخذلهم … أشكو إلى الله خذلاني لأنصاري فلما قدم الضحاك حصر ابن عمر، فقال ابن عمر لكاتبه الربيع بن سليمان: اعرض الناس فعرضهم فكانوا ثمانية آلاف فقال: ما هؤلاء بشيء فما الرأي؟ قال: إن بواسط خلقا لا يلقاك الضحاك بمثلهم. قال: فاعرض فعرض لعشرة آلاف. وقاتل الضحاك فكان نباتة يوجه ابنه محمد بن نباتة في القيسية فيقاتلون الضحاك ومعهم اسماعيل بن عبد الله البجلي في قوم من اليمانية، ثم يرجعون إلى المدينة الشرقية بواسط، ثم تركهم اسماعيل وشخص إلى البصرة. وكتب نباتة إلى مروان بذلك فكتب إليه مروان كتابا لطيفا أمره فيهبالاستقامة على منهاجه، والمداومة على أمره، وندم اسماعيل على ما كان منه فقاتلهم الضحاك ستة أشهر ويقال سنة على باب المضمار، وباب الزاب، وكان يلي قتال الخوارج منصور بن جمهور، ولم تكن القيسية بمناصحة لابن عمر فقتل منصور يوما رجلا من عبّاد الخوارج في المعركة يقال له عكرمة، وجرح منصور جراحة خفيفة، فأمر له ابن عمر بثلاثين ألفا. ثم قاتلهم منصور على باب الزاب، فاستعلى الخوارج، وأكثروا القتل في اليمانية، وقتل من الخوارج عبد الملك بن علقمة العبدي، طعنه منصور فقتله، وحملت عليه أم العشنزر فأخذت بلجام دابته وضربته ضربة خفيفة، وضربها منصور ضربة شديدة، وقتل أبي جحشنة أخي الضحاك. ودنا الخوارج من المدينة فأمر ابن عمر بدوابّ (¬١) مقاريف فألبست المشاقة (¬٢)، ثم أشعل فيها النار وأرسلت في عسكر الخوارج فذعرتهم وأحرقت فساطيطهم وأخبيتهم، ولم تمر بشيء إلا أحرقته، فتركوا خيولهم وتركوا عسكرهم، ونزلوا على أربعة فراسخ منه، ثم تدانوا فصاروا من ابن عمر على فرسخ أو فرسخين، وخرج منصور بن جمهور فقاتله الخيبري وأصحابه على باب البصريين أشد قتال حتى تعانقوا، وقتل عبد الحميد الكلبي وهو ابن عم منصور، وقاتل ابن عمر الضحاك من ناحية باب الزاب، ثم تحاجزوا، فقال منصور لابن عمر: ما قاتلت مثل هؤلاء القوم عربا ولا عجما. فقال ابن عمر: الرأي أن نعطيهم الرضا ونضرب بهممروان. فأجمع ابن عمر على مصالحتهم، وبعث رسلا إلى الضحاك فدخلوا إليه وهو يتعشى فدعاهم إلى العشاء فأبوا فقال: إنه عدس طيب وخلّ وزيت، فكلّموه وسفروا بينه وبين ابن عمر فاصطلحا على أن يسير الضحاك إلى مروان فإن قتل الضحاك فليس لأحد في عنق ابن عمر بيعة، وإن قتل مروان صار ابن عمر مع الضحاك. فقال الضحاك: لا بدّ من أن ألتقي وابن عمر. فالتقيا مع هذا فوارس، ومع هذا مثلهم، وكان سليمان بن هشام خرج على مروان فلقيه فأوقع به وحوى عسكره، وكانت وقعته بخساف أو قربها فصار إلى العراق ومعه قوم من أهل بيته، وكان سليمان خليفة ابراهيم بن الوليد على عسكره، ثم صار مع مروان فأكرمه ثم خرج عليه وحاربه فبايع سليمان بن هشام، وأبان بن معاوية بن هشام. وداود بن سليمان بن عبد الملك الضحاك، وكان الذي تولى أخذ البيعة للضحاك عبيدة بن سوار. قالت أم العشنزر لمنصور: قطع الله يدك إذ لم تدخل النار على يدي. وأرزق الشهادة على يدك. وبايع ابن عمر اليمانية وأبت القيسية أن تبايع، ومضوا إلى الشام ابن نباته وأصحابه، واستعمل الضحاك على الكوفة المثنى بن عمران العائذي، من عائذة قريش. وقال شبيل بن عزرة: ألم تر أن الله أنزل نصره … وصلّت قريش خلف بكر بن وائل ولم يكن شبيل يرى رأي الخوارج، ولكنه قال هذا بالتقيّة، بلغ الضحاك عنه شيء فخافه. وقال شبيل بن عزرة:حمدنا الله ذا النعماء أنا … نحكّم ظاهرين ولا نبالي برغم الحاسدين لنا وكنّا … نسرّ الدين في الحجج الخوالي مخافة كل جبار عنيد … غشوم من جبابرة الرجال ندين بدين ضحاك بن قيس … ومسكين ودين أبي بلال ومروان الضعيف وخيبري … أولئك منتهى النفر النبال قالوا: فأقام الضحاك بواسط إلى شهر ربيع الآخر، ثم سار إلى المدائن، فقدم عليه عذار بن بيهس السدوسي في وفد من خراسان، فجمع لهم من أصحابه شيئا وصلهم به. قالوا: وكان مروان متشاغلا بأهل حمص، وكان معه رجال من البيهسية من أصحاب بسطام، منهم عثعث التغلبي وابن عم له، فقالا لمروان: اندب معنا قوما إلى الضحاك، فندب خمسة آلاف فيهم الدبّ القيسي ومروان بن البختري القرشي. وبلغ الضحاك مسيرهم فوجّه الخيبري والحسن بن منصور في خيل، وكان القطران بن أكيمة على الموصل، فنهى البيهسية من أصحاب مروان عن قتال أصحاب الضحاك، فلم يقبلوا وأوقعوا بالبيهسية وأسر الدب فمنّ عليه الضحاك. وأتى الحسن بن منصور قطران، فقاتله قطران، ويقال بل قتل الحسن القطران، وكتب مروان إلى ابنه عبد الله، وهو على معونة الجزيرة يأمره بنزول نصيبين، وكتب مروان إلى الضحاك كتابا يقول فيه: «قد كان لك في نفسك شغل بإصلاح فسادها عن سفك الدماء»، فأجابه الضحاك بكتاب يقول فيه: «إن أعظم الشغل وأولاه بالإيثار أداء ما فرض الله من جهاد الكفار والمنافقين».وتكاتبا مرات، وسار الضحاك وعلى مقدمته مسكين اليشكري وأتى نصيبين فحصر عبد الله بن مروان، وبث خيوله في أرض الجزيرة فضج أهل الجزيرة إلى مروان، فقال إسحاق بن مسلم العقيلي لمروان: إن الخوارج قد انتشروا بأرض الجزيرة وأحرقوا واستعرضوا وأنا خائف أن يرفض من معك مراكزهم ويلحقوا بحرمهم وأنت مقيم على هؤلاء. فقال مروان: لو أحاطت الأعداء كلها بي ما برحت أو أفتح حمص أو أقتل. وكتب مروان إلى ابنه عبد الله أن اكتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة فليأتك، وابن هبيرة يومئذ بنهر سعيد (¬١) قد وفقه مروان هناك، فكتب إليه: لا حاجة بنا إلى ابن هبيرة لأنا لا نأمن أن يكرّ الناس إلى ما قبلنا فيغلو السعر، وفيمن قبلنا كفاية وليسر ابن هبيرة إلى العراق فإنها شاغرة وقد خرج عنها الضحاك. فأعجب مروان ذلك من رأي ابنه عبد الله وقال: بأبي أنت وأمي. فكتب إلى ابن هبيرة أن يسير إلى العراق، ونصب مروان المجانيق على حمص حتى طلبوا الأمان، فأمن الناس غير سعيد بن هشام والسّمط بن ثابت، ورجل من بني سليم، ورجل يهودي، وهدم حائط المدينة فقال بعض الحمصيين. يا حمص ويحك لا تجزعي … قصّصك الجعديّ سكنينه وارتحل مروان يريد الضحاك، فنزل بحران بباب التبن، وكتب إلى معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير السكوني بحمص، وإلى زامل بن عمروبدمشق، وإلى ثعلبة بن سلامة بالأردن، وإلى الرّماحس بن عبد العزيز الكناني بفلسطين أن يوجهوا إليه فرسان أهل الشام. ونزل مروان كفرتوثا وقال: ما صنع أحد ما صنع عبد الله بن عمر، ضربني بعشرين ألف سيف واتكأ بواسط، إنه لأدهى العرب. وقال أصحاب الضحاك له: قد اجتمع لك ما لم يجتمع لرجل على رأيك منذ اختلف الناس، فلا تباشر القتال بنفسك، ووجّه الخيل وكن ردءا للمسلمين تمدهم إن أرادوا المدد. فقال: مالي في الحياة أرب، وقد أعطيت الله عهدا إن ضمّني وهذا الجبار معسكر لا أدع جهدا، فقاتله ثلاثة أيام، ومع الضحاك سليمان بن هشام في ذكوانيته، ومن انضم إليه من أهل الشام، ورفاعة بن ثابت، وعصمة بن المقشعرّ الكلبي، فالتقوا ووقف الخوارج على تل فأزالهم أهل الشام عنه، ووقفوا عليه فقاتلهم الخيبري، فأزال أهل الشام عن التل ووقف عليه سليمان بن هشام في الذكوانية، فكره مروان موقفه وقال: يتعلم غلمان بني أمية على الطعان، وانصرف إلى عسكره، ورجع الخوارج مسرورين، فلما أصبحوا قال الضحاك: أما منكم أحد يشتاق إلى الجنة ويحب لقاء ربه؟. وأنشدهم شعرا قيل فيمن مضى من الخوارج، وبكى فاقتتلوا طويلا والخيبري يقول: أيهن بني شيبان طعنا تترى … طعنا يرى منه القنا محمرّا يترك ذا الضّغن به مزورّا … يركب ردعا للردى مقرّا فلعنة الله على من فرّا (¬١) … وباشر مروان القتال وهو يقول:أربعة تحمل شيخا رائعا … مجرّبا قد شاهد الوقائعا قد صادفت شيبان ملكا ضائعا ويروى: سمّا ناقعا. وأصابت الضحاك جراحة، فقال: ليس كل من طلب الشهادة رزقها. وتحاجزوا وخرجوا في اليوم الثالث وخرج الضحاك وقال: لا أرجع اليوم إلا أن يأبى ربي، ولست أملك إلاّ فرسي وسلاحي، وعليّ سبعة دراهم منها ثلاثة في كمّي فاقضوها عني وقال: ليس أمير القوم بالخبّ الخدع، ثم ترجل وقال: إن قتلت فليصلّ بكم شيبان بن سلمة، ويقاتل عدوكم الخيبري، ولم يعهد إلى أحد. والتقوا نصف النهار وصبروا وصبر أهل الشام فكثرت بينهم القتلى، وهزمت الميمنة التي لمروان ميسرة الضحاك، واقتتلوا حتى أمسوا، وقتل من الخوارج خلق، وقتل الضحاك عند المساء ولم يعلم مروان بقتله فلما كان في الليل جاء مروان رجل من عسكر الضحاك فأخبره بقتله، فأرسل مروان من طلبه في القتلى فوجده وبوجهه ضربات فاحتزّ رأسه وأتى به مروان. قالوا: فقال الخيبري لشيبان: يا أبا الذلفاء ولّني قتال القوم، فإذا قتلت فالمسلمون على رأيهم. قال: نعم. فلم يقاتلهم ثلاثة أيام، وخرج في اليوم الرابع فحضّ الناس ثم لقيهم وعلى ميمنة مروان ابنه عبد الله، وعلى ميسرته إسحاق بن مسلم، فانهزم يومئذ مروان وضربه رجل ضربة قطعت حمائل سيفه، وضربه مروان فقطع يده. ويقال إنه قاتله في صبيحة الليلة التي قتل فيها الضحاك وكان يرتجز:إن تك مروان فإني الخيبري … أضرب بالسيف على حكم النبيّ سابغة درعي حصين مغفري (¬١) … وهاجت ضبابة شديدة فلم يبصر بعضهم بعضا، ودخل الخيبري عسكر مروان، وانجلت الضبابة وليس مروان في العسكر، وظن الخيبري أن مروان قد قتل، واعترض العسكر جماعة من أصحابه فقاتل ومعه أبو كيلة وهو يقول: قد فرّ مروان عن الرفاق … نجّاه منا أعوجيّ باق يظلّ يمريه بعظم الساق (¬٢) … ونادى سليمان بن مسروح البربري مولى محمد بن مروان - وكان في حرس مروان-: كل عبد جاءنا فهو حرّ. فاجتمع إليه من العبيد والموالي وغيرهم خلق، فقتل الخيبري، دخلوا عليه وهو على فرش مروان فضربوه بالعمد. وبشّر مروان بمقتله، وخرج مروان إلى الناس. وبايعت الخوارج يعقوب التغلبي فقتل، فبايعوا مسكين اليشكري فقتل، فبايعوا شيبان، ويقال إنهم بايعوا شيبان حين قتل الضحاك فكان شيبان الذي ولّى الخيبري القتال. وقال الشاعر في قتل الضحاك والخيبري ويعقوب: هم ضربوا الجنود بكفرتوثا … وهم نزلوا وقد كره الزّحام سقى بلدا تضمّن خيبريا … ومسكينا ويعقوب الغمامهم ضربوا على فرع المنايا … ولم يفزعهم الجيش اللهام (¬١) وكان عبد الله بن عمر وجّه أبا الرمح بن عمر، فأخبره الخبر. وقالت امرأة من الخوارج ترثي أخاها: من لعين ريّا من الدمع عبرى … ولنفس من المصائب حرّى أفسدت عيشنا صروف الليالي … ووقاع من الكتائب تمرى كلما سكّنت حرارة وجد … من فقيد منا شجينا بأخرى في أبيات. وقالت أيضا: يا عين جودي بالدموع … وابكي بجهد المستطيع يا موت ويحك ما تزال … مفرقا بين الجميع (¬٢) أبكي وما يغني التلهّف … والبكاء عن الجزوع وقال حبيب بن خدرة مولى بني هلال وقد صار بعد منهم. أبكي الذين تبوأوا الغرف العلى … فجرت لهم من تحتها الأنهار أبكي لنفسي لا لهم أبكيهم … لا صبر حيث تعارف الأبرار (¬٣) في أبيات وقد قيل فيهم شعر كثير.
- reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 3672, entry [682]341 chars
ا أن تجيبونا إلى أمرنا وتجنحون إلينا، وإما أن تعقدوا الجسر وتعبروا إلينا ونعطيكم موثقا ألاّ يعرض لأحد منكم حتى تتاموا قبلنا فنحاكمكم إلى الله، أو تعطونا عهدا - وما أنتم بثقة - ألا تهيجوا أحدا منا حتى يعبر إليكم عشرة فيقاتلونكم، فإن قتلتموهم عبر إليكم مثلهم حتى تأتوا على آخرنا أو نظفر. فأبوا. وعقد الضحاك بن قيس الجسر وعبر أصحابه إلى المدائن
- reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 3672, entry [682]343 chars
رجع قادم إلى الكوفة فقال بعض الحرورية: سقى الله ملحانا وبيّض وجهه … كما جاهد الأحزاب يوم القوادس ورثاه حبيب بن جدرة، ورثى عبد الملك بن علقمة فقال: كابن ملحان فينا من أخي ثقة … أو كابن علقمة المستشهد الشاري من صادق كنت أصفيه مخالصتي … فباع دارا بأغلى صفقة الدار إخوان صدق أرجيهم وأخذلهم … أشكو إلى الله خذلاني لأنصاري فلما قدم الضحاك حصر ابن عم
- reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 3672, entry [682]344 chars
م ظاهرين ولا نبالي برغم الحاسدين لنا وكنّا … نسرّ الدين في الحجج الخوالي مخافة كل جبار عنيد … غشوم من جبابرة الرجال ندين بدين ضحاك بن قيس … ومسكين ودين أبي بلال ومروان الضعيف وخيبري … أولئك منتهى النفر النبال قالوا: فأقام الضحاك بواسط إلى شهر ربيع الآخر، ثم سار إلى المدائن، فقدم عليه عذار بن بيهس السدوسي في وفد من خراسان، فجمع لهم من أصحابه ش