البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 3282, entry [589]14,556 chars
أمر عمر بن هبيرة في أيام يزيد بن عبد الملك حدثني جماعة من أهل العلم سقت حديثهم ورددت من بعضه على بعض قالوا: قدم عمر بن هبيرة بن معيّة بن (¬١) سكين بن حديج بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس من البادية فافترض مع مدد أمدّ به بعض ولاة الحرب. وكان يقول:…
▸ expand full passage (14,556 chars)أمر عمر بن هبيرة في أيام يزيد بن عبد الملك حدثني جماعة من أهل العلم سقت حديثهم ورددت من بعضه على بعض قالوا: قدم عمر بن هبيرة بن معيّة بن (¬١) سكين بن حديج بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس من البادية فافترض مع مدد أمدّ به بعض ولاة الحرب. وكان يقول: إني لأرجو أن لا تنقضي الأيام حتى ألي العراق. وكان شخص مع عمرو بن معاوية العقيلي في غزو الروم فأتي عمرو بفرس رائع إلا أنه كان إذا دنا منه من خلفه دان رمح، وإن دنا من بين يديه كدم، فكان لا يستطاع ركوبه، فقال عمرو بن معاوية: من ركبه فهو له، فقام ابن هبيرة فشد عليه ثوبه ثم تنحى عن الفرس وأقبل يحضر حتى إذا كان بحيث تناله رجلا ذلك الفرس إن رمحه وثب فصار في سرجه، وطعنه فيبعض حروبه طاعن فأذراه (¬١) عن فرسه فسقط إلى الأرض، ثم إنه وثب فاستوى على ظهر فرسه. ولما خلع مطرّف بن المغيرة بن شعبة الحجاج، وأمر الحجاج عدي بن وتاد الإيادي بالمصير إليه من الريّ لمحاربته، كان عمر بن هبيرة بالريّ معه وهو مغمور يومئذ، فسار في جنده، فلما التقى عدي ومطرف، جنح ابن هبيرة إلى صف مطرف فحكّم وتشبّه بمن معه فآمنه مطرف وأمنه، فلما جال الناس ودخل بعضهم في بعض وثب ابن هبيرة على مطرف فضربه فقتله واحتزّ رأسه، ويقال بل قتله غيره واحتز رأسه ودفنه في خيمته، فلما أجلت الحرب وانهزم من بقي من أصحاب مطرف أتى عديا بالرأس فأعطاه مالا وأوفده بالرأس إلى الحجاج، فأوفده الحجاج إلى عبد الملك، فأجاز عبد الملك ابن هبيرة وأقطعه قطيعة ببرزة (¬٢). ورجع الى الحجاج فحركه في أمور: وجهه إلى كردم بن مرثد الفزاري وهو على جازر (¬٣) والمدائن في حمل مال فحمله وكان مبلغه ثمانين ألف درهم، ثم هرب فلحق بعبد الملك فقال: أنا عائذ بالله يا أمير المؤمنين من رجل يطلبني بترة وإحنة، قتلت ابن عمه مطرفا وأتيت أمير المؤمنين برأسه ثم رجعت فأراد قتلي، ولست آمن أن ينسبني إلى أمر يكون فيه هلاكي. فقال: أنت في جواري فأقام.وكتب فيه الحجاج يحكي أمره وهربه بالمال ويسأل رده إليه، فكتب عبد الملك: أمسك عن ذكره واله عنه. وزوّج عبد الملك ابنا له ابنة للحجاج، فكان عمر بن هبيرة يلطفها بما يلطف به مثلها، ويشير عليها بالرأي، فكتبت إلى أبيها تثني عليه، فكتب إليه الحجاج كتابا لطيفا وأمره أن ينزل به حاجاته. وروي أيضا ان ابن هبيرة قدم الشام في أيام ابن الأشعث يطلب الفريضة، وهو أعرابي، ففرض له مع خريم بن عمرو المرّي في ثلاثين درهما، ثم زيد عشرة مع من شهد الجماجم فكان في أربعين. وكان يأتي كردما، وصار إليه بفارس، فلم يلق منه خيرا، فمر بالمهلّب بن أبي صفرة فلما سلم عليه وكلمه قال: أرآك الحجاج؟ قال: لا. قال: أما لو رآك لاستغنيت عن كردم وأشباهه، وأمر له بعشرة آلاف درهم. فكان يشكر المهلب على ذلك. وقدم بأسراء آل المهلب على يزيد بن عبد الملك حين قدم بهم، فشفع فيهم، وقيل إن الحجاج وجّه إلى مطرّف قبل عدي بن وتاد علقمة بن عبد الرحمن أو خريم بن عمرو، وكان عمر بن هبيرة معه، وقال بعضهم: قاتل خريم مطرفا فقتله، وبعث برأسه إلى الحجاج مع ابن هبيرة والله أعلم. حدثني علي بن المغيرة عن الأصمعي قال: بعث الحجاج خريما فقتل مطرّفا وبعث برأسه مع ابن هبيرة فزاده الحجاج على رزقه عشرة فصار رزقه خمسين درهما، ثم أوفده الحجاج بالرأس إلى عبد الملك، فزاده في رزقه عشرة تتمة ستين، وأقام بالعراق حتى وليه يزيد بن المهلب فوصله بثلاثة آلاف درهم، دفعها إليه مروان بن المهلب.ثم أتى كردما وهو على خراج فارس من قبل الحجاج، والمهلب بإزاء الخوارج بشيراز، فلم يصنع به كردم خيرا فأتى المهلب فلما كلمه قال: أنت والله أحق بالعمل من ابن عمك، وأمر له بعشرة آلاف درهم وذلك قبل صلة يزيد إيّاه بالثلاثة الآلاف بحين. قال: وهمّ ابن عاتكة بسبي نساء آل المهلب، فطلب إليه ابن هبيرة فيهنّ، فكتب كتبا كثيرة حتى كفّ، فكان ذلك مما يعدّ من شكر ابن هبيرة للمهلب ويزيد ابنه. المدائني قال: غلبت حبابة على يزيد بن عبد الملك، وانقطع إليها عمر بن هبيرة، وكان يهدي إليها، فلطفت منزلته من يزيد حتى كان يدخل عليه في أي الأوقات شاء. قال: وحسد قوم من بني أمية مسلمة بن عبد الملك وقدحوا فيه عند يزيد، وقالوا: وليته العراق فإن اقتطع من خراجه شيئا أجللته عن تكشيفه لسنّه وبلائه وحقه، وقد علمت أن أمير المؤمنين عبد الملك لم يطمع أحدا من أهل بيته في ولاية الخراج، فوقع ذلك في نفس يزيد وعزم على عزله. وعمل ابن هبيرة في ولاية العراق من قبل حبابة، فكانت تعمل له في ذلك حتى ولاه إياها يزيد. وقال المدائني والهيثم بن عدي: كان الذي بين عمر بن هبيرة وبين القعقاع بن خليد العبسي سيئا وكانا يتحاسدان فقيل للقعقاع: إن ابن هبيرة قد أشرف على ولاية العراق. قال: ومن يطيق ابن هبيرة. حبابة بالليل وهداياه بالنهار، فلم تزل حبابة تعمل لابن هبيرة حتى ولي العراق. وماتت حبابة فقال القعقاع:هلمّ فقد ماتت حبابة سامني … بنفسك تقدمك الذّرا والكواهل أغرّك أن كانت حبابة مرّة … تميحك فانظر كيف ما أنت فاعل فأقسم لولا أنّ فيك نغالة … وبخلا وغدرا سوّدتك القبائل المدائني قال: قاول ابن هبيرة القعقاع فقال لابن هبيرة: يا بن اللخناء. فقال عمر: يا بن الفحواء (¬١) قدّمتك أعجاز النساء وقدمتني صدور القنا. وأراد مسلمة أن يفد إلى يزيد فقال له الأصمّ عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي: إنك لذو عهد به قريب فأقم، فأبى فقال له عبد العزيز: إن لم تقم فأول من يلقاك عامل على عملك، فلقيه ابن هبيرة مقبلا إلى العراق فأعظم مسلمة وترجل له، فقال له: إلى أين يا بن هبيرة؟ قال بعثني أمير المؤمنين لاصطفاء أموال بني المهلب. فقال: في حفظ الله، فلما خرج قال له الأصم: والله ما هو إلا وال مكانك. وولي العراق وخراسان فقال الفرزدق: راحت بمسلمة البغال مودّعا … فارعى فزارة لا هناك المرتع ولقد علمت إذا فزاره أمّرت … أن سوف تطمع في الإمارة أشجع وأرى البلاد تنكّرت أعلامها … حتى أميّة عن فزارة تنزع نزع ابن بشر وابن عمرو قبله … وأخو هراة لمثلها يتوقّع (¬٢)عبد الملك بن بشر، ومحمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة، وأخو هراة: سعيد بن عبد العزيز خدينة، فعارضه خليفة بن براز الأقطع مولى بني قيس بن ثعلبة فقال: قل للفرزدق ان فزارة ارتعوا … فانهوا قيون مجاشع أن يجزعوا في أبيات. فعرض لخليفة حكم القرد مولى بني الهجيم فقال: إليّ هلمّ دون أبي فراس … فقد لاقيت أشوس ذا مراس قالوا: ولما قدم ابن هبيرة شخص عبد الملك بن بشر، واستخلف على البصرة شريك بن معاوية الباهلي أحد بني قتيبة بن معن، فأقره ابن هبيرة يسيرا ثم عزله، وولى سعيد بن عمرو الحرشي البصرة، فولى شرطه شريك بن معاوية، وكان شريك يلقب: مقابل الريح، وكان أدلم (¬١) طوالا يقابل الريح فيقول: شمال جنوب، صبا دبور. فقيل مقابل الريح. ثم عزل ابن هبيرة سعيد الحرشي، وولاه خراسان، واستعمل على البصرة حسان بن مسعود بن عبد الرحمن بن مسعود الفزاري، وكان فراس بن مسعود زوج أم ابن هبيرة، وكان ابن هبيرة زوج أم حسان بن مسعود، ثم عزل حسان وولى البصرة فراس بن سمّي الفزاري فولى شرطته محمد بن رباط الفقيمي، فهجا الفرزدق ابن رباط فقال: بكى المنبر الشرقيّ والناس إذ رأوا … عليه فقيميا قصير القوائم أليس عجيبا أن يسود محمد … ألا تلك من إحدى الدواهي العظائم (¬٢)وأرسل فراس بن سميّ يطلب الفرزدق فحذره فهرب، فأرسل إلى النّوار امرأته فحبسها، ولحق الفرزدق بالبادية، ثم لحق بيزيد بن عبد الملك، وقال ليزيد: سبقت إليك الطالبين وإنهم … لخلفي وقدّامي على كلّ مرصد (¬١) فأجاره ووصله وأحسن الأحوص محضره عنده. قالوا: وعزل ابن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي عن خراسان، وولاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي، فلما قدم على سعيد قيده وحمله إلى ابن هبيرة، وكان ابن هبيرة أمره بذلك، فلما أدخل اليه قال له ابن هبيرة: يا بن نسعة فعلت وفعلت. قال: يا بن بسرة لم أفعل، فغضب ابن هبيرة فأمر به فضرب مائة سوط وعذب ثم نفخ في دبره بكير وأمر به فحبس. بسرة بنت الحارث بن عمرو بن حرجة الفزاري. وقال لمعقل بن عروة القشيري: قدمت العراق فوجدت سعيدا صعلوكا خاملا فوليته خراسان، فبعث إليّ ببرذونين أعرجين ودعوته لأعاتبه وقلت له: يا بن نسعة فقال لي: يا بن بسرة، فقال معقل: أو فعل ابن الزانية؟. قال: نعم، فأتاه معقل وهو في السجن فقال له: يا بن نسعة التي اشتريت بثمن عنزة جرباء فكانت رافعة رجلها للصادر والوارد، أجعلتها إلى ابنة الحارث بن عمرو بن حرجة! فلما قدم خالد بن عبد الله واليا على العراق استعداه سعيد على معقل، فضربه له الحدّ، فقال رجل من بني كلاب لمعقل: يا بن عروةكيف رأيت عاقبة الظلم، ظلمت ابن عمك فضربك حدا، وتركك لا تقبل لك شهادة أبدا. فقال معقل: فهل لك أن ألتحك (¬١) بمثلها وتحدّني؟. قال: لا والله وما حاجتي إلى ذلك؟. وقال سعيد لمعقل: والله لولا ما أوهى مني ابن هبيرة لثقبت عن جوفك بخمسة أسواط. وكان يقول: أوهى ابن هبيرة فعل الله به وفعل مني بصرا حديدا، وساعدا شديدا. وقال عمر بن هبيرة لجلسائه: من رجل قيس الذي يقوم بأمرها إن اضطرب الحبل؟ قالوا: الأمير، قال: ما صنعتم شيئا. أما الذي تلقي إليه قيس مقاليدها فالأحمر الذي لو تورى ناره أتاه عشرون ألفا لا يسألونه لم دعوتنا، الهذيل بن زفر بن الحارث. وأما فارسها فهذا الحمار المحبوس - يعني سعيد بن عمرو الحرشي، ولقد هممت بقتله، وأما لسانها فالأصمّ عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي، وأما داهيتها فعثمان بن حيان المرىّ، وأما أعطف قيس عليها وأبرّها بها، فعسيت أن أكونه. فقال له أعرابي من بني فزارة: ما أنت أيها الأمير كما وصفت. قال: وكيف ويحك؟ قال: لأنك لو كنت أبرّها لم تحبس فارسها، ثم تهمّ بقتله. قالوا: وولى ابن هبيرة مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة ثم عزله فقال له: أعزلتني عن خيانة أو تقصير في جباية؟. فقال: لا، فارجع إلى عملك. فقال: ما كنت لألي إلاّ أجلّ منه. فولاه أصبهان، ثم فعل بهمثل ذلك فقال له هذا القول حتى ولاه خراسان وقال له: لا تتخذنّ في عملك ضيعة فيصغر قدرك عند أهله، ولا تتجرنّ في عملك فتغشّ رعيتك، وإن اشتكي إليك عامل فاعزله. قال المدائني: لقي رجل رجلا من فزارة فقال له: من أين أقبلت؟. فقال: من عند ابن عمنا عمر بن هبيرة، فوالله لقد كلمته في سيد قيس سعيد بن عمرو، وكلمته في سيد الموالي جبلة بن عبد الرحمن فوالله ما شفعني، ولقد حملني ووصلني بعشرة آلاف درهم، وإني لذامّ له. المدائني قال: سأل رجل من عبس ابن هبيرة فمنعه، فلما كان الغد أتاه فسأله وقال: أنا العبسي الذي سألك أمس. قال: وأنا الفزاري الذي منعك أمس، فقال: والله ما ظننتك إلا ابن هبيرة المحاربي. قال: فقال: والله أهون لك عليّ يموت مثله من قومك فلا تعلم بموته، وينشأ مثلي في قومك فلا تعرفه. وولى عمر بن هبيرة أعرابيا من فزارة عملا فلما رأى الناس يهدون في يوم النوروز أهدى إلى ابن هبيرة ضبّا وقال: حبا الجام عمال الخراج وحبوتي … محذّفة الأذناب صفر الشّواكل رعين الرّبا والهجل (¬١) … حتى كأنما كساهنّ سلطاني ثياب المراجل سيحل بمهديه لعمري فضيلة … على كلّ حاف من معدّ وناعلوولى ابن هبيرة رجلا همذان فأتى ما سبذان، فأخذ عاملها فقيده، فقال له العامل ووجوه أهل البلد: انظر في عهدك فنظر فإذا هو همذان فقال: خذوا عاملكم لا بارك الله لكم فيه. وأتى همذان، فعمد إلى رجل عليه خراج فنصبه ثم رماه بسهم فقتله، فأعطوه خراجهم مبادرين، ولم يلتووا عليه في درهم فما فوقه. المدائني قال: ألقى ابن هبيرة إلى مثجور بن غيلان بن خرشة الضبّي فصّا أزرق، فقال له: اجعله في خاتمك فإنه حسن - يريد قول الشاعر: لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر … كما كلّ ضبّي من اللؤم أزرق فشدّ مثجور على الفص سيرا ثم ردّه عليه - يريد قول سالم بن دارة: لا تأمننّ فزاريا خلوت به … على قلوصك واكننها بأسيار فقال ابن هبيرة: خرج منها. قالوا: وتنبّى في ولاية ابن هبيرة رجلان: ضبيّ يقال له الأخطل، ورجل من الموالي يقال له سعيد، فكتب إلى يزيد في أمرهما، فكتب: اقتلهما، فقتلهما. العمري عن الهيثم بن عدي عن عطاء قال: دخلت امرأة جميلة على عمر بن هبيرة، فشكت زوجها وهو شيخ كبير فقال الشيخ: والله إنهم ليعلمون أني أقضي حقوقها وأقوم بنوائبها. فقال للمرأة: يا عدوة الله أحين أدبر غزيره وأقبل هزيره (¬١)، إن دخل ذل وإن خرج ظن نشزت عنه تريدين البدل منه؟. خذ عدوة الله فأدخلها أضيق بيوتك ثم أوجعها ضربا.المدائني عن المفضل بن فضالة قال: بعث ابن هبيرة إلى الحسن والشعبي، فاجتمعا عنده، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك عبد من عباد الله أخذ عهده لهم وأعطوه عهودهم أن يسمعوا له ويطيعوا، وإنه يأتيني منه أمور لا أجد من إنفاذها بدّا، والحسن ساكت، فقال له: ما تقول يا أبا سعيد؟. قال: إنّ الله مانعك من يزيد، وإن يزيدا غير مانعك من الله، وإنه يوشك أن ينزل بك أمر من السماء فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، فلا يوسعه إلا عملك، يا بن هبيرة إني أنهاك عن الله أن تتعرّض له، فإن الله إنما جعل السلطان ناصرا لدين الله وعباده، فلا تركبوا عباد الله بسلطان الله فتذلوهم، وإنه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق. المدائني قال، أتي ابن هبيرة بقوم فأراد ضربهم فقال له عامر الشعبي: أصلح الله الأمير إن أول من وضع الحبس كان حليما فمر بحبسهم إلى أن تنظر في أمرهم، فقال: صدقت، وحبسهم. المدائني: لما ولي عمر بن هبيرة العراق أراد الخيانة فخاف وكان صالح بن عبد الرحمن عند يزيد بن عبد الملك، فقال لكاتبه ابن عبدة العنبري: هل إلى صالح سبيل؟. قال: لا والله وكيف وهو أعفّ الناس إلا أن تظلمه، قال: فكيف لي بظلمه؟. قال: إنه كان دفع إلى يزيد بن المهلب ستمائة ألف درهم ولم يأخذ بها منه براءة، فكتب ابن هبيرة إلى يزيد بن عبد الملك، إنّ لي إلى صالح حاجة فإن رأى أمير المؤمنين أن يوجهه إلي فعل، قال: فدعا يزيد صالحا فأخبره فقال: والله ما به إلي حاجة ولقد تركت العراق ولو أتاه أكمه أبكم عرف ما فيه، فكتب ابن هبيرة يذكر ما قبلهمن المال، فدعاه يزيد فأعلمه ذلك فانتفى منه وقال: والله ما بقي عليّ درهم، قال: فانطلق إليه ليحاسبك ثم تعود. فانحدر إلى العراق فأمر به ابن هبيرة فعذّب، فكان كلما عذّب بنوع من العذاب قال: هذا القصاص قد كنت أعذب الناس بمثل هذا. حتى عذب بنوع من العذاب يدعى الفزاري فقال: هذا مما لم أعذّب به. وكان إياس بن معاوية المرّي دلّ ابن هبيرة على ذلك، فلما ألح ابن هبيرة على صالح بالعذاب جاء جبلة بن عبد الرحمن أخو صالح، وجيهان بن محرز، والنعمان الكسكري فضمنوا صالحا وما عليه فقال الكاتب: أحضروا المال، قالوا: أقبل الليل، فأعلم الكاتب ابن هبيرة ذلك فلم يخرج إليهم حتى أمسوا وانصرفوا، وأصبح صالح ميتا على مزبلة ألقي عليها ليلا وبه رمق حتى مات. وقال أبو عبيدة: كان محمد بن سعد، كاتب يزيد بن عبد الملك، هو الذي عمل في حدر صالح إلى ابن هبيرة، وذلك أن يزيد بن عبد الملك كان ولى صالحا خراج العراق، وخاف مسلمة على إقطاعه، فقال ابن سعد لصالح: احمل إلي مائتي ألف درهم. فقال: ومن أين أحملها فوالله ما في مالي سعة لها، وما كنت لأخون أمير المؤمنين. فلما أفضى ابن سعد إلى صالح بذلك وجل منه، فعمل فيه حتى حدّره إلى ابن هبيرة، وكان ابن سعد هذا مولى لبعض اليمانية وكان قد ولي قسمة أرزاق أهل اليمامة فأتاه جرير فحرمه، فقال جرير: تظلّ عيالي لا فواكه عندهم … وعند ابن سعد سكّر وزبيب وقد كان ظنّي بابن سعد سعادة … وما الظنّ إلاّ مخطئ ومصيبفإن ترجعوا رزقي إليّ فإنّه … متاع ليال والأداء قريب (¬١) قالوا: وكان ابن هبيرة أول عمال العراق اختان، فقال يوما لإياس بن معاوية: ما يقول الناس فيّ؟ قال: خيرا أيها الأمير، قال: أسألك بالله لما صدقتني. قال إياس: فقلت في نفسي: والله لأؤثرنّ الله عليك، فقلت له: يزعم الناس أن ثم أمير يصانع بالمال، فإذا أتي به جاءت فلانة جاريته فاحتملته. فقال ابن هبيرة: ما يخفى على الناس شيء. ولم يعزل يزيد ابن هبيرة حتى عزله هشام حين استخلف، وولى العراق خالد بن عبد الله القسري. المدائني قال: أتى ابن سيرين واسطا فسأله ابن هبيرة عن البصرة فقال: تركت العلم بها فاشيا. فغضب ابن هبيرة، وأبو الزناد عنده فجعل يقول إنه شيخ، ثم عرض شيء تكلم فيه فضحك ابن هبيرة، وأمر لابن سيرين بمال فلم يقبله، فقال إياس بن معاوية: ألا تقبل صلة الأمير؟ فقال: إن كان صدقة فلا حاجة لي فيها وإن كان لما علّمني الله فلست آخذ عليه أجرا، فأعجب به ابن هبيرة. المدائني قال: التقى عمرو بن مسلم وجبلة بن عبد الرحمن في طريق ضيقة من طرق واسط، لا يجوز فيها فارسان، فقال عمرو لجبلة: ارجع، فقال: بل ارجع أنت فإنك أقرب إلى السعة مني، فقال: ارجع وإلا وضعت السوط بين أذنيك، ثم ضرب رأس بغلة عمرو حتى رجعت، وتحدث أهل واسط بذلك وأرادوا الإيقاع به، فاستجار بالقصابين فحموه،وقدم ابن هبيرة فحبسه، ثم دعا به فلما كلمه أعجب به وقال: قبّح الله من ضيّع مثلك، وأنشد: أكمّثرى يزيد الحلق لينا … أحبّ إليّ أم تين نضيج يعرّض له بولاية نهاوند أو كرمان. فقال: تين نضيج، فأطلقه وعقد له على كرمان، وعقد يومئذ لمسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي على خراسان، فقال جبلة: كان هذا يتبعني طمعا في أن أولّى عملا أوليّه بعضه قرية أو قريتين، ثم هو اليوم يعقد له على خراسان، ويعقد لي على كرمان. وقال أبو عبيدة: أخرج جبلة إلى ابن هبيرة مقيدا فقال ابن هبيرة: ولقد جريت لما ترى من غاية … فاصبر لما جرمت يمينك حار فقال جبلة: لعمرك ما جنيت على سليم … بأشعاري فيهجوني الشّريد وأودع ابن هبيرة قوما أموالا، فأخذ سيرا فلواه على عود ثم كتب عليه: عند فلان كذا وعند فلان كذا، فلما نشره ورمى بالعود جاء الكتاب مفرّق الحروف لا تجتمع لقارئها، فكان يلوي ذلك السير على عود فتجتمع (¬١).