البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 2613, entry [484]11,771 chars
أمر عبيد الله بن الحر ابن عمرو بن خالد بن المجمّع بن مالك بن عوف بن حريم بن جعفي بن سعد العشيرة. حدثني عبد الرحمن الأحمري - أبو مسلم - أنبأنا هشام بن محمد الكلبي حدثنا جرير بن عمرو الجعفي - وكانت أمّه العالية بنت الأسعر بن عبيد الله بن الحرّ - قال: وحدثني لوط بن يحيى - أبو مخنف - ببعضه عن أشياخه قال…
▸ expand full passage (11,771 chars)أمر عبيد الله بن الحر ابن عمرو بن خالد بن المجمّع بن مالك بن عوف بن حريم بن جعفي بن سعد العشيرة. حدثني عبد الرحمن الأحمري - أبو مسلم - أنبأنا هشام بن محمد الكلبي حدثنا جرير بن عمرو الجعفي - وكانت أمّه العالية بنت الأسعر بن عبيد الله بن الحرّ - قال: وحدثني لوط بن يحيى - أبو مخنف - ببعضه عن أشياخه قال: شهد عبيد الله بن الحرّ القادسيّة مع خاليه زهير ومرثد ابني قيس بن مشجعة بن المجمع، وكان شجاعا فاتكا لا يعطي الأمراء طاعة، ثم أنّه صار مع معاوية بن أبي سفيان، فكان يكرمه، فبلغ معاوية أنه يجتمع إليه جموع من أصحابه فسأله عنهم فقال: بطانتي وأصحابي وإخواني أتّقى بهم إن نابني أمر أو خفت ظلامة من أمير جائر، فقال له معاوية: لعلّ نفسك قد تطّلعت إلى عليّ بن أبي طالب، فقال: إنّ عليا لعلى الحق وأنت بذلك عالم، فقال عمرو بن العاص: كذبت يا بن الحرّ فقال: أنت وأبوك أكذب منّي، ثم خرج من عند معاوية مغضبا يريد الكوفة في خمسين فارساممّن كان ينتابه، وسأل معاوية عنه فقيل قد خرج، وسار ابن الحرّ يومه حتى إذا أمسى منعه بعض مسالح معاوية من المسير، فشدّوا أصحابه عليهم فقتلوا منهم نفرا، وهرب الباقون وأخذوا من دارهم ما احتاجوا إليه، وأخذوا سلاحا من سلاحهم، ومضى عبيد الله لا يمرّ على قرية من قرى الشام إلاّ أغار عليها حتى قدم الكوفة، وبلغ معاوية خبره فقال لعمرو: هذا ما هجت علينا من ابن الحرّ. وكانت لابن الحرّ بالكوفة امرأة يقال لها الدرداء، وهي كبشة بنت مالك، فلما فقده أهلها زوّجوها من عكرمة بن الحنبص، فقاضاهم إلى عليّ فقضى له بأمرأته، وأقام عبيد الله منقبضا عن كلّ أمر من أمور عليّ وغيره حتى توفّي عليّ ﵇، وولي معاوية ويزيد ابنه، وكان من أمر الحسين ما كان. وقال أبو مخنف: لما أقبل الحسين من المدينة، وقتل مسلم بن عقيل. خرج ابن الحرّ فنزل قصر بني مقاتل الذي صار لعيسى بن عليّ متحرّجا من أن يتلطّخ بشيء من أمر الحسين أو يشرك في دمه، فلما صار الحسين إلى قصر بني مقاتل رأى فسطاطا فسأل عنه فقيل هو لعبيد الله بن الحرّ، فبعث إليه الحجّاج بن مسروق الجعفي يدعوه إلى نصرته فقال للحجّاج: قل له: إنّي إنّما خرجت إلى هاهنا فرارا من دمك ودماء أهل بيتك لأنّي إن قاتلتك كان ذلك عظيما وإن قاتلت معك ولم أقتل بين يديك فقد قصرت، وأنا أحمى أنفا من ذلك، وليس لك بالكوفة شيعة، ولا أنصار يقاتلون معك، فلما ابلغه الحجّاج الرسالة تمشّى إليه الحسين، فلما رآه قام من مجلسه فسأله الخروج معه فاستعفاه من ذلك، واعتلّ عليه، وعرض فرسا له يقال لهاالملحقة، وبعضهم يقول: المحلقة، وقال له انج عليها حتى تلحق بمأمنك، وأنا وأصحابي لك بالعيالات فانصرف عنه، ويقال: إنه دفع الفرس إليه، وقال له ابن الحرّ: أأنت تخضب أم هو سواد لحيتك؟ فقال: عجل عليّ الشيب فاختضبت، وخرج ابن الحرّ من منزله بشاطئ الفرات فنزله حتى أصيب الحسين بكربلاء، وكان ابن الحرّ رجلا لا يقاتل لديانة، وإنّما كان همّه الفتك والتصعلك والغارات. ثم إنّ ابن الحر أتى الكوفة فقال له عبيد الله بن زياد، وكان قد تفقّد أهل الكوفة: أكنت معنا أم مع عدوّنا؟ قال: لا والله ما كنت مع عدوّك، ولو كنت معه لبلغك ذلك ولكنّي كنت مريضا، قال: مريض القلب، قال: ما مرض قلبي قط، وقد وهب الله لي في بدني العافية. وكان ابن الحرّ يغير على مال الخراج فيقتطعه ويعطي منه أصحابه وكان سخيا متلافا، وقد كان من أهل الديوان والعطاء. قالوا: فخرج من عند ابن زياد مغضبا، فبات عند أحمر بن يزيد بن الكبشم الطائي، ثم خرج من عنده فأتى المدائن، وقال يرثي الحسين ﵇: يقول أمير جائر حقّ جائر … ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمة ونفسي على خذلانه واعتزاله … وبيعة هذا الناكث العهد سادمه فيا ندمي ألاّ أكون نصرته … ألاّ كلّ نفس لا تسدد نادمه سقى الله أرواح الذين تأزّروا … على نصره سقيا من الله دائمة في أبيات.وقال أيضا: يا لك حسرة ما دمت حيّا … تردّد بين حلقي والتراقي وله فيه شعر غير هذا. قالوا: فلما خرج المختار بالكوفة أبى ابن الحرّ أن يبايعه، وبعث المختار في طلبه، أتاه بعد فبايعه تعذيرا، فكان المختار يهمّ أن يسطو به ثم تمسّك عن ذلك لمكان إبراهيم بن الأشتر معه، وجعل ابن الحر يتعبّث بالنواحي، كما كان يصنع به إبراهيم، ففارقه وأقبل في أصحابه وهم نحو من ثلاثمائة فأغار على الأنبار، فأخذ ما كان في بيت مالها فقسمه بين أصحابه بلقنسوة دلهم المرادي، وكانت ضخمة، وكان دلهم جسيما عظيم الرأس، شديد البأس وفي ذلك يقول ابن الحرّ: أنا الحرّ وابن الحر يحمل شكّتي … طوال الهوادي مشرفات الحوانك فمن يك أمسى الزعفران خلوقه … فإنّ خلوقي مستشار السنابك إذا ما غنمنا مغنما كان قسمة … ولم نتّبع رأي الشحيح المتارك أقول لهم كيلوا بكمّة بعضكم … ولا تجعلوني في الندى كابن مالك يعني إبراهيم بن الأشتر. ثم اغار على كسكر فأخذ ما كان في بيت مال عاملها وقتله وقسم بين أصحابه قبل أن يستبيحوه، ولما بلغ المختار غارته على الأنبار بعث عبد الله بن كامل الشاكري فهدم داره، وأخذ امرأته أمّ سلمة بنت عبدة بن الحليق الجعفيّة فحبسها في السجن، فبلغ ابن الحرّ فقال:أشدّ حيازيمي لكل كريهة … وإنّي على ما نابني لجليد هم هدموا داري وساقوا حليلتي … إلى سجنهم والمسلمون شهود فلست إذا للحر إن لم أرعكم … بخيل عليها الدارعون قعود في أبيات. وسار حتى أتى ساباط المدائن فتلقّى بها أصحاب الزبير بن عليّ، وهو من الأزارقة، فظنّوا أصحابه جيشا سرح إليهم، وظن أنهم جيش سرّح إليه فحكّموا، فلما سمع تحكيمهم قاتلهم قتالا شديدا فقتل يومئذ بشر مولى الزبير وكاتبه وناس من أصحابه، ثم أديل ابن الحرّ عليهم فقتل منهم وغنم، وقال في ذلك شعرا منه قوله: أقدّم مهري في الوغى ثمّ أنتحي … على قربوس السرج غير صدود دعوني إلى مكروهها فأجبتهم … وما أنا إذ يدعونني ببعيد إذا ما التقوني بالسيوف غشيتهم … بنفس لما يخشى النفوس ورود فأقلعت الغمّاء عنّا وفرّجت … ونحن بها من غانم وشهيد وقال أيضا: أقول لفتيان الصعالك أسرجوا … عناجيج (¬١) أدنى سيرهنّ وجيف دعاني بشر دعوة فأجبته … بساباط إذ سيقت إليه حتوف فلم أخلف الظنّ الذي كان يرتجى … وفي بعض أخلاق الرجال خلوفثم أتى ابن الحرّ وهو في مائة وثلاثين فارسا الكوفة، ومعهم الفؤوس والكلاليب لمكاثرة أصحاب السجن فأتى السجن فدخله فأخرج امرأته وكل من كان في السجن. فقاتله ابن كامل صاحب شرطة المختار فهزمه ابن الحرّ وانطلق ابن الحرّ بامرأته حتى أدخلها بيوت جعفّي، فتوارت عند كريب بن سلمة الجعفي، ولم يزل ابن الحرّ يقاتل قومه بالكوفة ويقول: ألم تعلمي يا أمّ توبة أنّني … أنا الفارس الحامي حقائق مذحج وأنّي أتيت السجن في رونق الضحى … بكلّ فتى يحمي الذمار مدجج ثم أغار ابن الحرّ على شبام من همدان فقاتله عبد الله بن اريم وجعل يقول: لقد منيتم بأخي جلاد … ليس بفرّار ولا حيّاد ثبت المقام مقعص الأعادي فشد عليه ابن الحرّ فصرعه وظنّ أنّه قد قتله ثم عولج فبرئ وهزم من لقيه من شبام وشاكر وقال: سائل بي المختار كم قد ذعرته … وشرّدت أطرافا له وجموعا وقاتلته والناس قد أذعنوا له … وقد أقشع الأحياء عنه جميعا فلم يزل مخالفا للمختار حتى قتله المصعب. وتكلّم أهل الكوفة في قتل أصحاب المختار فقال ابن الحرّ: أمّا أنا فأرى أن يردّ الأمير كلّ قوم ممّن كان مع هذا الكذّاب إلى قومهم، فإنّه لا غناء بنا عنهم في ثغورنا، ويردّ عبيدنا علينا فإنّهم لأراملنا وضعفائنا وأن نضرب أعناق الموالي فقد بدا كفرهم وعظم كبرهم وقلّ شكرهم ولا آمنهمعلى الدين، فضحك المصعب ودفعهم إلى ابن الحر فضرب أعناقهم وكانوا سبعمائة. وقاتل ابن الحرّ المختار مع مصعب، وبعث المصعب إلى ابن الحرّ. إنّ لك ولأصحابك خراج بادوريا (¬١) على أن تقاتل معي عبد الملك وأهل الشام فقال: أوليس لي خراج بادوريا وغيرها، لست فاعلا وأنشأ يقول: أترجو ابن الزبير اليوم نصري … لعاقبة ولم أنصر حسينا في أبيات. وقيل لمصعب: إنّ ابن الحرّ غير مأمون على أن يصنع في سلطانك ما كان يصنع في سلطان من كان قبلك، ويفسد عليك، فلم يزل مصعب يتلطّف له ويعده حتى أتاه، فأمر بحبسه فقال في السجن. من يبلغ الفتيان أنّ أخاهم … أتى دونه باب منيع وحاجبه بمنزلة ما كان يرضى بمثلها … إذا قام غنّته كبول تجاذبه في أبيات. وقال أيضا: بأيّ بلاء أم بأيّة نعمة … تقدّم قبلي مسلم والمهلّب وكتب ابن الحرّ إلى الأحنف وغيره يسألهم الكلام لمصعب فيه، فكلّمه فيه الأحنف فأخرجه من الحبس، وأطعمه خراج كسكر، فصار اليه فقسمه في أصحابه، ثم أتى ابن الحرّ نفّر (¬٢) فأخذ خراجها فقسمه ولحق ببرس (¬٣)،فبعث اليه المصعب الأبرد بن قرّة التميمي، فقاتله وقد صار مع ابن الحر خلق، فهزم الأبرد وضربه ضربة على جبينه، فبعث إليه حريث بن زيد الخيل الطائي فقتله عبيد الله بن الحرّ بمبارزة وهزم أصحابه، فبعث إليه المصعب الحجّاج بن حارثة الخثعمي فقاتله حتى حجز الليل بينهم، وقاتله بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو وال على عين التمر، فدعا رجل من أصحاب بسطام يقال له يونس بن عاهان ابن الحرّ للمبارزة فقال عبيد الله: شرّ دهرك آخره فذهبت مثلا ما كنت أظنّ أنّي أعيش حتى يدعوني مثل هذا إلى البراز، وهزم أصحاب بسطام فافتدى نفسه بماله وقال: لو أنّ لي مثل جرير أربعة … صبحت بيت المال حتى أجمعه ولم يهلني مصعب ومن معه يعني جرير بن كريب، وكان صاحب ميسرته، وأتى ابن الحرّ شهرزور وأخذ ما كان في بيت مالها وقاتله عاملها فهزمه وظفر به فضرب عنقه، وكان من قبل المهلّب، لأنّه كان على الموصل وأعمالها والجزيرة وما يليها من قبل المصعب، وقال ابن الحرّ: يخوفني بالقتل قومي وإنّما … أموت إذا جاء الكتاب المؤجّل لعلّ القنا تدمي بأطرافها الغنى … فنحيا كراما نجتدى ونؤمّل ألم تر أنّ الفقر يزري بأهله … وأنّ الغنى فيه العلى والتجمّل وإنّك إن لا تركب الهول لا تنل … من المال ما يرضي الصديق ويفضل وبايع ابن الحرّ عبد الملك مراغمة للمصعب واجتمع إليه بشر من أهل الموصل بتكريت، فبعث إليه المهلّب عبد الله بن يزيد بن المغفّل الأزدي، وبعث إليه مصعب الأبرد بن قرّة التميمي والجون الهمداني فقاتلهم فلم يزلينتصف منه، ثم إنه بيّتهم فقتل منهم بشرا، وأصاب منهم خيلا وسلاحا وقاتلوه من الغد، فجرح ابن الحرّ وانهزم أصحابه، فلم يبق إلاّ في خمسين من أهل الحفاظ وحجز بينهم الليل، فخرج من تكريت، وأتى ناحية من الكوفة، فبعث إليه المصعب جماعة فيهم حجّار بن أبجر فأصيب صاحب راية ابن الحرّ، فدفعها إلى أحمر طيّئ، ومضى إلى نفّر فأخذ ما كان بها من مال، ويقال: إنّ المصعب بعث إليه عمر بن عبيد الله بن معمر فقاتله فضربه في وجهه ضربة لم يزل أثرها باقيا حتى مات، وليس ذلك بثبت، وقال بعضهم وأحسبه الهيثم بن عديّ: بعث به حين دخل البصرة بعد الجفرة، وقبل توليته فارس. ومضى ابن الحرّ إلى عبد الملك، ومعه جماعة من أصحابه، فلما قدم عليه أذن له وأجلسه معه على السرير، وأمر له بمائة ألف درهم، ولكلّ رجل من أصحابه الذين دخلوا معه بمال، فقال له ابن الحرّ: إنّي أتيتك لتوجه معي جندا إلى مصعب لأحاربه، فأمر له بمائة ألف درهم أخرى، ولأصحابه بمال فرّقه عليهم، وقال: سر وأجمع من قدرت عليهم وأنا ممدّك بالخيل والرجال، فسار ابن الحرّ فنزل بقرية يقال لها بيت فارط إلى جانب الأنبار، وهي على شاطئ الفرات، فاستأذنه أصحابه في دخول الكوفة، فأذن لهم وأمرهم أن يؤذنوا من كان بالكوفة من أصحابهم ليسيروا إليه، وبلغ خبره عبيد الله بن عباس السلمي، فاغتنم الفرصة فسأل الحارث بن عبيد الله بن أبي ربيعة القباع، وكان خليفة مصعب على الكوفة يومئذ، والمصعب بالبصرة، أن يبعثه إلى ابن الحرّ، وأخبره بمكانه وتفرّق أصحابه، فسار إليه في خيل كثيفة من قيس، فنزل على حاتم بن النعمان الباهلي وهونازل في قصر عند كويفة ابن عمر بين كوثا وبزيقيا (¬١)، واستمدّه فأمدّه بخمسمائة من قيس، فسار حتى لقي ابن الحرّ، وهو في عدّة يسيرة من أصحابه، فقالوا: هذا جيش لا طاقة لنا به، فقال: ما كنت لأدعهم، وحمل عليهم حملات وهو يقول: يا لك يوم فات فيه نهبي … وغاب عنّي ثقتي وصحبي ثم عطفوا عليه وكشفوا أصحابه، وحاولوا أن يأسروه، فقال لأصحابه: انصرفوا سالمين، ودعوني أقتل، فقالوا: والله لا نسلمك، فقاتلوا طويلا حتى أثخنوا بالجراح، ثم أذن لهم بالذهاب فذهبوا ولم يعرض لهم، وجعل يقاتل وحده، فحمل عليه رجل من باهلة يكنى أبا كدينة فطعنه وجعلوا يرمونه ولا يدنون منه، وجعل يقول: هذه نبل أم مغازل، فلما أثخنته الجراح خلص إلى معبر فدخله ولم يدخل فرسه فنسف عرقوبة ومضى به الملاح حتى توسط به الفرات، فأشرفت عليه الخيل وفي المعبر نبيط، فقالوا لهم: إنّ الذي في السفينة بغية أمير المؤمنين والأمير، فإن فاتكم قتلناكم، فوثب ابن الحرّ ليقع في الماء فوثب إليه رجل عظيم طوال فقبض على عضديه وجراحاته تشخب دما وضربه الآخرون بالمجاذيف، فلما رأى ابن الحرّ أنه يمال به نحو القيسيّة قبض على الذي كان يمنعه، وأخذ بعضده فعالجه حتى سقطا جميعا إلى الفرات فغرقا، فقال أبو كدينة الباهلي: إنّي لأنظر إلى شيخ على شاطئ الفرات يصيح ويبكي وينتف لحيته ويقول: يا بختيار، يا بختيار، فقلنا: ما لك يا شيخ، ما لك يا شيخ؟ فقال: ابني بختيار،كان يقتل الأسد، ويخرج هذا المعبر من الماء وحده ثم يردّه، حتى وقع عليه هذا الشيطان الذي دخل المعبر فغرّقه، ولما بلغ عبد الملك خبره جزع عليه وندم على بعثته في أصحابه من غير أن يضمّ إليه جندا، وقال: أيّ مدره (¬١) حرب وسدّاد ثغر كان عبيد الله لا يبعدنّك الله يا بن الحرّ، والله ما وجدوك خوّارا ولا فرّارا. قال ابن الكلبي: وكان ابن الحرّ لما صار إلى الأنبار بلغه أنّ حبشيا يقال له الغداف، يقطع الطريق للعدّة من الشجعاء فيهزمهم ويسلبهم، ويدخل القرية نهارا فلا يعجبه امرأة إلاّ افترشها وقضى حاجته منها، لا يقدر أحد على منعه ولا دفعه، فمضى إليه وحده، فلما رآه عرفه بالنعت فسايره ابن الحرّ، فقال له: من أين اقبلت يا صاحب الفرس؟ قال: من الأنبار، قال: فإنّه بلغني أنّ ابن الحرّ نزلها فما تراه يريد؟ قال: ايّاك يريد، أنا ابن الحرّ فخذ حذرك أيّها الكلب، ثم حمل عليه فطعنه فصرعه، ثم نزل فضرب رجله فأبانها، فأخذ الأسود رجله فرمى بها ابن الحرّ، فمشى اليه ابن الحرّ فقتله، وأخذ فرسه وجعل ابن الحرّ يقول: أمّ الغداف فشقّي الجيب وانتحبي … إنّ الغداف وربّي وافق الأجلا دهدهته بين أنهار وأودية … لا يعلم الناس غيري ما الذي فعلا