البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 2316, entry [447]19,826 chars
واجتماعهم إليه مع من اجتمع من أهل المدينة: حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه مخنف في إسناده قالوا: التقى أهل الأمصار الثلاثة: الكوفة، والبصرة ومصر في المسجدالحرام قبل مقتل عثمان بعام، كان رئيس أهل الكوفة كعب بن عبدة النهدي، ورئيس أهل البصرة المثنى بن مخربة العبدي أهل مصر كنانة بن بشر بن عتاب بن عوف …
▸ expand full passage (19,826 chars)واجتماعهم إليه مع من اجتمع من أهل المدينة: حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه مخنف في إسناده قالوا: التقى أهل الأمصار الثلاثة: الكوفة، والبصرة ومصر في المسجدالحرام قبل مقتل عثمان بعام، كان رئيس أهل الكوفة كعب بن عبدة النهدي، ورئيس أهل البصرة المثنى بن مخربة العبدي أهل مصر كنانة بن بشر بن عتاب بن عوف السكوني ثم التجيبي، فتذاكروا سيرة عثمان وتبديله وتركه الوفاء بما أعطى من نفسه وعاهد الله عليه وقالوا: لا يسعنا الرضى بهذا، فاجتمع رأيهم على أن يرجع كل واحد من هؤلاء الثلاثة إلى مصره فيكون رسول من شهد مكة من أهل الخلاف على عثمان إلى من كان على مثل رأيهم من أهل بلده، وأن يوافوا عثمان في العام المقبل في داره فيستعتبوه فإن أعتب وإلا رأوا رأيهم فيه، ففعلوا ذلك؛ فلما حضر الوقت خرج الأشتر إلى المدينة في مائتين، وخرج حُكيم بن جبلة العبدي في مائة ولحق به بعد ذلك خمسون فكان في مائة وخمسين، وجاء أهل مصر وهم أربعمائة، ويقال سبعمائة ويقال ستمائة، عليهم أمراء أربعة: أبو عمرو بن بُديل بن ورقاء بنعبد العزى الخزاعي على ربع، وعبد الرحمن بن عديس البلوي على ربع، وكنانة بن بشر التجيبي على ربع، وعروة بن شييم بن البياع الكناني ثم الليثي على ربع؛ فلما أتوا دار عثمان، ووثب معهم رجال من أهل المدينة منهم: عمار بن ياسر العنسي، ورفاعة بن رافع الأنصاري - وكان بدرياً - والحجاج بن غزية - وكانت له صحبة - وعامر بن بكير أحد بني كنانة، فحصروا عثمان الحصار الأول. وقال الواقدي في إسناده: لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب بعض أصحاب رسول الله إلى بعض يتشاكون سيرة عثمان وتغييره وتبديله، وما الناس فيه من عُماله ويكثرون عليه ويسأل بعضهم بعضاَ أن يقدموا المدينة إن كانوا يريدون الجهاد، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ يدفععن عثمان ولا ينكر ما يقال فيه، إلا زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك بن أبي كعب من بني سلمة من الأنصار، وحسان بن ثابت الأنصاري، فاجتمع المهاجرون وغيرهم إلى عليّ فسألوه أن يكلم عثمان ويعظه، فأتاه فقال له: إن الناس ورائي قد كلموني في أمرك، والله ما أدري ما أقول لك، ما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، وأنك لتعلم ما نعلم وما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، لقد صحبت رسول الله ﷺ وسمعت ورأيت مثل ما سمعنا ورأينا، وما بان أبي قحافة وابن الخطاب بأولى بالحق منك، ولأنت أقرب إلى رسول الله ﷺ رحماً، ولقد نلت من صهره مالم ينالا، فالله الله في نفسك، فإنك لا تبصر من عمى ولا تُعلم من جهل؛ فقال له عثمان: والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عتبت عليك أن وصلت رحماً وسددت خلة وآويت ضائعاً ووليت من كان عمر يوليه، نشدتُك الله ألم يُول عمر المغيرة بن شعبة وليس هناك؟ قال: نعم، قال: أولم يولِّ معاوية؟ فقال علي: إن معاوية مان أشد خوفاً وطاعة لعمر من يرفأ (¬١)، وهو الآن يبتز الأمور دونك، ويقطعها بغير علمك ويقول للناس: هذا أمر عثمان، ويبلغك فلا تُغير، ثم خرج وخرج عثمان بعده فصعد المنبر فقال: أما بعد فإن لكل شيء آفةً، ولكل أمر عاهةً، وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيابون طعانون يرُونكم ما تُحبون، ويُسرون لكم ما تكرهون مثل النعام، يتبعون أول ناعق، أحبُّ مواردهم إليهم البعيدُ، والله نقمتم عليّ ما أقررتم لابن الخطاب بمثله،ولكنه وطئكم برجله وخبطكم بيده وقمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم، وألنتُ لكم كنفي وكففت عنكم لساني ويدي فاجترأتم عليَّ، فأراد مروان الكلام فقال له عثمان: اسكت ودعني وأصحابي. وقال الواقدي في روايته: وكان محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حُذيفة لا يفتران من التحريض على عثمان بمصر، فخرج عبد الرحمن بن عُديس البلوي، وسودان بن حمران المُرادي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وعروة بن شييم الليثي في خمسمائة، وأظهروا أنهم يريدون العمرة، وكان خروجهم في رجب، ووجه عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان بخبرهم رسولاً سار إحدى عشرة ليلة، وساروا المنازل حتى نزلوا بذي خُشب (¬١)، فقال عثمان: هؤلاء يُظهرون أنهم يريدون العمرة ووالله مايريدون إلا الفتنة، لقد طال على الناس عمري، ولئن فارقتهم ليتمنون يوماً من أيامي. فأتى عثمان علياً في منزله فقال له: يابن عم إن قرابتي قريبة وحقي عظيم، والقوم فيما بلغني على أن يصبحوني ليقتلوني، وأنا أعلم أن لك عند الناس قدراً وأنهم يسمعون منك، فأُحب أن تركب إليهم فتردهم على أن أصير إلى ماتُشير به وتراه ولا أخرج عن أمرك ولا أخالفك. فركب عليّ ومعه: سعيد بن زيد عمرو بن نُفيل أبو الأعور، وأبو الجهم بن حُذيفة العدوي، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ومن الأنصار: أبو حميد الساعدي، وأبو أُسيد الساعدي، وزيد بن ثابت، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك،ومحمد بن مسلمة - وقال بعضهم: إن عمار بن ياسر كان معهم - فكلمهم عليّ ومحمد بن مسلمة حتى انصرفوا راجعين إلى مصر، ثم لم ينشبوا أن رجعوا وادعوا أموراً، فأقسم عثمان أنه لم يفعلها. وحدثني بكر بن الهيثم حدثني إسماعيل بن عبد الكريم، من آل منبه اليماني، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن الناس كانوا يأتون علياً لسابقته وقرابته وفضله، لا أنه أراد ذلك منهم، وكان مروان يأتي عثمان فيخبره أنه يؤلب الناس عليه ويعصب كل شيء يكون من أهل مصر وغيرهم له، وأبلغه عنه أن قوماً قدموا من مصر فاستقل عدتهم فقال لهم: ارجعوا فتأهبوا فإني باعث إلى العراق من يأتيني من أهله بجيش يُبطل الله به هذه السيرة الجائرة ويُريح من مروان وذويه، فقال عثمان: اللهم إن علياً أبى إلا حب الإمارة فلا تُبارك له فيها. محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن جريج، وداود بن عبد الرحمن العطار عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أن المصريين لما نزلوا بذي خُشُب بعث عثمان إليهم محمد بن مسلمة في خمسين من الأنصار أنا فيهم، فلم يزل بهم حتى رجعوا، فرأوا بعيرا عليه ميسم الصدقة وعليه غلامٌ لعثمان فوجدوا معه كتاباً أن اقتل فلانا وفلانا، فرجعوا فحصروه. وروى أبو مخنف أن المصريين وردوا المدينة فأحاطوا وغيرهم بدرا عثمان في المرة الأولى فأشرف عليهم عثمان فقال: أيها الناس ما الذي نقمتم عليّ فإني معتبكم ونازلٌ عند محبتكم، فقالوا: زدت في الحمى لإبل الصدقة على ما حمى عمر فقال: إنها زادت في ولايتي، قالوا: أحرقت كتاب الله، قال: اختلف الناس في القراءة فقال هذا: قرآني خير من قرآنك، وقالهذا: قرآني خير من قرآنك، وكان حُذيفة أول من أنكر ذلك وأنهاه إليّ، فجمعت الناس على القراءة التي كُتبت بين يدي رسول الله ﷺ، قالوا: فلم حرقت المصاحف، أما كان فيها يوافق هذه القراءة التي جمعت الناس عليها، أفهلاً تركت المصاحف بحالها؟ قال؛ أردت أن لا يبقى إلا ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ وثبت في الصحف التي كانت عند حفصة زوج رسول الله ﷺ، وأنا استغفر الله؛ قالوا: فإنك لم تشهد بدراً، قال: خلفني رسول الله ﷺ على ابنته، قالوا: لم تشهد بيعة الرضوان، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى مكة فصفق عني بيده، وشمال رسول الله ﷺ خير من يميني، قالوا: فررت من الزحف (¬١) قال: فإن الله قد عفا عن ذلك، قالوا: سيرت خيارنا وضربت أبشارنا ووليت علينا سفهاء أهل بيتك، قال: إنما سيرتُ من سيرتُ من مخالفة الفتنة فمن مات منهم فارضوا بالله حكماً بيني وبينه ومن بقي منهم فردوه واقتصوا مني لمن ضربت، وأما عمالي فمن شئتم عزله فاعزلوه ومن رأيته إقراره فأقروه، قالوا: فمال الله الذي أعطيت قرابتك؟ قال: اكتبوا به عليّ للمسلمين صكاً لأعجل منه ما قدرت على تعجيله وأسعى في باقيه، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنىً بعد إحصان أو كفر بعد إيمان، أو أن يقتل رجلٌ رجلاً فيقتل به " (¬٢)، ووالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا قتلت نفساً بدون حقها، ولا أبتغيت بديني بدلاً مذ هداني الله للإسلام، ولا والله ما وضعت يدي على عورتي مذ بايعت رسول الله ﷺ إكراماً ليده.فلما قال هذه المقالة كسر حلماؤهم عنه، ونصب له كنانة بن بشر التجيبي وعروة بن شييم فأقبلا لا يقلعان ولا يكفان عنه، وأتى المغيرة بن شعبة عثمان فقال له: دعني آت القوم فانظر ما يريدون، فمضى نحوهم فلما دنا منهم صاحوا به يا أعور وراءك، يا فاجر وراءك، يا فاسق وراءك، فرجع؛ ودعا عثمان عمرو بن العاص فال له: إئت القوم فادعهم إلى كتاب الله والعتبى مما ساءهم، فلما دنا منهم سلم فقالوا: لا سلم الله عليك، ارجع يا عدو الله، أرجع يا ابن النابغة فلست عندنا بأمين ولامأمون، فقال له ابن عمر وغيره: ليس لهم إلا عليّ بن أبي طالب فبعث عثمان إلى عليّ فلما أتاه قال: يا أبا الحسن أئت هؤلاء القوم فادعهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، قال: نعم إن أعطيتني عهد الله وميثاقه على أنك تفي لهم بكل ماأضمنه عنك، قال: نعم، فاخذ عليّ عليه عهد الله وميثاقه على أوكد ما يكون واغلظ، وخرج إلى القوم فقالوا: وراءك قال: لابل أمامي تعطون كتاب الله وتعتبون من كل ما سخطتم، فعرض عليهم ما بذل عثمان فقالوا: أتضمن ذلك عنه؟ قال: نعم، قالوا: رضينا، وأقبل وجوههم وأشرافهم مع عليّ حتى دخلوا على عثمان وعاتبوه فأعتبهم من كل شيء فقالوا: اكتب بهذا كتابا فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين، " إن لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه، يعطى المحروم ويؤمن الخائف ويرد المنفي ولا تجمر البعوث ويوفر الفيء، وعلي بن أبي طالب ضمين للمؤمنين والمسلمين على عثمان بالوفاء بما في هذا الكتاب، شهد: الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله وسعد بن مالك بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت،وسهل بن حنيف، وأبو أيوب خالد بن زيد، وكتب في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين، فأخذ كل يوم كتاباً فانصرفوا. وقال عليّ بن أبي طالب لعثمان: اخرج فتكلم كلاماً يسمعه الناس ويحملونه عنك وأشهد الله على ما في قلبك فإن البلاد قد تمخضت عليك ولا تأمن أن يأتي ركب آخر من الكوفة أو من البصرة أو من مصر فتقول: يا عليّ اركب إليهم فإن لم افعل قلت: قطع رحمي واستخف بحقي، فخرج عثمان فخطب الناس فأقر بما فعل واستغفر الله منه وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من فلينب فأنا أول من اتغظ، فاذا نزلت فليأتني اشرافكم فليروني رأيهم، فو الله لو ردني إلى الحق عبد لا تبعته، وما عن الله مذهب إلا إليه، فسر الناس بخطبته واجتمعوا إلى بابه مبتهجين بما كان منه، فخرج إ ليهم مروان فزبرهم وقال: شاهت وجوهكم، ما اجتماعكم؟ أمير المؤمنين مشغول عنكم، فإن احتاج إلى أحد منكم فسيدعوه فانصرفوا، وبلغ علياً الخبر فأتى عثمان وهو مغضب فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بإفساد دينك وخديعتك عن عقلك، وإني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا بعائدٍ بعد مقامي هذا لمعاتبتك. وقالت له امرأته نائلة بنت الفرافصة: قد سمعت قول عليّ بن أبي طالب في مروان وقد أخبرك أنه غير عائد إليك، وقد أطعت مروان ولا قدر له عند الناس ولا هيبة، فبعث إلى عليّ فلم يأته. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: سمعت عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ذكر مروان فقال: قبحه الله خرج عثمان على الناس فأعطاهم الرضى وبكى على المنبر حتى استهلتدموعه، فلم يزل مروان يفتله في الذروة والغارب حتى لفته عن رأيه، قال: وجئت إلى عليّ فأجده بين القبر والمنبر ومعه عمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وهما يقولان صنع مروان بالناس وصنع وأنتهرهم وأغلظ لهم حتى ردهم عن باب عثمان على أقبح الوجوه، فأقبل عليّ علي فقال: أحضرت خطبة عثمان؟ قلت: نعم، قال: أفحضرت مقالة مروان للناس؟ قلت نعم. قال أبو مخنف: لما شخص المصريون بعد الكتاب الذي كتبه عثمان فصاروا بأيلة أو بمنز قبلها رأوا راكباً خلفهم يزيد مصر فقالوا له: من أنت؟ فقال: رسول أمير المؤمنين إلى عبد الله بن سعد وأنا غلام أمير المؤمنين، وكان أسود، فقال بعضهم لبعض: لو أنزلناه وفتشناه لا يكون صاحبه قد كتب فينا بشيء، ففعلوا فلم يجدوا معه شيئاً فقال بعضهم لبعض: خلوا سبيله، فقال كنانة بن بشر: أما والله دون أن أنظر إداوته فلا فقالوا: سبحان الله أيكون كتاب في ماءٍ؟ فقال: إن للناس حيلاً، ثم حل الإداوة فإذا فيها قارورة مختومة (¬١) - أو قال مضمومة - في جوف القارورة كتاب في أنبوب من رصاص فأخرجه فقرئ فإذا فيه: " أما بعد فإذا قدم عليك أبو عمرو بن بديل فأضرب عنقه، وأقطع يدي ابن عديس، وكنانة، وعروة، ثم دعهم يتشحطون في دمائهم حتى يموتوا، ثم أوثقهم على جذوع النخل ". فيقال أن مروان كتب الكتاب بغير علم عثمان، فلما عرفوا ما في الكتاب قالوا: عثمان محل، ثم رجعوا عودهم على بدئهم حتى دخلوا المدينة، فلقوا علياً بالكتاب وكان خاتمة من رصاص، فدخل به عليّعلى عثمان فحلف بالله ما هو كتابه ولا يعرفه وقال: أما الخط فخط كاتبي، وأما الخاتم فعلى خاتمي، قال عليّ: فمن تتهم؟ قال أتهمك وأتهم كاتبي، فخرج عليّ مغضبا وهو يقول: بل هو أمرك. قال أبو مخنف: وكان خاتم عثمان بديا في يد حمران بن أبان، ثم أخذه مروان حين شخص حمران إلى البصرة فكان معه. وجاء المصريون إلى دار عثمان فأحدقوا بها وقالوا لعثمان وقد أشرف عليهم: يا عثمان أهذا كتابك؟ فجحد وحلف، فقالوا: هذا شر، يكتب عنك بما لا تعلمه، ما مثلك يلي أمور المسلمين، فاختلع من الخلافة، فقال: ما كنت لأنزع قميصاً قمصنيه الله أو قال: سر بلنيه الله - وقالت بنو أمية: يا عليّ أفسدت علينا أمرنا ودست وألبت، فقال: يا سفهاء إنكم لتعلمون انه لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وأني رددت أهل مصر عن عثمان ثم أصلحت أمره مرة بعد أخرى فما حيلتي؟ وانصرف وهو يقول: اللهم إني بريء مما يقولون ومن دمه إن حدث به حدثٌ. قال: وكتب عثمان حين حصروه كتاباً قرأه ابن الزبير على اناس يقول فيه: " والله ما كتبت الكتاب ولا أمرت به ولا علمت بقصته وأنتم معتبون من كل ما ساءكم فأمروا على مصركم من أحببتم، وهذه مفاتيح بيت مالكم فادفعوها إلى من شئتم "، فقالوا: قد اتهمناك بالكتاب فاعتزلنا؛ وقال بعضهم: الذي قرأ كتاب عثمان الزبير نفسه، والأول أثبت. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن داود العطار عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أن عثمان وجه إلى المصريين لما أقبلوا يريدونه محمد بن مسلمة في خمسين من الأنصار أنا فيهم فأعطاهم الرضى وانصرفوا،فلما كانوا ببعض الطريق رأوا جملاً عليه ميسم الصدقة فأخذوه، فإذا غلامٌ لعثمان، ففتشوه فإذا معه قصبة من رصاص في جوف إداوة فيها كتابٌ إلى عامل مصر أن افعل بفلان كذا وبفلان كذا، فرجع القوم إلى المدينة، فأرسل إليهم عثمان محمد بن مسلمة فلم يرجعوا وحصروه. وحدثني هشام بن عمار الدمشقي أبو الوليد حدثنا محمد بن سميع عن محمد بن أبي ذئب عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب أن المصريين لما قدموا فشكوا عبد الله بن سعد بن أبي سرح سألوا عثمان أن يولى مكانه محمد بن أبي بكر، فكتب عهده وولاه ووجه معهم عدة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرج، فشخص محمد بن أبي بكر وشخصوا جميعاً، فلما كانوا على مسيرة ثلاث من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير وهو يخبط البعير خبطاً كأنه رجل يطلب أو يُطلب، فقال له أصحاب محمد بن أبي بكر: ما قصتك وما شأنك هارب أو طالب، فقال لهم مرةً: أنا غلام أمير المؤمنين، وقال مرة أخرى: أنا غلام مروان وجهني إلى عامل مصر برسالة، قالوا: فمعك كتاب؟ قال: لا، ففتشوه فلم يجدوا معه شيئاً، وكانت معه إداوة قد يبست وفيها شيء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج، فشقوا الإداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح. فجمع محمد من كان معه من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ثم فك الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه: " إذ أتاك محمد بن أبي بكر وفلان وفلان فاحتل لقتلهم وأبطل كتاب محمد، وقر على عملك حتى يأتيك رأيي، واحبس من يجيء إلي متظلماً منك إن شاء الله ". فلما قرأوا الكتاب فزعوا وغضبوا ورجعوا إلى المدينة، وختم محمد بن أبي بكر الكتاب بخواتيم نفرممن كان معه ودفعه إلى رجل منهم، وقدموا المدينة فجمعوا علياً وطلحة والزبير وسعداً ومن كان من أصحاب النبي ﷺ، ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام وأقرأهم الكتاب فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان، وزاد ذلك من غضب لابن مسعود وعمار بن ياسر وأبي ذر حنقاً وغيظاً، وقام أصحاب النبي ﷺ بمنازلهم ما منهم أحد إلا وهو مغتنم لما في الكتاب. وحاصر الناس عثمان وأجلب عليه محمد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم، وأعانه على ذلك طلحة بن عبيد الله، وكانت عائشة تقرصه كثيراً، ودخل عليّ وطلحة والزبير وسعد وعمار في نفر من أصحاب محمد ﷺ كلهم بدري على عثمان، ومع عليّ الكتاب والغلام والبعير، فقال له علي: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم، قال: والبعير؟ قال: نعم، قال: وأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا، وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا علمت شأنه، فقال له علي: أفالخاتم خاتمك؟ قال: نعم، قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك بكتاب عليه خاتمك ولا تعلم به؟ فحلف بالله ما كتبت الكتاب ولا أمرتُ به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط، وعرفوا أن خط مروان فسأله أن يدفع إليهم مروان فأبى، وكان مروان عنده في الدار، فخرج أصحاب محمد ﷺ من عنده غاضباً وعلموا أنه لا يحلف بباطل، إلا أن قوماً قالوا: لن يبرأ عثمان في قلوبنا إلا بأن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه عن الأمر، ونعرف حال الكتاب وكيف يؤمر بقتل رجال من أصحاب رسول الله بغير حق، فإن يكن عثمان كتبه عزلناه، وإن يكن مروان كتبه عن لسان عثمان نظرنا ما يكون منافي أمر مروان، فلزموا بيوتهم وأبى عثمان أن يخرج مروان؛ فحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء، فأشرف على الناس فقال: أفيكم علي؟ فقالوا: لا، قال: أفيكم سعد، فقالوا: لا، فسكت ثم قال: ألا أحدٌ يبلغ فيسقينا ماءً؟ فبلغ ذلك علياً فبعث إليه بثلاث قربٍ مملوءة ماءً فما كادت تصل إليه، وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصلت.؟ وبلغ علياً أن القوم يريدون قتل عثمان فقال: إنما أردنا مروان، فأما قتل عثمان فلا، وقال للحسن والحسين: اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه على كره، وبعث عدة من أصحاب النبي ﷺ أبناءهم ليمنعوا الناس من الدخول على عثمان ويسألوه إخراج مروان؛ فلما رأى محمد بن أبي بكر، وقد رمى الناس عثمان بالسهام حتى خُضب الحسن بالدماء على بابه، وأصاب مروان سهم وهو في الدار، وخُضب محمد بن طلحة، وشُج قنبر مولى علي، خشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيروها فتنةً، وأخذ بيد رجلين فقال لهما: إن جاءت بنو هاشم فرأت الدماء على وجه الحسن كشفوا الناس عن عثمان وبطل ما تريدون، ولكن مروا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد، فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان وما يعلم أحد ممن كان معه لأنهم كانوا فوق البيوت ولم يكن معه إلا امرأته. فاقل محمد بن أبي بكر: أنا أبدأ كما بالدخول، فإذا أنا ضبطته فادخلا فتوجاه حتى تقتلاه، فدخل محمد فأخذ بلحيته فقال له عثمان: والله لو رآك أبوك لساء مكانك مني، فتراخت يده، ودخل الرجلان عليه فتوجآه حتى قتلاه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا،وصرخت امرأته إلى الناس فلم يُسمع صراخها لما كان في الدار من الجلبة، وصعدت امرأته إلى الناس فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما فوجدوا عثمان مذبوحاً، فانكبوا عليه يبكون، وخرجوا ودخل الناس فوجدواه وذبوحاً، وبلغ عليّ بن أبي طالب الخبر، وطلحة، والزبير، وسعداً، ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولاً فاسترجعوا، وقال على لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، وخرج عليّ وهو غضبان يرى أن طلحة أعان على ما كان، فلقيه طلحة فقال: ما لك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين، فقال: عليك لعنة الله أبيت إلا أن يسوءني ذلك، يقتل أمير المؤمنين، رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ بدريٌّ لم يقم عليه بينة ولا حجة، فقال طلحة: لو دفع مروان لم يُقتل، فقال علي: لو أخرج إليكم مروان لقتل قبل أن تثبت عليه حكومة. وخرج عليّ فأتى منزله وجاء الناس كلهم يهرعون إلى علي، أصحاب النبي ﷺ وغيرهم وهم يقولون: إن أمير المؤمنين علي، حتى دخلوا داره فقالوا له: نبايعك فمد يدك فإنه لا بد من أمير، فقال علي: ليس ذاك إليكم إنما ذاك إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلاّ أتى علياً فقالوا: ما نرى أحداً أحق بها منك فمد يدك نبايعك، فقال: أين طلحة والزبير؟ وكان طلحة أول من بايعه بلسانه وسعدٌ بيده، فلما رأى عليّ ذلك صعد المنبر وكان أول من صعد إليه، فبايعه طلحة بيده،وكانت إصبع طلحة شلاء فتطير منها عليّ وقال: ما أخلقه أن ينكث، ثم بايعه الزبير وسعد وأصحاب النبي ﷺ جميعاً، ثم نزل فدعا الناس وطلب مروان، وبني أبي معيط فهربوا منه. وخرجت عائشة رضي الله تعالى عنها باكية تقول: قُتل عثمان ﵀، فقال لها عمار بن ياسر عبد الملك أنت بالأمس تحرضين عليه ثم أنت اليوم تبكينه. وجاء عليّ إلى امرأة عثمان فقال لها: من قتل عثمان رحمه الله تعالى؟ فقالت لا أدري دخل عليه رجلان لا أعرفهما إلا أن أرى وجوههما، وكان معهما محمد بن أبي بكر، وأخبرت علياً والناس بما صنع محمد، فدعا عليّ محمداً فسألهى عما ذكرت امرأة عثمان فقال محمد: لم تكذب فقد دخلت والله عليه وأنا أريد قتله، فذكر أبي فقمت عنه وأنا تائب، والله ما قتلته ولا أمسكته، قالت امرأة عثمان: صدق أدخلهما. حدثني محمد بن هشام بن بهرام حدثنا وكيع عن الأعمش عن عُبيد بن عمير قال: قال علي: لا آمركم بالإقدام على عثمان فإن أبيتم فبيضٌ سيفرخُ. وحدثني عمرو بن محمد عن قبيصة بن عقبة عن أبي سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن الأصم قال: كنت فيمن أرسلوه من ذي خُشب فقالوا: سلوا أصحاب النبي ﷺ واجعلوا علياً آخر من تسألونه، فسألناهم فقالوا: أقدموا إلا علياً فإنه قال: لا آمركم فإن أبيتم فبيضٌ سيفرخ. حدثنا محمد بن حاتم المروزي عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح قال:، قال علي: لو علمت أن الأمر يبلغ ما دخلت فيه.وحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي محمد بن الأعرابي حدثنا أزهر بن سعد السمان أبو بكر حدثنا ابن عون عن الحسن قال: خطب عثمان فقام رجل فقال: نريد كتاب الله فقال له: اقعد أما لكتاب الله طالب غيرك؟ فحصب وتحاصبوا فنزل الشيخ وما يكاد يقيم عنقه، فقال ابن عون: فقلت للحسن ابن كم منت يومئذٍ؟ قال: ابن أربع عشرة خمس عشرة. وقال أبو مخنف وغيره: حرس القوم عثمان ومنعوا من أجل أن يدخل عليه، وأشار عليه بن العاص بأن يُحرم ويلبي ويخرج فيأتي مكة فلا يُقدم عليه، فبلغهم قوله فقالوا: والله لئن خرج لا فارقناه حتى يحكم الله بيننا وبينه، واشتد عليه طلحة بن عبيد الله في الحصار، ومنع من أجل أن يدخل إليه الماء حتى غضب عليّ بن أبي طالب من ذلك، فأدخلت على روايا الماء. قالوا: وكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر بن كريز، ومعاوية بن أبي سفيان يُعلمهما أن أهل البغي والعدوان من أهل العراق ومصر والمدينة قد أحاطوا بداره فليس يرضيهم بزعمهم شيء دون قتله، أو يخلع السربال الذي سربله الله إياه، ويأمرهما بإغاثته برجال ذوي نجدة وبأس ورأي لعل الله أن يدفع بهم عنه بأس من يكيده ويريده، وكان رسوله إلى ابن عامر جبير بن مطعم، والى معاوية المسور بن مخرمة الزهري، فأما ابن عامر فوجه إليه مجاشع بن مسعود السلمي في خمسمائة أعطاهم خمسمائة خمسمائة درهم، وكان فيمن ندب مع مجاشع زفر بن الحارث الكلابي على مائة رجل، وأما معاوية فبعث إليه حبيب بن مسلمة الفهري في ألف فارس، فقدم حبيب أمامه يزيد بنأسد البجلي جد خالد بن عبد الله بن يزيد القسري منبجيلة، وبلغ أهل مصر ومن معهم ممن حاصر عثمان ما كتب به إلى عامر ومعاوية فزادهم ذلك شدة عليه وجداً في حصاره، وحرصاً على معاجلته بالقتل. المدائني عن حبان بن موسى عن مجالد عن الشعبي قال: كتب عثمان إلى معاوية أن أمدني، فأمده بأربعة آلاف مع يزيد بن أسد بن كرز الجلي فتلقاه الناس بمقتل عثمان فرجع من الطريق وقال: لو دخلت المدينة وعثمان حي ما تركت بها محتلماً إلا قتلته لأن الخاذل والقاتل سواء.