البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر
full-text— · 1 entry
- exact linked passagemedium confidencepage 2015, entry [376]12,947 chars
أمر عمرو بن الحمق الخزاعي قالوا: لمّا طلب زياد أصحاب حجر بن عدي هرب عمرو بن الحمق بن الكاهن الخزاعي ورفاعة بن شدّاد البجلي إلى المدائن، ثم مضيا إلى الأنبار ثمّ إلى الموصل، فصارا إلى جبل من جبالها ممّا يلي الجزيرة، فكمنا فيه، وبلغ عامل الرّستاق أنّ رجلين كامنان في الجبل، فأنكر شأنهما واستراب بهما، وك…
▸ expand full passage (12,947 chars)أمر عمرو بن الحمق الخزاعي قالوا: لمّا طلب زياد أصحاب حجر بن عدي هرب عمرو بن الحمق بن الكاهن الخزاعي ورفاعة بن شدّاد البجلي إلى المدائن، ثم مضيا إلى الأنبار ثمّ إلى الموصل، فصارا إلى جبل من جبالها ممّا يلي الجزيرة، فكمنا فيه، وبلغ عامل الرّستاق أنّ رجلين كامنان في الجبل، فأنكر شأنهما واستراب بهما، وكان العامل رجلا من همدان يقال له عبد الله بن أبي تلعة، فصار إليهما ومعه أهل البلد، فلمّا انتهى إلى موضعهما خرجا إليه، فأمّا عمرو بن الحمق فكان مريضا قد سقى بطنه، فلم يكن عنده امتناع فأخذ، وأما رفاعة بن شدّاد البجلي فكان شابا قويا، فوثب على فرس له جواد، وحمل على القوم فأفرجوا له، فخرج وخرجت الخيل في طلبه، وكان راميا فجعل يرمي من لحقه فيجرحه، حتّى نجا بنفسه وأمسكوا عن طلبه، فيقال إنّه قال لعمرو بن الحمق: أقاتل عنك، فقال: انج بنفسك؛ وسألوا عمرا من هو فلم يخبرهم، فبعث به عبد الله بن أبي تلعة إلى عبد الرحمن بن أمّ الحكم أخت معاوية، وهو الذي قتل عليّ جدّه عثمان الثقفي يوم حنين، وكان عبد الرحمن علىالموصل والجزيرة - ويقال على الموصل وأعمالها ومعها شهرزور - فلمّا رأى عمرو بن الحمق عرفه فحبسه، وكتب إلى خاله معاوية بظفره به، فكتب معاوية إليه: إنّه يزعم أنّه طعن عثمان تسع طعنات، وإنّا لا نريد أن نعتدي عليه، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان، فأخرج فطعن تسعا مات في الأولى منهنّ أو الثانية، ثمّ احتزّ رأسه وبعث به إلى معاوية، فهو أوّل رأس بعث به إلى معاوية؛ ويقال إنّه اتّخذت له مشاقص فطعن بها كما فعل بعثمان؛ فإنّه قعد على صدره ووجأه بمشاقص كانت معه تسع وجآت مات في اثنتين منها؛ وقال ابن الكلبي عن أبيه: قتله ابن أمّ الحكم في عمل الجزيرة. وقال الهيثم بن عديّ: هرب عمرو بن الحمق إلى الموصل وعليها ابن أمّ الحكم، فصار إلى غار في جبل، فعثر عليه وأخبر عبد الرحمن بن أمّ الحكم بمكانه، فبعث إليه خيلا فدخل أقصى الغار فنهشته حيّة فقتلته وأخذ رأسه فحمل إلى زياد، فحمله زياد إلى معاوية، فكان أوّل رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد. حدثنا محمّد بن الصبّاح عن شريك عن أبي اسحاق قال: أوّل رأس أهدي في الإسلام رأس عمرو بن الحمق أهدي إلى معاوية. وروي أنّ ابن الحمق أتى اذربيجان فنزل على رجل من بجيلة فمات عنده، فاحتزّ رأسه فأتى به ابن أمّ الحكم، فبعث به إلى معاوية، فنصبه للناس، ثمّ بعث به إلى امرأته آمنة بنت سويد وكانت محبوسة عند معاوية، فقالت: لقد نفيتموه طويلا وأهديتموه قتيلا، فمرحبا به من هديّة غير مقليّة؛ ونفاها إلى حمص فماتت بحمص.حدثنا خلف بن هشام حدثنا هشيم عن يونس بن عبيد عن حميد بن هلال قال: ولّى زياد أبا بردة بعض الصدقة فقال: انّى أنزل نفسي وإيّاك في المال بمنزلة وليّ اليتيم، من كان غنيّا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف. المدائني قال: كان الجموح بن عمرو الفهمي شهد صفّين مع عليّ فآمنه معاوية وكتب إلى زياد: إنّي قد عرفت زلّته وغفرتها له لحلفه أبا سفيان، فدعاه زياد إلى ولاية بيت المال فأبى، فقال له زياد: أتتأبى عليّ وقد سفكت الدماء مع علي بن أبي طالب؟! فقال: يا زياد: أتقول هذا فو الله إن كنت لمنتفيا من الأب الذي صرت إليه منسوبا إلى الأب الذي انتفيت منه وأنت تسفك الدماء معه وتجبي الخراج إليه، وأنت يومئذ خير منك اليوم، فضربه زياد مائة سوط وحلق رأسه ولحيته، فكتب إليه معاوية كتابا غليظا يقول فيه: لهممت أن أوجّه إليك من يقتصّ له منك، فأوفد الجموح إليه فأظهر كرامته، وأنشده الجموح: معاوي انّ الله فوق سمائه … وإنّك ذو ذنب ولا يؤمن الذنب سطا ببني عاد فلم يبق منهم … بقايا ولا عين لعاد ولا شرب وإنّ زيادا موعب في أديمكم … وشائمكم والشؤم أعظمه الخطب وتارككم في لعنة بعد لعنة … وداء الصحاح أن تقارفها (¬١) الجرب فو الله ما ينهى زيادا وغيّه … سوى أن تقول لا زياد ولا حربفقال معاوية: قل ما شئت فإنّك حليف أبي سفيان، ودعا له بخلعة قد لبسها فكساه أيّاها وقال: امش مشيتك في قريش، وأعطاه مخصرة فقال: اختصر بها. وحدثني إبراهيم بن الحسن العلاف حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن الشعبي أنّ زيادا أهدى إلى عائشة وأمّ سلمة وصفيّة هديّة، وفضّل عائشة بفسطاط، وأمر رسوله أن يعتذر إلى أمّ سلمة وصفيّة من تفضيل عائشة عليهما، فقالتا: لقد آثرها علينا من كانت أثرته أشد علينا من أثرة زياد. المدائني عن عبد الله بن المبارك عن داود بن عبد الرحمن أنّ زيادا كتب إلى معاوية: إنّي أشكو إليك ما ألقى من سفهاء قريش، فكتب إليه: كتبت تشكو ما تلقى من سفهاء قريش، فأصبر فإنّ حلماءها صبروا عليك حتّى وضعوك بهذا الموضع. المدائني قال: حصب زياد على منبر الكوفة فأمر بالأبواب فمنعت، وجلس وعرض الناس عليه، فمن حلف تركه ومن أبى قطع يده، فقطع يومئذ ثمانين يدا. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: كان زياد إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيّام ثمّ دعا به، فإن رأى أن يعاقبه عاقبه ثمّ قال: لم يمنعني من عقوبته إلا مخافة أن أكون إنّما عاقبته للغضب. حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن القاسم بن النضر العبسي عن أبيه عن عمّه قال: أرسل إلينا زياد لنلعن عليّا ونبرأ منه، فإنّا لمجتمعون إذ أغفيت إغفاءة، فرأيت رجلا أسود فراعني فقلت له: من أنت؟فقال: أنا النقّاد ذو الرقبة، أرسلت إلى هذا الشاتم صاحب الرحبة، فأتانا رسول زياد فقال: انصرفوا فإنّ الأمير عليل، فعرضت له الأكلة فمات بعد ثلاثة أيام، فقلت: ما كان منتهيا عمّا أراد بنا … حتّى أتيح له النقّاد ذو الرقبة فجلّل الرأس منه ضربة عجلا … لمّا تناول بغيا صاحب الرحبة المدائني قال: وفد زياد إلى معاوية بأهل المصرين واشتعل الطاعون بالكوفة، فقال له معاوية: أقم عندنا، فأقام ثلاثة أشهر، ثمّ قال له: ما جاءك عن بلادك يا أبا المغيرة؟ قال: ارتفاع الطاعون، قال: قد بلغني ذاك فإن شئت فسر، فلمّا قدم الكوفة توفي بعد قليل من مقدمه. قالوا: وكان زياد كتب إلى معاوية مع الهيثم بن الأسود: إنّي قد أحكمت أمر العراق وضبطته بشمالي، ويميني فارغة - أو قال: بيميني، وشمالي فارغة - فولّني الحجاز واشغلها به، فبلغ ذلك ابن عمر فاستقبل القبلة فقال: اللهمّ اشغله عنّا، فما أتى له من مقدمه عشرون ليلة حتّى طعن في خنصره؛ ويقال إنّه قال: اللهمّ إنّ في القتل كفارة لمن تشاء من خلقك، وإنّي اسألك لابن سميّة موتا لا قتلا، فخرجت في إصبعه بثرة فما أتت عليه جمعة حتّى مات؛ ويقال لم تأت عليه ثلاثون ساعة. وقال عبد الله بن مطيع: يا أهل المدينة اكتبوا كتابا إلى معاوية بالاستعفاء من زياد ومن ولايته، واكتبوا كتابا إلى زياد، فإذا أكب عليه ليقرأه ضربت عنقه، فقال ابن الزبير: أنّ الرجل ليبذل دمه في صلاح عشيرته.حدثني الأعين حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين عن سفيان عن يونس عن الحسن قال: بلغ الحسن بن عليّ أنّ زيادا يتبع شيعة عليّ فيقتلهم، فقال: اللهمّ تفرّد بموته فإنّ في القتل كفارة. المدائني قال: قدم الهيثم بن الأسود بولاية زياد الحجاز، فقيل له قدم الهيثم بعهدك على الحجاز، فقال: لشربة ماء بارد أجد طعمها أحبّ إليّ ممّا قدم به الأسود، ولم يلبث أن مات. قالوا: وكان زياد لا يقطع أمرا دون شريح، فقال له: يا أبا أميّة ما ترى في قطع إصبعي؟ قال: سل أهل الطبّ، فبعث إلى دينار مولى أبي بكر بن وائل، فقال له: أين تجد الألم؟ قال: في قلبي، قال: عش سويّا ومت سويّا ولا تمثّل بنفسك؛ وقال أبو بكر بن عيّاش: الذي أشار عليه أن لا يقطع يده أبو جهيم مالك الأسدي الطبيب. قالوا: وخرج شريح من عند زياد، فسأله مسروق بن الأجدع والمسيّب بن نجبة وسليمان بن صرد، وعروة بن المغيرة، وخالد بن عرفطة، وأبو بردة بن أبي موسى: كيف تركت زيادا؟ قال: تركته يأمر وينهى، عنى شريح أنّه يأمر بالوصيّة والكفن وينهى عن النوح والبكاء. وحدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن كناسة وعوانة، قال: لما شاور زياد شريحا في قطع اصبعه قال له: إن كان الأجل قد حضرك لقيت الله وقد قطعت يدك فرارا من لقائه، وإن كان الأجل متأخرّا عشت أجذم فعيّر بذلك ولدّك، فلم يلبث أن مات.وقال له ابنه: لقد هيّأت لكفنك ستّين ثوبا، فقال: يا بنيّ قد دنا من أبيك لباس خير من هذا وسلب لا خير معه؛ وكان موت زياد بالكوفة. وكان سليم مولى زياد على ديوان خراجه، فقال لشريح: أشر على الأمير بالوصيّة فإنّه لا يخالفك، ففعل، فقال له زياد: من سألك أن تكلّمني في الوصيّة؟ فقال: سليم، فقال: أما انّه غير متّهم في وصيّة (¬١) ولا شفعة، فكتب وصيّته في ثلاث نسخ، فدفع نسخة إلى شريح ونسخة إلى سليم، وأخرى إلى أمّ ولده. واستخلف عبد الله بن خالد بن أسيد على الكوفة، وأقرّ سمرة على البصرة، ويقال إنّه استخلف عبد الله عليهما جميعا إلى أن يرى معاوية رأيه. وكثر بكاء الناس رجالهم ونسائهم عليه، فلمّا وضع ليصلّى عليه تقدّم عبيد الله بن زياد ليصلّي عليه، فأخذ مهران بمنكبيه وقال: وراءك؛ وقال شريح لعبيد الله: الأمير غيرك، وقدّما عبد الله بن خالد فصلّى عليه، ووجد عبيد الله على مهران فأضرّ به حين ولي. وقال عبد الله بن خالد لشريح وسليم: بماذا تأمرانني؟ قالا له: أنت الأمير فانزل القصر، فنزله، وقال معاوية حين بلغه خبره: لا والله ولا على عجم أحد المصرين، فتركه سنة ثمّ بعث إليه: إن شئت حاسبناك وأعطيناك ألف ألف درهم، وإن شئت فلا محاسبة ولا جائزة، فدعا خالدا وأميّة ابنيه فقال:ما تريان؟ قالا: قد أخذنا لك عشرين ألف ألف فلا ترد محاسبة ولا جائزة، فعزله وولّى الضحّاك بن قيس الكندي الكوفة. حدثني هشام بن عمّار عن الوليد بن مسلم قال: كان زياد عند معاوية وقد وقع الطاعون بالعراق، فقال له: انّي أخاف عليك يا أبا المغيرة عبر الطاعون، فلمّا صار إلى العراق طعن فمكث شهرا ثمّ مات. قالوا: وكان موت زياد في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وهو ابن خمس وستّين سنة. وحدثني الحرمازي عن العتبي قال: كانت وصيّة زياد: هذا ما أوصى به زياد بن أبي سفيان حين أتاه من أمر الله ما لا ينظر، ورأى من قدرته ما لا ينكر، أوصى أنّه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من عرف ربّه وخاف ذنبه، وأن محمّدا عبده ورسوله، أرسله إمام هدى صدّق به من قبله وهدى به من بعده ﷺ، وأوصى أمير المؤمنين وجماعة المسلمين بتقوى الله حق تقاته، وأن لا يموتوا إلا وهم مسلمون، ولا يراهم حيث نهاهم ولا يفقدهم أثرهم، وأن يتعهّدوا كبير أمورهم وصغيره، فإنّ الله جعل لعباده عقولا عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته، ولله النعمة على المحسن، والحجّة على المسيء، فما أحقّ من تمّت به نعمة الله عليه في نفسه ورأى العبرة بأن يضع الدنيا حيث وضعها الله، فيعطي ما عليه فيها، ولا يتكثّر بما ليس له منها، فإنّ الدنيا دار زوال لا سبيل إلى بقائها، وأحذرّكم الذي حذّركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخّرت العجزة حتّى صاروا إلىالحسرة والندامة ولم يقدروا على الأوبة، وقد وليت فلانا وفلانا أمر تركتي فإن يحسنا أو يسيئا فالله وأمير المؤمنين من ورائهم، وكفى بالله شهيدا. حدثنا خلف بن هشام البزار عن أبي بكر بن عيّاش عن أبي إسحاق أنّه قال: والله ما رأينا بعد زياد مثله؛ فتعجّبنا من يمينه، وقد رأى عمر بن عبد العزيز فلم يستثنه. وحدّثت عن سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبي عن قبيصة بن جابر قال: ما رأيت رجلا أخصب جليسا ولا أشبه سريرة بعلانية من زياد. وقال معاوية حين بلغه موت زياد: أفردت سهما في الكنانة واحدا … سيرمى به أو يكسر السهم كاسره حدثني عمرو بن محمّد حدثنا أبو نعيم عن موسى بن قيس عن سلمة بن كهيل قال: أوّل من وطيء على صماخ الإسلام زياد. وأوصى زياد أن يدفن عند أبي موسى الأشعري، وقبره عند دكّان عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب، وهو عند منقطع البيوت بالكوفة. وحدثني الأثرم عن ابن الكلبي عن أبي عبيدة أنّ زيادا ولّى عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة فارس، ووهب له ابنة جوانبوذان بن المكعبر. فولدت له الحارث بن عبد الله، ولمّا مات زياد استخلفه على الكوفة وهو صلى عليه. وقال المدائني: كتب زياد إلى معاوية بن أبي سفيان: إنّ الأنفس يغدى عليها ويراح، وأخاف أن يحدث بي حدث ولا أجد أحدا أوليّه ما قبلي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يوجّه إليّ رجلا من قريش له بيت وموضع ودين فيكونعندي، فإن حدث بي حدث ولّيته، فكتب إليه: سمّ لي رجلا، فسمّى له عبد الله بن خالد، فوجّهه إليه فولاه أردشير خرّه، وزوّج ابنته أميّة بن عبد الله. المدائني قال: قصّر عبد الله بن خالد بن أسيد بعمر بن سعد فشكاه إلى معاوية، فقال معاوية: لقد وجدته أحضر صلالا (¬١)، قال: أما والله لو جريت وهو على السواء ما نزل بذلك المنزل، ولكّنه قهرني بسلطانه، وخرج فأتبعه معاوية بصره وقال: ما في الأرض قرشي كنت أحبّ أنّ أمّي ولدته غيره. وقال المدائني وغيره: أوّل من قدم بنعي زياد إلى البصرة مسعود بن عمرو، فقال حارثة بن بدر الغداني وكان صديق زياد: لقد جاء مسعود أخو الأزد غدوة … بداهية شنعاء باد حجولها من الشرّ ظلّ القوم فيها كأنّهم … وقد جاء بالأخبار من لا يحيلها ألم تر أنّ الأرض أصبح خاشعا … لفقد زياد حزنها وسهولها قضى أجل الدنيا وغادر أمّة … به شفيت أضغانها وذحولها وحذّرها ما يتّقى من أمورها … وقوّمها حتّى استقام سبيلها وأبرأ مرضاها وأقسط بينها … فبان وقد فاءت إليها عقولها في أبيات؛ وقال أيضا: صلّى الإله على ميت وطهّره … دون الثويّة تسفي فوقه المور زفّت إليه قريش نعش سيّدها … ففيه ضافي الندى والحزم والخيرأبا المغيرة والدنيا مفجّعة … وإنّ من غرّت الدنيا لمغرور قد كان عندك للمعروف معرفة … وكان عندك للنكراء تنكير ولا تلين إذا عوسرت مقتسرا … وكلّ أمرك ما يوسرت ميسور لم يعرف الناس مذ ووريت سنّتهم … ولم يجلّ ظلاما عنهم نور وقال أيضا: صلّى الإله على ميت وطهّره … دون الثويّة لم نشهد له جننا من آل حرب بها لاقى منيّته … فغيّب الحزم ذاك اليوم إذ دفنا أبا المغيرة والدّنيا مفجّعة … من ذا الذي لم يجرّع مرّة حزنا قالوا: ومات زياد وما يملك الاّ أقلّ من عشرة آلاف درهم، ولم يترك من الكسوة غير قميصين وإزارين وسراويلين، وكان يقول: ما دام سلطاننا فالدنيا كلّها لنا، فإذا زال عنّا فالذي يجزينا من الدنيا أقلّها. وقال مسكين الدارمي: رأيت زيادة الإسلام ولّت … جهارا حين ودّعنا زياد (¬١) وقال الفرزدق: أمسكين أبكى الله عينيك إنّما … جرى في ضلال دمعها فتحدّرا بكيت امرءا من أهل ميسان أمّه … ككسرى على عدّانه أو كقيصرا أقول له لمّا أتاني نعيّه … به لا بظبي بالصريمة أعفرا (¬٢)فقال مسكين: ألا أيّها المرء الذي لست ناطقا … ولا قاعدا في القوم إلاّ انبرى ليا فجئني بعمّ مثل عمّي أو أب … كمثل أبي أو خال صدق كخاليا (¬١) وقال الفرزدق: أبلغ زيادا إذا لاقيت مصرعه … أنّ الحمامة قد طارت من الحرم طارت فما زال تنميها قوادمها … حتى استقامت إلى الأنهار والأجم (¬٢) وقال أيضا: كيف تراني قالبا مجنّي … أقلب أمري ظهره للبطن قد قتل الله زيادا عنّي (¬٣) … قالوا: ووفد عبيد الله بن زياد إلى معاوية فسأله ان يوليّه، فقال له: لو كان فيك خير لولاّك أخي، فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن يقول الناس لو علم أبوك وعمّك فيك خيرا لولّياك، ثمّ ولاّه البصرة حتّى شكاه عبد الله بن عمرو لقطعه رجلا من بني ضبّة على شبهة. وكان الحجّاج بن علاط ادّعى مولى لبني مخزوم، وذكر أنّه أتى أمّه في الجاهليّة، فقضى به معاوية لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكانت الخصومة فيه بين نصر بن الحجّاج وبين عبد الرحمن بن خالد، وقال نصر بن الحجّاج:إليك أمير المؤمنين رحلتها … لأمر أشاب الرأس منّي وأنصبا معاوي إلاّ تعطنا الحقّ ننتصر … بأسيافنا والشرّ لم يك ترتبا في أبيات، وسنذكر الخبر في نسب بني مخزوم، وكان عبيد الله بن رياح الذي اختصما فيه رجلا ظريفا، وقد نادم يزيد بن معاوية، وفيه يقول: لهان علينا أن تبيتي مناخة … على الخسف يا بختيّة ابن رياح