البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر
full-text— · 3 entries
- exact linked passagemedium confidencepage 2850, entry [527]27,755 chars
خبر رستقاباذ في أيام عبد الملك وولاية الحجاج ابن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل العراق حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن لوط بن يحيى، وعن عوانة: أن بشر بن مروان هلك بالبصرة وهو على الكوفة والبصرة واستخلف خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص على البصرة، فمكث نحوا من شهرين، ثم ولى عبد الملك الحجاج ب…
▸ expand full passage (27,755 chars)خبر رستقاباذ في أيام عبد الملك وولاية الحجاج ابن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل العراق حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن لوط بن يحيى، وعن عوانة: أن بشر بن مروان هلك بالبصرة وهو على الكوفة والبصرة واستخلف خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص على البصرة، فمكث نحوا من شهرين، ثم ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف العراق كله، غير خراسان وسجستان، فإنه كان عليهما أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فأقره عبد الملك سنتين بعد قدوم الحجاج من الحجاز، وأبى عبد الملك أن يقر خالدا على عمله، وكلم في ذلك فلم يجب إليه، وقال: أساء التدبير، وعجز عن العراق، وضعف عن أهل المصر، فقدم الحجاج من الحجاز، وكان واليا عليه، فاقبل حتى دخل الكوفة متلثما فقصد إلى المنبر، فصعده، ثم جلس ساعة لا يتكلم، فقال محمد بن عمير بن عطارد للهيثم بن الأسود: ما له - ترحه الله - لا يتكلم؟ ما أعياه وأشناه وأدمّه! والله إني لأظن خبره أسوأ من مرآته، ثم أخذ كفا من حصى ليحصبه، فلم يفعل حتى قام الحجاج، فحسر نقابه ثم قال:أنا ابن جلا وطلاع الثنايا … متى أضع العمامة تعرفوني إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها. قد شمرت عن ساقها فشمري … ليس هذا أوان عشّك فادرجي هذا أوان الشد فاشتدي زيم … قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي إبل ولا غنم … ولا بجزار على ظهر وضم قد لفها الليل بعصلبي … مهاجر ليس بأعرابي إني والله يا أهل العراق لا أحلق إلا فريت ولا أعد إلا وفيت، والله إني لأحمل الشر بثقله وأحذوه بنعله، وأجزيه بمثله. إن الله ضرب ﴿مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (¬١). فأنتم أولئك، أو أشباه أولئك، فاستوسقوا واستقيموا ولا تميلوا، فقد بين الصبح لذي عينين، والله لأمرينكم بالهوان حتى تدوروا، ولأعصبنكم عصب السلمة حتي تذلوا، ولأقرعنكم قرع المروة حتى تلينوا، ولأضربنكم، ضرب غريبات الإبل حتي تنقادوا، إنه والله ما يقعقع لي بالشنان، ولا أغمر تغماز التين، ولا أجلس على الدّبر، إني امرؤ فررت عن ذكاء، وجريت إلى الغاية وانتضيت عن تجربة، إن أمير المؤمنين عبد الملك نكت كنانته، ونثلهابين يديه، وعجم عيدانها، فوجدني أمرها معجما، وأشدها مكسرا، فوجهني إليكم، ورمى بي في نحوركم، فأنتم أهل بغي وخلاف، وشقاق ونفاق، طالما أوضعتم في الضلال، وسننتم سنن الغي تسائلون ماذا قال أميركم؟ وماذا يقول؟ وها، وها. وإياي وهذه الزرافات والجماعات، وكان ويكون، وما أنتم وذاك؟ إني أرى الدماء بين العمائم واللحى، والذي نفس الحجاج بيده لتسلكنّ طريق الحق، ولتستقيمن عليه، أو لأجعلن لكل امرئ منكم شغلا في جسده، فاقبلوا الإنصاف، ودعوا الإرجاف، وقول القائل منكم: أخبرني فلان عن فلان، قبل أن أوقع بكم إيقاعا يترك النساء أيامى، والولدان يتامى، فتقلعوا وقد جنيتم العافية، وغنمتم حظوظكم من السلامة، الا ولا يركبن رجل إلا وحده، ولا يحفظن إلا نفسه. فقال محمد بن عمير: لله أبوه! لقد كدنا نقع منه في شر، وجعل الحصا يتناثر من بين أصابعه. وقال المدائني في اسناده: قدم الحجاج في سنة خمس وسبعين في رجب، فبدأ بالكوفة، فخطب أهلها وتوعدهم، وأرسل إلى وجوههم، وإلى كثير من العامة، فقال: أخبروني عن الولاة قبلي، ما كانوا يعاقبون به العصاة؟ قالوا: الضرب والحبس، قال: لكني لا أعاقبهم إلا بالسيف، إن المعصية لو ساغت لأهلها ما قتل عدو، ولا جبي فيء، ولا عز دين، ولو لم يغز المسلمون المشركين، لغزاهم المشركون. وقد أجلتكم ثلاثا، فمن وجدته بعد ثالثة من جيش ابن مخنف، فبرئت منه الذمة. وقال ليزيد بن علاقة السكسكي صاحب شرطه: اجعل سيفك سوطا، فمن وجدته بعد ثالثة عاصيا فاقتله.وقيل إن الحجاج قال في خطبته: جاءت به والقلص الأعلاط (¬١) … تهوي هوي سائق الغطاط (¬٢) ليس هذا أوان عشك فادرجي. وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن كناسة الأسدي، قال: حدثنا أشياخنا قالوا: قدم الحجاج الكوفة، فخطب خطبته التي توعد الناس فيها، ثم قال: إياي وهذه الجماعات والزرافات والإخبار والاستخبار وسوء الأراجيف، لا يركبن أحد منكم إلا وحده ولا يخافن إلا ذنبه، إنه لو ساغت لأهل المعصية معصيتهم، ما جبي فيء، ولا قوتل عدو، ولعطلت الثغور، وأهملت الأمور، ولولا أنكم تغزون كرها ما غزوتم طوعا، وقد بلغني رفضكم المهلب، وإقبالكم إلى مصركم، عصاة مخالفين، وأقسم بالله: لا أجد أحدا بعد ثالثة ممن أخل بمركزه، إلا ضربت عنقه، ثم دعا بالعرفاء فقال لهم: ألحقوا الناس بالمهلب، وأتوني بكتبه بموافاتهم ولا أستبطئكم فأضرب أعناقكم. فلما كان اليوم الثالث من مقدمه، سمع في السوق تكبيرا عاليا، فصعد المنبر، فقال: يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، إني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به الله في الترغيب، ولكنه تكبير يراد به الترهيب، وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قاصف، أيا بني اللكيعة، وعبيد العصا، وأبناء الأيامى، إلاّ يربع أحدكم على ظلعه، ويحسن حملرأسه ويحقن دمه، ويبصر موضع قدمه، فأقسم بالله ليوشك أن أوقع بكم، وقعة تكونون بها نكالا لما قبلها، وأدبا لمن بعدها. فقام عمير بن ضابئ التميمي ثم البرجمي، فسأله أن يقبل منه بديلا، وكان وطيء على بطن عثمان وهو مقتول فضرب عنقه. قالوا: ولقي رجل أعرابيا من بني تميم، فقال ما الخبر؟ قال: قدم الكوفة رجل من شر أحياء العرب، من هذا الحي من ثمود، حمش الساقين (¬١)، ممسوح الجاعرتين (¬٢)، أخفش العينين (¬٣)، فقدم سيد هذا الحي، فضرب عنقه. وقال ابن الزبير لإبراهيم بن عامر الأسدي: أقول لإبراهيم لما لقيته … أرى الأمر أمسى منهبا متشعبا تحرز فأسرع والحق الجيش لا أرى … سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا تخير فإما أن تزور ابن ضابئ … عميرا، وإما أن تزور المهلبا هما خطتا سوء، نجاؤك منهما … ركوبك حوليا من الثلج أشهبا فأمسى ولو كانت خراسان دونه … رآها مكان السوق أو هي أقربا قالوا: وأتي الحجاج بعاص من بني سعد، فقال أما سمعت جريرا يقول: إذا ظفرت يداه بحبل عاص … رأى العاصي من الأجل اقترابا (¬٤)ثم أمر به فضربت عنقه. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان الحجاج يفرض في ثلاثمائة، ففرض للحرنفش - أحد بني ثعلبة بن سلامان وكان يأخذ من فرض له بفرس جواد، وسلاح شاك فقال الحرنفش: يكلفني الحجاج درعا ومغفرا … وطرفا كميتا رائعا بثلاث وستين سهما صنعة يثربية … وقوسا طروح النبل غير لباث ففي أي هذا أجعلن دراهمي … فربي من هذا الحديث غياثي المدائني عن سحيم بن حفص قال: كان قدوم الحجاج الكوفة يوم جمعة فخطب ونزل فصلى، وقرأ: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (¬١). وقال في خطبته: أقسم بالله لتقبلن الإنصاف ولتتركن الإرجاف، وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان، والهبر والهبر لأهبرنكم بالسيف هبرا يدع النساء أيامى، والولدان يتامى، وحتى تمشوا السمهى (¬٢)، وتقلعوا عن ها، وها، وإياي وهذه الزرافات والجماعات. وقال أبو مخنف: لما خطب الحجاج خطبته، أمر مناديه فنادى: أن برئت الذمة من عاص مخل بمركزه، وجدناه بالكوفة بعد ثلاث، فألحقوا ببعث المهلب، وبمكاتبكم (¬٣) من الثغور، ومغازيكم للخوارج.وجاءه عمير بن ضابئ بن الحارث بن أرطاة البرجمي، من بني تميم، فقال: أصلح الله الأمير إني شيخ كبير عليل، وهذا ابني حنظلة وليس في بني تميم رجل أشد منه ظهرا وبطشا، فإن رأيت أن تخرجه مكاني بديلا فافعل. فقال الحجاج: والله لهذا خير لنا من أبيه، فقال له عنبسة بن سعيد، أخو عمرو بن سعيد الأشدق، وكان أليف الحجاج وجليسه: إن هذا الذي فعل بعثمان كذا، وقال كذا، وحدثه حديث ضابئ، وأنشده شعره، وقد كتبناه في مقتل عثمان، فقال الحجاج: أفهلا بعثت حين أردت غزو عثمان بديلا. أضربوا عنقه. فضربوا عنقه، فلما ضربت عنق عمير، تطايرت عصاة الجيوش إلى مكاتبهم التي رفضوها. ولم يبق من أصحاب المهلب أحد إلا لحق به، وكان بإزاء الخوارج برا مهرمز من الأهواز، فركب العرّاض حين عرفوا حضورهم وعرضوهم، ولحق كل مخل بثغره ومركزه، فقال عبد الله بن الزبير الأسدي شعره المقدم ذكره وهو: تخير فإما أن تزور ابن ضابئ … عميرا وإما أن تزور المهلبا هما خطتا سوء نجاؤك منهما … ركوبك حوليا من الثلج أشهبا فجاء ولو كانت خراسان دونه … رآها مكان السوق أو هي أقربا وكان الحجاج أول من ضرب أعناق العصاة. ثم خرج إلى البصرة فولاها الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، وخطب فقال: إن العوان لا تعلم الخمرة، فالزموا الطاعة، تحسن لكم بها العائدة، ومن كان بالبصرة من جيش المهلب، فليلحق به فإني إن وجدت منهم أحدا بعد ثالثة ضربت عنقه، فأتاه شريك بن عمرو اليشكري، وكانبه فتق، وكان أعور يضع علي عينه قطنة، فسمي ذا الكرسف، فقال له: أصلح الله الأمير إني عرضت على بشر بن مروان، فأمر العراض أن يوقعوا على اسمي «زمنا» وأعطوني، فهذا عطائي قد جئتك به، لترده إلى بيت المال، فقال الحجاج: إن لها لسائقا عشنزرا (¬١) … على نواحيها مزخا (¬٢) … مزجرا إذا ونين ونية تغشمرا ثم أمر به فضربت عنقه لاستعفائه، وكان عريفا، فلم يبق بالبصرة عاص إلا لحق بالمهلب وبمكتبه، وقيل أن الحجاج أنشد هذه الأبيات: «إن لها لسائقا» بالكوفة في خطبته بها. وقال الفرزدق ويقال كعب الأشعري: لقد ضرب الحجاج بالمصر ضربة … تقرقر منها بطن كل عريف (¬٣) وبلغ المهلب خبر الحجاج، فقال: لقد أتى القوم وال ذكر. المدائني قال: كان الحجاج يغدي الناس، إذ أتى قوم من بني سليم برجل فقالوا: هذا عاص فقال: والله ما شهدت عسكرا قط، ولا أثبت لي اسم قط في ديوان، وإنما نساج، فضرب عنقه فأمسك الناس عن الطعام، فقال الحجاج ما لي أراكم قد اصفرت وجوهكم، وخلت أيديكم من قتلرجل واحد؟ كلا والله، إن الذئب يكنى أبا جعدة، وإنه من لا يذد عن حوضه يهدم (¬١). وخرج الحجاج إلى رستقاباذ ومعه أهل الكوفة وأهل البصرة وبين رستقاباذ والأهواز ثمانية فراسخ، وبينها وبين المهلب يومئذ ثمانية عشر فرسخا، وإنما أراد أن يشد ظهره وظهور أصحابه بمكانه وأن لا يبرح حتى يهلك الله الخوارج. وبعث بالعراض إلى المهلب برامهرمز، فقال الشاعر: قل للمهلب قد أتتك معاشر … حشروا إليك كحشر أهل البرزخ طاروا إليك برأس كل طمرّة … جرداء تحمل كل قرم أبلخ إني أرى الحجاج يقطع أذرعا … بأكفها ورؤوس قوم تشدخ أخذ البريء بما جناه غيره … إن السعيد هناك من لم يلطخ أودى عمير والقتال سبيله … قل للعصاة تحرزي أو دربخي (¬٢) وقال سوار بن المضرّب أحد بني ربيعة بن كعب بن سعد، وكان عاصيا: أقاتلي الحجاج إن لم أزر له … دراب وأترك عند هند فؤاديا يريد درأبجرد (¬٣) إذا جاوزت قصر المجيزين ناقتي … فباست أبي الحجاج لما ثنائيافإن كنت لا يرضيك حتى تردني … إلى قطري ما إن اخالك راضيا أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي … ودوني تميم والفلاة أماميا قال: المجيزون كانوا يحفظون الطريق ويجيزون السابلة، ولهم قصر بسفوان البصرة، يعرف بهم، كانوا ينزلونه. قالوا: وقام الحجاج برستقاباذ حين نزلها خطيبا، فحمد الله ﷿ وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل المصرين، هذا المكان والله مكانكم، جمعة بعد جمعة، وشهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، حتى يهلك الله ﷿ هؤلاء الخوارج المطلين عليكم. فقال له الناس: ولم تحبسنا أصلح الله الأمير بهذا المكان، سر بنا إلى هؤلاء الكلاب فما هم إذا اجتمع أهل المصرين عليهم بشيء. ودخل عليه الوجوه ذات يوم فرأى الهذيل بن عمران بن الفضيل البرجمي، وكان من أشراف أهل البصرة، وكان ينادم بشر بن مروان، وكانت له منه منزلة، وهو يجر ثوبه، فقال: يا هذيل ارفع ثوبك، فقال: إن مثلي أيها الأمير لا يقال له هذا القول فقال الحجاج: بلى والله، وتضرب عنقه، فخرج الهذيل وهو يقول: قاتله الله جذيّا (¬١) ما أتيهه في نفسه وفي الهذيل يقول الشاعر: يا أيها السائل في الرفاق … إن الهذيل سيد العراق ثم إن الحجاج خطب يوما فقال: إن الزيادة التي زادكم إياها ابن الزبير، إنما هي زيادة ملحد منافق فاسق، ولسنا نجيزها. وكان مصعب قد زاد الناس مائة مائة في العطاء، فقال له عبد الله بن الجارود، واسمالجارود بشر بن عمرو بن حنش بن المعلى العبدي: أيها الأمير، ليست بزيادة ابن الزبير، إنما هي زيادة أمير المؤمنين عبد الملك، إذ أنفذها وأجازها، وجرت لنا على يد بشر بن مروان. فقال له الحجاج: ما أنت والكلام لتحسن حمل رأسك أو لأسلبنك إياه. فقال: ولم؟ والله إني لك لناصح، وإن قولي هذا لقول من ورائي فنزل الحجاج، ومكث أشهرا لا يذكر الزيادة، ثم أعاد القول فيها، فرد عليه ابن الجارود مثل رده الأوّل، فقام مصقله بن كرب بن رقبة بن خوتعة العبدي، وهو أبو رقبة بن مصقلة، الذي يتحدّث عنه (¬١)، فقال: إنه ليس للرعية أن ترد على راعيها، وقد سمعنا ما قال الأمير، فسمعا وطاعة، فيما أحببنا وكرهنا، فقال له عبد الله بن الجارود: يا بن الجرمقانية، وما أنت وما هاهنا؟ ومتى كان مثلك يتكلم وينطق في مثل هذا؟ وأتى الوجوه عبد الله بن الجارود، فصوبوا قوله ورأيه، في رده على الحجاج، وإبائه ما أتى به، وقال له الهذيل بن عمران البرجمي، وعبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعي، وغيرهم: نحن معك ويدك وأعوانك، إن هذا الرجل غير كاف أو ينقصنا هذه الزيادة، فهلم نبايعك على إخراجه من العراق، ثم نكتب إلى عبد الملك نسأله أن يولي علينا غيره، فإن أبى خلعناه، فإنه هائب لنا ما دامت الخوارج، فبايعه الناس سرا، وأعطوه المواثيق على الوفاء، وأخذ بعضهم على بعض العهود، وبلغ الحجاج ما هم فيه، ففرق بين أخماس أهل البصرة، وأرباع أهل الكوفة، وجعل بينهم طرقا، وصير فيها حرسا،وأحرز بيت المال، والناس في أمرهم. فلما أستتب لهم أمرهم أظهروه، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين، وأتى عبد الله بن الجارود عبد القيس، فأخرجهم على راياتهم، وخرج الناس معه حتى بقي الحجاج وليس معه إلا خاصته وأهل بيته. وقال المدائني: كان خروجهم قبل الظهر فقال رجل من بني عجل لعبد الله بن الجارود: أخلق بعبد الله ان يسوسا … وأن يقود جحفلا خميسا أهل العراقين الكرام الشوسا … ويخلعوا الخليفة المتعوسا إذ قلدوا أمرهم الرئيسا … أكرم به من قائد قدموسا نحن قتلنا مصعبا وعيسى … وكم قتلنا منهم بئيسا وقطع ابن الجارود ومن معه الجسر، وكانت خزائن الحجاج من ورائه، وغلبوا على السلاح، وأرسل الحجاج أعين صاحب حمام أعين وهو في قول الكلبي مولى بشر بن مروان، وفي قول أبي اليقظان مولى سعد بن أبي وقاص إلى عبد الله بن الجارود، فأتى الصف، فرد، فقال: إنما أنا رسول، فأذن له، فقال: أجب الأمير، فقال ابن الجارود: ومن الأمير ولا نعمة عين لابن أبي رغال؟ ولكن ليخرج عنا مذموما مدحورا، وإلا قاتلناه. فقال أعين: أما إذ لم تجبه فأنه أمرني أن أقول لك: أتطيب نفسا بقتلكوقتل أهل بيتك وعشيرتك، والذي نفس الحجاج بيده لئن لم تأتني لأدعن قومك عامة، وأهل بيتك خاصة كأمة قد بادت، وحديثا للغابرين. وكان الحجاج قد حمل أعين هذه الرسالة، وقال له: إن لم يأتني فأوردها إليه، فقال ابن الجارود لأعين: والله يا بن الخبيثة لولا أنك رسول لضربت عنقك، وأمر فوجئ في عنقه، وأخرجوه. قالوا: واجتمع الناس لابن الجارود، فأقبل بهم زحفا نحو الحجاج، وكان رأيهم أن يخرجوه عنهم ولا يقاتلوه، فلما صاروا إليه انتهبوا ما في فسطاطه وأخذوا ما قدروا عليه من متاعه ودوابه، وجاء أهل اليمن حتى احتملوا امرأته، ابنة النعمان بن بشير الأنصاري، وجاءت مضر فاحتملوا امرأته الأخرى أم سلمة بنت عبد الرحمن بن سهل بن عمرو القرشي أخي سهيل فحصنوها مخافة السفهاء. وقال ابن الكلبي وأبو اليقظان: هي أم سلمة بنت عبد الرحمن بن سهل بن سهيل بن عمرو، وكانت عند الحجاج، ثم خلف عليها الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك. ثم إن القوم انصرفوا عن الحجاج وتركوه، وأتاه قوم من أهل المصرين، فصاروا معه، مستوحشين من محاربة السلطان ومخالفته، فجعل الغضبان بن القبعثرى الشيباني يقول لعبد الله بن الجارود: تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك أما ترى من قد أتاه منكم؟ ولئن أصبح ليكثرن ناصره وليضعفن مدتكم. فقال: قد قرب المساء، ولكنا نعاجله بالغداة. وكان مع الحجاج عثمان بن قطن بن عبد الله الحارثي، وزياد بن عمرو العتكي، وكان زياد على شرطه بالبصرة، فقال لهما: ما تريان؟ فقال زياد: أرى أنآخذ لك من القوم أمانا، وتخرج حتى تلحق بأمير المؤمنين، فقد أرفض جمهور الناس عنك، ولا أرى لك أن تقاتل بمن معك، ولا أحب لك أن تضيع نفسك وتهلكها، فقال عثمان بن قطن: لكني لا أرى ذلك، إن أمير المؤمنين قد أشركك في أمره، وخلطك بنفسه، واستنصحك وسلطك وملكك، فسرت إلى ابن الزبير، وهو أعظم الناس خطرا فقتلته، فولاك الله ﷿ شرف ذلك، وسناه وذخره وأجره، وولاك أمير المؤمنين الحجاز، ثم رفعك إلى ولاية العراقين. أفالآن حين جريت إلى المدى، وأصبت الغرض الأقصى وهابتك العرب، تخرج على قعود تدأدى (¬١) يوجف بك إلى الشام والله لئن فعلتها لا نلت من عبد الملك مثل الذي أنت فيه من السلطان أبدا، وليتضعن شأنك، ولتسقطن عنده، ولتهونن على كل عدو، ولكني أرى أن نمشي بسيوفنا معك، فنضارب هؤلاء القوم، حتى نلقى ظفرا أو نموت كراما. فقال له الحجاج: قرعتني بما في قلبي قرعا، الرأي ما رأيت. فحفظ هذه لعثمان بن قطن، واحتمل تلك على زياد بن عمرو. وقال المدائني عن أبي اليقظان: إن عثمان أشار عليه بالقتال، وان عبد الرحمن بن عبيد بن طارق العبشمي، وكان على شرطه، قال له: إنما نحن في عصبة وقد حيل بيننا وبين السلاح. فقال له: إن القليل الطيب خير من الكثير الخبيث وكثيرا ما ينصر الله ﷿ القليل على الكثير.قالوا: وأتى الحجاج مالك بن مسمع فقال إني قد أخذت لك من الناس أمانا فجعل الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس فيقول: والله لا أو منهم أبدا حتى يأتوا بالهذيل وعبد الله بن حكيم فإنهما سعرا هذه الفتنة، ودعا الحجاج ابن الغرق مولاه فقال له: ائت عبيد بن كعب النميري فقل له وكان على خمس أهل العالية: هلم إلي فامنعني فقال: قل له: إن أتيتني منعتك، فقال: لا والله ولا كرامة. وبعثه إلى محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس فقال له مثل ذلك، فقال ابن عمير: إن أتاني منعته، فقال: إنه لا يأتيك ولكنك تأتيه في قومك، فقال: لا ناقة لي في هذا الأمر ولا جمل، ثم أرسل إلى عبد الله بن حكيم المجاشعي، وهو رأس تميم، يسأله النصر فقال مثل قول أصحابه: يأتيني. وقال له سحيم بن شعيب الحنفي: إن شئت أخذت لك أمانا ولحقت بصاحبك فلم يجبه الحجاج بشيء، وقال: إن تكلم أو تحرك فاضربوا عنقه، ثم تكلم الحجاج رافعا صوته فقال: إن هؤلاء القوم أرسلوا إلي يطلبون مني الأمان، ولا والله لا أؤمنهم فلم ينطق الحنفي وجلس. قالوا: ومر عباد بن الحصين الحبطي بابن الجارود والهذيل بن عمران وعبد الله بن حكيم وهم يتناجون فقال: أشركونا في نجواكم، فقالوا: هيهات أن يدخل في نجوانا أحد من بني الحبط، فغضب وصار إلى الحجاج في مائة، فقال له الحجاج: أعلي أم لي؟ فقال: لك أيها الأمير، فقال الحجاج: ما أبالي من تخلف بعدك، وتخاذل الناس وسعى قتيبة بن مسلم في أعصر وقال: والله لا أدع قيسيا على الحجاج يقتل وينتهب ماله وأظاهر ابن الجارود عليه، فأقبل في نحو من ثلاثين فسلم على الحجاج بالإمرة، فقال:أقتيبة بن مسلم؟ فقال: نعم، قال: تقدم، وكان الحجاج قد يئس من الحياة فلما جاءه هؤلاء اطمأن وقد كان هم باللحاق بعبد الملك على كل حال، ثم أتاه سبرة بن علي الكلابي فسلم وانتسب، فقال له خيرا، ثم جاء سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي فسلم عليه، فقال: هاهنا ادن مني، وأتاه جعفر بن عبد الرحمن الأزدي فسلم ثم انتسب، فقال له: قف مكانك أما والله لنعم القوم قومك، وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع إن شئت أتيتك، وإن شئت أقمت فثبطت الناس عنك، فبعث إليه: أن أقم فثبطهم. فلما رأى الحجاج إنه قد اجتمع إليه عدد يمتنع بمثله خرج إليهم، فكتبهم وعبأهم، وجعل لهم حرسا، وتحارس الآخرون أيضا، وتلاحق الناس بالحجاج فلما أصبح وطلعت الشمس نظر فإذا حوله نحو من ستة الاف وذلك الثبت، وقوم يقولون ألف وستمائة، وقال عبد الله بن الجارود لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما الرأي؟ قال: تركت الرأي أمس حين قال لك الغضبان تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك وقد ذهب الرأي وبقي الصبر فدعا ابن الجارود بدرع فلبسها مقلوبة فتطير، وحرض الحجاج أصحابه وقال: لا يهولنكم ما ترون من كثرة عدد عدوكم فإنه ليس بكم بحمد الله قلة ولا ذلة، فشدوا عليهم يتطايروا تطاير الأجم (¬١) المنفر، إنهم أخور من اليراع وإن صدقتموهم الضرب سألوكم الأمان، فتزاحف القوم وعلى ميمنة ابن الجارود الهذيل بن عمران، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد بن ظبيانوعلى ميمنة الحجاج قتيبة بن مسلم ويقال عباد بن الحصين وعلى ميسرته سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي، وحمل ابن الجارود وأقدم أصحابه حتى جاز أصحاب الحجاج، وعطف عليه الحجاج بأصحابه فاقتتلوا ساعة، ثم إن سهم غرب جاء يهوي حتى أصاب عبد الله بن الجارود وإنه لكالظاهر على الحجاج فوقع ميتا، ويقال إنه لما خرج دخل ديرا قريبا منه ومعه قوم من الهجريين، فأحرق الدير عليهم، فخرجوا فقتل ابن الجارود والهجريون، ونادى منادي الحجاج بإيمان الناس إلا الهذيل وعبد الله بن حكيم، وأمر أن لا يتبعوا، وقال الأتباع لهم من سوء الغلبة. ولما هلك ابن الجارود قال عبد الله بن فضالة الأزدي لعكرمة بن ربعي من بني تيم الله بن ثعلبة، ولابن ظبيان: قد هلك هذا الرجل، وما أرى لي إلا اللحاق بخراسان، فقال عكرمة: أما أنا فلاحق بالشام فقد كان لي عند عبد الملك بلاء هو راع له، وقال ابن ظبيان: وأنا سأمضي إلى بعض النواحي، فحملوا حتى إذا اختلط الناس وثار الغبار أخذ كل واحد منهم نحو الوجه الذي أراده، فأتى عكرمة يزيد بن أبي النمس الغساني واستجار به فكلم فيه عبد الملك وذكر له بلاءه، وقال: هفا وزل، فآمنه عبد الملك، وكان ابن أبي النمس أثيرا عند عبد الملك سمعه يوما يقول هممت أن أقطع كل حبلة بالشام، فقال: يا أمير المؤمنين من أحب أن يعصى عصي فضحك عبد الملك. وأتى ابن ظبيان سعيد بن عباد بن زيد بن عبد بن الجلندى الأزدي بعمان، فقيل لسعيد: إنه رجل فاتك فأحذره، فلما جاء البطيخ بعث إليه بنصف بطيخة قد سمها وقال لرسوله: قل له: هذا أول شيء رأيناه منالبطيخ العام، فأكلت نصف بطيخة، وبعثت إليك بنصفها فأكل عبيد الله بن زياد بن ظبيان نصف البطيخة فقتلته، ولما أحس بالسم قال: أردت أن أقتله فقتلني. وخرج عبد الله بن فضالة إلى أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد إلى خراسان، فكان عنده، ثم أخذه حبيب بن المهلب فبعث به إلى الحجاج فخرجت امرأته فكلمت امرأة عبد الملك فيه، فكلمته فكتب إلى الحجاج في أمره فآمنه، وكلم عكرمة بن ربعي روح بن زنباع في الغضبان بن القبعثري، فسأل عبد الملك أن يؤمنه فآمنه. وأتي الحجاج برأس عبد الله بن الجارود فقال اغسلوه ثم عمموه، ففعلوا ذلك به فقال: هو هو. وقال عباد بن الحصين، وسعيد بن أسلم بن زرعة، وقتيبة بن مسلم للهذيل بن عمران، وعبد الله بن حكيم: نحن نكلم الحجاج فيكما فعجلا إلى الحجاج فأتياه وهما يجران مطرفيهما فلما نظر إليهما قال: اضربوا عدوي الله، اقتلوهما، فمشى عبيدة مولى الحجاج إلى عبد الله بن حكيم، فقال عبد الله بن حكيم: علي عهد ذي القرنين كانت مجاشع … حتوفا على الأعداء لدا خصومها فضربه بالسيف فعثر في مطرفه وقال: إن الراحة منكم لراحة، ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً ١،﴾ وقتل سريع مولى الحجاج الهذيل بن عمران، ثم أمر الحجاج بصلبهم فصلب ابن الجارود بين ابن حكيموالهذيل، وبعث برأس ابن الجارود ورؤوس هذين ورؤوس سواها إلى عسكر المهلب، مع حاتم بن سويد بن منجوف لييأس الخوارج مما بلغهم من فساد أمر الحجاج، ويقوى متن المهلب وأصحابه. ونادى الحجاج في الناس أن يلحقوا بأمصارهم ففرقهم، وأقبل حتى دخل البصرة، فقتل أشيم بن شقيق بن ثور الهذلي، ويقال إنه دخل في أمانه من آمن، فرآه في مجلسه فقال له: يا أشيم أخرجت مع ابن الجارود؟ قال: نعم وقد أتى عفوك على ذلك، وكان مع الحجاج كراز بن كراز العبدي، وهو صاحب لواء ابن الجارود، وراشد بن عوف العبدي، ومسلم مولى مالك بن مسمع، وعبيد الله بن كعب النميري، والغضبان بن القبعثرى الشيباني، أخذهم برستقاباذ، فحبسهم عنده، ثم حبسهم بالبصرة أيضا، ثم قال لعبيد بن كعب: أنت القائل قل للحجاج يأتيني فإني لا آتيه؟ ومن أنت يا بن اللخناء، هل أنت إلا عبد من أهل هجر وحبسه وعذبه حتى مات، وقال لمحمد بن عمير بن عطارد بن دهمان: أنت القائل لا ناقتي في هذا ولا جملي؟ لا كانت لك في مثلها ناقة ولا جمل ولا رحل وأنشد: ثعالب في السنين إذا أحصّت … وأسد حين تمتلئ الوطاب وكان يقال: أن عميرا أباه كان صدر عن عكاظ، فمر ببني دهمان فعرضوا لامرأته فأخذوها، ثم ردوها حاملا. وحدثني المدائني عن سحيم وغيره قالوا: رأى أبو جابر العبدي وكان جسيما ابن الجارود مصلوبا بين الهذيل وبين حكيم وكان عبد الله بن الجارودقصيرا يسمى لقصره بظير العناق فقال: ليتني كنت بينهما فقد فضحنا هذا بقصره. قالوا: وكتب الحجاج إلى عبد الملك: «أما بعد فالحمد لله الذي حفظ أمير المؤمنين، إني لما نزلت منزلي من رستقاباذ وثب علي أهل العراق فخالفوني ونابذوني، ودخل فسطاطي، وانتهبت أموالي، وقالوا اخرج من بلادنا إلى من بعثك إلينا، ففارقني البعيد، وأسلمني القريب، ويئس مني الشفيق، فشددت عليهم بسيفي، ولقيتهم بشيعتي، وقلت الموت قبل البراح، فوالله ما رمت العرصة حتى جعل الله لأمير المؤمنين منهم أنصارا، فضربت بمقبلهم مدبرهم وبمطيعهم عاصيهم، فقتل الله ﷿ طاغية القوم عدو الله ابن الجارود، وثمانية عشر من رؤوسهم، وضرب الله ﷿ وجوههم، فأخذوا شرقا وغربا، ثم إني آمنت الناس غائبهم وشاهدهم، فتراجعوا واجتمعوا وألحقت الناس بأمصارهم، ولله الحمد كثيرا، والسلام». فكتب إليه عبد الملك: «أما بعد فقد بلغني كتابك، وأنت الناصح النجيب الأمين بالغيب القليل العيب، فإذا رابك من أهل العراق ريب فاقتل أدناهم، يرعب منك أقصاهم والسلام». وقال المدائني: أتي الحجاج بخليفة بن خالد بن الهرماس وقد ضرب على وجهه، فقال له الحجاج: من أنت؟ قال: أحد الكفرة الفجرة، قال: خلوا سبيله، فقال له سويد بن صامت العجلي هذا الذي يقول: فلله حجاج بن يوسف حاكما … أراق دماء المسلمين بلا جرم فأمر بخليفة فقتل.قالوا: وبعث عبد الملك عبد الرحمن بن مسعود الفزاري إلى الحجاج، وأهل العراق لينظر في مظالمهم، وما يشكون من الحجاج، وأمر بإطلاق كراز وقد كان قد كلم فيه، فبلغ الحجاج ذلك فعجل على كراز وراشد بن عوف، ومسلم مولى مالك بن مسمع فقطع أيديهم وأرجلهم، فدخل ابن مسعود ودماؤهم تشخب، ولما قدم ابن مسعود على الحجاج صعد الحجاج المنبر، وصعد ابن مسعود درجتين أو ثلاثا، ثم قال: ألا من كان يطلب الحجاج بمظلمة فليقم، فقال الحجاج: مه، فقال: لا والله ما من مه، ثم قال: يا أهل العراق جمع الله لكم خير الدنيا والآخرة فإياكم والشقاق والفتنة، إني قد تركت ورائي خيلا من حديد وقوما لهم دين وليست لهم دنيا، فإياكم أن تجمعوا دنياكم إلى دينهم، ثم إنه انصرف إلى عبد الملك فأخبره بسوء سيرة الحجاج وظلمه وعذابه الناس، فبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى عبد الملك: «إن ابن مسعود امرؤ ظنين علي، قد بلغني أنه أساء علي الثناء، وإن شيعة ابن الزبير لن تحبني أبدا، وهو من شرارها وفجارها، وليس مثله قرّب ولا صدق، والسلام»، فكتب إليه عبد الملك: «أما بعد فقد بلغني كتابك في ابن مسعود، وليس مثله اتهم، ولا ظن به ظن السوء، والسلام». وكان ابن مسعود صديقا لحضين بن المنذر، فلقيه فسلم عليه فقال الحضين: ومن أنت عافاك الله؟ فأعلم الحجاج ذلك، فقال الحجاج: يا حضين أتعرف هذا، قال: لا، قال: كذبت ولكنك خفت أن يبلغني أنك سلمت عليه فأظن بك أنك تبلغه الأخبار قال: صدق الأمير وبرّ، قال: فلا تخف، فسلم عليه حضين وكلمه.وقال الحكم بن المنذر بن الجارود: أبا مطر أقررت عين عدونا … وكل إلى ما صرت سوف يصير أبا مطر لو يدفع الموت بالفدا … لكان رجال مشفقون كثير أبا مطر لو يدفع الموت بالرشا … لقد كان مال سارح وبدور وقال الشاعر: بكر النّعيّ بسيد الأمصار … حامي الذمار وناقص الأوتار بابن المعلى ذي السماحة والندى … كهف الضعيف وطالب الآثار عثرت به بعض الجدود وهدّنا … يا للرجال لجدنا العثار قالوا: وكان غضبان بن القبعثرى محبوسا عند الحجاج فكلم عكرمة بن ربعي روح بن زنباع في أمره فكلم عبد الملك في إيمانه فكتب بذلك إلى الحجاج فدعا به الحجاج فقال له: قد سمنت يا غضبان وصفا لونك؟ قال: القيد والرتعة، ومن يكن ضيف الأمير يسمن، قال: أنت القائل لابن الجارود: تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك؟ قال: ما نفعت من قالها ولا ضرت من قيلت له قال: أتحبني قال: أو فرق خير من حب، قال: ولم لا تحبني؟ قال: لأنك أخذت مالي ووضعت شرفي قال: فإن رددت مالك ورفعت قدرك؟ قال: الرضا مع الاحسان والسخط مع الغضب قال: لأحملنك على الأدهم قال: مثل الأمير حمل على الأدهم والكميت، قال: إنه حديد، قال: يكون حديدا خير من أن يكون تليدا فحمل من بين يديه ليطلق من حديده، فلما استقل به من حمله قال: الحمد لله ﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ (¬١) فضحك الحجاج.قالوا: (¬١) وقتل مع ابن الجارود عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، وكان شجاعا شديد البطش، حمل بخراسان بدرة بفمه فعبر بها نهرا، فلما بلغ الحجاج خبر مقتله قال: لا أرى أنسا يعين علي، فلما دخل البصرة استصفى مال أنس، فأتاه فلما دخل عليه قال: لا مرحبا ولا أهلا إيها يا خبيث، شيخ ضلالة جوال في الفتن، مرة مع أبي تراب، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الجارود أما والله لأجردنك جرد القضيب، ولأعصبنك عصب السلمة، ولأقلعنك قلع الصمغة، فقال أنس: من يعني الأمير؟ قال إياك أصم الله صداك فرجع أنس فأخبر ولده بما لقيه الحجاج به فأشاروا عليه بأن يكتب بذلك إلى عبد الملك، فكتب إليه كتابا شكا فيه الحجاج وما صنع به وما قال له، فأجابه جوابا لطيفا، وكتب إلى الحجاج: «أما بعد يا ابن أم الحجاج فإنك عبد طمت بك الأمور فعلوت فيها حتى عدوت طورك وتجاوزت قدرك، وأيم الله يا ابن المستفرمة (¬٢) بعجم الزبيب لأغمزنك غمزة كبعض غمزات الليوث الثعالب، ولأخبطنك خبطة تود لها أنك رجعت في مخرجك من بطن أمك، أما تذكر حال آبائك بالطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم، ويحتفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومناهلهم، أم نسيت حال آبائك في اللؤم والدناءة في المروءة والخلق، وقد بلغ المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما، وأظن أنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره، فتعلم إنكاره ذلك أو إغضاءهعنه، فإن سوغك ما كان منك مضيت عليه قدما، فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين أصك الرجلين، ممسوح الجاعرتين ولولا أن أمير المؤمنين يظن أن الكاتب كثر في الكتاب من الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لأتاك من يسحبك على ظهرك وبطنك حتى يأتي بك أنسا، فيحكم فيك، فأكرم أنسا وأهل بيته، وأعرف له حقه وخدمته رسول الله ﷺ، ولا تقصر في شيء من حوائجه، ولا يبلغن أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من أمر أنس وبره وإكرامه، فيبعث إليك من يضرب ظهرك ويهتك سترك، ويشمت بك عدوك، والقه في منزله متنصلا إليه، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك إن شاء الله، والسلام». وبعث بالكتابين مع إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم، فأتى إسماعيل أنسا بكتاب عبد الملك إليه فقرأه، ثم أتى الحجاج بالكتاب إليه، فجعل يقرأه ووجهه يتغير ويتمعر وجبينه يرشح عرقا وهو يقول: يغفر الله لأمير المؤمنين، فما كنت أظنه يبلغ مني هذا كله، ثم قال لإسماعيل: انطلق بنا إلى أنس، قال إسماعيل: فقلت: بل يأتيك، قال: فنعم، فأتى أنسا فاقبلا جميعا حتى دخلا على الحجاج فرحب به الحجاج وأدناه وقال يا أبا حمزة عجلت يرحمك الله باللائمة والشكية إلى أمير المؤمنين قبل أن تعلم كل الذي لك عندي، إن الذي فرط مني إليك عن غير نيّة ولا رضا بما قلت، ولكني أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان أني إذا بلغت منك ما بلغت، كنت إليهم بالغلظة والعقوبة أسرع، فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ مني الجهد، وحتى زعمت أننا الأشرار، وقد سمانا الله جل وعز الأنصار، وزعمت أننا أهل النفاق ونحن الذين تبوّأوا الدار والإيمان وسيحكم الله ﷿ بيننا وبينك، فهو أقدر علي الغيرلا يشبه الحق عنده الباطل، ولا الصدق الكذب، وزعمت أنك اتخذتني ذريعة وسلما إلي مساءة أهل العراق باستحلال ما حرم الله ﷿ عليك مني، ولم يكن بي عليك قوة، فوكلتك إلى الله ﷿، وإلى أمير المؤمنين فحفظ من حقي ما لم تحفظه، فوالله لو أن النصارى على كفرهم رأوا رجلا خدم المسيح عيسى بن مريم يوما واحدا لعرفوا من حقه ما لم تعرفه من حقي، وقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، وبعد، فإن رأينا خيرا حمدنا الله ﷿ وأثنينا به، وإن رأينا غير ذلك صبرنا والله المستعان، فرد الحجاج عليه ما كان قبض من أموالهم. قالوا: وأتي الحجاج بدينار صاحب حفرة، وكان هدم قصر الحجاج فأخذه ببنائه، فلما بناه ضرب عنقه بين شرفتين منه، ويقال ذبحه بينهما، وقتل زياد بن مقاتل بن مسمع في المعركة، ويقال قتل مع ابن الأشعث فبكته أخته فقالت: أعيني جودي ولا تجمدي … وبكي زعيم بني جحدر وقتل الحريش بن هلال، ويقال قتل يوم (دير) الجماجم، وقتل عبد الله بن رزام فقالت فيه امرأة: على ابن رزام تبكي العيون … ومثل الحريش الفتى الأزهر وقال بعضهم: قتل أبو رهم بن شقيق بن ثور، والثبت أنه خرج مع ابن الأشعث، فرآه الحجاج في مجلسه، فقال له: أخرجت علي؟ فقال: أتى عفوك علي ذنوبنا، فقال لبعض من معه: ضع هذا المنديل في عنقه وأخرجه فاضرب عنقه.قال ابن الكلبي دخل البراء بن قبيصة الثقفي علي عبد الملك، وكان الحجاج يطلبه لخروجه مع ابن الأشعث فأنشده قوله: أرى كل جار قد وفى بجواره … وجار أمين الله في الأرض يخذل ويروى: وجار أمير المؤمنين المؤمل. وفي ابن أبي النمس اليماني بجاره … وروح بن زنباع، وجارك يؤكل وراح الفتى البكري ينفض عطفه … وذا ابن عمير آمنا ما يزلزل فما هكذا كنتم إذا ما أجرتم … وما هكذا كانت أمية تفعل فقال له: صدقت وآمنه، وأمر الحجاج أن يمسك عنه.
- reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 2850, entry [527]344 chars
مشفقون كثير أبا مطر لو يدفع الموت بالرشا … لقد كان مال سارح وبدور وقال الشاعر: بكر النّعيّ بسيد الأمصار … حامي الذمار وناقص الأوتار بابن المعلى ذي السماحة والندى … كهف الضعيف وطالب الآثار عثرت به بعض الجدود وهدّنا … يا للرجال لجدنا العثار قالوا: وكان غضبان بن القبعثرى محبوسا عند الحجاج فكلم عكرمة بن ربعي روح بن زنباع في أمره فكلم عبد الملك في
- reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 2850, entry [527]342 chars
اجتمع إليه عدد يمتنع بمثله خرج إليهم، فكتبهم وعبأهم، وجعل لهم حرسا، وتحارس الآخرون أيضا، وتلاحق الناس بالحجاج فلما أصبح وطلعت الشمس نظر فإذا حوله نحو من ستة الاف وذلك الثبت، وقوم يقولون ألف وستمائة، وقال عبد الله بن الجارود لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما الرأي؟ قال: تركت الرأي أمس حين قال لك الغضبان تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك وقد ذهب الرأي