Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

ما قيل في عبد الملك وأخباره بعد مقتل ابن الزبير

ما قيل في عبد الملك وأخباره بعد مقتل ابن الزبير

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

1 book · 1 entry
Research data and provenancethin dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
thin
Source entries
1
Strong identity entries
0
Chronology hints
0
Attribute hints
0
Relation hints
1
Assessment hints
0
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

1 book · 1 entry

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

1 exact linked passages0 legacy full passages0 assessment hints0 assessment snippets

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 2779, entry [510]55,098 chars
    ما قيل في عبد الملك وأخباره بعد مقتل ابن الزبير المدائني عن مسلمة قال: رأى معاوية عبد الملك فقال: هذا أبو الملوك. المدائني عن عبد الله بن بكر السهمي قال: قال عمرو بن العاص: كنت عند معاوية وعنده عبد الملك، فلمّا قام أتبعه بصره، ثمّ قال لله درّ هذا الفتى ما أعظم مروءته. المدائني عن المنهال بن عبد المل…
    ▸ expand full passage (55,098 chars)
    ما قيل في عبد الملك وأخباره بعد مقتل ابن الزبير المدائني عن مسلمة قال: رأى معاوية عبد الملك فقال: هذا أبو الملوك. المدائني عن عبد الله بن بكر السهمي قال: قال عمرو بن العاص: كنت عند معاوية وعنده عبد الملك، فلمّا قام أتبعه بصره، ثمّ قال لله درّ هذا الفتى ما أعظم مروءته. المدائني عن المنهال بن عبد الملك قال نظر رجل إلى عبد الملك، وكانت في رأسه شامة مدورة، فقال: أما ليملكنّ فقال: ليت لنا من عرفج خوصة (¬١). المدائني وغيره قالوا دخل عبد الملك على يزيد بن معاوية فقال يا أمير المؤمنين إنّ لك أرضا بوادي القرى ليست لها غلة فإن رأيت أن تأمر لي بهافقال يزيد: إنا لا نخدع عن صغير ولا نبخّل بكبير، قال: فإن فيها كذا وكذا، قال: هي لك، قال: فلمّا ولى قال يزيد: هذا الذي يقال إنه يلي بعدنا، فإن كان ذلك باطلا فقد وصلناه، وإن كان حقا فقد صانعناه. المدائني قال: قال عبد الله بن صفوان رأى عثمان عبد الملك فضمه إليه وقال: رأيتني أخذت برنسي فوضعته على رأسه، وقد ولده أبو العاص مرتين، ولئن خرجت مني إليه ما ذاك بكبير. المدائني والحرمازي عن العتبي قالا: قال سعيد بن العاص، وبعضهم يقول عمرو بن العاص: لله درّ عبد الملك ما زلت أعرفه آخذا بأربع تاركا لثلاث، آخذا بقلوب الرجال إذا حدث، وبحسن الاستماع إذا حدث، وبترك الجدال إذا خولف، وبإظهار البشر إذا لقي، تاركا لخلة الظنين في دينه، وملاحاة الغلق خوفا لشذّاته، وللدخول فيما لا يعنيه هذا مع حلم وعلم. المدائني قال: وصف رجل عبد الملك، فقال: إنه ليترك مخالفة الجليس توقّيا لسوء المجالسة، ويدع مماراة اللجوج كراهة لعداوته. المدائني عن أبي هاشم الحراني، كاتب بشر بن مروان قال: قال عبد الملك للشعبي، حين وفد عليه وحدثه: لقد حدثتني بأحاديث قد مرت بمسامعي، ولكني أنصت حتى تظن أني لم أسمعها، وإنّ ذلك لطرفا من الأدب. حدثني الحسين بن الأسود عن يحيى بن آدم، عن وكيع قال: حدثنا الأعمش عن ذكوان قال: كان فقهاء المدينة يعدون أربعة، منهم عبد الملك بن مروان.حدثني روح بن عبد المؤمن قال: حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن نافع قال: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشدّ تشميرا، ولا أملك لنفسه، ولا أظهر مروءة من عبد الملك بن مروان. قال: وكان يقال لعبد الملك بالمدينة حمامة المسجد لعبادته. قال: وشكي بعض العمّال إلى ابن عمر، وعبد الملك يصلي إلى سارية، فقال ابن عمر: لو وليهم عبد الملك هذا ما رضوا به، يضرب به المثل في الفضل والصلاح. المدائني وغيره إن عبد الملك قال حين وجّه يزيد بن معاوية الجيش إلى ابن الزبير: ليت السماء وقعت على الأرض، إعظاما لذلك، ثم إنه ابتلي بعد ذلك بأن وجّه الحجاج فقتله بمكة ورمى البيت. وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي قال: دخلت على عبد الملك فقلت: أنا الشعبي يا أمير المؤمنين فقال: لو لم نعرفك لم نأذن لك، فلم أدر ما أقول، فقال: علم بنيّ الشعر، فإنه ينجّدهم ويمجدهم. وحدثني هشام بن عمار عن أبيه قال: مرّ ابن زمل العذريّ بسعيد بن المسيب فدعاه فجاءه، وهو في المسجد، فقال: بلغني إنك مدحت عبد الملك فأنشدني ما قلت فيه فأنشده: فما عابتك في خلق قريش … بيثرب حين أنت بها غلام فقال: صدقت كذا كان وهو عندنا.وقال المدائنيّ عن الأشياخ: بايع مروان بن الحكم لأبنيه: عبد الملك، وعبد العزيز حين رجع من مصر بالصّنّبرة (¬١)، أو بدمشق وولى عبد الملك فلسطين، فلما مات مروان أتاه عبد الرحمن بن أم الحكم، فسلم عليه بالخلافة. وقال المدائني: لما قتل عبد الملك عمرو بن سعيد قال ابن الزبير: إن أبا الذبّان قتل لطيم الشيطان ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (¬٢) وبلغ ذلك ابن الحنفيّة فقال: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ (¬٣) يرفع له يوم القيامة لواء بغدرته، ويلعنه الله والملائكة. وقال الواقدي: كان عبد الملك يكنى أبا الوليد عابدا ناسكا قبل الخلافة، وسمع من عثمان، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، ومات بالشام سنة ست وثمانين، وقبض وله ثمان وخمسون سنة. وروى مروان عن عمر وعثمان وهاجر النبي ﷺ إلى المدينة وله ثمان سنين، ومات سنة خمس وستين وله ثلاث وسبعون سنة. وقالوا: كتب عبد الله بن عمر حين قتل ابن الزبير إلى عبد الملك بن مروان: «من عبد الله بن عمر، سلام عليك، فإني مقرّ لك بالسمع والطاعة عن سنة الله ﷿ وسنّة رسوله ما استطعت». المدائني عن محمد بن صالح عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: كتب ابن عمر إلى عبد الملك بالبيعة، فقيل لعبد الملك: أترضى بأن يكتب إليك بمثل هذا؟ فقال: هذا من أبي عبد الرحمن كثير.وكتب ابن الحنفية ببيعته، وقد كتبنا خبره وخبر عبد الملك والحجّاج فيما تقدّم من خبر ابن الحنفية. قالوا: ووفد الحجّاج إلى عبد الملك بعد قتل ابن الزبير، وأوفد معه ابن الحنفية، وعبد الله بن عمرو بن عثمان، وعمر بن عبد الرحمن بن عوف، وعيسى بن طلحة، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص في رجال آخرين، قالوا: فدخل عيسى بن طلحة على عبد الملك في هذه الوفادة، ويقال في غيرها، فسأله أن يخليه، فقال: إنه ليس دون الحجّاج سرّ، فقال: والله لئن لم تخلني لا قبلت صلتك ولأرجعنّ ساخطا، قد قطعت رحمي فأخلاه، فقال: يا أمير المؤمنين سلطت علينا هذا الغلام من ثقيف، لا يعرف لقومك حقا، فقال: إنكم ما تعرفون منه شيئا إلا وأنا عارف به، وأنا عازله عنكم عزلا جميلا، فلا يسمعن هذا منك أحد فإني أخبره أنك أثنيت عليه، وخرج فأخبر عبد الملك الحجّاج أنّ عيسى أثنى عليه، فأتى الحجاج عيسى فوقف عيسى على بابه ووصله. وقال بعضهم: انّ المتكلم بهذا الكلام والذي أخلاه عبد الملك عمر بن عبد الرحمن بن عوف. حدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري قال: سمع عبد الملك بعض أهل الشام ممن توجّه إلى ابن الزبير أيام يزيد بن معاوية يقول: والله لنرمينّ البيت بالحجارة والنار إن أقام الملحد ابن الزبير على ما هو عليه، على رغم أنف من رغم، فقال عبد الملك: فإني أشهد الله أنّ أنفي إن كان ذلك، وأعوذ بالله، أول راغم، قال: فلم يلبث أن رماه الحجّاج وهو عامله وصاحبه بأمره.وحدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة عن أبيه قال: كان عبد الملك أول خليفة بخّل، وكان يقول: إعطاء الشعراء من السرف، ولكنهم قوم يتأتى لهم من الذم الباقي السائر ما لا يتأتى لغيرهم فأنا أتقيهم ببعض النوال ولا أتجاوز القصد. وحدثني المدائني عن مسلمة بن محارب قال: لما مات مروان صلى عليه عبد الملك ودفنه، ثمّ صعد المنبر فقال: إني والله ما أنا بالخليفة المصانع، ولا الخليفة المستضعف، ولا الخليفة المطعون عليه (¬١)، إنكم تأمرونا بتقوى الله وتنسون ذلك من أنفسكم، والله لا يأمرني أحد بعد يومي هذا بتقوى الله ﷿ إلا ضربت عنقه ثمّ نزل. المدائني عن عوانة قال: قال عبد الملك: زينة الكهل العلم، وجنّته الحلم. المدائنيّ قال: تزوج عبد الملك ولادة بنت العباس العبسي فولدت له الوليد وسليمان، فقال عثمان بن مسعود العبسي يوما للحضين بن المنذر: يا حضين أنت عجوز بكر بن وائل، فقال: لا ولكني كبيرها وسيدها، وأنت من قوم سادهم في الجاهلية عبد يعني عنترة وتقدمهم في الإسلام بحر إن ندى نديتم، وإن جف جففتم. حدثني الحسين بن علي بن الأسود عن أبي بكر بن عياش عن حصين قال: قال الشعبي: وفدت على عبد الملك، فما أخذت في حديث أرى انه لم يسمعه إلا سبقني إليه، وربما غلطت في الشيء وقد علمه فيتغافل عنّي تكرّما.المدائني قال: أتى رجل عبد الملك فقال له: إنّ لك عندي يا أمير المؤمنين نصيحة في فلان، فقال له: نسمعها منك على أنك إن كنت صادقا مقتناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن أحببت أن نقيلك أقلناك؟ قال: فأقلني، قال: قد فعلت. الحرمازيّ عن جهم السليطي قال: دخل أعرابي على عبد الملك فسأله فقال: إنّ علينا في مالنا حقوقا هي أوجب من حقك، فقال: والله لو كنت مثلك ما منعت راغبا، فقال: أعطوه، فأبى قبول عطيته وخرج، فقيل له: لم امتنعت من قبول صلته؟ فقال: إن يد البخيل ثقيلة. وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن عوانة قال: دعا عبد الملك بمؤدب ولده فقال: إني قد اخترتك لتأديب ولدي وجعلتك عيني عليهم وأميني، فاجتهد في تأديبهم ونصيحتي فيما استنصحتك فيه من أمرهم، علمهم كتاب الله ﷿ حتى يحفظوه وقفهم على ما بيّن الله فيه من حلال وحرام حتى يعقلوه، وخذهم من الأخلاق بأحسنها، ومن الآداب بأجمعها، وروهم من الشعر أعفه، ومن الحديث أصدقه، وجنبهم محادثة النساء، ومجالسة الأظناء، ومخالطة السفهاء، وخوفهم بي، وأدبهم دوني، ولا تخرجهم من علم إلى علم حتى يفهموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، وأنا أسأل الله توفيقك وتسديدك، ثم أسمى له الرزق، وبدأه بصلة حسنة. حدثني أبو أيوب الرقيّ المؤدب عن أبيه قال: دعا عبد الملك مؤدب ولده فقال له: رو ولدي ما في هذا القرطاس، وإذا فيه وصية معاوية فكانت:«بسم الله الرحمن الرحيم يا بني أمية إنّه لمّا قرب مني ما كان بعيدا، وخفت أن يسبق الموت إليّ، ويسبقكم بي سبقته إليكم بالموعظة، لأبلغ عذرا، وإن لم أردّ قدرا، إن الذي أخلفه لكم من دنياي أمر تشاركون فيه، أو تقبلون عليه، وإن الذي أخلف لكم من رأيي مقصور عليكم نفعه إن فعلتموه، مخوف عليكم ضرره إن ضيعتموه فاجعلوا مكافأتي قبول نصيحتي، وإن قريشا شاركتكم في أنسابكم وتفردتم دونها بأفعالكم، فقدمكم ما تقدمتم فيه إذ أخر غيركم ما تأخروا له، ولقد جهر لي فعلمت، ونعم لي ففهمت حتى كأني أنظر إلى أولادكم بعدكم كنظري إلى آبائهم قبلهم، إنّ دولتكم ستطول وكلّ طويل مملول، وكل مملول مخذول، فإذا انقضت مدتكم كان أول ذلك اختلافكم بينكم، واتفاق المختلفين عليكم، فيدبر الأمر بضد ما أقبل به، فلست أذكر عظيما ينال منكم ولا حرمة تنتهك لكم إلا وما أكف عن ذكره أعظم منه، فلا معول عليه عند ذلك أفضل من الصبر واحتساب الأجر، فيا لها دولة أنست أهلها الدول في الدنيا، والعقوبة في الآخرة، فيمادكم القوم دولتكم تماد العنانين في عنق الجواد، فإذا بلغ الله بالأمر مداه، وجاء الوقت الذي حده رسول الله ﷺ، ضعفت الحيلة، وعزب الرأي وصارت الأمور إلى مصائرها فأوصيكم عندها بتقوى الله ﷿ الذي يجعل لكم العاقبة إن كنتم متقين». حدثني هشام بن عمار عن الوليد عن روح بن جناح عن الزهري أن عبد الملك رأى عند بعض ولده حديث المغازي، فأمر به فأحرق، وقال: عليك بكتاب الله فاقرأه، والسنة فاعرفها واعمل بها.وكان المنصور أمير المؤمنين يقول الخلفاء ثلاثة: معاوية وكفاه زياد، وعبد الملك وكفاه الحجّاج، وأنا ولا كافي لي. وقال المنصور أيضا وذكر ملوك بني أمية: كان عبد الملك أشدهم شكيمة، وأمضاهم عزيمة، وكان هشام رجلهم. حدثني الحرمازي عن أبي عبيدة قال: كانت عبس تستطيل بتزويج عبد الملك ولادة بنت العباس العبسي، فقال الوليد بن القعقاع العبسي ليزيد بن عمر بن هبيرة: يا بن الفرار، فقال يا بن الضراط، قال الوليد: يا بن اللخناء، قال: بل أنت نزوة خوّار على أمة … لا يدرك الحلبات اللؤم والخور قال ابن هبيرة: يا بن الفجواء (¬١) لقد قدمتك أعجاز النساء وقدمني صدور الخيل والقنا. وحدثني هشام بن عمّار قال: حدثني الوليد بن مسلم قال: سمعت شيخا من أهل دمشق مسنّا يحدّث عن أبي الزعيزعة قال: قال عبد الملك للهذيل بن زفر، وحاتم بن النعمان الباهلي: إني أريد اختصاصكما ومجالستكما، فلا تمدحاني في وجهي، فإني اعلم بنفسي منكما، ولا تطريا عندي ظنينا فأستغشكما، ولا تكذباني فليس لمكذوب رأي، ولا تغتابا عندي أحدا، وقولا ما شئتما. وحدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن ابن عيّاش الهمذاني قال: دعا عبد الملك الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي، وحاتم بن النعمانالباهلي، فقال: إني قد عزمت على ان تجالساني وتسامراني، فلا تمدحاني في وجهي فإني أعلم بنفسي منكما، ولا تطريا عندي فاسقا فأمقتكما، ولا ظنينا فأستغشكما، ولا تكذباني فإنه لا رأي لمكذوب، ولا تغتابا عندي أحدا، وقولا بعد ذلك ما شئتما. قال: فكان الهذيل يتبع هواه فيما له وعليه مما يشينه ويزينه، وكان حاتم بن النعمان يخالفه فيما خاف عليه عاقبته وضرره، فقال له الهذيل: يا أمير المؤمنين إنما يخالفك حاتم ليري الناس جرأته عليك، فوقع ذلك في نفس عبد الملك فجفاه وحجبه، فبينا عبد الملك يسير في مسير له: إذ بصر بحاتم في الموكب فدعا به، وقال له: مالي لا أراك في مسيري إذا سرت، ونزولي إذا نزلت؟ فقال: ما أبرح من عسكر أمير المؤمنين أصلحه الله، ولا أخرج عنه، وقال: إن مسيري في المسير ومنزلي … لبالمنزل الأقصى إذا لم أقرّب ولست وإن أدنيت يوما بقائل … مقالة ذي غش لكم لتحبب وقد عدها قوم كثير تجارة … ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي وإني أرى حق الإمام ونصحه … وطاعته فرضا كما هي للأب فدعاه وأدناه وسمع منه. حدثني محمد بن مصفى الحمصي عن الوليد عن بعض ولد عمر بن عبد العزيز قال: قدم عبد العزيز بن مروان علي أخيه عبد الملك من مصر في بعض الأمور، فلما أراد الشخوص إليها قال له: انظر ما أوصيك به فاجعله لك إماما: ابسط بشرك، وألن كنفك، وآثر الرفق في الأمور فهو ابلغ بك، وانظر حاجبك فليكن من خير أهلك، فإنه وجهك ولسانك، ولا يقفنّ أحدببابك إلا أعلمك مكانه لتكون أنت الذي تأذن له أو ترده، وإذا خرجت إلى مجلسك فابدأ جلساءك بالكلام يأنسوا بك، وتثبت في قلوبهم محبتك، وإذا انتهى إليك أمر مشكل فاستظهر عليه بالمشاورة فإنها تفتح مغاليق الأمور المبهمة، واعلم أن لك نصف الرأي، ولأخيك نصفه، ولن يهلك امرؤ عن مشورة، وإذا سخطت على أحد فأخر عقوبته فإنك على العقوبة بعد التوقف عنها أقدر منك على ردها بعد إمضائها. حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن عوانة قال: كان عبد الملك جالسا وعنده قوم من الأشراف، فقال لعبيد الله بن زياد بن ظبيان البكري: يا عبيد الله بلغني أنك لا تشبه أباك؟ فقال: بلى والله إني لأشبه به من الماء بالماء، والقتة بالقتة، والتمرة، بالتمرة، والغراب بالغراب، ولكن إن شئت أخبرتك بمن لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال والأعمام. قال: ومن هو؟ قال: سويد بن منجوف فلمّا خرج عبيد الله وسويد، قال سويد: والله ما يسرني بمقالتك له حمر النعم، قال عبيد الله: وما يسرني والله باحتمالك إياي وسكوتك عني سودها، وإنما عرض بعبد الملك، وكان ولد لسبعة أشهر. قالوا: ودخل أبو العبّاس الكناني الأعمى على عبد الملك فقال له: أخبرني عن مصعب فأنشده قوله فيه: يرحم الله مصعبا إنه مات … كريما ورام أمرا عظيما طلب الملك ثمّ مات حفاظا … لم يعش باخلا ولا مذموما ليت من عاش بعده من قريش (¬١) … موتوا قبله وعاش سليمافقال عبد الملك: صدقت كان مصعب نابا من أنياب قريش، وصنديدا من صناديدها. حدثني أبو هشام الرفاعي عن عمّه كثير بن محمد عن ابن عياش المنتوف قال: قال عبد الملك: شممت الطيب حتى ما أبالي رائحة ما وجدت، وأتيت النساء حتى ما أبالي رأيت امرأة أم حائطا، وأكلت الطعام حتى ما أبالي ما أكلت، وما بقيت لي لذة إلا في محادثة رجل ألقي التحفظ بيني وبينه. وحدثني أبو أيوب الرقي عن الحجاج بن أبي منيع الرصافي قال: أوصى عبد الملك ولده، وأهل بيته، فقال: يا بني مروان ابذلوا معروفكم، وكفوا أذاكم، واعفوا إذا قدرتم ولا تبخلوا إذا سئلتم، ولا تلحفوا إذا سألتم، فإنه من ضيّق ضيّق عليه، ومن وسع وسع عليه. المدائني قال: قيل لعبد الملك: قد شبت يا أمير المؤمنين؟ فقال: وكيف لا أشيب وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة - يعني الخطبة-. حدثني أبو صالح الأنطاكي عن الحجّاج بن محمد عن ابن جريج عن إسماعيل بن محمد قال: قدم علينا عبد الملك حاجا في سنة خمس وسبعين، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ذلكم أيها النّاس فلست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا بالخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا بالخليفة المأفون - يعني يزيد - ألا وإن من قبلي من الولاة كانوا يأكلون ويؤكلون، وإني والله لا أداويكم إلا بالسيف، فمن أحبّ أن يبدي صفحته فليفعل، فلا تكلفونا أعمال المهاجرين، ولستم تعملون أعمالهم، فوالله ما زلتم تزدادون استجراحا ونزداد لكم عقوبة، حتى التقينا نحن وأنتم عند السيوف، هذا عمرو بن سعيد قال برأسه كذا، فقلنا بسيفنا كذا، ألا فليبلغالشاهد الغائب إنه ليست من لعبة إلا ونحن نحتملها، ما لم تبلغ أن تكون صعود منبر أو نصب راية، ألا وإن جامعة عمرو بن سعيد التي جعلناها في عنقه عندنا، وإني أعطي الله عهدا أن لا أجعلها في عنق أحد فأخرجها منه إلا صعدا، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم. المدائني عن مسلمة قال: قال عبد الملك: إن الخلفاء قبلي كانوا يداوونكم بأدوائكم، فيأكلون ويؤكلون، وإني والله لا أداويكم، إلا بالسيف، إن الله ﷿ فرض فرائض وحدّ حدودا، فما زلتم تزدادون في الذنوب ونزداد في العقوبة حتى اجتمعنا نحن وأنتم عند السيف، فليبق امرؤ على نفسه. المدائني عن ابن جعدبة قال: هدم ابن الزبير الدور التي كانت حول الكعبة، وقال: أنتم حللتم على الكعبة ولم تحلّ عليكم، ولم يعطهم أثمان دورهم، فلما قتل تظلموا إلى عبد الملك فقال: إن كان أخذ حقا فليس لكم عليه سبيل، وإن كان ظلمكم، فإني لا أحب إخراجه من الظلم. قالوا: دخل حميد بن ثور الهلالي على عبد الملك فقال له: ما الذي أقدمك يا حميد؟ فقال: أتاك بنا الله الذي فوق من ترى قال عبد الملك: وماذا؟ قال: وفضل ومعروف عليك دليل قال: وماذا؟ قال: ومطوية الأقراب أما نهارها … فسير وأمّا ليلها فذميل فوصله وأعطاه.المدائني قال: خطب عبد الملك أهل المدينة. وقد قدمها يريد الحجّ فقال: إني لأعلم أني لا أحبكم ما ذكرت قتل عثمان، وأنّكم لا تحبوني ما ذكرتم الحرّة وحبيش بن دلجة، فأنا وأنتم كما قال الشاعر: أبى لي قبر لا يزال مواجهي … وضربة فأس فوق رأسي فاقره قال: وكان عبد الملك يتهدد أهل بيته بمثل ما صنع بعمرو بن سعيد، فكتب إليه عبد الله بن عمرو بن عثمان: «إنك قد عرفت بلاء عثمان عندك، وعند أهل بيتك، ورفعه أقداركم، وما أوصاك به مروان من قضاء دين عمرو بن عثمان، وتأخيرك ذلك، فإن تؤثر ما أوصاك به أبوك فأهله نحن، وإلا تفعل فسيغني الله عنك والسلام». وكان مروان أوصى عبد الملك بقضاء دين عمرو، فكتب إليه عبد الملك: قد أتاني كتابك، وعمرو بن سعيد كان أقرب منك رحما، وأوجب عليّ حقا، فأخطأ موضع قدمه، ففرّقت بين رأسه وجسده، وقد هممت بأن الحقك به. فكتب إليه عبد الله بن عمرو: أتاني كتابك بما ذكرت ممّا هممت، فإن تفعل فإني رجل معرق لي في الشهادة، أنا ابن أمير المؤمنين عثمان، وابن أمير المؤمنين عمر، وكانت أمّه حفصة بنت عبد الله بن عمر. المدائني عن علي بن حمّاد قال: قال عبد الملك السياسة هيبة الخصاصة، مع صدق مودتها، وإفساد قلوب العامّة بالإنصاف لها، واحتمال هفوات الصنائع، فإن شكرها لأقرب الأيادي إليها. حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف وغيره أنّ عبد الملك كان فاسد الفم، فوقعت فيه الإكلة، فكان ينادي يا أهل العافيةلا تستقلوها، فيسمع صوته بذلك من عدّة منازل، فلمّا اشتدت به العلّة دعا بنيه فقال لهم حين حضروا: يا بني أوصيكم بتقوى الله فإنها عصمة باقية وجنة واقية، وقروا كبيركم وارحموا صغيركم، وابذلوا للنّاس معروفكم، وجنبوهم أذاكم، وأكرموا مسلمة بن عبد الملك فإنه سنكم الذي به تتزينون، ونابكم الذي عنه تفترون، وسيفكم الذي به تصولون، فاقبلوا قوله، واصدروا عن رأيه، وأسندوا جسيم أمركم إليه، وأكرموا الحجّاج بن يوسف، فإنه وطأ لكم المنابر ودوخ لكم البلاد، قد عرفتم بلاءه في الملحد ابن الزبير، وفي طغاة أهل العراق، واجتهاده في طاعتنا، ومحاماته علينا ولم يلبث أن مات، فصلى عليه الوليد. المدائني عن عامر بن حفص قال: مرض صديق لعبد الملك بن مروان من جرح كان به، فقال لروح بن زنباع الجذامي: أتيت فلانا؟ قال: نعم، قال: فأين جرحه؟ قال في عجانه، قال: مه، ثمّ قال لشبة بن عقال: اذهب فانظر أين جرحه، فمضى ثمّ أتاه فقال: جرحه بين الثنة والصفنة، وهي جلدة الخصيتين، فقال عبد الملك لروح: قل كذا. المدائني عن خالد بن يزيد بن بشر عن أبيه: إنّ عبد الملك أتي برجل من قيس فقال له: زبيري عميري يعني عمير بن الحباب، فقال له: والله لا يحبك قلبي أبدا، قال: يا أمير المؤمنين إنما يبكي على الحب المرأة، ولكنّ عدلا وإنصافا. حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن عوانة وابن عيّاش قالا: دخل الهيثم بن الأسود النخعي على عبد الملك، وقد أتي بخارجي من النخع، وعبد الملك يحلف ليقتلنه فقال للهيثم: هذا رجل منقومك، قال: يا أمير المؤمنين فهب جاني قوم لوافدهم، قال: هو لك، فخرج الهيثم والخارجي معه وهو يقول: تألّى على الله فكذّبه، وغالب الله ﷿ فغلبه. وقوم يزعمون أن الهيثم قال هذا لمعاوية، وقوله إياه لعبد الملك أثبت. المدائني عن شبيب بن شبّة قال: قال أمير المؤمنين المنصور - وذكر بني أمية - أمّا عبد الملك فكان جبارا لا يبالي ما أقدم عليه، وأمّا الوليد فكان مجنونا، وأمّا سليمان فكان همّه بطّنه، وأمّا عمر بن عبد العزيز فكان أعور بين عميان، وأمّا يزيد بن عبد الملك فكان ركيكا ماجنا، ورجل القوم هشام. المدائني عن مسلمة قال: وفد الحجّاج بن يوسف على عبد الملك، فدخل عليه وعنده خالد بن يزيد بن معاوية فقال له خالد: إلى كم هذا البسط، إلى كم هذا القتل؟ فقال الحجّاج: ما دام بالعراق رجل يزعم أنّ أباك كان يشرب الخمر، فأسكته. حدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن الكلبي عن عوانة قال: دخل ولد مسلم بن عقبة المري على عبد الملك، فقال لهم: إنّ أباكم كان جلدا لئيما، فمضى بجلده وخلف فيكم لؤمه فلا حاجة لنا بكم. المدائني عن عوانة إن حسان بن مالك بن بحدل الكلبي، ومنظور بن زبّان بن سيّار مرضا، فعادهما عبد الملك، وهو خليفة فبدأ بحسّان، ثم بمنظور، ثم خرج وهو يقول: فما لي في دمشق ولا قراها … مبيت إن عرضت ولا مقيل وما لي بعد حسّان سمير … وما لي بعد منظور خليلوحدّثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: مرض حسّان بن مالك بن بحدل، ومنظور بن زيد بن أفعى الكلبي أحد بني حارثة بن عبد ود، فعادهما عبد الملك وقال: فما لي في دمشق ولا قراها … مبيت إن عرضت ولا مقيل وما لي بعد حسّان سمير … وما لي بعد منظور خليل وهذا أثبت وأصحّ. المدائني عن زيد بن عياض بن جعدبة قال: حجّ عبد الملك، فلقيه عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم الشاعر، فلما سلّم عليه قال: ويحك أما ترعوي من فتونك، لقد علمت قريش أنك من أطولها صبوّة، وأبطأها توبة، وجفاه فقال عمر: يا أمير المؤمنين بئست التحية من ابن العم لابن عمه على طول النوى. وقيل له: يا أمير المؤمنين سلّم عليك ابن أبي ربيعة، وهو فتى قريش وشاعرها فلقيته بالغلظة والجفوة، فلو دعوته فآنست وحشته، وبسطته، فدعاه، فدخل عليه، وجارية تغمز رجله، وأخرى تغمز رأسه، فقال له: إني كنت ضجرا فأسمعتك ما لم أكن أحبّ أن اقول مثله لك فسلني حوائجك، فقال: يا أمير المؤمنين قد علمت قريش أني من أكثرها مالا وأحسنها حالا، وأنضها عينا، وأقلها دينا، وأعظم حوائجي بقاؤك. ثمّ انصرف، فقيل له: يا أبا الخطاب دعاك أمير المؤمنين، فعرض عليك الحوائج فلم تسأله شيئا؟ فقال: إنه أجلس القمر عند رجله، والشمس عند رأسه، ثم قال: تصدق، وما كان ذاك ليكون أبدا.قال القاسم بن سلام: يقال أن معاوية أو عبد الملك قال: ما غضبي على من أملك فأنا أقدر عليه وما غضبي على من لا أملك ويدي لا تناله. وحدثني عمر بن بكير عن هشام ابن الكلبي عن ابن مسكين المديني عن أبيه قال: حج عبد الملك فمرّ بمنزل حبّى المدينيّة بالمدينة، وكان فتيان قريش يجلسون إليها فيتحدّثون عندها، فأشرفت عليه ونظر إليها وهي تدعو له، فوقف وقال: يا حبّى أنا عبد الملك، فقالت: قد علمت فبأبي أنت وأمي، الحمد لله الذي أراني وجهك قبل موتي، كيف أنت يا سيدي؟ قال: بخير يا حبى كيف ماؤك المبرد، ومن كان يغشاك من فتيان قريش؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، أقتلت أخاك عمرو بن سعيد؟ قال: نعم والله ويعز عليّ، ولكنّه أراد قتلي، قالت: فلا أحاله، فأمر لها بخمسمائة دينار وأهدت له أشياء فقبلها. حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش عن الشعبي قال: دخل محمد بن أسامة بن زيد على عبد الملك فقال له: ابن كم كان أبوك حين عقد له النبي ﷺ على الجيش؟ قال ابن سبع عشرة سنة، قال: فهؤلاء يعيبوننا حين عقدنا للوليد وهو ابن بضع وعشرين سنة. المدائني قال: قال عبد الملك: ظلم الناس عروة بن الورد حين قدّموا عليه حاتم طيّئ في السخاء، لقد كان سخيّا حازما. حدثني أبو محمد النحوي المعروف بالتوّزي عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: نازع رجل من قريش رجلا من بني تميم، فقال التميمي: أما قريش فلها فضلها ولكن منّا الأحنف بن قيس أحلم الناس، وإياس بن قتادة أحمل الناس، حمل دماء الأزد، وفارس العرب الحريش بنهلال، فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فقال: قد كان الأحنف حليما، وكان إياس حمولا، وأمّا الحريش فإن عبّاد بن الحصين أولى بما وصفه به منه. المدائني إن عبد الملك حجّ فنزل بالمدينة دار مروان، فمرّ الحجّاج بخالد بن يزيد بن معاوية وهو قاعد في المسجد وعلى الحجّاج سيف مجلجل وهو يخطر، فقال رجل لخالد: من هذا الخطّار؟ قال خالد: بخ بخ هذا عمرو بن العاص، فقال الحجّاج: أقلت هذا عمرو بن العاص؟ ما يسرني أنّ العاص ولدني ولكنّي إلى الأشياخ من ثقيف والعقائل من قريش، وأنا الذي جمعت مائة ألف سيف بسيفي هذا وكلّهم يشهد أنّ أباك كان يشرب الخمر، ويضمر الكفر. ثمّ ولّى وهو يقول: بخ بخ هذا عمرو بن العاص. حدثني محمد بن حبيب مولى بني هاشم عن أبي فراس السلمي عن هشام ابن الكلبي عن عوانة قال: ولّى عبد الملك الحجاج مكّة سنتين ثمّ ضمّ إليه المدينة وكان يتولاها قبله طارق ثمّ ولاه العراق، فاستخلف على مكة عبد الرحمن بن نافع بن الحارث بن جبالة بن عمير الخزاعي، وكان نافع قد ولي مكة لعمر بن الخطاب، وولى المدينة عبد الله بن قيس بن مخرمة بن عبد المطّلب بن عبد مناف، فأمّا عبد الله بن قيس فعزله عبد الملك، وقال للحجّاج: وليته وهو من أحمق أهل بيت من قريش؟ وولى المدينة يحيى بن الحكم بن أبي العاص وأقر عبد الرحمن بن نافع على مكة ما شاء الله ﷿. وقال أبو الحسن المدائني: كان الحجّاج على مكّة سنتين، وكان طارق على المدينة ثم ضمّها عبد الملك إلى الحجّاج فاستخلف عليها عبد الله بن قيس بن مخرمة، ثم ولّى الحجّاج العراق فاستخلف على مكة والمدينة عبدالله بن قيس بن مخرمة، فبعث عبد الملك على مكّة نافع بن علقمة بن صفوان الكنانّي، وولى المدينة يحيى بن الحكم، ثمّ ولّى عبد الملك المدينة أبان بن عثمان، وولّى عبد الملك اليمامة يزيد بن هبيرة المحاربي، ثمّ إبراهيم بن عربي، وولّى الموصل يوسف بن الحكم بن أبي العاص، ولمّا مات عبد العزيز بمصر ولاها عبد الملك ابنه عبد الله بن عبد الملك. وقال المدائني: بلغ عبد الملك أنّ بعض عماله يقبل الهدايا فأشخصه إليه، فقال له: أقبلت هدية مذ وليت؟ قال: يا أمير المؤمنين بلادك عامرة، وخراجك زاج وافر، ورعيتك على أفضل حال، قال: أجب عمّا سألتك عنه؟ قال: نعم قد قبلت، فقال لئن كنت قبلت هديّة ولم تعوض عليها إنّك للئيم ولئن كنت أنلت مهديها ما كافأته به من مال المسلمين، أو قلدته من عملك ما لم تكن لتقلده إيّاه قبل هديته إنك لخائن جائر، ولئن كنت عوضت المهدي إليك من مالك ما أتهمك عند من ائتمنك، وأطمع فيك أهل عملك إنك لأحمق، وإنّ من أتى أمرا لم يخل فيه من لؤم أو حمق لحقيق أن لا يصطنع ثمّ عزله. المدائني قال: وفد إلى عبد الملك رجل من أهل المدينة كان يألفه أيّام تنسكه فأذن له وأدخل إليه أسراء فأمر بضرب أعناقهم قبل أن يناظرهم فقال له الرّجل: يا أمير المؤمنين لقد أقست الخلافة قلبك بعد أن كنت رؤوفا، قال: كلا إن الخلافة لم تقس قلبي، ولكنّه أقساه احتمال الضغن بعد الضغن. المدائني قال: خاض جلساء عبد الملك في قتل عثمان فقال رجل منهم: يا أمير المؤمنين في أي سنّك كنت يوم قتل عثمان؟ قال: دون المحتلم، قال: فمابلغ من حزنك عليه؟ قال: شغلني الغضب له عن الحزن عليه. وقال: قدم على عبد الملك عقيل بن علّفة المريّ فقال له عبد الملك: ما أحسن أموالكم عندكم؟ قال: ما ناله أحدنا عن صاحبه تفضلا، قال: ثمّ أيها؟ قال: مواريثنا، قال: فما أسرّها لكم؟ قال ما استفدناه فأكسبنا نعما، وأفادنا عزّا، قال: فما مبلغ عزكم؟ قال: لم يطمع فينا ولم تؤمن بوادرنا، قال: فما مبلغ جودكم؟ قال: أحبّ أموالنا إلينا ما اعتقدنا به منّه وأبقي لنا ذكرا، قال: فما بلغ من حفاظكم؟ قال: يدافع الرّجل منا عن جاره كدفاعه عن نفسه، قال: عبد الملك مثلك فليصف قومه. المدائنيّ قال: قدم المساور بن هند بن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي على الوليد بن عبد الملك، وأمّه ولادة بنت العبّاس بن جزي بن الحارث بن زهير بن جذيمة، فنزل على رجل من قومه يدعى برزا فأقام أشهرا فلم يصنع الوليد به خيرا، فارتحل وقال: ثلاثة أشهر في دار برز … أرجي نائلا عند الوليد فلا تشكي الكلال بدار برز … ولكن إن نجوت فلا تعودي وإن ضنّ الوليد كما زعمتم … فما نال الضنانة من بعيد فبلغت أبياته عبد الملك، فبعث في أثره فرده وقال له: أمن قبلنا جاءته الضنانة، أم من قبلكم؟ قال: لا بل من قبلنا، فقال له عبد الملك: هات حاجتك، قال: عليّ ثلاثة عشر ألف درهم للتجار فقضاها عنه وقال للوليد: أكانت هذه تفقرك لو دفعتها إليه قبل أن تسمع ما سمعت؟!.حدثني العمريّ عن الهيثم بن عدي عن ابن عيّاش قال: كان على شرط عبد الملك ابن أبي كبشة السكسكيّ، ثمّ أبو نائل رياح الغسانيّ، ثمّ عبد الله بن زيد الحكميّ، ثمّ كعب بن حامد العبسيّ، فمات وهو على شرطه، وكان على حرسه الريّان فمات، فصيّر مكانه خالد بن الريّان، وكان كاتبه على الخراج والجند سرجون الرومي، وعلى رسائله أبو الزعيزعة مولاه، وعلى الخاتم قبيصة بن ذؤيب فمات قبيصة سنة ستّ وثمانين، ويكنى أبا إسحق فصيّر مكانه عمرو بن الحارث مولى بني عامر بن لؤي. قالوا: وكتب عبد الملك إلى الحجّاج بعد يوم دير الجماجم أن يعطي النّاس عطاءهم، فكتب إليه: «إنّهم نكثوا العهد، ونقضوا البيعة، وفارقوا الجماعة، وطعنوا على الأئمة»، فكتب إليه: «إنما تجب طاعتنا عليهم، بأن نعطيهم حقوقهم». المدائني قال: أتي عبد الملك بأسارى، فهمّ بقتلهم فقال له رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين أذكرك آلاء الله عندك بالعفو، فعفا عنهم، وأمر بتخليتهم. المدائنيّ قال: أراد الحجّاج قتل من بقي في ديوان ابن الأشعث من أصحابه حين ظفر بهم، فقال له قتيبة بن مسلم: أصلح الله الأمير إنّ الله قد أعطاك ما تحبّ من الظفر، فأعطه ما يحبّ من العفو، فبلغ ذلك عبد الملك، فقال: لله درّ قتيبة لقد أبلغ في الموعظة، ولقد أحسن الحجّاج في القبول. المدائني عن مسلمة قال: كتب الحجّاج إلى عبد الملك إنّه بلغني أنّ أمير المؤمنين عطس فشمته من حضر، فأجابهم أن يهديكم الله ويصلح بالكم، فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما.المدائني عن أبي اليقظان عن جويرية بن أسماء قال: قام رجل من أهل اليمن إلى عبد الملك وهو يخطب، فقال: إنّ محمد بن يوسف - يعني أخا الحجّاج، وكان على اليمن - يسفك الدّم الحرام، ويأخذ المال الحرام، فقال: اجلس فجلس، ثمّ قام فقال مثل مقالته، فقال له: ويحك اجلس فجلس، ثمّ قام فقال مثل مقالته فقال له عبد الملك: لقد هممت أن أقتلك، قال: ما قمت هذا المقام إلا وبطن الأرض أحبّ إليّ من ظهرها إني سمعت أنّه تكون نبوّة، ثم خلافة ورحمة، ثمّ ملك وجبرية، فقد ذهبت النبوة والخلافة، وهذه الجبرية. المدائني قال: قال عبد الملك بن مروان لأميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد: مالك ولابن حرثان؟ قال: إنّه أتى حدّا فأقمته عليه، قال: أفلا درأت عنه بالشبهة؟ قال: كان الأمر أظهر من ذلك، قال: أما والله لقد أوجعك ولوددت أنّك كنت سلمت منه، وما سرّني أنّي هجيت، وأنّ لي مثل كل شيء أصبحت أملكه، وكان الذي قال فيه ابن حرثان: أضاع أمير المؤمنين ثغورنا … وأطمع فينا المشركين ابن خالد وبات على حور الحشايا (¬١) … ممهدا يعانق أمثال المها في المجاسد وبتنا قياما في الحديد وتارة … سجودا نناجي ربّنا في المساجد إذا هتف العصفور ريع فؤاده … وليث حديد الضرس عند الثرائد وقال أبو اليقظان: حدثنا جويرية بن أسماء قال: كان لعبد الملك بيت مال لا يدخله إلا مال طيب لم يظلم فيه مسلم ولا معاهد وقد عرف وجوهه،فكان يشتري منه الإماء اللاتي يتخذهنّ أمهات أولاد ويتزوج منه، ويقول لا أستحل إلا طيبا فإنّ ذلك في الأولاد. المدائني قال: كان عبد الملك يلبس جبّة ورداء، ويجلس للنّاس، وينظر في أمورهم، ويقف على بنيه في الكتاب فيقول للمعلم: أحسن تأديبهم ويكلمهم، قال: وقال عبد الملك لإسماعيل بن مهاجر، مؤدب مسلمة، ويزيد، وعنبسة: علم بنيّ القرآن، وخذهم بمكارم الأخلاق، وحثهم على صلة الأرحام، ووقّرهم في الملإ، وأخفهم في السر، فإن الأدب أملك بالغلام من الحسب، وتهددهم بي، وأدبهم دوني ولا تخرجهم من علم إلى علم حتى يفهموه فإنّ ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم. المدائني عن بكر بن عبد العزيز قال: قال عبد الملك لإسماعيل (¬١) مؤدب بنيه: علم بنيّ الصدق حتى إن قتل أحدهم قتيلا اعترف به على نفسه، والصق بابن عاتكة - يعني - يزيد فإنّ مهر أمه من عرق جبيني. قال: وكان مع سعيد بن عبد الملك معبد الجهني. المدائني عن علي بن حماد قال: قام رجل إلى عبد الملك فقال له: يا أمير المؤمنين قطعت إليك القفر لأمر ضاق به الصدر، قال: وما هو؟ قال: ابني بثغر كذا، وقد اشتد إليه شوقي، وطال توقي، قال: فكتب في رده فأقفل. المدائني عن عبد الحليم الأشج عن أبي قرة أن عبد الملك خطب زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقالت: والله لا يتزوجني أبو الذّبّان،فتزوجها يحيى بن الحكم، فقال عبد الملك: لقد تزوجته أسود أفوه، فقال يحيى أما إنّها أحبت مني ما كرهت منه. حدثني عمر بن بكير عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش وأبي جناب قال: رأى الغضبان بن القبعثرى صبيّا يلعب عند عبد الملك بن مروان، فقال: من هذا الصبيّ يا أمير المؤمنين؟ قال: ابني من عائشة بنت موسى بن طلحة، قال: سيناله السّخاء بولادة طلحة له، فقال له: ويحك أو بخيل أنا؟ قال: أي والله الذي لا إله إلا هو لا أستثني، فضحك. وقال ابن عياش: كان عبد الملك أول خليفة بخل. المدائني عن محمد بن عيسى قال: سأل رجل عبد الملك فألح عليه، وألحف في المسألة، فقال عبد الملك: قد ألحفت في المسألة؟ فقال إنك والله يا أمير المؤمنين لتردّ السائل الملح بالمنع المصرح. أراد عبد الملك أن يتزوج زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فتزوجها يحيى بن الحكم فغضب، واصطفى كلّ شيء له فقال يحيى: كعكة وزينب، فلما رأى عمر بن عبد الرحمن بن عوف أسف عبد الملك عليها، قال له: أدلك على أجمل منها بنت إسماعيل بن هشام، وهو عندك، فخطبها فتزوجها. الكلبي عن عوانة قال: دخل مسلمة بن زيد بن وهب الفهمي على عبد الملك فقال له: أي الزمان أدركت أفضل وأيّ من أدركت من الملوك أكمل؟ قال: أما الملوك فلم أر منهم أحدا إلا وله ذام ومادح، وأمّا الزمان فرأيته يرفع أقواما ويضع آخرين، وكلّ الناس إذا صدق نفسه ذمّ الزمان، لأنّه يبلي الجديد ويهرم الصغير، وكل ما فيه منقطع إلا الأمل، فإنّه أبداجديد، قال: فأخبرني عن فهم، قال: هم كما قال القائل: درج الليل والنهار على فه … م بن عمرو فأصبحوا كالرّميم وخلت دارهم فصارت يبابا … بعد عز وثروة ونعيم وكذاك الزمان يذهب بالنّا … س وتبقي ديارهم كالرسوم قال فمن الذي يقول: رأيت النّاس قد خلقوا جميعا … يحبون الغني من الرجال وإن كان الغني قليل خير … بخيلا بالقليل من النّوال فما أدري علام وفيم هذا … وماذا يرتجون من البخال قال الكلبي: فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان، وكان الحارث أخو فهم عدا عليه فقتله فسمي عدوان. المدائني عن سفيان الثوري قال: قدم الحجّاج على عبد الملك وافدا، ومعه معاوية بن قرة أبو إياس، فسأله عبد الملك عن الحجّاج فقال: إن صدقناكم قتلتمونا، وإن كذبناكم خشينا الله ﷿، فنظر إليه الحجّاج فقال له عبد الملك: لا تعرض له يا حجّاج فغربه إلى السّند. المدائني عن سحيم بن حفص قال: كان الحجّاج يقول سألت قبل أن أقدم العراق عن وجوه رجاله، فذكروا زياد بن عمرو العتكيّ، فما كان أحد أثقل عليّ منه، فقدمت على عبد الملك وهو معي في ناس من الأشراف، فأثنوا عليّ فما كان أحد منهم أحسن صفة لي منه، ولا قام أحد منهم مثل مقامه. قال: يا أمير المؤمنين إنّ الحجّاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه في أمرك لومة لائم، فلقد رأيتني وما أحد من الخلق بعد ذلك اليوم يعدله عندي.هشام بن عمّار والمدائني عن أشياخهم قالوا: كان عبد الملك يشتو بالصّنّبرة من الأردن، فإذا انسلخ الشتاء نزل الجابية، وأمر لأصحابه بأنزال ويفرق أغناما على قدر منازلهم، فإذا مضت أيّام من آذار دخل دمشق فنزل دير مرّان (¬١)، حتى إذا جاءت حمّارة القيظ أتى بعلبكّ فأقام بها حتى تهيج رياح الشتاء، فيرجع إلى دمشق فإذا اشتدّ البرد خرج إلى الصنبرة. قال المدائني: وبها مات يوم مات. المدائني قال تغدي شبّة بن عقال يوما عند عبد الملك فأتي بخزيرة (¬٢)، فضحك شبّة، فغضب عبد الملك وقال: ما أضحكك؟ قال: تعيير جرير مجاشعا بالخزيرة، وهي مائدة أمير المؤمنين، وإنما ضحك من السخينة التي تعيّر بها قريش. المدائني قال: دعا عبد الملك عبيد الله بن زياد بن ظبيان أو غيره إلى الغداء فأكل معه، فجعل يتناول مما بين يديه فقال له عبد الملك - ويقال بعض من كان على رأسه: كل مما بين يديك، فقال: أو في مائدة أمير المؤمنين حمى؟ فقال عبد الملك: لا كل من أيها شئت. حدثني بعض الشاميين قال: خطب عبد الملك بن مروان وأعرابي يسمع خطبته، فقال له رجل من قريش: كيف ما تسمع؟ فقال لو كان كلام يؤتدم به لكان هذا.وقال الهيثم بن عدي: تكلم عبد الملك بن عمير عند عبد الملك وأعرابي حاضر فقال: لو أنّ كلاما يؤتدم به لكان هذا الكلام. المدائني وغيره قالوا: كتب عبيد الله بن زياد بن ظبيان إلى عبد الملك: إنه قد كان من بلائي ما قد رأيت ولم يكن من جزائك لي إلا ما علمت فأنا كما قال الجعدي: كفينا بني كعب فلم نر عندهم … لما كان إلا ما جزى الله جازيا (¬١) قالوا: وبلغ عبد الملك قول عبيد الله بن زياد بن ظبيان، حين قال لمّا خرّ عبد الملك ساجدا، حين أتاه برأس مصعب: هممت بضرب راسه، فأكون قد قتلت ملكي العرب، فحجبه، ثمّ أذن له، فقال: يا أمير المؤمنين إنّا والله ما نكره سخط من رضاه الجور، فإن يكن لك علينا طاعة فيما أحببت، فإنّ لنا عليك العدل فيما وليت، فلست مستكملا طاعتنا إلا بعدلك، فآثر طاعة الله ﷿ فينا تسلم لك نصائحنا، وتخلص نياتنا، ولا تبغ الفساد في الأرض، إنّ الله بصير بعملك وإليه مصيرك، فغضب عبد الملك غضبا شديدا وقال: لولا أنّ خير الأمور مغبّة، وأكرمها عاقبة، كريم العفو بعد القدرة لأعلمت هذا الجلف أي مورد تورده الجهالة والاستطالة، فقال الوليد بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، ولم تستبقي مثله، ولم ير لك هيبة الخلافة، وجلالة السلطان، وواجب الطاعة وإن كان ذا غناء ودالة ولم يوقرك توقير المسلمين إياك، فقال عبد الملك: ما كلّ شيء تعلمه، وأنشد عبد الملك:ترى الناس أخلاطا جميعا وإنهم … على ذاك شتى والهوى يتفرق ترى المرء إن جالسته ذا صناعة … وسائر ما فيه سوى ذاك أخرق وتلقى أصيل اللب ليس لسانه … بمخرج ما في قلبه حين ينطق أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري: أنّ عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز القشيري من بجيلة، دخل على عبد الملك ومعه ابنه خالد بن عبد الله، فقال له عبد الملك: هذا ابنك؟ قال: نعم، قال ما أشبهه بك. قال: ذاك أحبّ إليّ، وأبرأ لساحة أمه. المدائني قال: قدم الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم الشاعر على عبد الملك فلم يصله ويقال إنّه أقام ببابه شهرا لا يأذن له فانصرف وهو يقول: تبعتك إذ عيني عليها غشاوة … فلما انجلت قطعت نفسي الومها فما بي إن أقصيتني من ضراعة … ولا افتقرت نفسي إلى من يسومها عطفت عليك النفس حتى كأنما … بكفيك بؤسي أو لديك نعيمها فبلغه ذلك، فأرسل إليه فردّه، فقال: يا حارث أترى على نفسك غضاضة في وقوفك ببابي؟ فقال: لا والله، ولكن طالت غيبتي، وانكسرت ضيعتي، ووجدت فضلا من قول فقلت، وعليّ دين فقال: وكم دينك؟ قال: ثلاثون ألفا، قال: أقضاء دينك أحبّ إليك، أم ولاية مكة؟ قال: ولاية مكة، فولاه إياها فبعثت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن الحارث وهي بمكة، وقد أقيمت ذات يوم الصلاة، وهي تطوف: إني لم أقض طوافي، فتوقف بالناس حتى فرغت من طوافها، ثم صلى، فبلغ ذلك عبد الملك فعزله، وقال: إني لم استعملك لتنتظر بالناس في صلاتهم طواف عائشة.قالوا: وكان الحارث يحب عائشة، وكانت تحبه، فخطبها فلم تتزوجه، فقيل لها أحبك رجل وأحببتيه عشرين سنة، ثمّ خطبك فلم تتزوجيه؟ فقالت: كان في عيب ما يسرني أنّ لي طلاع الأرض، وأنّه اطلع عليه، فكان يظنّ أنه سوء الخلق. حدثني الحرمازي عن الحسن بن علي العتبي عن أبيه عن أبي المقدام عن رجل من أهل مكة قال: قدمت المدينة فإذا غلمان بيض، عليهم ثياب بياض يدعون الناس إلى الغداء، وكانت بي إليه حاجة فدخلت، فإذا عائشة بنت طلحة على السرير، وإذا الناس يطعمون، قال: فلما أكلت، قالت لي: كأنك غريب؟ قلت: نعم، قالت: فمن أين بك؟ قلت: من مكة، قالت: كيف تركت الأعرابي قلت بخير، فلما خرجت قلت: عن من سألتني؟ قالوا: عن الحارث بن خالد، فلما قدمت مكة أخبرته فأنشأ يقول: من كان يسأل عنا أين منزلنا … فالأقحوانة منا منزل قمن إذ نجعل العيش صفوا ما يكدره … طول الحياة ولا ينبو بنا الزمن قال الحرمازي: وبناحية من الشام موضع يعرف بالأقحوانة (¬١) أيضا. المدائني عن عبد الله بن سلم وغيره قالوا: قدم عمر بن علي بن أبي طالب على عبد الملك، فسأله أن يصير إليه صدقة علي بن أبي طالب، فتمثل عبد الملك قول ابن الحقيق اليهودي: إنا إذا مالت دواعي الهوى … وأنصت السامع للقائل واعتلج القوم بآرائهم … نقضي بحكم عادل فاضلولا نجعل الباطل حقا ولا … نلظ (¬١) دون الحق بالباطل نخاف أن تسفه أحلامنا … فنخمل الدهر مع الخامل لا لعمري لا أخرجها من ولد الحسين إليك، ووصله عبد الملك ورجع من عنده. المدائني قال: قال عبد الملك للهيثم بن الأسود: ما مالك؟ قال: قوام من عيش وغنى عن الناس، فقيل له: لو أخبرته، فقال لو أعلمته مالي لحسدني إن كان كثيرا، أو حقرني إن كان قليلا، وقوم يقولون أن الهيثم قال هذا لمعاوية، والثبت أنه قاله لعبد الملك. وقال الهيثم: كان يقال لا تخبروا قريشا بمالكم، فإن كان كثيرا حسدوكم، وإن كان قليلا حقروكم. المدائني عن أبي محمد المقرئ قال: قال عبد الملك لرجل من ثقيف: ما المروءة فيكم؟ قال: إصلاح المال والمعاش والفقه في الدين، وسخاء النفس، وصلة الرحم، فقال: كذلك هي فينا. قالوا: وتزوج بكر بن حصين من بني عامر بن لؤي رقية بنت سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فتقدمت إلى عبد الملك بن مروان حين حج وهو بالمدينة، فتكلمت في أمر زوجها، فقال ومن زوجك؟ قالت: بكر بن حصين، قال: انسبي لي أبا آخر فإن عهدي بالقوم بعيد، قالت: ابن أويس، قال: ويحك أو تنكح المرأة عبدها؟ فقالت: يا أمير المؤمنين:إن القبور تنكح الأيامى … النسوة الأرامل اليتامى المرء لا تبقى له السلامي المدائني قال: قال عبد الملك: رأيت الفجور في بني الروميات، ورأيت الفارسيات أذلق (¬١) النساء، وأمنع جانبا، ورأيت بني الهنديات أصبر لصدور العوالي. ودخل جرير علي عبد الملك وعنده عدي بن الرقاع العاملي (¬٢)، ولم يكن جرير رآه قبلها، فقال له عبد الملك: يا جرير أتعرف هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، فمن هو؟ قال: رجل من عامله، قال: يا أمير المؤمنين هذا من الذين قال الله ﷿: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ٣؟﴾ قال: لا ويلك، فأنشأ جرير يقول: ويقصر باع العاملي عن العلى … ولكن أير العاملي طويل (¬٤) فقال ابن الرقاع: أأمك يا ذا أخبرتك بطوله … أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول (¬٥) فقال: بل لم أدر كيف أقول.حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان أن عبد الملك كتب إلى الحجاج جنبني دماء آل أبي طالب فإن بني حرب لما قتلوا حسينا نزع الملك منهم. المدائني عن يزيد بن عياض (¬١) قال: أراد عبد الله بن جعفر أن يفد إلى عبد الملك بن مروان، وعلى المدينة أبان بن عثمان بن عفان، فأرسل إليه بديحا يستأذنه، فقال أبان: قل له: فليبعث إلي جاريته فلانة، فرجع فأخبره بقوله فقال ابن جعفر: لا، ولا كرامة، وقال له: ارجع إلى بقيع - وكان أبان أبرص أبقع - فقل له: أما الجارية فلا، قال: فليبعث إلى بغلامه الزامر، فبعث به إليه، وقال: هو شبيهه، ثم أذن له، فوفد على عبد الملك. المدائني عن محمد بن إبراهيم قال: دخل عبد الله بن جعفر على عبد الملك فحثه علي صلة ابن أبي عتيق، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وذكر له خلته، فدخل ابن أبي عتيق على عبد الملك فقال له: يا بن أبي عتيق، أخبرني عنك عبد الله بضيق من الحال؟ قال: كذب يا أمير المؤمنين، ما بي من حاجة وما أنا في ضيقة، فدخل ابن جعفر على عبد الملك فأخبره بقول ابن أبي عتيق، فلقيه ابن أبي عتيق، فقال له ابن جعفر: ويحك اتركت حظك من أمير المؤمنين وقد عطفته عليك، وحثثته علي برك؟ فقال: إني دخلت عليه وعنده جارية له، ما رأيت شيئاقط أحسن منها، فأخبرني بقولك وهي تسمع وتنظر إلي، أفكنت ترى لي يا بن أم أن أقر بالفقر بين يديها؟! المدائني وغيره قالوا: نذر عبد الملك دم ابن قيس الرقيات لقوله: إنما مصعب شهاب من الل … هـ تجلت عن وجهه الظلماء (¬١) قال ابن قيس: فسألت عن من أستعين به عليه، فقيل لي روح بن زنباع، فأتيت روحا فقال: ما ذاك عندي، فأتيت عبد الله بن جعفر، فاستجرت به، فقال: لي أقم، فإن لي في كل ليلة رجلا أدخله معي إلى أمير المؤمنين فكن ذلك الرجل، فلما كان الليل أدخلني، وأمرني أن أجيد الأكل وآخذ ما بين يديه، وبين يدي عبد الملك، فنظر إلي، فقال: من هذا؟ قال ابن جعفر هذا القائل ما نقموا من بني أمية إلا … أنهم يحلمون إن غضبوا وإنهم سادة الملوك فما … تصلح إلا عليهم العرب (¬٢) فقال عبد الملك: ابن قيس؟ قال: نعم: فقال أما دمه فقد حقنه الله ﷿، وأما العطاء فلا عطاء له عندي، فقال ابن جعفر لابن قيس: اللهم غفرا، إذا خرج العطاء فلك عندي عطاؤك. وقال كثير يمدح عبد الملك: يحيّون بسامين طورا، وتارة … يحيون عباسين شوس الحواجب من النفر البيض الذين إذا انتجوا … أقرت لنجواهم لؤي بن غالبكريم يؤول الراغبون ببابه … إلى واسع المعروف جزل المواهب إمام هدى قد سدد الله رأيه … وقد أحكمته ماضيات التجارب (¬١) وقال فيه أيضا: قضى نحبه مروان ثم وليتنا … فكن يا بن مروان تجود وتدفع (¬٢) وقال كعب بن جعيل: أمير المؤمنين هدى ونور … كاجلى دجى الظلم النهار قريع بني أمية من قريش … هم السر المهذب والنضار وقال أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط: نبئت أن ابن القلمس عابني … ومن ذا من الناس الصحيح المسلم فأبصر سبل الرشد سيد قومه … وقد يبصر الرشد الرئيس المعمم فمن أنتم ها خبّرونا من أنتم … فقد جعلت أشياء تبدو وتكتم فقال له عبد الملك: ما كنت أرى أن مثلنا يقال لهم من أنتم؟ أما والله لولا ما تعلم، لقلت قولا يلحقكم بأصلكم الجلائب، ولضربتك حتى تموت. وقال أعشى بني شيبان: عرفت أمية كلها … لبني أبي العاص الإمارة لأبرّها وأحقها … عند المشورة بالإشارة المانعين لما ولوا … والنافعين ذوي الضرارة وهم أحقهم بها … عند الحلاوة والمرارةوقال المدائني: قال قبيصة بن ذؤيب ووشى به قوم إلى عبد الملك، فجفاه وكانت له منزلة عنده: إن مسيري في المسير ومنزلي … لبالمنزل الأقصى إذا لم أقرب وما أنا إن قربت يوما ببائع … خلاقي وديني لابتغاء التحبب ولكن أرى حق الإمام ونصحه … وطاعته حقا كما هي للأب وهذا باطل وقد نسبنا الشعر إلى صاحبه الذي قاله، وذكرنا حديثه فيما مضى من أحاديث عبد الملك. المدائني قال: أمر عبد الملك مسلم بن ربيعة أبا إسحق بن مسلم أن يقتل رجلا من قيس فأبى فحبسه فقال: ألا أبلغ سراة الحي قيسا … شآميهم ومن هو بالعراق بأني بالرهاء بها مقيم … قصير الخطو مشدود الوثاق وما كانت عقوبتهم بسجني … لمعصية وما خافوا شقاقي ولكني كرهت دماء قومي … وما لي بعد قومي من تلاق ويقال أن محمد بن مروان أمره بذلك. المدائني عن علي بن حماد قال: قال الأخطل لعبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين زعم ابن المراغة أنه يبلغ مدحك في ثلاثة أيام وقد أفنيت في مدحك حولا بقصيدة قلتها فما بلغت كل الذي أردته، فقال عبد الملك: فأنشدني قصيدتك فأنشده: خف القطين فراحوا عنك أو بكروا … وأزعجتهم نوى في صرفها غير (¬١)فجعل عبد الملك يتطاول، ثم قال: ويحك يا أخطل أتريد أن أكتب إلى الآفاق بأنك أشعر العرب؟ قال: أنا أكتفي بقولك يا أمير المؤمنين، فأمر له بقصعة مملوءة دنانير ودراهم، وألقى عليه خلعته وخرج به مولى لعبد الملك وهو يقول: هذا شاعر أمير المؤمنين. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: قال سعيد بن المسيب لعبد الملك: بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء؟ قال: والدماء يا أبا محمد فنستغفر الله. المدائني عن عبد الله بن مسلم الفهري قال: دخل الأخطل على عبد الملك وهو سكران فقال له: يا أبا مالك مالك؟ قال: إن أبا نسطور وضع في جمجمتي ثلاثا وأنشد: إذا شرب الفتى منها ثلاثا … بغير الماء حاول أن يطولا مشي قرشية لا عيب فيها … وأرخى من مآزره ذيولا (¬١) المدائني قال: دخل على عبد الملك رجل فتكلم فأحسن حتى سكت، فأراد أن يسبر عقله ليعرف ما عنده، فإذا هو مضعوف فقال: زيادة منطق على عقل خدعة، وزياد عقل على منطق هجنة، وأحسن ذلك ما زين بعضه بعضا، وبعضهم يروي هذا عن سليمان بن عبد الملك، وهو عن عبد الملك أثبت. وقال: وذكر تشقيق الخطب والإسهاب عند عبد الملك فقال: من أكثر فأحسن قدر على أن يقل فيحسن.حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج: أما بعد فإنه بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم ما ينفق أمير المؤمنين في الجمعة، وتنفق في الجمعة ما ينفق أمير المؤمنين في الشهر، وتنفق في الشهر ما ينفق أمير المؤمنين في السنة، وهذا ما لا قوام معه يا حجاج. عليك بتقوى الله في كل حالة … وكن لوعيد الله ربك تخشع ووفر خراج المسلمين وفيئهم … وكن لهم حصنا يذود ويمنع فكتب إليه الحجاج: أتتني كتب للخليفة ضمنت … قراطيس تطوى كي تصان وتطبع ومنها كتاب فيه لين وشدة … وذكر وفي الذكرى لذي اللب منفع وكانت بلادا جئتها ذات فتنة … بها كل نيران الحوادث تلمع فما زلت فيها أعمل الحزم جاهدا … فاعطي على حين العطاء وأمنع فلا تتهمني إنني لك ناصح … ولست مع النصح المبين أضيع فرد عبد الملك عليه كتابه، وكتب في حاشيته: «صدقت يا أبا محمد وبررت. المدائني قال: قال عبد الملك: أي الشعراء أشجع شعرا؟ قالوا: عمرو بن معد يكرب، قال وكيف وهو يقول: وجاشت إلي النفس أوّل مرة … فردت على مكروهها فاستقرت (¬١) فقيل ابن الإطنابة؟ فقال وكيف وهو القائل: أقول لها وقد جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستريحيفقالوا عنترة؟ فقال: وكيف وهو يقول: إذ يتقون بي الأسنة لم أخم … عنها ولكني تضايق مقدمي (¬١) قيل: فعامر بن الطفيل؟ فقال: وكيف وقد قال: أقول لنفس لا يجاد بمثلها … أقلي مراحا إنني غير مدبر (¬٢) ولكن أشجع الناس شعرا المزني الذي يقول: وإني لدى الحرب العوان موكل … بتقديم نفس لا أحب بقاءها وعبّاس بن مرداس حين يقول: أقاتل في الكتيبة لا أبالي … أحتفي كان فيها أم سواها المدائني عن عوانة قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج في أمر استشاره فيه واستكتمه إياه فانتشر وبلغ عبد الملك ذلك، فكتب إليه كتابا عاتبه فيه، وتمثل بهذين البيتين في كتابه: ألم تر أن وشاة الرجا … ل لا يتركون أديما صحيحا فلا تفش سرك إلا إليك … فإن لكل نصيح نصيحا العمري عن الهيثم عن ابن عياش قال: قال عبد الملك للشعبي: لله در ابن قميئة حيث يقول: كأني وقد خلفت تسعين حجة … خلعت بها عني عذار لجام رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى … فكيف بمن يرمى وليس برام فلو أنها نبل إذا لا تقيتها … ولكنني أرمى بغير سهامفقال الشعبي: وقد أحسن لبيد أيضا حين يقول: كأني وقد خلفت تسعين حجة … خلعت بها عن منكبي ردائيا (¬١) قال: ففكر عبد الملك ثم أنشد: إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله … كفى قاتلا سلخي للشهور واهلالي قال: ولما قتل مصعب واستقام الأمر لعبد الملك دخل عليه عمر بن عبيد الله بن معمر، وسويد بن منجوف، ونعيم بن مسعود التميمي، وقيس بن الهيثم السلمي بعد أن حبسهم على بابه حينا، فقال عبد الملك: إنكم سعيتم مع الشيطان فكنتم حزبه، فلما نكص نكصتم، ولم يبق أحد ممن شب نار الفتنة وسعى في الفرقة، وشتت الألفة إلا أحدث من جرمه توبة، وظهرت منه إنابة غير قتادة فكففنا عنه العقوبة أفما ترضون أن تكونوا إسوة من أبصر بعد العمى، وعرف بعد الجهل واستحق بالإنابة العفو؟ فتكلم سويد بن منجوف فقال: إنا كنا وزراء فأصبحنا أعجازا، فخذ بالتي هي أحسن ذكرا، وأبقى جمالا. ثم قال عمر بن عبيد الله: والله ما نعتذر إليك من معصية، ولا نتوسل إليك بطاعة، ولقد ولينا لعدوك الأعمال، وكسبنا الأموال، وقتلنا الرجال ولأن نكون كنا على ضلال، فأصبحنا على هدى، خير من أن نكون على هدى ثم نصبح على ضلال فإن تصطنعنا نكن لك كما كنا لمن كان قبلك.ثم تكلم نعيم بن مسعود فقال يا أمير المؤمنين إنا كنا أمس زبيريين فقد أصبحنا مروانيين، فأقلل العتاب، وأكرم الغلبة، وأقل بعفوك العثرة. ثم تكلم قيس بن الهيثم فقال: إنا لسنا بالحلو المأكول، ولا بالمر الملفوظ، ولا عفوك بمنكر، ولا عقابك بحتم، قد والله يا أمير المؤمنين قارعناك عن الدين والدنيا جميعا، فليسعنا ما لم يضق عن غيرنا من عفوك، فمثلنا أسديت إليه العارفة فشكرها، واتخذت عنده الصنيعة فعرفها قال: فرضى عنهم وأسني جوائزهم. المدائني قال: أنشد عبد الله بن الزبير قول أنس بن زنيم في مصعب حين تزوج عائشة: بضع الفتاة بألف ألف كامل … ويبيت أرباب الجيوش جياعا لو أنني عمرا أقول مقالتي … وأبثه ما قد أرى لارتاعا فقال عبد الله: صدق إن مصعب قدم أيره وأخر خيره، فبلغ عبد الملك قوله فقال: لكنه أخر أيره وخيره. المدائني عن علي بن حماد قال: أجرى عبد الملك الخيل فحمل مسلمة على فرس، وكانت أمه أم ولد فجاء سابقا، فقال لمصقلة بن رقبة العبدي: إن صاحبكم لقليل المعرفة بأولاد أمهات الأولاد حين يقول: نهيتكم أن تحملوا هجناءكم … على خيلكم يوم الرهان فتدركوا وما يستوي المرآن هذا ابن حرة … وهذا ابن أخرى بطنها متشرك ترعد كفاه ويسقط سوطه … وتفتر فخذاه فلا يتحرك وتدركه أعراق سوء ذميمة … ألا إن عرق السوء لا بد مدركقال يا أمير المؤمنين: إن من الإماء ذوات شرف فيمن هنّ منه، وليس أولئك عنى، وقد يشتري الرجل الجارية فيعتقها ويحصنها فتكون كالحرة، وإنما عنى جمهور الإماء اللواتي لا مواضع لهن ولا هيئات. أخبرني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: سقى عبد الملك رجلا من كلب شرابا يزيد في الباه، ثم انصرف من عنده فأصابه شبق شديد، فلم يصل إلى منزله حتى أتبعه بجارية وقال لرسوله: قل له: إنا سقيناك شرابا تحتاج معه إلى ما بعثنا به إليك، وقد كفيت اشتراءها (¬١) فدونكها. المدائني عن بكر بن حبيب السهمي قال: ولد لعبد الملك ابن فقال له روح بن زنباع: يا أمير المؤمنين اسقه لبن الإبل، فاشترى عبد الملك لظئر الصبي لقحة، فكانت تحلب وتشرب الظئر لبنها وقال الحالب: كيف أحلبها أخنفا، أم مصرا، أم فطرا، والخنف ضم اليد على الضرع، والفطر أن يحلب كما يعقد ثلاثين والمصر بأطراف الأصابع؟ فقال بل أحلبها مصرا، ويقال الخنف باليد كلها والفطر أن يحلب يعقد ثلاثين، والمصر أن لا يقبض على الضرع. حدثني عباس بن هشام الكلبي عن عوانة قال: توفي أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بالصنبرة من الأردن، ومات خالد بن يزيد بن معاوية، وروح بن زنباع في عام واحد، فكان يسمى عام الملوك، فأرسل عبد الملك فأحصى أضياف أمية، فوجدهم خمسمائة فوصلهم عبد الملك.وكان أمية لما قدم الشام قال الناس: قدم أمية أخو خالد فقال عبد الملك: أراك ببلد لا تعرف فيه إلا بخالد، وأنت أعز من بها، فجعل له حاجتين في كل يوم، فأصبح الناس على بابه يسألونه الحوائج إلى عبد الملك ولما مات هؤلاء الثلاثة رثاهم عبد الملك: لعمرك لا أنسى أمية أظلمت … عليّ به أرضي معا وسمائيا ومن يوم روح قد علتني كآبة … وبل دموعي بالرشاش ردائيا وقد كاد ينسينيهما يوم خالد … أبي هاشم إذ كدت أنسى حيائيا ألاك الأخلاء المصافون ما بقوا … وكنت لهم ما صاحبوني مصافيا فقد أوحشت أوطانهم وبلادهم … وأوحش منهم مجلسي وفنائيا أشد بهم ركني سريري وموكبي … فكيف بصبري بعدهم وعزائيا المدائني قال: مرّ عبد الملك على قبر معاوية، ومعه عمر بن عبيد الله بن معمر، وابن بحدل الكلبي فقال: هذا قبر رجل كان يسكته الحلم، وينطقه العلم، هذا قبر أمير المؤمنين معاوية ثم أنشد: وما الدهر والأيام إلا كما أرى … رزية مال أو فراق حبيب المدائني عن مسلمة بن محارب قال: دخل علي بن عبد الله بن عباس على عبد الملك في يوم شديد البرد وقد حال بينه وبينه دخان العود فقال: يا أمير المؤمنين أحمد الله على ما أنت فيه من الدفء، مع ما الناس فيه من البرد، ودعا له بالبقاء، فقال له: يا أبا محمد أبعد ابن هند - وكان أميرا عشرين سنة وخليفة مثلها - أصبحت تهز على قبره ينبوته ما هو إلا كما قال الشاعر:وما الدهر والأيام إلا كما أرى … رزية مال أو فراق حبيب وإن امرأ قد جرب الدهر لم يخف … تقلب عصريه لغير أريب المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: ركب عبد الملك فتلقاه محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، فمرا يتسايران حتى إذا بلغا المقابر، عدل عبد الملك فوقف، ومحمد بن جبير معه على قبر معاوية، وإذا عليه ثمامة أو عوسجة تهتز، فقال عبد الملك يرحمك الله أبا عبد الرحمن والتفت الى محمد بن جبير فقال: يا أبا سعيد ما كان علمك به قال: كان علمي به والله أنه كان ممن ينطقه العلم، ويسكته الحلم، قال عبد الملك: كذلك والله كان ثم ولى وهو يقول: وما الدهر والأيام إلا كما أرى … رزية مال أو فراق حبيب ابن الكلبي عن عوانة قال: لمّا أنشد عبد الملك قول خريم بن فاتك الأسدي: لقيت من الغانيات العجابا … ليالي أدركن مني شبابا علام يكحلن حور العيون … ويحدثن بعد خضاب خضابا ويبرقن إلا لما تعلمون … فلا تحرموا الغانيات الضرابا فقال عبد الملك: نعم الشفيع لهن خريم. المدائني عن سحيم بن حفص، وعلي بن مجاهد قالا: مات عمر بن عبيد الله بن معمر بضمير (¬١) وهي قرية من قرى دمشق، فخرج عبد الملك فصلى عليه وقعد على قبره، فقالت امرأة: يا سيد العرب، تعني عمر،فقال لها رجل من أهل الشام: اسكتي تقولين هذا وأمير المؤمنين حاضر؟ فقال عبد الملك: مه دعها فقد صدقت وقال: ألا ذهب العرف والنائل … ومن كان يعتمد السائل ومن كان يطعم (¬١) … في سيبه غني العشيرة والعائل ثم قام عبد الملك على قبر عمر فقال: رحمك الله أبا حفص، فقد كنت لا تحسد غنينا ولا تحقر فقيرنا. المدائني عن سحيم بن حفص قال: أخذ ابراهيم بن عربي إبلا للبعيث المجاشعي، فخرج إلى عبد الملك فقال: من تحب أن نأمره بجمع إبلك وردها عليك؟ فقال: حصين بن خليد العبسي، وكان على بادية قيس، فأمره بجمعها، وردها فقال البعيث: إني لأبواب الملوك قروع وقال أبو الحسن المدائني: ويقال ان البعيث أتى شبة بن عقال، فأدخله على عبد الملك، فدخل رجل أحمر أزرق فسلم سلاما جافيا، فقال عبد الملك: أهو هو؟ فقال: إي والله لأنا هو، قد قلت وقيل لي وأنا الذي أقول: إذا شئت عاطتني الزلال خريدة … من البيض شنباء اللثاث شموع سمت بجدود في العرانين وانتمت … بحيث تنمى حاجب ووكيع قال: فما فرغ من كلامه حتى سرني، وإني لأستحيي من رثاثة هيئته ومحمد بن عمير جالس، فقال عبد الملك: يا أبا عمرو زوجتموه؟ قال: نعم امرأة شبيهة به وهي ابنة خاله.المدائني عن محمد بن عدي بن النهاس بن قهم قال أصابت الناس قحمة، أو قال حطمة، فخرجوا الى الشام يطلبون الريف، فصارت جارية من العرب إلى بيت من يهود تخدمهم، فوقع عليها رجل منهم غصبها نفسها، فضرب عبد الملك عنق اليهودي، وأخذ ماله فأعطاه أهل الجارية، ويقال إنه صلب اليهودي حين قتله. المدائني عن عبد الرحمن بن معاوية الزيادي قال: حج عبد الملك فجعل يطوف بالبيت ومعه الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، فلما كان في الطواف السابع دنا من البيت ليلتزمه فجذبه الحارث فقال: مالك يا حار؟ قال: أتدري أول من فعل هذا؟ قال: لا، قال: عجوز من قومك على غير سنّة، فمضى ولم يلتزمه. المدائني عن محمد بن صالح عن موسى بن عقبة أن عبد الملك حج فلقيه رجل من ولد عمر، قد نالته ولادة من أبي بكر، فسأله فحرمه، وقال متمثلا: ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم فقال الرجل: إذا ذدت عن حوضك ابن الفاروق، وابن الصديق فمن تورده؟ قال: بني عبد مناف. المدائني عن حباب بن موسى عن الشعبي قال: سمعت عبد الملك يدعو: اللهم إن ذنوبي قد عظمت وجلت، وهي صغيرة يسيرة في جنب عفوك فاغفرها لي برحمتك، فحسدته. المدائني عن أبي إسحاق بن ربيعة قال: قال عبد الملك لموسى بن طلحة: يا أبا عيسى ما بقي من ظنك؟ قال: يا أمير المؤمنين ما زالت قريشتزنّني وإياك بذلك ونحن غلمان، فضحك عبد الملك. المدائني عن بشر بن أبي عيسى قال: قال عبد الملك للأبرش الكلبي - واسمه سعيد بن الوليد بن عبد عمرو - وهو يتغدى معه: يا أبرش إن أكلك لأكل معدّي. قال: تأبى ذلك قضاعة. حدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: أصحب عبد الملك بن مروان ذبيان بن نعيم بن حصين بن سعدانة الكلبي، أخاه عبد العزيز، حين شخص إلى مصر، فرأى منه جفوة فكتب إلى عبد الملك. أبلغ أمير المؤمنين ودونه … فراسخ تطوي الطرف وهو حديد بأني أرى عبد العزيز مؤخرا … يقدم قبلي راسب وسعيد وقد كنت أدنى في القرابة منهما … وأشرف إن كنت الشريف تريد فكتب إليه عبد الملك في أمره، فبره وسهل أذنه وأدنى مجلسه. الهيثم عن ابن عياش عن أبيه قال: سمعت عبد الملك يقول لعبد الله بن مسعدة الفزاري: إن أفضل النساء السواحر اللاتي يقول أهل الرجل: قد سحرنه، وغلبن على عقله. المدائني قال: بينا بنو عبد الملك عنده إذ مد الوليد رجله في حجر أخيه عبد الله بن عبد الملك، فنبذها وقال: اقبض رجلك، فقال الوليد: يا أمير المؤمنين ألا ترى إلى ابن البربرية؟ فقال عبد الله: أجل والله، إني لابن البربرية، وإنها لابنة أملاك كرام، وليست كأمك ابنة الأعرابي الجلف البائل على عقبيه، فقال الوليد: يا أمير المؤمنين ألا تسمع؟ فقال عبد الملك: إيها الآن اعرضا عن هذا، فكفا.وعبد الله القائل حين احتضر وجاءه مال من مصر: ما لي وله، ليته والله كان بعرا حائلا بنجد. المدائني قال: رأى عبد الملك كأنه بال في الكعبة، فبعث إلى سعيد بن المسيب من سأله عن ذلك، وقال له: لا تخبره من صاحب الرؤيا، فقال له الرجل: رأيت كذا، فقال له سعيد مثلك لا يرى هذه الرؤيا، فرجع إلى عبد الملك فأخبره فقال: ارجع إليه فأخبره أنّي رأيتها فرجع إليه فأخبره فقال: يخرج من صلبه من يلي الخلافة. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن حبيب بن قنيع قال: جلست إلى سعيد بن المسيب يوما والمسجد خال، فجاءه رجل فقال: يا أبا محمد رأيت في النوم كأني أخذت عبد الملك بن مروان فوتدت في ظهره أربعة أوتاد، وتدا بعد وتد، فقال: ما أنت رأيت هذه الرؤيا فأخبرني من رآها؟ قال: أرسلني إليك ابن الزبير بهذه الرؤيا لتعبرها، فقال: إن صدقت الرؤيا قتل عبد الملك عبد الله بن الزبير، وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة، قال: فرحلت إلى عبد الملك فدخلت عليه وهو في الخضراء بدمشق فأخبرته الخبر، فسره وسألني عن سعيد وحاله، وسألني عن ديني فقلت: أربعمائة دينار، فأمر لي بها من ساعته ومائة دينار أخرى، وحملني طعاما وزيتا وكسيا، فانصرفت راجعا إلى المدينة. المدائني عن أبي عبد الرحمن الطائي قال: قال عبد الملك لعمرو بن حريث: إني أراك ظاهر الدم لين البشرة، فليت شعري مم ذاك؟ فقال طعامي لباب البر، وصغار المعز، ولباسي الكتان، ودهني البنفسج.المدائني عن عبد الله بن سلم عن أبيه قال: قال عبد الملك للعجاج: أتحسن الهجاء؟ فقال يا أمير المؤمنين هل رأيت صانعا إلا وهو على الإفساد أقدر منه على الإصلاح، قال فما يمنعك من الهجاء؟ قال إن الله ﷿ أعطانا عزا منعنا من الظلم وحلما منعنا من أن نظلم، فقال عبد الملك: الهجاء أشد من المديح وحرك رأسه. هشام ابن الكلبي عن عوانة قال: قال عبد الملك: أي النساء يا بن مسعدة أفضل؟ قال: الساحرة، يعني قول الرجل: قد سحرتني فقال صدقت. المدائني عن سحيم بن حفص قال: قال عبد الملك بن مروان: إن من وثائق الحزم أن تحمل الناس بالمال فإنهم أتباعه. قال: وقال عبد الملك: الحلم يحيا بحياة السؤدد. حدثني أبو مسعود الكوفي قال: دخل كثير بن الرحمن على عبد الملك، فقال: أنشدك يا أمير المؤمنين؟ قال بكم؟ قال كثير. بطرف ومذعان وألف وحلة … وسيف عتيق من جياد الصفائح (¬١) فقال: يا غلام عجل بجميع ما قال الساعة، فأتي بفرس رائع، وناقة مذعان، وحلة وسيف، ثم أنشده شعره الذي مدحه به فأمر له بمال. المدائني عن سحيم بن حفص قال: قال عبد الملك لأسيلم بن الأخيف (¬٢)، أبي اليقظان، وكان مضموما إلى الوليد: أخبرني عن الوليد؟قال: أعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتقولن قال يلحن لحنا فاحشا يعرفه من لا يبصر العربية، ويظن ظنا سيئا أخاف أن يوبقه (¬١) ويوثقه ويستحيي أن يسأل فيعلّم، فقال عبد الملك للوليد: بلغني أنك تلحن لحنا فاحشا وتسيء الظن وتستحيي أن تسأل فتعلم، فقال: أما السؤال فما أدعه للحياء منه، ولكني لا أرى أحدا أهلا لأن أسأله عن شيء، وأما سوء الظن فمن ذا ينبغي له أن يحسن الظن بالناس بعد قتل مروان، وأما اللحن فمر الفصحاء بتقويم لساني. المدائني قال: قال عبد الملك لربيعة بن الغاز: إني أحب الوليد، وأريد توليته؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن وليته الجباية فاستقصى ذمّ، وإن قصر عجّز، ولكن ولّه الصوائف فيكون ذلك له شرفا وذكرا. قالوا: وقال عبد الملك لأسيلم بن الأخيف: كيف ترى الوليد: فقال: إنه ليلحن لحنا قبيحا، قال: إنه كان أحب ولدي إلي، فلم تطب نفسي بمفارقته فأسترضع له بالبادية، كما استرضعت لسليمان. المدائني قال: قال عبد الملك لخالد بن يزيد بن معاوية: ألا تقيمون لسان عبد الله بن يزيد؟ فقال: يا أمير المؤمنين صعب علينا من تقويم لسانه ما صعب عليكم من تقويم لسان الوليد، قال: وكان الوليد رديء اللسان، قال يوما: يا غلام رد الفرسان الصادان عن الميدان.المدائني عن أبي معاوية بن عامر قال: تكلم عبد الله بن يزيد بن معاوية عند عبد الملك فلحن، فقال عبد الملك: اللحن من الشريف أقبح من الجدري في الوجه الحسن. المدائني قال: قال عبد الملك بن مروان: إن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ليفخم اللحن كما يفخم نافع بن جبير الإعراب. وكان المغيرة يلحن ويتشدق. المدائني عن علي بن إبراهيم قال: قال عبد الملك: اللحن هجنة في الشريف والعجب آفة للرأي والخرس خير من البيان بالكذب، لأن الكذب فساد كل شيء. المدائني عن سحيم بن حفص قال: صحف عبد الملك بن مروان فقال لقوم من كندة: من كان الميل منكم؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين هو المثل بن معاوية الأكرمين. وقال المدائني: لما أنشد الأخطل عبد الملك قوله: فإلا تغيرها قريش بملكها … يكن عن قريش مستمال ومرحل (¬١) فقال له عبد الملك: إلى أين يا بن اللخناء؟ قال: إلى النار. قال: لو قلت غيرها قطعت لسانك.المدائني عن الوليد بن مسلم قال: كان الحارث الأشعري قاضي عبد الملك، فأخبر عبد الملك أن امرأته كلمته في رجل فقضى له بقضية وأن الرجل أهدى الى امرأة الأشعري هدية، فقال عبد الملك: إذا رشوة من باب بيت تقحمت … لتسكن فيه والأمانة فيه سعت هربا منه وولت كأنها … حليم تولى عن جوار سفيه