البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 2224, entry [429]18,543 chars
خبر يوم الجفرة بالبصرة سنة تسعٍ وستين: كان يقال لها جفرة نافع ثم سميت جفرة خالد. قالوا: وأما خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فكان جواداً، ويكنى أبا سعيد، وكان بالشام مع عبد الملك يحبه ويستصحبه. فحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف بإسناده أن خالداً قال لعبد الملك: وجهني إلى البصرة في جماعة من أه…
▸ expand full passage (18,543 chars)خبر يوم الجفرة بالبصرة سنة تسعٍ وستين: كان يقال لها جفرة نافع ثم سميت جفرة خالد. قالوا: وأما خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فكان جواداً، ويكنى أبا سعيد، وكان بالشام مع عبد الملك يحبه ويستصحبه. فحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف بإسناده أن خالداً قال لعبد الملك: وجهني إلى البصرة في جماعة من أهل الشام آخذها لك وأدعو الناس إلى طاعتك، فقال له: اذهب بكتبي إلى وجوه أهلها وامض مستخفياً، وأنا متبعك جنداً كثيفاً مع رجل أثق به، فسار خالد حتى دخلها وعليها من قبل مصعب بن الزبير عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي ثم التيمي، وجهه إليها من الكوفة عند مقتل المختار بن أبي عبيد، وكان صاحب شرطته عباد بن الحصين الحبطي من بني تميم، وكان مصعب يستخلفه عليها ويوليه تدبير الأمر فيها إذا حضرها أو غاب عنها، فنزل خالد على عليّ بن أصمع الباهلي، فعجز عليّ عن الذبِّ عنه ومنعه من عباد إن أراده، فدله على مالك بن مسمع بن شهاب أحد بني جحدر بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة، فأتى مالكاً فاستجار به وأوصل إليه كتاباً من عبدالملك، فسره ما وعده فيه ومناه فأجاره، وبعث إلى من يثق به من أهل البصرة ممن كتب إليه عبد الملك بن مروان وغيرهم، فأتاه زياد بن عمرو العتكي في الأزد إلا آل المهلب، ووافته خيول بكر بن وائل إلا آل شقيق بن ثور السدوسي، واجتمعت إليه شيعة بني أمية من العثمانية، وأتاه صعصعة بن معاوية عم الأحنف، وكان ممن كتب إليه عبد الملك، وأتاه عبيد الله بن أبي بكرة، ثم قدم عليه عبيد الله بن زياد بن ظبيان من الشام في جيش سرحه معه عبد الملك إلى خالد كما وعده، وكان عبيد الله بن زياد بن ظبيان قد خلع مصعباً ولحق بعبد الملك بن مروان لأن مصعباً قتل أخاه النابئ بن زياد فكان حنقاً عليه، فسأل عبد الملك أن يكون الذي يوجهه إلى العراق لمحاربته، فسرحه إلى خالد بذلك الجيش وأمره أن يسمع له ويطيع، فاجتمعوا بالجفرة التي تعرف بجفرة خالد، وزحف إليهم عمرو بن عبيد الله بن معمر في الزبيرية ومن معه من أهل البصرة فاقتتلوا أشد قتال وأبرحه وفقئت عين مالك بن مسمع يومئذٍ، ثم إن القوم كرهوا الحرب وخافوا أن يتفانوا فتحاجزوا، وأقبل مصعب بن الزبير من الكوفة حين بلغه خبر خالد عبد بن عبد الله بن خالد وشغل عبد الملك بن مروان عنه بعمرو وبزفر بن الحارث، وكتابه إلى خالد أنه لايمكنه ورود العراق في عامه لما انتشر عليه من الأمور، فوهن أمر خالد، وطلب مالك بن مسمع بن شهاب ومن معه ممن أنجد خالداً الأمان من عمر بن عبيد الله فآمنهم، وهرب خالد بن عبد الله حتى أتى عبد الملك، وهرب أيضاً مالك بن مسمع إلى قرية من قرى اليمامة لبكر بن وائل يقال لها ثاج، فلم يزل بها إلى أن صالح عبد الملك زُفر بن الحارث الكلابي وانصرف إلى الشام ثم شخص إلىالعراق فقتل مصعباً، ويقال إنه رجع إلى البصرة في أيام حمزة بن عبد الله ثم رجع إلى ثاج، ويقال أيضاً أن مصعباً استؤمن له حين رجع إلى البصرة. وولى له بالبصرة، فأكرم مالكاً ومن كان أجاره وقاتل معه، فكان عبيد الله بن زياد بن ظبيان أتى الشام بعد الجفرة ثم قدم العراق مع عبد الملك، ويقال إنه اعتزل في بعض النواحي حتى أقبل عبد الملك إلى العراق فأتاه. وحدثني عليّ بن المغيرة الأثرم عن معمر بن المثنى عن أبي عمرو قال: كان قيس بن الهيثم ويكنى أبا كبير خليفةً للحارث بن أبي ربيعة - وهو القباع - على البصرة أيام ابن الزبير، وكان ممن قاتل مالك بن مسمع مع الزبيرية وهو على فرس مجلجل، وقد استأجر قوماً يقاتلون معه فكانوا يرتجزون: لساء ماتحكم يا جلاجل … النقد دين والطعان عاجلُ وأنت بالماء ضنينٌ باخلُ وحدثنا خلف بن سالم حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: - ولا أعلمه إلا عن مصعب بن زيد - أن أشراف أهل العراق إلى عبد الملك بن مروان يدعونه إلى أنفسهم ويخبرونه أنهم مبايعوه، فلم يبق بالبصرة شريف إلا كتب إليه غير المهلب بن أبي صفرة، فبعث عبد الملك خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد ليقاتل في طاعته، فقدم وقد كان الطاعون الجارف وقع بالبصرة، وذلك في سنة تسعٍ وستين، فكثر الموت بالبصرة حتى جعل أهل الدار يموتون عن آخرهم لا يجدون من يدفنهم، وأمير البصرة يومئذعمرو بن عبيد الله بن معمر بها، استعمله عليها مصعب فقدم خالد على مالك بن مسمع وعسكره بجفرة خالدٍ، ومال إليه كثير من الناس، فكان ممن أتاه من الأزد معن بن المغيرة بن أبي صفرة، وكان قد عتب على المهلب في تأخير صلته، فكان القوم يغدون إلى المربد ثم يفترقون: فرقة إلى خالد وفرقة إلى المصعبية فإذا رجعوا رجع الأخوان أحدهما من هؤلاء وأحدهما من هؤلاء فيقول هذا: فعلنا بكم، ويقول هذا: فعلنا بكم، فلم يزالوا على ذلك حتى هرب خالد بن عبد الله وتفرق أصحابه وهرب مالك إلى اليمامة، فلما قتل عبد الملك مصعباً ودخل الكوفة بعث خالداً أميراً على البصرة، واستعمل بشر بن مروان أخاه على الكوفة، وبلغ ذلك مالك بن مسمع وهو باليمامة، فأقبل حتى دخل البصرة، فأتى دار الإمارة على ناقته، ففتح له الباب فدخل حتى أناخ على بساط خالد، وأقطعه عبد الملك قطائع كثيرة ووصله، وكتب عبد الملك إلى المهلب وهو بإزاء الحرورية: إن الناس مجتمعون على بيعتي، فإن دخلت فيما دخل الناس فيه عرفنا لك منزلتك وشرفك، وإن لم تفعل استعنا بالله عليك، فكتب إليه: أما إذ اجتمع الناس فإني لم أكن أشق عصا المسلمين، ولا أسفك دماءهم، ولا أفرق جماعتهم، فكتب إليه بإقراره على ماهو بسبيله. وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: التقى الأموية والزبيرية بالبصرة ففقئت عين مالك بن مسمع، وقال وهب بن أبجر العجلي: ونحن صرمنا أمر بكر بن وائل … وأنت بثاجٍ لا تمر ولا تحلي هجرت لجيماً أن أصبت زيادةً … وعذت بهم عند الزلازل والأزلفلا ترج خيراً عند بابِ ابن مسمعٍ … إذا كنت من حيي حنيفة أو عجلِ (¬١) قال: فقال جرير: وفينا كما أدتْ ربيعةُ خالداً … إلى قومهِ حرباً ولما يسالم (¬٢) وحدثنا خلف بن سالم حدثنا وهب بن جرير عن محمد بن أبي عيينة عن ذكوان مولى أبي عيينة قال: لما قدم خالد البصرة واجتمعت الحرورية بالأهواز خرج إليها خالد في نحو تسعين ألفاً من أهل البصرة والكوفة ومن أمده به بشر بن مروان، فقاتلته الخوارج وفلوه ونادوا: يا خالد يا مخنث، فأتى البصرة، وكان رئيس الخوارج قطري، وكان خالد قد وجه أخاه عبد العزيز إلى جماعة من الخوارج انحازوا إلى فارس، بعد قتل أبي فديك، فهزموه أقبح هزيمة وفضحوه، فكتب خالد بأمر الخوارج إلى عبد الملك وقال للمهلب: ما ظنك بأمير المؤمنين؟ قال: أحسبه سيعزلك فما كنت صانعاً فاصنعه فقال: أتراه ينسى بلائي ويستخف بحق قرابتي؟ قال المهلب: إن الناس حديثو عهدٍ بفتنة، ويبلغه ما لقيته من الخوارج ويأتيه خبر أخيك عبد العزيز فيخاف أن يطمع فيما قبلك ويجترأ عليك، فتنتشر الأمور ويضيع العمل، فعزله عبد الملك وجمع البصرة والكوفة لبشر بن مروان. قالوا: ولما قتل عبد الملك مصعباً ودخل الكوفة ولاها حين أراد الرجوع إلى الشام قطن بن عبد الله بن الحصين الحارثي أربعين يوماًأو شهرين، ثم عزله وولى بشراً أخاه، فاستخلف بشر على الكوفة حين ولي البصرة عمرو بن حريث، ثم قدم البصرة فأقام أشهراً، ثم احتضر فاستخلف خالداً على عمله حتى قدم الحجاج وقد شد خالد على بيت المال فأخرج جميع ما فيه ففرقه على الناس، فيزعمون أنه جلس مجلسين فلم يقم حتى فرق ألف ألف درهم؛ وكان الحجاج أراد حبسه ومحاسبته، فأمر عبد الملك أن لا يعرض له فتركه، فلما شخص عن البصرة شيعة القرشيون، ففرق فيهم ثلاثمائة ألف درهم. وقال المدائني وأبو عبيدة: أقبل عبد الملك من الشام يريد العراق ومعه خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فقال له: إن وجهتني إلى العراق وأتبعتني خيلاً يسيرة كفيتك البصرة، فوجهه عبد الملك فقدمها مستخفياً في خاصته ومواليه حتى نزل على عليّ بن أصمع الباهلي، فأرسل إلى عباد بن الحصين وهو على شرطة ابن معمر: إني قد أجرت خالداً وأنا أحب أن أتعلم ذلك وتكون لي ظهيراً، فبعث إليه: والله لا أنزل عن فرسي حتى آتيك في الخيل، فقال ابن أصمع لخالد: لا أغرك إن عباداً يأتينا الساعة ولا أقدر على منعك ولكن عليك بمالك بن مسمع، ويقال ان نزوله كان على عمرو بن أصمع، وأن عباداً أرسل اليه ابتداءً: إنه قد بلغني نزول خالد عليك، وأنا موافيك في الخيل. المدائني عن مسلمة وعوانة قالا: فخرج خالد من عند ابن أصمع يركض وعليه قميص قوهي رقيق، وقد حسر عن فخذيه وأخرج رجليه من الركابين حتى أتى مالكاً فقال: إني قد اضطررت إليك فأجرني، قال: نعم، وخرج وبنو أخيه فأرسل إلى بكر بن وائل والإزد، فكانت أول رايةأتته راية بني يشكر، وأقبل عباد بن الحصين في الخيل فتوافقوا ولم يقتتلوا، فلما كان الغد بدروا إلى جفرة نافع بن الحارث التي نسبت بعد إلى خالد، ومع خالد رجال من بني تميم وافوه، وهم: صعصعة بن معاوية وعبد العزيز بن بشر ومرة بن محكان الربيعي، ومعه عبيد الله بن أبي بكرة وحمران ومغيرة بن المهلب، وكان على الزبيرية قيس بن الهيثم السلمي، وكان يستأجر الرجال يقاتلون معه، فتقاضى رجل أجرته فقال: غداً أعطيتك إياها، وكان في عنق فرسه جلاجل، فقال رجل يقال له غطفان بن أنيف أحد بن كعب بن عمرو بن تميم: لبئسَ ما حكمتَ يا جلاجلُ … النقدُ دينٌ والطعانُ عاجلُ وأنتَ بالبذلِ ضنينٌ باخلُ وكان على خيل بني حنظلة عمرو بن وبرة العجيفي، وكان له عبيد يؤاجرهم كل يوم بثلاثين فيعطيهم عشرةً عشرةً، فقيل له: لبئس ما حكمت يا بن وبرة … تعطى ثلاثين وتعطي عشرةْ ووجه مصعبُ بن الزبير زحر بن قيس الجعفي مدداً لا بن معمر في ألف، ووجه عبد الملك عبيد الله بن زياد بن ظيبان بن الجعد أحد بني عائش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة بن عكابة مدداً لخالد، فوافى وقد تفرق الناس عنه، فلحق بعبد الملك. أبو الحسن المدائني عن رجل عن السكن بن قتادة قال: اقتتلوا أربعة وعشرين يوماً فأصيبت عين مالك بن مسمع، فضجوا من الحرب، ومشت السفراء بينهم وفيهم: يوسف بن عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفي، فصالحهم ابن معمر على أن يخرج خالداً من البصرة وهم آمنون، فخرجخالد فلحق بالشام، وخاف مالك ألا يجيز مصعب أمان عمر بن عبيد الله أو عبيد الله بن عبيد الله بن معمر فلحق مالك بثاج، فقال الفرزدق: عجبتُ لأقوامٍ تميمٌ أبوهمُ … وهمْ في بني سعدٍ عظامُ المباركِ وكانوا أعَّز الناس قبلَ مصيرهمْ … إلى الأزدِ مصفراً لحاها ومالك وما ظنكم بابنِ الحواريِّ مصعبٍ … إذا أفتر عنْ أنيابه غيرَ ضاحكِ ونحنُ نفينا مالكاً عنْ بلادهِ … ونحنُ فقأنا عينهُ بالنيازكِ (¬١) وقال بعض بني حنظلة: أبلغ أبا حسان أنكَ إنْ تعدْ … تعدْ لكَ بالبيضِ الخفافِ تميمُ تقاضوكَ عيناً منكَ حتى قضيتها … ورحتَ وفي الأخرى عليك خصومُ وقال غطفان بن أنيف: كيف رأيت نصرنا الأميرا … بصرحةِ المربدِ إذ أبيرا يقودُ فيهِ جحفلاٌ جروراً … الخيلَ والصلادمَ الذّكورا وصارماً ذا هيئةٍ مأثورا … فأصبحَ ابنُ مسمعٍ محصورا يرى قصوراً دونهُ ودورا وقال الشاعر لمصعب: ألحقْ أميةَ بالحجازِ وخالداً … واضرب علاوةَ مالكٍ يا مصعبُ فلئن فعلت لتحزمن بقتلهِ … وليصفونْ لكَ بالعراقِ المشربُ وقال آخر: أخافُ عليكَ زيادَ العراقِ … وأخشى عليكَ بني مسمعِفقال مصعب: يكفي الله مؤونتهم. قالوا: ولما بويع مصعب وانصرف عبد الملك إلى دمشق بسبب عمرو الأشدق لم يكن له همة إلا البصرة، وطمع أن يدرك خالداً، فلما قدمها وجده قد خرج، ووجد ابن معمر قد آمن الجفرية، فغضب على ابن معمر وحلف أن لا يوليه، وأرسل إلى الجفرية فشتمهم وأنبهم قال: نصرتم ابن طريد رسول الله ﷺ على ابن حواريه، وأقبل على عبيد الله بن أبي بكرة فقال: يا بن مسروح إنما أنت ابن كلبة تعاورتها الكلاب فجاءت بأحمر وأسود وأصفر من كل كلبٍ ما يشبهه، وإنما كان أبوك عبداً نزل إلى رسول الله ﷺ من حصن الطائف، تدعون أن أبا سفيان زنى بأمكم، أما والله لئن بقيت لالحقنكم بنسبكم، ثم دعا بحمران فقال: يا بن اليهودية إنما أنت علج نبطي سبيت من عين التمر وكان أبوك يدعى أبي. ثم قال للحكم بن المنذر بن الجارود: يا بن الخبيثة اللخناء أتدري من أنت ومن الجارود؟ إنما كان علجاً بجزيرة ابن كاوان فارسياً فقطع إلى ساحل العرب فانتمى إلى عبد القيس، ولا والله ما أعرف حياً أشد إشتمالاً على سوءة منهم ثم انكح أخته المكعبر الفارسي فلم يصب شرفاً قط أعظم من ذلك، فهؤلاء ولدها يا بن قباذ؛ ثم أتي بعبد الله بن فضالة الزهراني فقال: ألست من أهل هجر ثم من أهل سماهيج (¬١)؟ أما والله لأردنك إلى نسبك. ثم بعلي بن أصمع فقال: أنت غبد لبني تميم مرة، وعربي من باهلة مرة. ثم أتي بعبد العزيز بن بشر بن حناط فقال: يا بن المشتور ألم يسرق عمك في زمن عمرفأمر به فسير ليقطعه؟ أما والله ما أعيب إلا من نكح أختك، وكانت أخته تحت مقاتل بن مسمع، ثم أتي بأبي حاضر الأسدي فقال: يا بن الإصطخرية وما أنت دعي في بني أسد. ثم أتي بزياد بن عمرو فقال: يا بن الكرماني إنما أنت علج من أهل كرمان قطعت إلى فارس فصرت ملاحاً، مالك وللحروب؟ أنت بجر القلس أعلم. ثم أتي بعبد الرحمن بن عثمان بن أبي العاص فقال: أعلي تكثر وأنت علج من أهل هجر لحق أبوك بالطائف، وهم يضمون من تأشب إليهم ليتعززوا به، أما والله لأردنك إلى أصلك، ثم أتي بشمخ بن النعمان فقال: يا بن الخبيثة أنت علج من أهل زندورد (¬١) هربت أمك وقتل أبوك فتزوج أخته رجل من بني يشكر فجاءت بغلامين فألحقك بنسبهما. ثم ضربهم مائةً مائةً، وحلق رؤوسهم ولحاهم، وهدم دورهم، وصهرهم في الشمس ثلاثاً، وحملهم على طلاق نسائهم، وجمر أولادهم في البعوث، وطاف بهم في أقطار البصرة، وأحلفهم أن لا ينكحوا الحرائر؛ فلما استقام الأمر لعبد الملك أمر ببناء دورهم. وبعث مصعب خداش بن يزيد في طلب من هرب من أصحاب خالد، فأدرك مرة بن محكان فقال: بني أسدٍ إن تقتلوني تحاربوا … تميماً إذا الحرب العوان أشمعلت بني أسدٍ هل عندكم من هوادةٍ … فتعفوا وإن كانت بي النعل زلت أيمشي خداشٌ في الأزقةِ آمناً … وقد نهلت مني الرماحُ وعلتِفضربه خداش فقتله وكان على شرط مصعب يومئذٍ، وهدم مصعب دار مالك بن مسمع وأخذ ما كان فيها فكان مما أخذ جارية ولدت له عمر بن مصعب، ولم يزل مصعب بالبصرة حتى أتى الكوفة ثم مسكن (¬١) فقتل. قالوا: لما قتل مصعب وثب حمران بن أبان، وعبيد الله بن أبي بكرة تنازعا ولاية البصرة، فقال ابن أبي بكرة: أنا أعظم غناءً منك، أنا كنت أنفق على أصحاب خالد بن عبد الله يوم الجفرة، فقيل لحمران: إنك لا تقوى على ابن بكرة فاستعن بعبد الله بن الأهتم، فاستعان به فغلب حمران على البصرة، وجعل ابن الأهتم على شرطها، وكان لحمران عند بني أمية منزلة، وزعموا أن رداء حمران زال عن كتفه فابتدره مروان وسعيد بن العاص أيهما يسويه، وقيل إنه مد رجله فابتدرها معاوية وابن عامر أيهما يغمزها؛ ومكان الحجاج حبس حمران لأنه ولي لخالد بن عبد الله سابور فكتب إلى عبد الملك: لو بغير الماء حلقي شرقٌ … كنت كالغصبان بالماء اعتصاري فكتب إلى الحجاج: إن حمران أخو من مضي منا، وعم من بقي، وهو ربع من أرباع بني أمية، فلا تعرض له وأكرمه واعرف له حقه، ففعل واعتذر إليه ورد عليه ما استأداه، وبعث بذلك مع غلمان وهبهم له، وكان الذي أغرمه مائة ألف درهم، فقصمها في أصحابه، وقال للغلمان: أنتم أحرار.المدائني قال: ولي خالد بن عبد الله البصرة سنتين فوجه في ولايته أخاه أمية إلى أبي فديك إلى البحرين فهزمه أبو فديك، ووجه أخاه عبد العزيز بن عبد الله إلى الأزارقة بفارس فهزموه أيضاً، وأخذوا امرأته أم حفص بنت المنذر بن الجارود فقتلوها، فقال الفرزدق: كل بني السوداء قد فر فرةً … فلم يبق إلا فرة عند خالد فضحتم قريشاً بالفرار وأنتم … لدى الحرب أنكاس قصار السواعد (¬١) فطلبه خالد فلحق ببشر بن مروان وقال: وما كف عني خالد عن تقيةٍ … ولكن بدت دوني الليوث الهواصر غداة رأى من مالك تحت غابها … ورائي ودوني من يخاف المحاذر تحللت إذا أقسمت أنك قاتلي … وكفر إذا آليت أنك قادر أتوعدني والمالكان (¬٢) كلاهما … ورائي وسعد والحلول الكراكر هم منعوني من زياد وقد رأى … زياد مكاني وهو للناس قاهر ومن مصعب حيث القباع لخوفه … علي ولم تستطعني زماجر (¬٣) وقال ابن أبي بكرة: تداركني من خالد بعد أن التقت … على ودجي أنيابه ومخالبه (¬٤) قال أبو الحسن: ولما قتل مصعب خرج رسول فطم (¬٥) إلى مالك بن مسمع وهو بثاج يبشره بقتله، فقدم وخالد بن عبد الله بالبصرة قد قدمهاواليأً، فجاء يسير حتى أناخ ناقته على بساط خالد، فقال العديل بن الفرخ: أنيخت على ظهر البساط فلم تثر … على رغم من أمسى عدواً لخالد ثم أنصرف مالك إلى داره وقد هدمت، فعدل عنها فنزل في بني جحدر، ولم يمكث مالك إلا سبع عشرة ليلة حتى هلك، حتى هلك، فدفن عند دار عيسى بن سليمان حيث دفن بعده بشر بن مروان، وجاء مالك فخاصم في الجارية التي أخذها مصعب، فمات قبل أن يحكم له بها. وقال الأخطل يمدح خالد بن عبد الله بن خالدبن أسيد، وقدم إليه وهو بالبصرة: إلى خالد حتى أنحن بخالدٍ … فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمل أخالد مأواكم لمن حل واسعٌ … وجدواك غيثٌ للصعاليك مرسل أبى عودك المعجوم إلا صلابة … وكفاك إلا نائلاً حين تسأل ألا أيها الساعي ليدرك خالداً … تناه وأقصر بعض ما كنت تفعل فهل أنت إذا إن مد المدى لك خالدٌ … موازٍ له أو حاملٌ ما يحمل (¬١) وحدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن عوانة عن عوانة قال: كان خالد وأمية أبنا عبد الله بن خالد بن أسيد عند عبد الملك بن مروان، فقدمت عليه عير من العراق عليها مالٌ حمله الحجاج بن يوسف، فقال عبد الملك: هذا والله الجلب الأغر لا جلبكما، أما أنت يا خالد فاستعملتك على البصرة وهي تهدم (¬٢) بالأموال فاستعملت كل ذئب فاجر: تحمل من العشرة درهماًوتحتجن التسعة لنفسك، وأما أنت يا أمية فإني وليتك خراسان وسجستان وهما يقلسان الذهب والفضة، فبعثت إلي ببرذون حطم وحريرتين ومفتاح فيه رطل من ذهب زعمت أنه مفتاح مدينة الفيل، وما مدينة الفيل قبحها الله، فإذا استعملناكم أسأتم وقصرتم، وإذا أستعملنا غيركم قلتم: حرمنا وقطع أرحامنا وآثر علينا غيرنا، والملك لا يصلح إلا بالرجال، والرجال لا يقيمهاإلا الأموال، والأموال لا تجتمع إلا بالتوفير والأحتياط وأداء الأمانة، فقال خالد: بعثتني إلى البصرة والناس بها رجلان: رجل هواه معك، ورجل هواه لسواك، فأعطيت الذي هواه معك لأستبثت مودته وأستديم طاعته، وأعطيت الذي يهوى غيرك متألفاً لأجتر هواه وأعطف قلبه وأستنزل نصيحته، وكان أتخاذ الرجال أحب إلي وأصوب عندي من جمع الأموال، وإن الحجاج جمع الأموال وأوغر صدور الرجال، فكأني بهم أنتقضوا عليه، فأنفقت هذه الأموال وأضعافها، فلما خرج أهل العراق على الحجاج قال عبد الملك: يا خالد هذا مصداق ما قلت. وحدثني الحسن بن عليّ الحرمازي عن أبي الحسن المدائني عن عبد الله بن مسلم قال: قال عبد الملك بن مروان: إنا لنولي الرجل فيخون ويعجز كأنه يعرض بخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال خالد: أما العجز فأنه لم يعجز من وطأ لك مجلسك هذا، وأما الخيانة فما طلب العمل إلا لاصطناع المعروف، وما زال الناس من لدن عثمان يصيبون من هذا المال: أنت وغيرك، فسكت عبد الملك. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مسكين المدني قال: باع خالد بن عبد الله ثمرة أبيه وحمل ثمنها في كمه، فلقيه أبو صخر الهذليفقال له: هب لي هذه الدنانير التي في كمك، فقال: والله ما مدحتني قط، قال: بلى والله قبل أن تولد، قال: وما قلت؟ قال: قلت: إذا نفس المولود من آل خالدٍ … بدا كرمٌ للناظرين يطيب قال: خذها فهي لك، فأتى أباه عبد الله بن خالد فسأله عن ثمن الثمرة فأخبره بخبرها فقال: أحسنت، وكانت ثلاثمائة دينار. وكان سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد جواداً يقال له عقيد الندى، فمدحه موسى شهوات فقال: فداً للكريم العبشمي أبن خالدٍ … بني ومالي طارفي وتليدي عقيد الندى ما عاش يرضى به الندى … فإن مات لم يرض الندى بعقيد أبا خالدٍ أعني سعيد بن خالدٍ … أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد ولكنني أعني ابن عائشة الذي … كلا أبويه خالد بن أسيد دعوه دعوه أنكم قد رقدتم … وما هو عن إحسانكم برقود وأم عقيد الندى عائشة بنت عبد الله بن خلف الخزاعي أخت طلحة الطلحات الجواد، وأبوه خالد، وجده خالد بن أسيد، وكل واحد منهما ابن أسيد، وابن بنت سعيد: سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان أمه آمنة - ويقال حميدة - بنت سعيد بن العاص بن أبي أحيحة فهو ابن بنت سعيد، ويقال أنه كان يغلب على عقله ستة أشهر ويفيق ستة فيكون أصح الناس وأسخاهم، وقد ذكر ذلك أبو اليقظان. وحدثني عبد الله بن صالح المقرئ عن ابن عوانة عن أبيه عن جده قال: شكا سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان موسى شهوات إلى سليمان بن عبد الملك وقال هجاني، وقال سليمان لموسى: لا أم لك أتهجوسعيد بن خالد وهو ابن أمير المؤمنين عثمان؟ فقال: يا أمير المؤمنين أحدثك بقصتي وقصته عشقت جارية لبعض أهل دمشق، فأبى أهلها أن ينقصوها من مائتي دينار، فأتيت سعيد بن خالد هذا فأخبرته بذلك وسألته أن يشتريها لي، فقال: بورك فيك، فقال سليمان: ما هذا بموضع بورك فيك، قال: ثم أتيت سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فشكوت إليه ذلك فدعا بمطرف خز فبسط ثم قال: يا جارية صري في كل جانب منه مائتي دينار وفي وسطه مائتي دينار، ثم قال: خز المطرف بما فيه، فأخذته وفيه ألف دينار فقلت، وأنشده الأبيات التي تقدم ذكرها، وزاد فيها ببيت وهو: فقل لبغاة الخير قد مات خالدٌ … ومات الندى إلا فضول سعيد قال: فقال سليمان بن عبد الملك: قل ما بدا لك فلا تلام. المدائني عن سحيم قال: كان عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد سيداً وجهه أخوه خالد إلى الخوارج بفارس وعليهم قطري فهزموه وقتلوا أصحابه وأخذوا امرأته أم حفص بنت المنذر بن الجارود، فمر بالمهلب فكساه ووصله وحمله، فقال الشاعر: عبد العزيز فضحت جيشك كلهم … وتركتهم صرعى بكل سبيل هلا صبرت مع الشهيد مقاتلٍ … إذ رحت تمعن هارباً بأصيل وتركت عرسك والرماح شوارع … عار عليك إلى الممات طويل الشهيد: مقاتل بن مسمع كان معه فقتل. وولي عبد الملك بن عبد العزيز بعد ذلك مكة، فمدحه رجل من بني الحارث بن كعب فقال:أبا خالد إني أعوذ بخالدٍ … وما جاره بالمستذل المغرر أعوذ ببرديه اللذين أرتداهما … كريم المحيا طيب المتأزر وعزل عبد الملك عبد العزيز وولى بعده أخاه عمرو بن عبد الله، وبقي عمرو إلى دولة بني العباس. وأما عبد الملك بن عبد الله بن خالد بن أسيد فله شرفٌ وعقب بالبصرة. ومن ولد عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن أسيد العالية بنت عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن أسيد، تزوجها المنصور أمير المؤمنين، وبعث إسحاق الأزرق فحملها من الحجاز، وحمل إليه امرأة أخرى تزوجها من ولده طلحة بن عبيد الله التيمي.