البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 2666, entry [501]32,273 chars
خبر مصعب بن الزبير بن العوام ومقتله حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثنا أبي عن صعب بن زيد: أن المصعب بن الزبير لما فرغ من قتال المختار، كان إبراهيم بن الأشتر على الموصل والجزيرة وآذربيجان وأرمينية فعزله ووجّهه لقتال الأزارقة، ووجه المهلب بن أبي صفرة على عمله، ثم عزل المهلّب…
▸ expand full passage (32,273 chars)خبر مصعب بن الزبير بن العوام ومقتله حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثنا أبي عن صعب بن زيد: أن المصعب بن الزبير لما فرغ من قتال المختار، كان إبراهيم بن الأشتر على الموصل والجزيرة وآذربيجان وأرمينية فعزله ووجّهه لقتال الأزارقة، ووجه المهلب بن أبي صفرة على عمله، ثم عزل المهلّب وردّ إبراهيم بن الأشتر على العمل، ووجّه المهلّب لقتال الأزارقة. قال: وبلغ المصعب إقبال عبد الملك نحوه وهو يومئذ بالبصرة قد قدم من عند أخيه بعد أن وفد عليه، فسأل أهل البصرة النهوض معه وكانت الحروريّة قد نزلت سوق الأهواز وعليهم قطريّ بن الفجاءة، فقالوا: أصلح الله الأمير كيف نسير معك فهذه الحروريّة مطلّة علينا وعلى ديارنا وأموالنا، وقال المهلّب للمصعب: اعلم أنّ أهل البصرة والكوفة قد كاتبوا عبد الملك وكاتبهم وأنّه أنّما اجترأ على المسير إلى العراق بكتبهم، فقال له المهلّب: لا تنحني عنك واجعلني منك قريبا، فقال له المصعب: إنّ أهلالبصرة قد أبوا أن يسيروا حتى ابعثك لقتال الحروريّة، وأنا أكره إذا أقبل عبد الملك إليّ ألا أسير إليه فاكفني هذا الثغر، فقال المهلّب: إني لست آمن غدر القوم بك، وإن فعلوا فأبعدهم الله. وحدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن الزبير الحنظلي عن معاوية بن صعصعة بن معاوية وهو ابن اخي الأحنف بن قيس - قال: والله إني لواقف مع عمّي بالحيرة في ظل قصر بني بقيلة، إذ أقبل زياد بن عمرو العتكي حتى وقف إلى جنب الأحنف فذكر المصعب وسوء رأيه فيما بينه وبينه وعابه، فقال له الأحنف: أظنّك والله يا زياد وأصحابك ستدخلون علينا ذلا وبلاء عظيما، أحسبكم والله ستدخلون علينا أهل الشام فيقتلونا وينزلون دورنا، فمهلا يا زياد! فقال زياد: إنّ حالي قد اشتدّت وإنّ عليّ دينا، فقال الأحنف: وهل تكفيك عشرة آلاف أكلّم المصعب فيأمر لك بها، وأيم الله إنّي لأعلم أنّها لا تنفعه عندك، فكلّمه الأحنف فأمر بها له فكان زياد عند ذلك أسوأ ما كان رأيا وأشدّه على المصعب. قال أحمد بن إبراهيم: قال وهب: قال أبي: هذا حين دخل مصعب الكوفة لقتال عبد الملك، وفي تلك الأيام مات الأحنف بالكوفة، ألا ترى أنّ الأحنف قد كان رجع إلى البصرة بعد مقتل المختار، وكتب في حمزة بن عبد الله مع من كتب فيه من أهل البصرة. حدثنا أبو خيثمة وأحمد بن ابراهيم قالا: حدثنا وهب بن جرير عن أبيه، قال وهب: ولا أعلمه ألاّ عن صعب بن زيد: إنّ اشراف أهل العراقكتبوا إلى عبد الملك يدعونه إلى أنفسهم، ويخبرونه أنّهم مبايعوه، فلم يبق بالبصرة شريف إلاّ كاتبه غير المهلّب. وحدثنا أبو خيثمة وخلف بن سالم المخزومي وأحمد بن إبراهيم قالوا: حدثنا وهب بن جرير حدثنا محمد بن أبي عيينة قال: سار المصعب يريد عبد الملك حتى انتهى إلى باجميرا، ثم التقى هو وعبد الملك فغدر أهل البصرة بالمصعب فقتل، واجتمع الناس على عبد الملك. وحدثنا خلف وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا وهب حدثني أبي قال: كتبوا إلى عبد الملك يسألونه المسير إليهم ويخبرونه أنهم لو قد رأوه مالوا إليه بمن تبعهم، فأقبل عبد الملك وخرج إليه مصعب فلما صفّوا للقتال مال أهل العراق إلى عبد الملك، وبقي المصعب في خفّ من الناس، فقال لابنه عيسى: أي بنيّ انصرف، فأبى وقال: والله لا آتي قريشا فأخبرهم عن مصرعك أبدا، قال: فتقدّم إذا فتقدم فقتل. وأقبل عبيد الله بن زياد بن ظبيان فقال للمصعب كيف ترى الله صنع بك وأخزاك، قال: بل أخزاك، والمصعب راجل وابن ظبيان راكب، قال: فقتل ابن زياد المصعب، واحتزّ رأسه فأتى به عبد الملك فألقاه بين يديه وهو يقول: نعاطي الملوك الحقّ ما قسطوا لنا … وليس علينا قتلهم بمحّرم فخر عبد الملك ساجدا، فكان ابن ظبيان يقول: ما ندمت على شيء قطّ ندامتي على ألا أكون ضربت رأس عبد الملك حين أتيته برأس المصعب، فأرحت الناس، وأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد.وحدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا وهب بن جرير حدثنا الأسود بن شيبان عن خالد بن سمير بحديث طويل فاختصرته قال: لم يكن لأحد من الناس مثل منزلة عبد الله بن أبي فروة عند المصعب، فلما قتل المصعب رحل إلى عبد الله بن الزبير، فجعل عبد الملك لمن ردّه عليه مائة ألف درهم، فلم يقدر عليه حتى قدم مكة فقال له عبد الله بن الزبير: يا بن أبي فروة أخبرني عن الناس قال: يا أمير المؤمنين خرجنا حتى إذا واقفنا عبد الملك مال داود بن قحذم براية بكر بن وائل، ومال فلان براية بني فلان، فلما رأيت المصعب قد بقي في رقة من الناس أتيته بأفراس قد أضمرتها فهي مثل القداح فقلت له: اركب فالحق بأمير المؤمنين فدثّ في صدري دثة وقال: ليس أخوك بالعبد، وأحببت الحياة فانصرفت، فقال ابن الزبير: حسبنا الله ونعم الوكيل ثلاث مرار. حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشعبي قال: قدم مصعب حين ولي العراقين فبدأ بالبصرة، وولّى القباع الكوفة، وكان خليفة القباع بها عمرو بن حريث، ثم شخص إلى الكوفة فقتل المختار ومعه الأحنف بن قيس، ثم عزله أخوه عن البصرة، وولاّها حمزة ابنه فغضب وأقرّ على خلافته القباع ومضى إلى أخيه فردّه على المصرين، وأقام بالبصرة حتى شخص منها إلى الكوفة واستخلف عبّاد بن الحصين، ويقال: انّه استخلف سنان بن سلمة، وجعل عبّادا على شرطه وكان الأحنف مع مصعب، فمات الأحنف بالكوفة، ثم إن مصعبا شخص إلى مسكن فقتل بها.وقال الهيثم: ثم خرج عبد الملك يريد العراق لمحاربة مصعب في خمسين ألفا فقصد لزفر بن الحارث حتى آمنه وخرج معه إلى مصعب فشهد حربه ولم يقاتل، وقال غيره، لما صالح عبد الملك زفر بن الحارث رجع إلى دمشق ثم شخص قصدا فواقع مصعبا. وحدثني هشام بن عمّار عن الوليد بن مسلم وغيره أن عبد الملك صالح زفر بن الحارث، ثم قدم دمشق فأصلح أمر ملك الروم والجراجمة الذين خرجوا عليه، ثم استشار في المسير إلى مصعب بن الزبير فقال له بعض من معه: إنّك قد واليت بين سنتين، شخصت فيهما فخسرت خيلك ورجالك، وعامك هذا عام جدب فأرج الأمر سنة أو سنتين، واسترح ثم اشخص فقال: الشام بلد قليل المال، ولا آمن نفاده، وقد كتب إليّ أشراف أهل العراق يدعوني إليهم. قال: وكان يشاور يحيى بن الحكم بن أبي العاص، ثم يخالفه ويقول: من أراد صواب الرأي فليخالف يحيى بن الحكم فيما يشير به عليه، فدعاه فاستشاره فقال: أرى أن ترضى بالشام وتقيم به، وتدع مصعبا والعراق، فلعن الله العراق، فضحك عبد الملك، ودعا بخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فشاوره فقال: يا أمير المؤمنين غزوت مرّة فنصرك الله، ثم ثانية فزادك الله عزا، فأقم عامك هذا، ثم قال لمحمد بن مروان أخيه: ما ترى؟ قال: أرجو أن ينصرك الله أقمت أو غزوت فاغز عدّوك وشمّر في طلب حقّك، فأمر الناس بالاستعداد للمسير، وقدّم محمد بن مروان ومعه خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وبشرّ بن مروان وقال: قد استعملت عليكم سيّد الناس محمد بن مروان أخي ونصيحي.وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن عوانة قال: بعثت عاتكة بنت يزيد، امرأة عبد الملك، وهي أمّ يزيد ابنه: ما رأيت خليفة قط غزا بنفسه فوجه الناس وأقم، فقال: والله لو بعثت إلى مصعب جميع أهل الشام لفضّهم وفلّهم ما لم أكن معهم، وتمثّل: ومستخبر عنّا يريد بنا الردى … ومستخبرات والعيون سواكب وقال ابن الكلبي والهيثم قال عوانة: لما بلغ مصعبا إقبال عبد الملك إليه وأن قد قدّم مقدمته وهو بالبصرة، أراد المسير إليه بأهل البصرة، فأبوا أن يسيروا معه وقالوا: عدوّنا من الخوارج مطلّ علينا، فأرسل إلى المهلّب وهو عامله على الموصل والجزيرة فولاه قتال الخوارج وخرج فقال بعض الشعراء: أكلّ عام لك باجميرا … تغزو بنا ولا تفيد خيرا وباجميرا موضع كان إذا بلغ مصعبا إقبال الملك نحوه خرج إليه من الكوفة، فبلغه انصراف عبد الملك فينصرف. وقال ابو مخنف: ولى عبد الله مصعبا أخاه العراقين ثم إن مولى لبني عجل أتى عبد الله بن الزبير بعد مقتل المختار فأشار عليه باستعمال حمزة ابنه على البصرة وقال له: إنّ ذلك يعجب أهلها ويحبّونه فولاّه إيّاها، فأراد المصعب الامتناع من تسليمها، فقال الأحنف: إن رأيت أن لا يكون بينك وبين أخيك ما تتضارّان فيه فافعل فإنّ ضرر ذلك ينالنا، فقدم حمزة البصرة فأقام سنة أو نحوها، فكان إذا عرض عليه ما يرتفع من الخراج قال: فأين خراج الزاوية؟ فكان الأحنف بن قيس ومالك بن مسمع يقولان: أمّا الفتى فيخبرنا أنّه لا يستوفي عندنا سنة حتى يعزل، وخرج مصعب مغضبا إلى أخيهفردّه على المصرين، فأشخص حمزة إلى أبيه، ويقال بل قدم حمزة إلى أبيه فردّ مصعبا، فكتب مصعب من الكوفة إلى المهلّب وهو عامله بالموصل والجزيرة أن يقدم، فقدم عليه فضمّه إلى حمزة فولاّه قتال الخوارج وسار إلى الكوفة وكان خليفته بها القباع، وكان سبب خروجه إلى الكوفة أنّه بلغته حركة عبد الملك فأقام بها والأحنف معه، فمات بالكوفة قبل مصير مصعب إلى مسكن، ومشى في جنازته، وظفر مصعب بإبراهيم بن حيّان فقطع يده ونفاه، فصار إلى الروم فجنى هناك جناية فقطعوا رجله. قال عوانة: وكان إبراهيم بن الأشتر عاملا للمختار حين قتل على الموصل ونواحيها، فكتب إليه المصعب يدعوه إلى طاعته والبيعة لعبد الله بن الزبير فسارع إلى ذلك، وقدم عليه فولّى المهلّب ما كان يليه من الموصل والجزيرة ثم عزله وأعاد إبراهيم بن الأشتر إلى عمله. فلما صحّ عنده وصول عبد الملك يريده بعث إلى ابن الأشتر فأقدمه عليه، فجعله على مقدّمته وسار حتى أتى دمما، وهي من عمل الأنبار، ثم قطع منها حتى نزل بقرب أوانا وهناك دجيل ودير الجاثليق وباجميرا فعسكره وموضع وقعته بين هذه المواضع، وكاتب عبد الملك وجوه أهل الكوفة والبصرة ورغّبهم في الأموال والأعمال، وكتب إليه جماعة منهم يستجعلونه على نصرتهم إيّاه وانحرافهم عن المصعب ولاية أصبهان، فكان يسأل عنها ويقول: ما أصبهان هذه أتنبت الذهب والفضّة، لقد كتب إليّ فيها أربعون كتابا، وكتب عبد الملك إلى إبراهيم بن الأشتر فجعل له ولاية العراقين، فأخذ كتابه فدفعه إلى المصعب وقال له: أصلح الله الأمير إنّ عبد الملك لم يكتب إليّ بهذا الكتاب إلاّ وقد كتب إلى هؤلاء الوجوه بمثله وقد أفسدهمعليك، فأنا أرى أن تأخذ وجوه أهل المصرين فتشدّهم بالحديد، فقال له: يا أبا النعمان أتأخذ الناس بالظنة؟ قال: فاجمعهم في أبيض المدائن لئلا يشهدوا الحرب معك، قال: إذا أفسد قلوب عشائرهم، قال: فابعث بهم إلى أخيك بمكّة، فقال: ليس هذا برأي، قال: فإن لقيت العدوّ فلا تمدّني بأحد منهم وأتّهمهم. قالوا: وبكت عاتكة بنت يزيد بن معاوية حين أراد عبد الملك المسير نحو العراق، وبكى جواريها فقال، كأنّ كثيّر عزّة كان يرى ما نحن فيه حين يقول: إذا ما أراد الغزو لم تثن رأيه … حصان عليها نظم درّ يزينها نهته فلمّا لم تر النهي عاقه … بكت فبكى ممّا شجاها قطينها (¬١) فسار عبد الملك حتى نزل الأحيونيّة وهي بين مسكن وتكريت، ونزل مصعب دير الجاثليق وهو بمسكن، وبين العسكرين ثلاثة فراسخ، ويقال: فرسخان، وخندق مصعب خندقا على عسكره وعسكره اليوم يعرف بخربة مصعب، وقال مصعب: رحم الله أبا بحر - يعني الأحنف بن قيس - لقد كان يقول لي: لا تلق بأهل العراق عدوّا فإنّهم كالمومسة تريد كلّ يوم بعلا، وهم يريدون كلّ يوم أميرا. وكان عكرمة بن ربعي أحد بني تيم الله بن ثعلبة، وحوشب بن يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني يتباريان في إطعام الطعام فقال مصعب: دعوهما فلينفقا من خيانتهما وفجورهما.وأرسل عبد الملك إلى مصعب رجلا من كلب فقال له: أقرئ ابن أختك السلام وقل له: يدع دعاءه إلى أخيه، وأدع دعائي إلى نفسي ونصيّر الأمر شورى، فقال مصعب: قل له: السيف بيننا. فقدّم عبد الملك محمد بن مروان ومعه بشر بن مروان وقال: اللهم انصر محمدا، اللهم انصر خيرنا لهذه الأمّة، وقدّم مصعب إبراهيم بن الأشتر للقائه فالتقيا وبين عسكر مصعب وبين عسكر ابن الأشتر فرسخ، فتناوش الفريقان فقتل صاحب لواء محمد، وجعل عبد الملك يمدّ محمدا، وجعل المصعب يمدّ إبراهيم، وجعل محمد يكفّ أصحابه عن مناجزة القوم فوجّه إليه عبد الملك يشتمه، فوقّف محمد رجلا في جماعة وأمره أن يمنع من يأتيه من جهة عبد الملك من دخول عسكره، فوجّه عبد الملك خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فردّه أشدّ الردّ حتى إذا كان قرب المساء قال محمد للناس حرّكوهم فتهايج القوم. ووجّه المصعب إلى إبراهيم بن الأشتر عتّاب بن ورقاء الرياحي، وكان قد بايع عبد الملك ووعده أن يكيد له المصعب، فلما رآه إبراهيم غمّه أمره وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون قد سألته أن لا يمدّني بهذا ونظرائه، وانهزم عتّاب على مواطأة منه لأهل الشام، فوقعت الهزيمة وقتل ابن الأشتر وهو يقول: قد قلت: أعفني من عتّاب وذوي عتّاب، وكان الذي قتل ابن الأشتر مولى لبني عذرة له عبيد بن ميسرة، واحتزّ رأسه وأتى به عبد الملك، وأحرق جثّته موالي حصين بن نمير، وقال عوانة: لما واقع محمد بن مروان ابن الأشتر قال ابن الأشتر لأصحابه: لا تنصرفوا حتى ينصرف أهل الشام عنكم، فقال عتّاب بن ورقاء: ولم لا ننصرف، فانصرف وانهزم الناسحتى أتوا مصعبا، وصبر إبراهيم بن الأشتر حتى قتل، فلما أصبح محمد بن مروان وجّه إلى عسكر مصعب رجلا وقال: انظر كيف تراهم فلم يعرف الطريق، فدلّه عليه إبراهيم بن عربيّ الكناني فأتى العسكر ثم انصرف، فقال: رأيتهم منكسرين، وقاتل مع مصعب شعيث بن ربيع بن حشيش العنبري فصبر. قالوا: وأصبح مصعب فدنا من محمد، ودنا منه حتى التقوا فنزل قوم من أصحاب مصعب، وأتوا محمدا، فدنا محمد من المصعب، وناداه: أنا ابن عمّك محمد بن مروان فاقبل أمان أمير المؤمنين فقد بذله لك، فقال: أمير المؤمنين بمكّة، يعني عبد الله أخاه، فقال: يا بن عمّ إنّ القوم خاذلوك، فأبى ما عرض وجعل يقول: إنّ الألى بالطفّ من آل هاشم … تأسّوا فسنّوا للكرام التأسيا والشعر لابن قتّة. ودعا محمد عيسى بن مصعب، فقال له مصعب: انظر ما يريد عمك فدنا منه فقال: إنّي لكم ناصح، ولك ولأبيك الأمان وناشده، فرجع إلى أبيه فأخبره بما قال له، فقال: إنّي أظنّ القوم سيفون فإن أحببت أن تأتيهم فافعل، فقال: لا تتحدث نساء قريش بأنّي خذلتك ورغبت بنفسي عنك، قال: فتقدّم حتى احتسبك، فتقدّم وناس معه فقتل وقتلوا، ونظر مصعب إلى عتّاب بن ورقاء فقال: لا يبعد الله ابن الأشتر فقد كان حذّرنيك، وترك الناس مصعبا وخذلوه حتى بقي في سبعة نفر، وجاء رجل من أهل الشام ليحتزّ رأس عيسى بن مصعب فشدّ عليه مصعب فقتله، وشدّ على الناسفانفرجوا عنه، ثم جاء إلى مرفقة ديباج فجلس عليها، ثم قام فشدّ على الناس فانفرجوا عنه. وبذل له عبد الملك الأمان، وقال له: إنه يعزّ عليّ أن تقتل فاقبل أماني ولك حكمك في المال والولاية، فأبى وجعل يضارب، فقال عبد الملك: هذا والله كما قال القائل: ومدجج كره الكماة نزاله … لا ممعن هربا ولا مستلئم هذا والله الذي لا يجيبنا إلى أماننا، ولا يصدف عنّا، ودخل مصعب سرادقه، فيقال: إنّه تحنّط، فرمى السرادق حتى سقط، وخرج فقاتل. وأتاه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فدعاه إلى المبارزة، فقال له: يا كلب اغرب مثلي يبارز مثلك، لعمري لقد ألجأني الدهر إلى مبارزتك، وشدّ عليه مصعب فضربه على البيضة فهشمها وجرحه، فرجع عبيد الله فعصب رأسه، وأتى عبد الله بن أبي فروة مصعبا، وكان كاتبه فقال له: جعلت فداك تركك الناس وهذا الرجل، يعني عبد الملك، مستديم لك لعلّك تقبل أمانه وعندي خيل مقدّحة فاركب أيّها شئت وانج بنفسك فدثّ في صدره، ورجع ابن ظبيان إلى مصعب فحمل عليه، فضربه مصعب وهو مثخن لما أصابته من الجراحة، فلم تعمل ضربته فيه، وضربه عبيد الله بن ظبيان حتى مات، ويقال: إنّ ابن ظبيان ضربه وزرقه زائدة بن قدامة الثقفي أو رماه، ونادى يا لثارات المختار فسقط ميّتا واحتزّ ابن ظبيان رأسه، ويقال: بل أمر غلاما له ديلميّا فاحتزّ رأسه وحمله إلى عبد الملك، فوضعه بين يديه وهو ينشد. نعاطي الملوك الحقّ ما قسطوا لنا … وليس علينا قتلهم بمحرّمفسجد عبد الملك، فكان ابن ظبيان يقول: لقد هممت أن أضرب رأس عبد الملك وهو ساجد، فأكون قد قتلت ملكي العرب وأرحت الناس منهما، وقال عبد الملك لقد هممت أن أقتل ابن ظبيان فأكون قد قتلت أفتك الناس بأشجع الناس. وقال الهيثم بن عديّ: كتب عبد الملك إلى إبراهيم بن الأشتر، وهو مع مصعب، كتابا فأتى به المصعب قبل أن يقرأه، فلما قرأه قال له: يا أبا النعمان أتدري ما فيه؟ قال: لا، قال يعرض عليك ما سقت دجلة أو ما سقى الفرات، فإن أبيت جمعهما لك، وإنّ هذا لما يرغب فيه، فقال إبراهيم: ما كنت لأتقلّد الغدر والخيانة، وما عبد الملك من أحد بأيأس منه منّي، وما ترك أحدا ممّن معك إلاّ وقد كتب إليه، فابعث إليهم فاضرب أعناقهم، وإلاّ فأوقرهم حديدا، ثم ألقهم في أبيض كسرى ووكّل بهم حفظة، فإن ظفرت عفوت عنهم أو عاقبت، فقال: يا أبا النعمان إني أخاف في هذا القالة، ووالله لو لم أجد إلاّ النمل لقاتلت به أهل الشام. قال: فلما اصطفّ الناس مال عتّاب بن ورقاء فذهب، وكان على خيل أهل الكوفة، وجعل ابراهيم يقول لرجل رجل: تقدّم فيأبون عليه، فيتقدّم هو فيقاتل فلم يزل يفعل ذلك حتى قتل، ثم تقدم مصعب فخذله الناس، فقال الحجّار بن أبجر: تقدّم يا أبا أسيد إلى هؤلاء الأنتان، قال: ما تتأخّر إليه أنتن، ثم قال للغضبان بن القبعثرى: تقدّم يا أبا السمط، فقال ما أرى ذاك، فالتفت إلى قطن بن عبد الله الحارثي، وهو على مذحج، وأسد فقال: تقدّم فقال: أسفك دماء مذحج في غير شيء، فقال: أفّ لكم، ثم أقبل في عدّة، فلما برز قال زياد بن عمرو العتكيلعبد الملك: يا أمير المؤمنين إنّ أبا البختريّ إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله كان لي صديقا، وقد خفت أن يقتل فآمنه، قال: هو آمن. ودنا محمد بن مروان فأعطى مصعبا الأمان، فأباه ورمي مصعب من كلّ جانب فأثخن، وقاتل ابنه عيسى حتى قتل، وقتل ابن ظبيان مصعبا، ويقال: ضربه غلام له على جبينه واعتوره الناس فقتل ووقف ابن ظبيان فاحتزّ رأسه وأتى به عبد الملك. قالوا: وقتل يحيى بن جعدة فأتي عبد الملك برأسه فقال: ما لآل جعدة وآل الزبير، وقتل عبد الله بن شدّاد بن الهاد الكناني، ويقال: لم يقتل ولكنّه مات في تلك السنة، وقتل يحيى بن مبشّر اليربوعي، وشدّ رجل على مسلم بن عمرو الباهلي فطعنه فأذراه عن فرسه، فمرّ به رجل وهو مرتثّ فقال: هذا صنيعة من صنائع بني أمية يقتل تحت رايات آل الزبير، وقال عوانة: أتي به عبد الملك وقد طلب له منه الأمان وهو مثقل فقال: يا مسلم ويحك نسيت بلاء يزيد بن معاوية عندك. قالوا: وكان قتل مصعب في سنة اثنتين وسبعين. قال ابن الزبير الأسدي في إبراهيم بن الأشتر: سأبكي وإن لم تبك فتيان مذحج … فتاها إذا الليل التمام تأوّبا فتى لم يكن في مرّة الحرب جاهلا … ولا بمطيع في الوغى من تهيّبا أبان أنوف الحيّ قحطان قتله … وأنف نزار قد أبان فأوعبا فمن يك أمسى خائنا لأميره … فما خان إبراهيم في الموت مصعبا ولما قتل مصعب قال عبد الملك: متى تغذو النساء مثل مصعب لقد حرصنا على استبقائه ولكنّ الله أبى ذلك.وقال عديّ بن الرقاع العاملي، ويقال البعيث اليشكري: ونحن قتلنا ابن الحواريّ مصعبا … أخا أسد والمذحجي اليمانيا ومرّت عقاب الموت قصدا بمسلم … فأهوت له ظفرا فأصبح ثاويا (¬١) يعني مسلم بن عمرو الباهلي. ولعديّ بن الرقاع قصيدته التي يقول. لعمري لقد أصحرت خيلنا … بأكناف دجلة للمصعب إذا شئت نازلت مستقدما … إلى الموت كالجمل الأجرب فمن يك منّا يكن آمنا … ومن يك من غيرنا يهرب (¬٢) وقال عبيد الله بن قيس الرقيّات: لقد أورث المصرين خزيا وذلّة … قتيل بدير الجاثليق مقيم فما قاتلت في الله بكر بن وائل … ولا صبرت عند اللقاء تميم (¬٣) في أبيات. وقال ابن قيس أيضا: إنّ الرزيّة يوم مسكن … والمصيبة والفجيعة بابن الحواريّ الذي … لم يعده يوم الوقيعه يا لهفتي لو أنّ لي … بالدير يوم الدير شيعه (¬٤)وقال الأقيشر الأسدي: حمى أنفه أن يقبل الضيم مصعب … فمات كريما لم تذمّ خلائفه ولو شاء أعطى الضيم من رام هضمة … فعاش ملوما في الرجال طرائقه ولكن مضى والموت يبرق خاله … يساوره مرّا ومرّا يعانقه تولّى كريما لم تنله مذلّة … ولم يك رغدا تطّبيه نمارقه (¬١) وقال عرفجة بن شريك أحد بني قيس بن ثعلبة ما لابن مروان أعمى الله ناظره … ولا أصاب رغيبات ولا نفلا يرجو الفلاح ابن مروان وقد قتلت … خيل ابن مروان خرقا ماجدا بطلا يا بن الحواريّ كم من نعمة لكم … لو رام غيركم أمثالها شغلا حملتم فحملتم كلّ معضلة … إنّ الكريم إذا حمّلته احتملا وقال الحارث بن خالد المخزومي: هلا صبرتم بني السوداء أنفسكم … حتّى تموتوا كما ماتت بنو أسد وقال سويد بن منجوف السدوسي من أهل البصرة يحذّر مصعبا غدر أهل الكوفة: ألا أبلغ مصعبا عنّي رسولا … ولن تلقى النصيح بكلّ واد تعلّم أنّ أكثر من تناجي … وإن أذنيتهم فهم الأعادي وقال الأقيشر في أبيات له، ويقال: ابن الزبير: من كان أمسى خائنا لأميره … فما خان إبراهيم في الحرب مصعبا (¬٢)وقال موسى شهوات: قد مضى مصعب فولّى حميدا … وابن مروان آمن حيث سارا مصعب كان منك أورى زنادا … حين تغشى القبائل الأقتارا وقال سالم بن وابصة الأسدي: أبلغ أمير المؤمنين رسالة … ليس المبلّد كالجواد المسهب لا تجعلنّ مؤّنثا ذا سرّة … ضخما سرادقة وطئ المركب يغدو إذا ما الحرب أطفئ نارها … ويروح مزهوّا عظيم الموكب كأغرّ يتّخذ السيوف سرادقا … يمشي برايته كمشي الأنكب ومشهّر في الحرب فرّج سيفه … غمرات مخشي الردى متهيّب فاذكر ولا تجعل بلاء محمّد … والخاذليه لدى الحروب كجندب يدعى إذا ما الحيس أحسن أدمه … وإذا تكون عظيمة لم يندب وإلى ابن مروان الأغرّ محمّد … بين ابن أشتر هم وبين المصعب نفسي فداءك يوم ذلك من فتى … يكفي بمشهده حضور الغيّب وهي في ديوانه طويلة. المدائني، قال: سار مصعب وحوله نفر يسير وقد خذله أهل العراق، لعدة عبد الملك إيّاهم، وعد حجّار بن أبجر ولاية أصبهان، ووعدها غضبان بن القبعثرى، وعتّاب بن ورقاء، وقطن بن عبد الله الحارثي، ومحمد بن عمير بن عطارد. قال: وقال عروة بن المغيرة: خرج مصعب يسير فوقعت عينه علّي فقال: يا عروة كيف صنع الحسين فأخبرته بإبائه النزول على حكم ابن زياد وعزمه على الحرب فقال:إنّ الألى بالطفّ من آل هاشم … تأسّوا فسنّوا للكرام التّأسّيا والبيت لسليمان بن قتّه. قال: وقال قيس بن الهيثم لأهل البصرة ويحكم لا تدخلوا أهل الشام عليكم فوالله لئن تطعّموا بعيشكم ليضيّقنّ عليكم منازلكم ادفعوهم عن داركم، فوالله لقد رأيت سيّد أهل الشام على باب الخليفة يفرح بأن أرسله في حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف وإنّ زاد أحدنا على عدّة أجمال وإن أحدهم ليغزو على فرسه وزاده خلفه. قال: والتقى القوم فقتل مسلم بن عمرو الباهلي، وقتل يحيى بن مبشّر أحد بني ثعلبة بن يربوع فقال جرير: صلّى الإله عليك يا بن مبشّر … إمّا ثويت بملتقى الأجناد مأوى الضريك إذا السنون تتابعت … وفتى الطعان عشيّة العصواد والخيل ساطعة الغبار كأنّها … قصب تحرّق أو رعيل جراد (¬١) قالوا: ولما أخبر ابن خازم بمسير مصعب يريد عبد الملك قال: أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر؟ قالوا: لا استعمله على فارس، قال: أفعمه المهلّب؟ قيل: لا استعمله على الموصل، قال: أفمعه عبّاد بن الحصين؟ قيل: لا استخلفه على البصرة، قال: وأنا بخراسان. خذيني فجرّيني ضباع وأبشري … بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره وقال ابن الكلبي: لما أخبر بأنّ ابن معمر والمهلّب غائبان عن مصعب، قال:فلو بهما حكّت رحا الحرب بركها … لقاما ولو كان القيام على رجل وحدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن عوانة قال: قال عبد الملك يوما لجلسائه، من أشدّ الناس؟ قالوا: أمير المؤمنين، قال: اسلكوا غير هذه الطريق، قالوا: عمير بن الحباب، قال: قبّح الله عميرا لصّ ثوب ينازع عليه أعزّ عنده من نفسه ودينه قالوا: فشبيب، قال: إنّ للحروريّة طريقا، قالوا: فمن؟ قال: مصعب كانت عنده عقيلتا قريش: سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة، ثم هو أكثر الناس مالا، جعلت له الأمان، وضمنت أن أوّليه العراق، وعلم أنّي سأفي له لصداقة كانت بيني وبينه فأبى وحمي أنفا وقاتل حتى قتل، فقال رجل: كان يشرب الشراب، قال: ذاك قبل أن يطلب المروءة، فأمّا مذ طلبها فلو ظنّ أنّ الماء ينقص من مروءته ما ذاقه. وقال المدائني: أتي عبد الملك بجيفة مصعب فجعل ينظر إلى جسده ويقول: متى تغذو النساء مثلك على نفاقك، وكانت على رأسه جارية تذبّ عنه فبدا لها ذكره، وأوّل ما يعظم من الميّت ويستمدّ جردانه (¬١) فقالت يا سيّدي: ما أغلظ أيور المنافقين فقال: اغربي قبّحك الله. حدثنا أبو بكر الأعين حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين حدثني عبد الله بن الزبير (¬٢) عن عبد الله بن شريك العامري قال: إنّي لواقف إلى جنب مصعب فأخرجت إليه كتابا من قبائي فقلت: هذا كتاب عبد الملك، فقال: اصنع ما شئت.وأخذ رجل من أهل الشام جارية له فصاحت: وا ذلاه، فنظر إليها فأعرض عنها. قال أبو نعيم: وقتل مصعب وهو ابن ستّ وثلاثين سنة. وقال الهيثم عن ابن عيّاش: استأمن زياد بن عمرو العتكي لإسماعيل بن طلحة، وقال: إنّه كان يدفع شرّ المصعب عنّي فآمنه، فدنا فصاح به وكان زياد ضخما فأتاه وكان اسماعيل نحيفا فضرب بيده إلى منطقته، وكانت مناطقهم حواشي محشوّة فاقتلعه من سرجه فقال: أنشدك الله أبا المغيرة فإنّ هذا ليس بوفاء لمصعب، فقال زياد: هذا والله أحبّ إليّ من أن أراك غدا مقتولا. قال: خرج عبيد الله بن زياد بن ظبيان، وداود بن قحذم القيسي، وبسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني، وعمر بن ضبيعة إلى عبد الملك برأس إبراهيم بن الأشتر. وقال الهيثم: لما قتل عبد الملك مصعبا نزل النخيلة أربعين ليلة، فوجّه الحجّاج إلى عبد الله بن الزبير، وولّى بشرا الكوفة، وولّى خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد البصرة، ووجّه أميّة إلى أبي فديك فهزمه، فقدم البصرة في ثلاث، فوجّه عبد الملك عمر بن عبيد الله بن معمر إلى أبي فديك، ووجّه معه ابن عضاه الأشعري وأفرشه ديوان المصرين فانتخب منه، فقتل أبا فديك، وكتب بالفتح إلى بشر بن مروان، فقال العجّاج: لقد شفاك عمر بن معمر … من الحروريّين يوم العسكر وقع امرئ ليس كوقع الأعور (¬١) …يعني عبد الله بن عمير الليثي، وكان وجه إلى نجدة فلم يصنع شيئا. وقال غير الهيثم: وجّه خالد أخاه أميّة، ووجّه عبد الملك إبراهيم بن عربيّ إلى اليمامة أميرا عليها، فخرج عليه نوح بن هبيرة، وكان معه من أهل الشام ألف فقتلهم. المدائني، قال عبد الملك: لله مصعب لو كان لأخيه سخاؤه، وله شجاعة أخيه، وشدّة شكيمته ما طمع فيهما، على أنّ مصعبا كان شجاعا أبيّا لقد أعطيناه أمانا لو قبله لوفينا له به، ولكنّه آثر الموت صابرا عن الحياة. وحدثني الحرمازي عن أبي زيد عن أبي عمرو بن العلاء قال: ذكر رجل مصعبا عند عبد الملك، فوقع فيه وصغّر شأنه فقال عبد الملك: اسكت فإنّ من صغّر مقتولا صغّر قاتله. حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة عن رجل من أهل مكة قال: لما أتى عبد الله بن الزبير مقتل مصعب أضرب عن ذكره أيّاما، ثم تحدث به الإماء بمكة في الطريق، ثم صعد المنبر فجلس عليه مليّا لا يتكلم، وإذا الكآبة بادية في وجهه وجبينه يرشح عرقا، قال: فقلت لصاحب لي: ألا تراه، أتراه يهاب المنطق والله إنّه لخطيب جريء فما تظنّه تهيّب، قال: أراه يريد ذكر مصعب سيد العرب، فهو يفظع ذكره، ثم قام فقال: الحمد لله الذي له الخلق والأمر، وملك الدنيا والآخرة، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير (¬١)، ألا وإنّه لم يذل امرؤ كان معه الحقّ وإن كانفردا ولم يعزّ أحد من أولياء الباطل ولو كان الناس معه طرّا، إنّه أتانا خبر من العراق حزننا وأفرحنا، وساءنا وسرّنا، أتانا قتل مصعب بن الزبير ﵀، فأمّا الذي حزننا من ذلك فإنّ لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة، ثم يرعوي ذا الرأي والدين والحجى والنهى إلى جميل الصبر، وكريم العزاء، وأمّا الذي سرّنا من ذلك فإنّا قد علمنا أنّ قتله شهادة وأنّ الله جاعل ذلك لنا وله خيرة، إنّ أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقل ثمن وأخسّه فقتل. وإن قتل فمه، قد قتل أبوه وعمّه (¬١) وهما من الخيار الصالحين، إنّا والله ما نموت حبجا، ما نموت إلاّ قتلا قعصا بأطراف الأسنّة وظباة السيوف، ليس كما يموت بنو مروان في حجالهم، فوالله ما قتل منهم رجل قطّ في جاهليّة ولا إسلام، ولئن ابتليت بالمصيبة بمصعب، لقد ابتليت قبله بالمصيبة بإمامي عثمان بن عفّان، ألا وإنّما الدنيا عاريّة من الملك الجبّار الذي لا يزول ملكه، ولا يبيد سلطانه فإن تقبل عليّ لا آخذ الأشر البطر، وإن تدبر عنّي لا أبك عليها بكاء الخرف الهتر (¬٢)، ثم نزل وهو يقول: خذيني فجرّيني ضباع وأبشري … بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره قالوا: وتمثّل عبد الله حين قتل مصعب: لقد عجبت وما بالدهر من عجب … أنّي قتلت وأنت الحازم البطلوقال عبد الملك: إنّ عبد الله بن الزبير لو كان خليفة كما يقول لخرج فآسى بنفسه، ولم يغرز ذنبه في الحرم، ثم قال: لله درّك يا مصعب ما كان أسخى نفسك بنفسك. وقال أعشى همدان، وهو عبد الرحمن بن الحارث بن نظام قصيدة طويلة أوّلها: ألا من لهمّ آخر الليل منصب … وأمر جليل فادح لي مشيّب وفيها: ألا بهلة (¬١) … الله الذي عزّ جاره على الغادرين الناكثين بمصعب جزى الله حجّارا هناك ملامة … وفرخ عمير من مناج مؤلّب وما كان عتّاب له بمناصح … ولا كان عن سعي عليه بمغرب ولا قطن ولا ابنه لم يناصحا … فتبا لسعي الحارثيّ المخبب وضاربهم يحيى وعيسى ذمامة … وضارب تحت الساطع المتنصّب وأدبر عنه المارق ابن القبعثرى … فما كان بالحامي ولا بالمذبّب ولا العتكيّ إذ أمال لواءه … فولّى به عنه إلى شرّ موكب ولا ابن رويم لا سقى الغيث قبره … فباء بجدع آخر الدهر موعب وما سرّني من هيثم فعل هيثم … وإن كان فينا ذا غناء ومنصب ولا فعل داود القليل وفاؤه … فقد ظلّ محمولا على شرّ مركب ولكن على فيّاض بكر بن وائل … سأثني وخير القول ما لم يكذّب يعني بفرخ عمير محمد بن عمير بن عطارد، ويعني بالهيثم الهيثم بن الأسود بن الهيثم النخعي، ويعني بفيّاض بكر عكرمة بن ربعيّ من بني تيمالله بن ثعلبة بن عكابة وكان جوادا، ويعني بعيسى عيسى بن مصعب وبيحيى يحيى بن مبشّر اليربوعي من بني تميم، ويعني بحوشب حوشب بن يزيد بن رويم، ويعني بداود داود بن قحذم. وقال أبو السفّاح من ولد عميرة بن طارق اليربوعي: صلّى على يحيى وأشياعه … ربّ غفور وشفيع مطاع يا سيّدا ما أنت من سيّد … موطّا الرحل رحيب الذراع قوّال معروف وفعّاله … عقّار مثنى أمّهات الرباع وقال المدائني: كان أبو العبّاس الأعمى يهجو آل الزبير ويمدح مصعبا من بينهم، ويمدح بني أميّة، وكان عثمانيا فقال له عبد الملك: أنشدني شعرك في مصعب فإنّا لا نتّهمك فأنشده: رحم الله مصعبا إنّه عا … ش جوادا وكان فينا كريما طلب الملك ثمّ مات فقيدا … لم يعش باخلا ولا مذموما فقال عبد الملك: صدقت والله كذا كان. وقال هشام ابن الكلبي: تزوّج مصعب فاطمة بنت عبد الله بن السائب، أحد بني أسد بن عبد العزّى، فولدت له عيسى بن مصعب وعكّاشة فقتل عيسى يوم دجيل، ونجا عكّاشة بنفسه فقال الشاعر: ولو كان صلب العود أو ذا حفيظة … رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب والثبت أنّ البيت قيل في حوشب بن يزيد بعد هذه الأيّام وهو: ولو كان حرّا حوشب ذا حفيظة … رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب وقالوا: قال عوانة: اشترط زفر في صلحه ألاّ يقاتل مع عبد الملك وابن الزبير حيّ، ولم يدخل الهذيل في الشرط، فلما سار عبد الملك إلى مصعبسار الهذيل بن زفر معه، ثم تحوّل إلى مصعب وقاتل مع ابراهيم بن الأشتر يوم دجيل، فلما قتل استخفى بالكوفة في قومه، ثم إنّ زفر طلب له الأمان فآمنه عبد الملك وبايعه. ويقال: إنّه قدر عليه بغير أمان فقال له عبد الملك: ما ظنّك بي؟ قال: ظنّي أنّك قاتلي، قال: فقد أكذب الله ظنّك بل قد عفوت عنك، وكان يحبّه لشجاعته. قالوا: وبويع عبد الملك بدير الجاثليق، ودفنت جثّة مصعب هناك فقبره معروف بمسكن بقرب أوانا، ويعرف موضع عسكره ووقعته بخربة مصعب، وبصحراء مصعب، وزعموا انّها لا تنبت شيئا. وبعث عبد الملك برأس مصعب إلى الكوفة، أو حمله معه، ثم بعث به إلى عبد العزيز بمصر، فلما رآه وقد حذى السيف أنفه قال: رحمك الله أما والله لقد كنت من أحسنهم خلقا، وأشدّهم بأسا، وأسخاهم نفسا، ثم ردّ رأسه إلى الشام فنصب بدمشق، وأرادوا أن يطوفوا به في نواحي الشام، فأخذته عاتكة بنت يزيد بن معاوية وهي أمّ يزيد بن عبد الملك فغسلته وطيّبته ودفنته، وقالت: أما رضيتم بأن صنعتم ما صنعتم حتى تطوفوا وتنصبوه في المدن هذا بغي. قالوا: وكان محمد بن مروان أخذ جارية لإبراهيم بن الأشتر كرديّة فواقعها فولدت على فراشه مروان بن محمد الجعدي، فلذلك قيل لمروان ابن أمة النخع. وحدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جدّه، وأبي محنف، أنّ مصعب بن الزبير قتل في سنة اثنتين وسبعين، فشخص عبد الملك إلى الكوفةوجعل على شرطة قطن بن عبد الله بن الحصين الحارثي، فكان قائما بأمرها، ثم ولاّها عبد الملك بشر بن مروان، وولّى خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد البصرة، وكان قطن عثمانيّا لم يمل إلى عبد الملك أحد ميله، ومضى عبد الملك إلى الشام، ثم إنّه جمع العراقين لبشر، فأتى البصرة فأقام بها أربعة أشهر، ويقال: ستّة أشهر، وهو عليل ومات، فولّى عبد الملك الحجّاج العراق ومات عبد الملك في سنة ست وثمانين، فكانت ولايته بعد قتل مصعب أربع عشرة سنة. وقال أبو اليقظان: عاش عبد الملك بعد قتل المصعب أربع عشرة سنة. المدائني عن مسلمة بن محارب وعوانة: إنّ عبد الملك قدم الكوفة حين قتل المصعب فقال للهيثم بن الأسود: كيف رأيت صنع الله؟ قال: صنع يا أمير المؤمنين خيرا، فخفّف الوطء وأقل التثريب، فوالله ما نيل فضل قط إلاّ بعفو وصبر واحتمال. وتقدّم رجل من الأنصار فأنشده: الله أعطاك التي ما فوقها … وقد أراد الملحدون عوقها عنك ويأبى الله إلاّ سوقها … إليك حتى قلّدوك طوقها وحمّلوك ثقلها وأوقها (¬١) قالوا: وهيّأ عمرو بن حريث - وكان خليفة المصعب على الكوفة حين شخص إلى مسكن، وكان مائلا الى عبد الملك وقد كاتبه فيمن كاتبه -لعبد الملك طعاما فدخل عبد الملك قصر الكوفة من النخيلة فقال له عمرو تأذن لخاصّتك أم تجعله إذنا عامّا؟ فقال: بل اجعله إذنا عامّا، فأذن للناس ووضعت الموائد فأكل عبد الملك وأكلوا، ويقال: إنّ عبد الملك اجلس عمرا معه على المائدة فقال له: أي الطعام أحبّ إليك وأطيب عندك؟ فقال: عناق حمراء قد أجيد تمليحها وأحكم نضجها فقال عبد الملك: ما صنعت يا أبا سعيد رحمك الله شيئا، فأين أنت عن عمروس (¬١) راضع قد أجيد سمطه، واحكم شيّه إذا اختلجت منه عضوا تبعك العضو الذي يليه، فلما فرغوا من طعامهم أقبل عبد الملك يدور في القصر ومعه عمرو بن حريث، وجعل يسأله عمّا أحدث فيه رجل رجل، ويسأله أيضا عمّا أشرف عليه من قصور الكوفة فيقول: هذا لفلان، وهذا لفلان، وأحدث هذا فلان، وجعل عبد الملك ينشد: فكلّ جديد يا أميم إلى بلى … وكلّ امرئ يوما يصير إلى كان ثم استلقى على فراشه وأنشد إعمل على مهل فإنّك ميّت … واكدح لنفسك أيّها الإنسان فكأنّ ما قد كان لم يك إذ مضى … وكأن ما هو كائن قد كان وقال بعضهم: إنّ عبد الملك أمر فاتّخذ له الطعام ووضعت الموائد فجاء عمرو بن حريث يتريبل (¬٢) في مشيته فاستدناه وأكل معه وسأله عن أطيب الطعام فأجابه بما ذكرنا، وأنّ الطعام كان بالخورنق، قال: فلما أكلعبد الملك وأكل الناس أقبل يطوف ويسأل عمرا عن الخورنق، وعمّا أشرف عليه من الأبنية فيخبره بذلك ثم أنشد الشعر. وولّى عبد الملك الحجّاج بن يوسف محاربة عبد الله بن الزبير، وأنفذه من الكوفة. وقال ابن الكلبي والهيثم بن عدي وغيرهما: لما دخل عبد الملك الكوفة قصد الى المسجد فخطب خطبة ذكر فيها صنع الله له، ووعد المحسن، وتوعّد المسيء وقال: إنّ الجامعة التي وضعت في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا أضعها في عنق رجل فأنزعها إلا صعدا لا أفكها عنه فكّا، فلا يتّقينّ امرؤ الاّ على نفسه ولا يولغنّي دمه. المدائني، قال: دعا عبد الملك بالنخيلة إلى البيعة، فجاءت قضاعة فرأى قلّتها فقال: يا معشر قضاعة كيف سلمتم من مضر مع قلّتكم؟ فقال عبد الله بن يعلى النهدي: نحن أعزّ منهم وأمنع، قال: بمن؟ قال: بمن معك يا أمير المؤمنين، ثم جاءت مذحج وهمدان فقال: ما أرى لأحد مع هؤلاء بالكوفة شيئا، ثم جاءت جعفيّ، فلما رآهم قال: يا معشر جعفيّ اشتملتم على ابن أختكم وواريتموه، يعني يحيى بن سعيد بن العاص؟ قالوا: نعم قال: فأتوني به، قالوا: وهو آمن؟ قال: وتشترطون أيضا؟! فقالوا: إنا والله ما نشترط جهلا بحقّك، ولكنّا نتسحّب عليك تسحّب الولد على والده، قال: أما والله لنعم الحيّ أنتم إن كنتم لفرسانا في الجاهليّة والإسلام، نعم هو آمن، فجاءوا به، فقال له - وكان يكنى أبا أيّوب-: بأيّ وجه تلقى ربك وقد خلعتني؟ قال: بالوجه الّذي خلق فسوّى، فقال عبد الملك: لله درّه أي ابن زوملة هو، يعني عربيّة.وتقدّم رجل من عدوان فقال له: ممّن أنت؟ قال: من عدوان، فقال عبد الملك: غدير الحيّ من عدوا … ن كانوا حيّة الأرض بغى بعضهم بعضا … فلم يرعوا على بعض ومنهم كانت السادا … ت والموفون بالقرض ثم قال للرجل: إيه؟ فقال: لا أدري، فقال معبد بن خالد الجدلي ومنهم حكم يقضي … فلا ينقض ما يقضي ومنهم من يجيز الحـ … ـجّ … بالسّنّة والفرض فقال للرجل: لمن هذا؟ قال: لا أدري، قال معبد: هو لذي الإصبع العدواني واسمه حرثان بن محرّث بن الحارث بن شباب، فقال للرجل: كم عطاؤك؟ قال: سبعمائة، وقال لمعبد: في كم أنت؟ قال في ثلاثمائة، فأمر فحطّ الرجل أربعمائة، وزيدها معبد، فصار في سبعمائة، والآخر في ثلاثمائة وقال: هذا لجهلك، ثم أوصى به عبد الله بن إسحاق بن الأشعث، وقال لبشر: اجعله في صحابتك. وولّى عبد الملك قطن بن عبد الله الكوفة أربعين يوما، ثم عزله وولّى بشرا وقال: قد ولّيت عليكم بشرا وأمرته بالإحسان إلى محسنكم، واللين لأهل الطاعة والشدّة على أهل المعصية والريبة منكم، فاسمعوا له وأطيعوا وأحسنوا مكانفته ومعاونته، وولّى محمد بن عمير همدان وحوشب بن يزيد بن رويم الريّ، وبعضهم يقول: ولّى يزيد بن رويم الريّ، وذلك وهم، لأنّ يزيد قتل قبل مقتل الزبير بن عليّ الخارجي، وخروج قطريّ، وذلكقبل قتل مصعب، وقال بعضهم: ولّى الريّ وهمدان محمد بن عمير، وهو أشبه، وفرّق العمّال ولم يف لأحد وعده بولاية أصبهان. وقال المدائني: لجأ عبد الله بن يزيد بن أسد إلى عليّ بن عبد الله بن العبّاس، ولجأ إليه أيضا يحيى بن معيوف الهمداني، ولجأ الهذيل بن زفر بن الحارث وعمرو بن يزيد الحكمي إلى خالد بن يزيد بن معاوية، فآمنهم عبد الملك بن مروان. حدثني محمد بن سعد عن أبي نعيم حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق قال: كنت أنا والأسود بن يزيد في الشرط أيّام مصعب، قالوا: ولما أراد عبد الملك الشخوص إلى الشام خطب الناس فعظّم عليهم حقّ السلطان، وقال لهم هو ظلّ الله في الأرض، وحثّهم على الطاعة والجماعة، وذكر ابن الزبير وخلافه وخروجه ممّا دخل الناس فيه من بيعة يزيد وغيره وحكم الله له عليه، وقال: إنّه لو كان خليفة كما يزعم لأبدى صفحته وآسى أنصاره بنفسه ولم يغرز ذنبه في الحرم، ثم أعلمهم أنّه قد ولّى مصرهم أخاه بشرا وآثرهم به وأمره بالإحسان إلى محسنهم ومطيعهم، والشدّة على أهل المعصية والريبة منهم وأمرهم بالسمع والطاعة له، وأن يحسنوا موازرته ومكانفته ويخفّوا لما أهاب بهم إليه، وولّى خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد البصرة. وأنشدني محمد بن الأعرابيّ الراوية في بيعة عبد الملك لرجل من بلقين: بدير الجاثليق على دجيل … عقدنا بيعة الملك الهمام عقدنا بيعة لا إثم فيها … سيحوي فخرها أهل الشام﷽